لبنان: الحقائب الوزارية... مغانم فوق القانون

باتت تُصنّف بين «سيادية» و«وازنة» و«خدماتية»... ووزارات «دولة»

لبنان: الحقائب الوزارية... مغانم فوق القانون
TT

لبنان: الحقائب الوزارية... مغانم فوق القانون

لبنان: الحقائب الوزارية... مغانم فوق القانون

تكرّس المناقشات لتشكيل الحكومة اللبنانية الحالية، أعرافاً طارئة سرت منذ حكومة عام 2005، تقوم على تقسيم الوزارات إلى أربع فئات، وتوزّعها على الطوائف وممثليها من القوى السياسية الكبرى. وفي حين يصار إلى الالتزام بـ«المناصفة» (المسيحية الإسلامية) عند توزيع الحصص الوزارية، يشتعل الصراع على الوزارات «الخدماتية» والوزارات «الوازنة» تستحوذ على أكبر نسب إنفاق من الموازنة المالية العامة، وتتمتع - في هذا الظرف أو ذاك - بأهمية سياسية بالغة بالنظر إلى حساسيتها. وهذا، مثلاً، هو حال وزارة العدل التي يصرّ الرئيس اللبناني ميشال عون على أن تكون من حصته مرة ثانية، بحسب ما تقول مصادره لـ«الشرق الأوسط». ويتحدث أعضاء في «التيار الوطني الحرّ» (أو «التيار العوني»، الذي أسسه عون وتزعمه حتى تولّيه الرئاسة) عن أن تمسّكه بها يهدف إلى «استكمال مشروع مكافحة الفساد الذي التزم به الرئيس»، و«لأننا مقبلون على ورشة إصلاحية».

تقسيم أو تصنيف الوزارات في لبنان بين «حقائب سيادية» وحقائب «وازنة» و«خدماتية» و«وزارات دولة»، غير موجود دستورياً، إلا أنه بات عرفاً كرسته الممارسة في عمليات تشكيل الحكومات الأخيرة.
في هذا، يرى بعضهم تعزيزاً لأسس النظام السياسي اللبناني القائم على ما يُسمّى «الديمقراطية التوافقية»، ويكرّس تقاسم السلطة بين الطوائف والأقطاب السياسية، بحيث لا يلغي طرفٌ الطرف الآخر، كما يمنح كل الأقطاب قدراً من التمكين السياسي عبر التوزيع للوزارات، يخضع أحياناً لمبدأ المداورة.
غير أن خبراء مشاركين في جلسات «اتفاق الطائف» يرون أن تصنيف الوزارات «خلل بنيوي بالنظرة إلى تطبيق النظام الديمقراطي، ويعاني من انتقاص في حسّ المسؤولية»، وهذا ما يراه النائب والوزير السابق إدمون رزق، مشدّداً على أن «الشراكة يجب أن تكون وحدة المشروع وحسّ المسؤولية، لأن البلد في وضع متردٍّ وهم (أي كبار الساسة) يبحثون عن حصص وتحاصص». وفي حين لا ينفي خبراء أن دور الوزارات «الوازنة»، كما باتت تعرف: «قد يصل إلى تغيير موازين قوى كتل نيابية بأكملها»، يقول النائب ماريو عون عضو «تكتل لبنان القوي» (الذي يتسيّده تيار رئيس الجمهورية) لـ«الشرق الأوسط» موضحاً موقف فريقه السياسي «إننا كنا نتمنى لو أن كل الوزارات تكون عرضة للتغيير، ولا تكون حصرية أو ملكية لفريق دون آخر».
في حكومة تتألف من 30 وزيراً، يرأسها رئيس من الطائفة السنّيّة، يبلغ عدد الحقائب الموصوفة بـ«السيادية» 4 حقائب، كما يبلغ عدد الحقائب «الوازنة» 6. أما الحقائب «الخدماتية» فيبلغ عددها 11 حقيبة، تتنوع من حيث الأهمية تبعاً لميزانيتها السنوية، بينما يبلغ عدد «وزراء الدولة» من - أي الوزراء من دون حقيبة - 8، وهو التقسيم الذي انطبق على الحكومة الحريرية الأخيرة.

