ماكرون وترمب يسعيان لطي صفحة الخلاف بشأن بناء جيش أوروبي

علاقتهما الشخصية قوية وخلافاتهما عميقة وحقيقة

ماكرون وترمب سعيا أمس إلى «ترطيب الأجواء» (أ.ب)
ماكرون وترمب سعيا أمس إلى «ترطيب الأجواء» (أ.ب)
TT

ماكرون وترمب يسعيان لطي صفحة الخلاف بشأن بناء جيش أوروبي

ماكرون وترمب سعيا أمس إلى «ترطيب الأجواء» (أ.ب)
ماكرون وترمب سعيا أمس إلى «ترطيب الأجواء» (أ.ب)

لم يكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بادي الارتياح عندما نزل من سيارته المصفحة في باحة القصر الرئاسي الفرنسي نحو الساعة الحادية عشرة، وقد اصطف الحرس الجمهوري لتأدية التحية له. كذلك كان معقود الحاجبين داخل القصر وهو إلى جانب الرئيس إيمانويل ماكرون الذي ما انفك يلامسه، كلما سنحت له الفرصة، إن عندما استقبله في الخارج لدى نزوله من السيارة ووقوفه أمام المصورين، أو في الصالون الرئاسي الذي يغلب عليه اللون الذهبي.
وبعكس ما عودنا عليه هذان الرئيسان لدى لقاءاتهما السابقة، أكانت في باريس الصيف الماضي عندما جاء ترمب ضيف شرف لحضور العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني الفرنسي، أو في واشنطن لدى زيارة الدولة التي قام بها ماكرون في الربيع إلى العاصمة الأميركية، أو لقاءاتهما في عواصم ومدن أخرى، فبين هذين الرجلين، رغم العلاقات الشخصية القوية، خلافات حقيقية وعميقة تبدأ بملف البيئة ولا تنتهي مع التباعد بشأن الملف النووي الإيراني، حيث إن باريس تقود الفريق الأوروبي الرافض والمناهض لسياسة ترمب وللخروج من الاتفاق النووي وفرض عقوبات على طهران.
جوهر «العتب» الأميركي هذه المرة مختلف وسببه تصريحات أدلى بها الرئيس الفرنسي في مقابلة إذاعية يوم الثلاثاء الماضي، وفيها أشار إلى التهديدات التي تحوم فوض أوروبا وحاجتها إلى بناء «جيش قوي حقيقي» للدفاع عن أمنها. وفي تصريحات ماكرون وردت جملة أثارت حنق ترمب، الذي لم يتردد في الرد عليها قبل هبوط طائرته في مطار أورلي. قال ماكرون: «لن نستطيع توفير الحماية لأوروبا إذا لم نبن جيشاً أوروبياً حقيقياً»، مضيفاً أنه «يتعين علينا أن نحمي أنفسنا إزاء الصين وروسيا وحتى الولايات المتحدة الأميركية». واستطرد ماكرون، بصدد التهديد الثالث، مشيراً إلى عزم إدارة ترمب الخروج من معاهدة نزع الصواريخ النووية متوسطة المدى المبرمة في ثمانينات القرن الماضي مع الاتحاد السوفياتي، بحجة أن روسيا لم تعد تلتزم بها. وجاء رد ترمب عنيفاً، إذ اعتبر تصريحات ماكرون «مهينة جداً» لبلاده. وجاء في تغريدة لترمب مساء الجمعة ما حرفيته: «الرئيس ماكرون أشار إلى أنه يتعين على أوروبا أن تبني جيشها الخاص من أجل أن تحمي نفسها من الولايات المتحدة والصين وروسيا». وزاد في تغريدته: «هذا شيء مهين جداً، وربما يتعين على أوروبا أولاً أن تدفع ما يتوجب عليها للحلف الأطلسي الذي تموله الولايات المتحدة بنسبة كبيرة».
حقيقة الأمر أن جملة ماكرون موضع الخلاف أُخرجت من سياقها، بحيث إنها فهمت أن الولايات المتحدة «تهدد» أوروبا، وهي في ذلك في صف الصين أو روسيا، وهو بالطبع ما لم يعنه ماكرون. وخطأ القصر الرئاسي أنه لم يسارع إلى تصحيح الخطأ، وتوضيح المقصود من كلام الرئيس الفرنسي الذي أكثر من تصريحاته الخاصة بالداخل والخارج في الأسبوع المنتهي. ولم يستفق مستشارو الرئيس من غفوتهم إلا بعد ظهر أمس، أي بعد أن حصل ما قد حصل من توتر فرنسي ــ أميركي فاض عن الموضوعات الخلافية المعروفة، والمشار إليها سابقاً.
كان هم ماكرون، الذي لم يأت بجديد بشأن الدفاع الأوروبي وسبق أن شدد عليه في أكثر من مناسبة أشهرها خطابه في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي في جامعة السوربون، أن يبدد سوء الفهم مع ترمب بأن يعاود التقرب منه حسياً (جسدياً) وسياسياً منذ الكلمات الأولى التي قالها داخل القصر، وقبل بداية جلسة المحادثات من قسمين: مغلق ثم مع الوزراء والمستشارين. وذهب ماكرون بعد الترحيب الحار بضيفه الأميركي والإشارة إلى «الصداقة التقليدية» بين البلدين، التي هي «الأقدم في العالم»، إلى تبني جزء من مطالب ترمب الخاصة بدفع الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف الأطلسي إلى زيادة مساهماتها المالية وهي «لازمة» في كافة خطب ترمب عن الحلف. وقال ماكرون: «أشاطر الرئيس ترمب رأيه في أنه يتعين على أوروبا أن تتقاسم أعباء الدفاع (داخل الحلف الأطلسي)». وأضاف لاحقاً: «ليس من العدل أن يكون أمن أوروبا من مسؤولية الولايات المتحدة وحدها... وأعتقد أنه علينا تعزيز إمكانات أوروبا ودفاعها بحيث نكون قادرين على تحمل جزء كبير من الأعباء كما قال الرئيس ترمب». ولم يتأخر الأخير عن الإشادة بطرح ماكرون، مضيفاً أن بلاده «تريد أوروبا قوية وهذا مهم للغاية». لكنه استدرك بالإشارة إلى أنه يتعين عليها أن تكون «مقاربتها عادلة»، وتتقاسم الأعباء، لأن أميركا لا تستطيع كل شيء، و«أقررنا ميزانية (دفاعية) من 750 مليار دولار... نحن نقوم بجهود، وعلى الكثير من الدول القيام بجهود أيضاً». وتطالب واشنطن بأن تكرس الدول الأوروبية 2 في المائة من دخلها الخام للمسائل الدفاعية، وهو غير متوفر في الوقت الحاضر. والخلاصة أن ماكرون وترمب سعيا إلى «ترطيب الأجواء»، حيث قام كل منهما بخطوة تجاه الآخر: الأول من خلال «تبني» مطالب الرئيس الأميركي، والثاني من خلال التأكيد على «علاقة الصداقة» التي تربطهما والتعاون بينهما بشأن الكثير من «الملفات»، ومنها سوريا والإرهاب، متلافياً الإشارة إلى الملفين الإيراني أو المناخي، أو نزعة واشنطن إلى اتخاذ قرارات أحادية وفرضها على شركائها.
كان ترمب المسؤول الوحيد الذي استقبله ماكرون أمس على انفراد، وكرَّمه مع زوجته بغداء رسمي في قصر الإليزيه، إضافة إلى حضوره حفل العشاء مساء في متحف «أورسي» وغداءً موسعاً اليوم مع كبار الضيوف الآخرين في القصر الرئاسي. وأشارت مصادر فرنسية إلى أن باريس وواشنطن، رغم اختلافهما بشأن الكثير من الملفات، «راغبتان في العمل معاً». وفي كلمته التي سبقت المباحثات، أشار ماكرون إلى الملف السوري وجديده أن العاصمتين تتبنيان اليوم، وفق هذه المصادر، المقاربة نفسها، لا بل إن ترمب كلف ماكرون أن يكون «الناطق» باسمه في القمة الرباعية التي جرت في إسطنبول حول سوريا أواخر الشهر الماضي، التي ضمت روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا. وترى باريس في «انخراط» واشنطن في الملف السوري «ضمانة» لعدم تفرد روسيا وإيران به، كما ترى في «الأهداف» الأميركية من بقاء قواتها ميدانياً (دحر «داعش» واحتواء النفوذ الإيراني المباشر أو بالواسطة والوصول إلى حل سياسي مقبول) تطابقاً مع الرؤية الفرنسية. وتتفق العاصمتان أن لا مشاركة في إعادة إعمار سوريا من غير «انتقال سياسي» لم يحدد أحد مضامينه بدقة. وكانت مواضيع محاربة الإرهاب وحرب اليمن والتجارة وأفريقيا والتعاون العسكري حاضرة أمس على طاولة المحادثات. ورسمياً، لم تكن لترمب لقاءات ثنائية أخرى، ويفترض أن يلتقي الرئيس التركي اليوم «إذا سنحت الفرصة» وفق الرئاسة التركية. أما اللقاء الموعود مع الرئيس بوتين، فيبدو أنه سيتحول إلى لقاء «جانبي» عرضي، لأن الرئيسين سيكونان معاً في احتفال مئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى تحت «قوس النصر» صباحاً، كما في غداء الإليزيه. ولن يشارك ترمب في «منتدى السلام» بعكس الرئيس الروسي والكثير من القادة الحاضرين.


