الجروح المتعمّدة لدى المراهقين

ممارسة الإيذاء البدني للتخلص من الضغوط النفسية

الجروح المتعمّدة لدى المراهقين
TT

الجروح المتعمّدة لدى المراهقين

الجروح المتعمّدة لدى المراهقين

تنتشر أحيانا بين المراهقين والأطفال الأكبر عمرا ظاهرة خطيرة وهي إحداث الجروح المتعمدة القطعية Cutting من دون النية للانتحار أو حتى مجرد محاولته. وربما يبدو الأمر غريبا بعض الشيء ولكن هو مجرد تعبير عن مشاعر التوتر والقلق أو الضيق والإحساس بالذنب في بعض الأحيان. وهذا شعور يتملك الجميع مراهقين وبالغين أيضا، ولكن البالغين يستطيعون السيطرة على مشاعرهم وعدم ترجمتها إلى الإيذاء البدني، وتوجد في كل الثقافات دائما عبارات تتردد على سبيل الدعابة تعبر عن رغبة الأشخاص في إحداث جروح أو كسور في الجسد نتيجة لارتكابهم خطأ ما. إلا أن هذه الدعابة تتحول لدى بعض المراهقين والأطفال إلى أمر واقع بالفعل ويقومون بتنفيذ تلك الأفكار.
- تصرفات خطيرة
تكمن خطورة هذه التصرفات في شيوعها بين المراهقين في الآونة الأخيرة حيث تشير الدراسات إلى أن هناك نسبة تبلغ ما بين 15 و20 في المائة من المراهقين قاموا بتجربة الإيذاء الذاتي Self - harm behavior على الأقل مرة واحدة وأكثر الفئات المهددة بالإقدام على مثل هذه المحاولات هي الفئة العمرية ابتداء من عمر 13 وحتى 15 عاما. وفي الغالب يتم الإيذاء عن طريق استخدام آلات حادة مثل الشفرات أو المقصات أو سكاكين الطعام في بعض الأحيان. وتكون الأماكن الأكثر عرضة للإصابة مناطق الذراع وأعلى الفخذ والبطن. ولا توجد جروح في الرسغ لعدم وجود النية للانتحار ومعرفة المراهق المسبقة أن القطع في الشريان الموجود على الجانب الأيسر من الرسغ ربما يؤدي إلى الوفاة.
وعلى الرغم من أن هذه الجروح هي مجرد تعبير وقتي عن التوتر والقلق إلا أنها ربما تكون من الخطورة أكثر مما يظن المراهق. وعلى سبيل المثال يترك بعض هذه الجروح آثارا دائمة على الجلد (ندبات) كما أن بعض الجروح ربما تكون عميقة بحيث تتطلب التدخل الجراحي. أوضحت الدراسات التي تم إجراؤها على المراهقين الذين قاموا بالإيذاء الذاتي أن هناك سببين رئيسيين لإقدامهم على مثل هذه التصرفات. أول هذه الأسباب هو أن تفاعل الجسم مع الإيذاء البدني والمواد الكيميائية التي يقوم الجسم بإفرازها عبر المخ في الاستجابة للألم الحسي يؤدي إلى نقص الإحساس بالألم العاطفي والنفسي. وفي هذه الحالة يكون الجرح بمثابة العلاج الذي على الرغم من قسوته إلا أنه يؤدي إلى شفاء العلة. والسبب الثاني هو لفت الأنظار إلى مدى المعاناة والألم الذي يشعر به المراهق، حيث إن الألم الحسي الناتج من الجروح واضح وظاهر بخلاف الألم النفسي الذي ربما لا يستطيع التعبير عنه وبالتالي لا يتم الالتفات له والعمل على تخفيف حدته وفي الكثير من الأحيان يكون السببان مجتمعين.
- مؤشرات للآباء
يجب على الآباء أن يقوموا بملاحظة أي تغيرات تطرأ على المراهق مثل العزلة في غرفته باستمرار والتي تكون مؤشرا للتوتر والقلق أو على النقيض الخروج الدائم مع الأصدقاء وتجنب لقاء الآباء.
ويجب أيضا أن يلاحظ الآباء أي تغيير يطرأ في ملابس المراهق بمعنى أن يتجنب تماما ارتداء الملابس التي تظهر الساقين مثل الشورتات أو ارتداء التنورات للفتيات والإصرار الدائم على ارتداء البنطلونات والقمصان الطويلة حتى يتمكن من إخفاء الجروح التي تكون موجودة على الجسم خاصة في الجو الحار أو داخل المنزل والذي يجب أن يثير التساؤل عند الأم.
ينصح الخبراء والأطباء النفسيون الآباء عند اكتشافهم أن الابن يقوم بمثل هذا السلوك بضرورة مناقشة الأمر معه من دون التوعد بالعقاب أو التسفيه من الفعل، والاتهام بأن مثل هذه التصرفات صبيانية أو خرقاء مع ضرورة توضيح خطورتها وذكر الحقائق العلمية عنها وأنها يمكن أن تترك آثارا دائمة، ويجب أيضا إظهار التفهم وعدم الإدانة والتأكيد على أن الأسباب أيا كانت فهي محل تقدير وأن المراهق سوف يلقى الدعم النفسي الكامل من دون الحاجة إلى إظهاره عن طريق الإيذاء الجسدي، وأن الجميع قد مروا بمثل هذه الظروف من التوتر والقلق ولكن استطاعوا التغلب عليها من دون الإيذاء البدني، وأن الحديث دائما مرحب به.
وفي حالة حديث المراهق ومصارحة أبويه يمكن أن يقوم الآباء بطلب رؤية الجروح لمعرفة لأي مدى يمكن أن تكون خطيرة تبعا لحجمها وعمقها وتلوثها من عدمه وتكرارها ويقرر الآباء تبعا لحالة الجرح هل يستحق العرض على الطبيب من عدمه.
يجب على الآباء إخبار المراهق أنهم على الرغم من تفهم أن هذه الطريقة لتفريغ شحنات التوتر والقلق والمخاوف المختلفة فإن هذه الطريقة ليست الأنسب لحل المشكلات النفسية أو الضغوط المختلفة، وأنه يمكن التحدث إلى الطبيب النفسي.
وقد يرفض بعض المراهقين زيارة الطبيب النفسي حتى لا يشعر أنه مريض ويجب أن يتم علاجه وهو الأمر الذي ربما يزيد من الضغوط عليه، وفي مثل هذه الحالة يمكن أن يتعامل المراهق مع معالج نفسي والذي يمكن أن يقرر تبعا لحالته إذا كان يجب أن يعالج لدى طبيب نفسي من عدمه.
ويوضح الأطباء النفسيون أن الآباء يجب ألا يقلقوا من تلك المحاولات لأنها تختلف عن الانتحار شكلا ومضمونا، والمراهق في حالة الجرح الذاتي يحاول فقط أن يتحسن ويتخلص من المشاعر السلبية وليس الحياة.
وبالتالي لن يتطور الأمر إلى الإقدام على الانتحار. ولكن يجب الوضع في الحسبان أن تراكم الضغوط على المراهق بما يؤدي إلى إصابته بأمراض نفسية أخرى وأن الدعم الأسري من أهم العوامل في اتزان الصحة النفسية.