- تصنيف الحقائب
ينطلق الصراع على الحقائب «الوازنة» أساساً من كونها وزارات «خدماتية»، ولكونها تسهم إلى حد كبير في تجيير مقدم الخدمات للناخبين، كما يقول خبراء. ومع أن بعضها، مثل وزارة الاتصالات، لا يستحوذ على كمية كبيرة من إنفاق الموازنة، فإنها تُعد وزارة أساسية لأنها تدرّ أموالاً طائلة على الخزينة، ومسؤولة عن إدارة الشركات التي تستثمر في القطاعات من الدولة. في حين تُعد وزارات أخرى مهمة بالنظر إلى أن حجم الإنفاق فيها مرتفع جداً، مثل وزارة التربية التي تحتل الموقع الثاني بين الوزارات الأكثر إنفاقاً بعد وزارة الدفاع. وتليها وزارات الصحة، ثم الأشغال العامة، ثم العدل، فالطاقة، مع الإشارة إلى أن هذه الأخيرة، وعبر مؤسسة كهرباء لبنان، تعد من أكثر القطاعات عبئاً على الخزينة. ولا ينفي خبراء أن دور الوزارات «الوازنة» المتنافس عليها «قد يصل إلى تغيير موازين قوى كتل نيابية بأكملها».
مع هذا، يؤكد أستاذ القانون الدستوري ربيع قيس أن «القانون اللبناني لا يفضل وزارة على أخرى»، لافتاً إلى أن هذا التصنيف بين حقائب سيادية وحقائب خدماتية درجة أولى أو ثانية وغيرها «لا محلَّ قانونياً له، وبات موجوداً بعد اتفاق الطائف، بالنظر إلى أنه قبل اتفاق الطائف لم تكن الوزارات محصورة بأي طائفة».
ويشدد قيس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن تطبيق هذا التقسيم «سياسي ولا يعكس روح الطائف ولا روح الدستور، بدليل أنه حتى بعد اتفاق الطائف حصلت بعض الخروق، مثل تسليم وزير من طائفة الكاثوليك حقيبة سيادية». ويوضح قيس أن ما ينصّ عليه الدستور والميثاق «محصورٌ بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وتسمية الطوائف التي يتحدر منها الرؤساء الثلاثة (الجمهورية للموارنة، والمجلس النيابي للشيعة، ورئاسة الحكومة للسنة)، كما يتحدث عن المناصفة في وظائف الدرجة الأولى». وهنا، نشير إلى أن وزير الخارجية جبران باسيل كان قد تحدّث عن هذا المبدأ في مقابلة تلفزيونية مؤخراً، فقال إنه مع مبدأ المداورة في الحقائب السيادية، وتوسيع الحكومات لتشمل طوائف أخرى غير ممثلة في الحكومات المتعاقبة مثل طائفتي السريان والعلويين.
بدوره، يعطي إدمون رزق، القانوني والنائب والوزير السابق، الذي كان أحد المشاركين في مباحثات «اتفاق الطائف»، التصنيف، أبعاداً تتخطّى الجانب القانوني. إذ يُعرب رزق عن اعتقاده أن هناك «ضلالاً مبيناً بالنسبة لتعاطي السياسيين مع شؤون الحكم وعدم النية والجدية في النظر إلى المصلحة العامة». ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «عندما كنا في الطائف، توصلنا، على سبيل الوفاق الوطني، إلى وضع أسس للشراكة الوطنية وليس المحاصصة المذهبية والطائفية المموّهة لاصطفافات سياسية. أما اليوم فالخلل البنيوي هو في النظرة إلى المسؤولية الوطنية، تلك التي لا تصنِّف ولا تُصنف ولا تحاصِص». وتابع: «مجلس الوزراء مجتمعاً هو يتحمل المسؤولية السياسية. إذن، كل وزير في أي موقع كان، له الحدّ المتساوي من السيادية مع أي وزارة ثانية»، لافتاً إلى أن «تصنيف الوزارات بين خدمية وتبعية وسيادية هو تصنيف مبتذل ودخيل على الدستور والمفهوم الديمقراطي، وهو خلل بنيوي في النظرة للمسؤولية وتحويلها إلى نوع من المحاصصة... كأنما السلطة غنيمة».
ويواصل رزق شرح قائلا: «أما التطييف فهو غير موجود إطلاقاً، ولم تجرِ أي تسويات أو تفاهمات حول توزيع الوزارات على الطوائف والمذاهب»، ومشدداً على أنه «يجب الاحتكام إلى المادة 95 من الدستور التي وضعنا فيها أسس العبور للمواطنة»، مؤكداً أن «المقياس الوحيد للوظائف هو الكفاءة والاختصاص... بينما البحث في توزيع طائفي للوزارات دخيل على الدستور واتفاق الطائف ويدخل ضمن التلاعب السياسي المموه».
وبعد أن يقول: «هذا التصنيف، فضلاً عن أنه غير قانوني، هو لا أخلاقي ولا ديمقراطي. هو مفهوم تخلفي للسلطة وهو من رواسب الرجعية السياسية»، يضيف النائب والوزير السابق أن أطرافاً سياسية «تبحث عن الألقاب، وهو ما ضاعف عدد الوزراء إلى 30 وزيراً. لبنان عرف حكومات من 4 و6 و8 وزراء. وبعد اتفاق الطائف، كنا في حكومة تألفت من 14 وزيراً. كل وزير كان يحمل أكثر من حقيبة... وفي العالم هناك توجه لتقليل عدد الوزراء».