مقالات ذات صلة

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

أوروبا الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

ليس توقيف الأمير أندرو، المرة الأولى التي تمرّ فيها النسخة الحالية من الملكية البريطانية، أسرة وندسور، بأزمة خلال القرن الماضي تهدّد مستقبل المؤسسة العريقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زجاجة تحتوي على رسائل بداخلها في كوندينغوب بأستراليا (أ.ب)

بعد 100 عام... العثور على رسائل في زجاجة من جنديين خاضا الحرب العالمية الأولى

عُثر على رسائل في زجاجة كتبها جنديان أستراليان عام 1916، بعد أكثر من قرن، على الساحل الجنوبي الغربي للبلاد.

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)
يوميات الشرق سفينة مستشفى تغرق في ساعة وقطعها تنجو بعد قرن (أ.ف.ب)

قطع نادرة من شقيقة «تايتانيك» تخرج من «قبرها» البحري بعد 109 أعوام

تمكّن غوّاصون من استرجاع قطع أثرية من سفينة «بريتانيك»، الشقيقة لسفينة «تايتانيك» المشؤومة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من قرن على غرقها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا موقع «يونيفيل» في قرية مركبا بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان (رويترز)

مَن سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟

من سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟... تساءل المحلل الأميركي جيمس هولمز عما إذا كان القانون الدولي ما زال سارياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954 (ذا أثلتيك)

​كيف فازت ألمانيا الغربية بكأس العالم 1954؟

من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954

The Athletic (برلين)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.