- استشاري طب الأطفال


مقالات ذات صلة

كيف تحافظ على صحة قلبك بعد سن الخمسين؟

صحتك ينبغي على مرضى القلب تبني عادات غذائية صحية (بيكسلز)

كيف تحافظ على صحة قلبك بعد سن الخمسين؟

قالت جمعية القلب الأميركية إن الوقاية من أمراض القلب تعني اتخاذ خيارات صحية الآن ستعود عليك بالنفع طوال حياتك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا»

الفيروسات الناشئة... بين الحقيقة العلمية والهلع الاجتماعي

في كل مرة يظهر فيها خبر عن فيروس جديد، أو فاشيةٍ مرضية، في منطقة ما من العالم، يتكرر المشهد ذاته: عناوين مثيرة، ومقاطع متداولة على منصات التواصل الاجتماعي.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ

تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ

كشف مسح وطني شامل عن أنَّ نحو ربع البالغين الأميركيين فوق سن الخمسين، يتناولون مكمِّلاً غذائياً واحداً، على الأقل، بغية تحسين صحة الدماغ.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك ترسبات ولويحات تؤدي الى تضيق الشرايين

محاولات علاجية للتغلب على تضيقات شرايين القلب التاجية المتكلّسة

ضمن الفعاليات العلمية لمؤتمر جمعية القلب الأوروبية طرحت أفكار حول كيفية التعامل العلاجي لتضيقات شرايين القلب المُتكلسة.

د. حسن محمد صندقجي (باريس)
صحتك تأثير الجلوس المقيّد على أنماط الحركة لدى الأطفال الصغار

تأثير الجلوس المقيّد على أنماط الحركة لدى الأطفال الصغار

ناقشت دراسة دولية، كيف يمكن أن يؤثر الوقت الذي يقضيه الطفل مقيداً مثل جلوسه في مقاعد السيارات، وعربات الأطفال على قدرته الحركية خلال مرحلة حرجة من مراحل نموه.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

كيف تحافظ على صحة قلبك بعد سن الخمسين؟

ينبغي على مرضى القلب تبني عادات غذائية صحية (بيكسلز)
ينبغي على مرضى القلب تبني عادات غذائية صحية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على صحة قلبك بعد سن الخمسين؟

ينبغي على مرضى القلب تبني عادات غذائية صحية (بيكسلز)
ينبغي على مرضى القلب تبني عادات غذائية صحية (بيكسلز)

قالت جمعية القلب الأميركية إن الوقاية من أمراض القلب تعني اتخاذ خيارات صحية الآن ستعود عليك بالنفع طوال حياتك.