- بين «سيادية» و«وازنة»
تتقاسم الطوائف الأربع الكبرى في لبنان (الشيعة والسنة والمسيحيون الموارنة والمسيحيون الروم الأرثوذكس) الحقائب السيادية في الوزارات وهي: الداخلية التي يشغلها حالياً في «حكومة تصريف الأعمال» السنة ممثلين بوزير يمثل تيار المستقبل (نهاد المشنوق)، والخارجية التي يشغلها الآن الموارنة من حصة «التيار الوطني الحر» (جبران باسيل)، والمالية التي يشغلها الشيعة من حصة «حركة أمل» (علي حسن خليل)، والدفاع التي شغلها وزير أرثوذكسي من حصة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون (يعقوب الصرّاف). وعلى الرغم من المداورة بين الطوائف الأربع على تلك الحقائب في حكومات ما بعد الطائف، يتمسك رئيس البرلمان نبيه برّي بحقيبة وزارة المالية منذ حكومة الرئيس الأسبق تمام سلام، لكونها تعطي الطائفة الشيعية مشاركة في السلطة التنفيذية عبر توقيع وزير المالية الشيعي. ومن ثم، تكتسب هذه الحقائب «السيادية» الأربع أهميتها من كونها وزارات سياسية بالدرجة الأولى خلافاً للحقائب «الوازنة» أو «الخدماتية».
أما الحقائب «الوازنة»، فهي 6 حقائب، وتتضمّن الأشغال العامة والنقل، والطاقة والمياه، والاتصالات، والصحة، والعدل (العدلية)، والتربية والتعليم العالي. وتقسم هذه الحقائب مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بحيث يكون في الغالب حقيبة للسنة وأخرى للشيعة وأخرى للموحّدين الدروز، بينما تكون هناك حقيبة للموارنة، وأخرى للروم الأرثوذكس، وأخرى للروم الكاثوليك أو الأرمن الأرثوذكس. ويُخرق العرف في بعض الأحيان بحيث يمكن أن تحصل طائفة من تلك الطوائف السبع على حقيبتين موزّعتين لتكتلين برلمانيين مختلفين، وتلعب هنا الاتفاقات بين القوى السياسية دوراً في إحداث خرق.
وبعد المحاولات لتذليل عقد الحقائب «الوازنة»، تأتي الحقائب «الخدماتية»، وتتصدرها حقيبتا وزارتي الشؤون الاجتماعية والإعلام، الأولى تخصص لها الحكومة موازنة كبيرة أيضاً كوزارة خدماتية، والثانية تُعد حقيبة سياسية مهمة، وتخضع أيضاً لمنطق المحاصصة. وتتألف الحقائب «الخدماتية» إلى جانب الشؤون والإعلام، من وزارات السياحة، والبيئة، والاقتصاد والتجارة، والعمل، وشؤون المهجرين - والأخيرة تراجع دورها مع عودة القسم الأكبر من المهجرين بعد الحرب اللبنانية -، ثم هناك حقائب «خدماتية» من درجة أقل بالنظر إلى أن موازنتها في الحكومة لا تتخطى في معظمها عشرة ملايين دولار، وتتمثل في وزارات الثقافة، والزراعة، والصناعة، إضافة إلى وزارة الشباب والرياضة.
هذا، ويكتمل عدد الوزراء الـ30 بثمانية «وزراء دولة» من دون حقائب، ويعتبر دورهم تمثيلياً سياسياً (وطائفياً) بما يتخطى الدور الفعلي. وفي هذه الحكومة، بات هناك «وزارات» دولة لشؤون رئاسة الجمهورية، ولشؤون مجلس النواب، ولشؤون المرأة، ولشؤون مكافحة الفساد، وللتنمية الإدارية، ولشؤون النازحين (من سوريا تحديداً)، ولشؤون حقوق الإنسان ولشؤون التخطيط.