فقلة التمارين الرياضية، وسوء التغذية، وغيرهما من العادات غير الصحية قد تؤثر سلباً على صحتك على مر السنين ولكن بإمكان أي شخص، مهما كان عمره، اتخاذ خطوات بسيطة للحفاظ على صحة قلبه في كل عقد من حياته.

جميع الفئات العمرية

بغض النظر عن عمرك يمكن الاستفادة من نظام غذائي صحي وممارسة النشاط البدني الكافي. اختر نظاماً غذائياً صحياً، فالطعام الذي تتناوله يُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية.

وكذلك اختر الأطعمة قليلة الدهون المشبعة، والدهون المتحولة، والصوديوم، وفي جزء من نظام غذائي صحي، تناول كثيراً من الفواكه والخضراوات، والحبوب الكاملة الغنية بالألياف، والأسماك (ويُفضل الأسماك الدهنية في مرتين أسبوعياً على الأقل)، والمكسرات، والبقوليات، والبذور.

واختر منتجات الألبان قليلة الدسم والدواجن منزوعة الجلد، وقلّل من المشروبات المُحلاة بالسكر، واللحوم الحمراء. إذا اخترت تناول اللحوم، فاختر القطع الأقل دهوناً، ومارس النشاط البدني، حيث يمكنك زيادة مدة ممارسة النشاط البدني الهوائي تدريجياً لتصل إلى ساعتين ونصف (150 دقيقة) على الأقل أسبوعياً، سواء كان ذلك لمدة ساعتين ونصف (150 دقيقة) أو ساعة وربع (75 دقيقة) أسبوعياً، أو لمدة ساعة وربع (75 دقيقة) أسبوعياً، أو بمزيج من الاثنين معاً.

وبالإضافة إلى ذلك، تحتاج إلى ممارسة تمارين تقوية العضلات التي تُشغّل جميع مجموعات العضلات الرئيسية (من خلال الساقين، والوركين، والظهر، والبطن، والصدر، والكتفين، والذراعين) لمدة يومين أو أكثر أسبوعياً. يجب أن يحصل الأطفال على 60 دقيقة على الأقل من النشاط البدني يومياً.

العلامات التحذيرية

ليس من المبكر أو المتأخر أبداً التعرّف على العلامات التحذيرية للنوبة القلبية والسكتة الدماغية. لا يشعر جميع المصابين بالسكتة الدماغية بتنميل مفاجئ، ولا بألم حاد في الصدر، عند الإصابة بنوبة قلبية. قد تختلف أعراض النوبة القلبية لدى النساء عنها لدى الرجال.

أمراض القلب قد تنتج عن عدد من الخيارات اليومية الصغيرة (رويترز)

في الخمسينات من العمر

قد يسهل ملاحظة التجاعيد والشيب، لكن تأثير التقدم في السن على القلب لا يُرى. لذا، بدءاً من الخمسينات، اتخذ خطوات إضافية للحفاظ على صحة القلب. بالنسبة للنساء، لا يُسبب انقطاع الطمث أمراض القلب والأوعية الدموية، لكن عوامل الخطر قد تبدأ بالظهور في هذه المرحلة.

وغالباً ما يكتسب الناس وزناً زائداً في هذه المرحلة، وتظهر عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب.

وقد أظهرت الأبحاث أن ممارسة الرياضة بانتظام في منتصف العمر تُحسّن مرونة الأوعية الدموية الناتجة عن نمط الحياة الخامل، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

ابحث عن طرق للمشي أكثر، سواء كان ذلك ببضع خطوات في حيك أو زيارة سوق المزارعين المحلية لشراء المنتجات الطازجة.

اتبع نظاماً غذائياً صحياً، حيث من السهل الانزلاق إلى عادات غذائية غير صحية، واحرص على تناول كميات وافرة من الفواكه والخضراوات، والحبوب الكاملة الغنية بالألياف، والأسماك (ويُفضل الأسماك الدهنية في مرتين أسبوعياً على الأقل)، والمكسرات، والبقوليات، والبذور.

وجرب بعض الوجبات النباتية، وتذكر أيضاً أن تحضير وجبات الطعام في المنزل بدلاً من تناول الطعام في المطاعم يُعدّ عادةً طريقة جيدة لتناول طعام صحي.