- معضلة التفاوض
ومع تقاسم الحقائب العشر الكبرى التي تتمثل بـ«السيادية» و«الوازنة» بين الطوائف والقوى السياسية، يصبح هامش المناورة لإرضاء أطراف سياسيين آخرين، أكثر ضيقاً. وهذه بالذات، هي المعضلة التي كانت تواجه الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري خلال الأسبوعين الأخيرين. إذ يمثل إصرار «التيار الوطني الحر» على الحصول على حقيبتين «وازنتين»، وإصرار تيار «المردة» على الحصول على حقيبة «وازنة»، معضلة أمام فرص الحريري لحل الخلافات، علما بأن تقاسم الحصص الذي اعتمد هو 10 وزراء لـ«الوطني الحر» ورئيس الجمهورية، و10 وزراء لـ«المستقبل» و«القوات اللبنانية»، و10 وزراء للثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار «المردة» والوزير الدرزي الثالث المتوافق عليه بين الجميع. وإزاء هذا التقاسم، يحصل كل تكتل من 10 وزراء على حقيبتين «وازنتين»، وهو ما يخلق مشكلة في حال بقي «المردة» مصرّاً على حقيبة «وازنة» (الأشغال العامة)، ما يعني أخذها من حصة «الاشتراكي» أو «القوات» بالنظر إلى أن «حزب الله» يطالب بحقيبة وزارة الصحة كحقيبة وازنة.

- الوزير السابق إدمون رزق: دور وزير العدل سياسي وإداري... وليس قضائياً
وزارة العدل (أو العدلية) الآن محل تجاذب لآخر بين الأطراف اللبنانية، وتمثل محور صراع بين القوتين المسيحيتين الأكبر، أي «التيار الوطني الحر» (التيار العوني) و«القوات اللبنانية». ومع أن هذه الوزارة ليست «خدماتية»، بل هي من الوزارات التي تثقل كاهل الدولة بالإنفاق عليها، فإن أهميتها تنطلق من كونها سياسية، ومن دورها ورمزيتها. ويشرح النائب والوزير السابق إدمون رزق ذلك بالتأكيد أن هذه الوزارة «هي من أهم الوزارات، لأنها المرجعية الإدارية للسلطة القضائية، ولا تمتلك إمرة على القضاء».
وتابع رزق، الذي سبق له تولي هذه الوزارة، أن وزير العدل ليس له أي سلطة على القضاء الذي يعد سلطة مستقلة، خلافاً لوزير الداخلية الذي يأمر الأجهزة الأمنية مثلاً والإدارات الرسمية الأخرى التابعة له. ولكن دور وزير العدل «دور سياسي وإداري، ويمثل الإدارة المسؤولة عن سلامة السلطة القضائية وعن استقلاليتها وحريتها... ومع أن أعمال السلطة القضائية غير خاضعة لإمرة وزير العدل، فالتفتيش القضائي هو من ضمن جسم القضاء، فإن وزير العدل يعطي أوامر للنيابات العامة للتحرك، مع الإشارة إلى أن النيابة العامة هي ليست قضاء حكم بل قضاء طلب، بمعنى أنها لا تحكم، بل تتخذ التدابير». وينهي شارحاً: «وزير العدل له صلاحيات إعطاء توجيهات للنيابة العامة، لكن لا صلاحية له للكلام مع أي قاض بأي دعوة».

- خلفيات الجدل حول وزارتي الأشغال والطاقة
تصدّرت حقيبة الأشغال العامة والنقل خلال عملية المساومات التقاسمية الإشكاليات الوزارية الجدلية في لبنان، بالنظر إلى الاتهامات الموجهة إليها بأنها حقيبة «خدماتية» يستفيد منها الفريق السياسي الذي يتولاها بتقديم خدمات ما قبل الانتخابات فتزيد من شعبيته. وفي المقابل، سيكون الطرف السياسي الذي يتولى هذه الحقيبة عرضة للمساءلة والاتهامات، ما يجعل توليها مغامرة، إلا إذا كانت المشروعات التي تنفذها تتسم بشفافية كبيرة.
تتوزّع وزارة الأشغال على 4 مديريات أساسية، هي «الطرق والمباني» التي يخصّص لها الحصة الأكبر من الميزانية وتحديداً للعمل على شق الطرقات وتعبيدها، و«التنظيم المدني» و«النقل البحري والبري» بالإضافة إلى «الطيران المدني» التي سبق أن صدر قرار بإلغائها على أن تُنشأ «هيئة عامة للطيران المدني» بدلا منها. لكن هذا الأمر لم يحدث، وبالتالي لا تزال الأولى هي التي تعمل.
ورغم أن أبرز المشروعات التي يفترض أن تقوم بها في هذا الوقت، هي ملء الشواغر في كل المديريات، وإنجاز الخطة الموضوعة للنقل المشترك منذ سنوات عدّة، إضافة إلى «خطة الأملاك البحرية» و«السكك الحديدية» التي يتطلب العمل عليها من نقطة الصفر، فإن التحديات التي تواجه ميزانية الحكومة بحكم الخطة الإصلاحية القائمة على مؤتمر «سيدر» لدعم لبنان، تحول دون ذلك، كما يتوقع متابعون.
وزارة «الطاقة والمياه»، تعد أيضاً موضع إشكالية جدلية، ذلك أن مشكلة الكهرباء التي كلفت الحكومة اللبنانية أكثر من 30 مليار دولار منذ تصاعدها في عقد التسعينات، ويتعرض أي فريق يتولاها لاتهامات بالفشل بسبب استمرار مشكلة انقطاع الكهرباء، إلا أن «التيار الوطني الحر» (التيار العوني) يتمسك بها، متباهياً بما يعتبرها «إنجازات» حققها فيها، أبرزها إنشاء 7 سدود، والسعي لحل أزمة الكهرباء عبر خطط مؤقتة وخطط دائمة أخرى مثل خطة بناء معامل للكهرباء. وراهناً يعتبر ملف الكهرباء من أبرز العقبات التي تواجه الحكومة، في ظل التجاذب فيها على طريقة توفير التيار الكهربائي. إذ عرضت وزارة الطاقة توفير الكهرباء بشكل مؤقت عبر استئجار بواخر لإنتاجها، ريثما تنتهي أعمال تأهيل وتطوير معامل الإنتاج، وهو ما أثار امتعاضا سياسيا من قوى، مثل «القوات اللبنانية»، طالبت بشفافية أكبر في التعاطي مع الملف، علما بأن وزارة الطاقة بعهدة «التيار الوطني الحر» وحلفائه منذ عام 2008، ولم تثمر كل الحلول المقترحة بإيجاد حل لأزمة انقطاع التيار الكهربائي، مع أن ملف الكهرباء يعتبر السبب الأول للعجز في ميزانية الدولة اللبنانية.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.