والتزم بخطة علاجك، فربما تكون قد شُخّصت بالفعل بارتفاع ضغط الدم، أو ارتفاع الكولسترول، أو داء السكري، أو غيرها من الحالات التي تزيد من خطر إصابتك بأمراض القلب أو السكتة الدماغية. قلّل من هذا الخطر باتباع خطة العلاج الموصوفة لك، بما في ذلك الأدوية وتغييرات نمط الحياة والنظام الغذائي.


الفيروسات الناشئة... بين الحقيقة العلمية والهلع الاجتماعي

أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا»
أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا»
TT

الفيروسات الناشئة... بين الحقيقة العلمية والهلع الاجتماعي

أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا»
أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا»

في كل مرة يظهر فيها خبر عن فيروس جديد، أو فاشيةٍ مرضية، في منطقة ما من العالم، يتكرر المشهد ذاته: عناوين مثيرة، ومقاطع متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، وتحليلات متسرعة تتحدث أحياناً عن «الجائحة القادمة» قبل أن تكتمل الصورة العلمية للحدث.

«الوباء المعلوماتي»

وخلال الأشهر الأخيرة عاد هذا المشهد إلى الواجهة مع تصاعد الحديث عن فيروس هانتا في الأميركتين، واستمرار متابعة تفشيات إيبولا في أفريقيا، إلى جانب التحذيرات المتكررة من فيروس نيباه في جنوب وجنوب شرقي آسيا، وهو أحد الفيروسات التي لا تزال تحظى بمتابعة علمية مكثفة عالمياً.

وقد أسهمت جائحة كوفيد-19 في رفع مستوى الحساسية المجتمعية تجاه أي خبر يتعلق بفيروس جديد، حتى أصبح مجرد ظهور اسم غير مألوف كفيلاً بإثارة موجة من التساؤلات، والمخاوف. إلا أن المشكلة لا تكمن في الاهتمام بهذه الأخبار، بل في الطريقة التي تُتداول بها المعلومات؛ إذ تختلط الحقائق العلمية بالإشاعات، والتفسيرات غير المتخصصة، ويجد الجمهور نفسه أمام سيل من المعلومات المتناقضة التي يصعب التحقق من دقتها.

شكل تصويري لخلية فيروس كورونا المستجد من سلالة «أوميكرون»

وتصف منظمة الصحة العالمية هذه الظاهرة بمصطلح «الوباء المعلوماتي» (Infodemic)، أي الانتشار السريع للمعلومات الصحيحة والخاطئة في الوقت نفسه، ما يجعل الوصول إلى المعرفة الموثوقة أكثر صعوبة. وخلال متابعتنا اليومية للأخبار الصحية العالمية، نلاحظ أن كثيراً من النقاشات حول الفيروسات الناشئة لا تتركز على الحقائق العلمية بقدر ما تتركز على الانطباعات، والمخاوف، والتوقعات.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة متزنة للأحداث الصحية الجارية، وتستند إلى الأدلة العلمية، بعيداً عن التهويل الذي يصنع الذعر، وعن التهوين الذي قد يؤدي إلى تجاهل المخاطر الحقيقية.

فيروسات ناشئة

• من أين تأتي الفيروسات الناشئة؟ عندما يتحدث العلماء اليوم عن الفيروسات التي تثير القلق العالمي، فإنهم يشيرون غالباً إلى ما يُعرف بالأمراض أو العدوى ذات المنشأ الحيواني (Zoonotic Diseases)، والتي تعتبر نقطة البداية لمعظم الفيروسات الناشئة، وهي الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان بصورة مباشرة، أو غير مباشرة. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن نسبة كبيرة من الأمراض المعدية الناشئة خلال العقود الأخيرة كانت مرتبطة بانتقال مسببات الأمراض من الحيوانات إلى البشر عبر ما يُعرف بظاهرة «العبور بين الأنواع» (Spillover).

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 60 في المائة من الأمراض المعدية الناشئة المعروفة تتحدر من أصول حيوانية، بينما يرتربط بالحيوانات ما يقارب 75 في المائة من مسببات الأمراض الجديدة المكتشفة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك فيروس إيبولا الذي تُعد الخفافيش آكلة الفاكهة المستودع الطبيعي المرجح له، وفيروس نيباه المرتبط بخفافيش الفاكهة، وفيروس هانتا الذي تحمله بعض أنواع القوارض، إضافة إلى فيروسات أخرى مثل سارس، وكوفيد-19 اللذين يُعتقد أن أصلهما يعود إلى الخفافيش، مع وجود عوائل وسيطة محتملة، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) المرتبطة بالإبل.

وقد أدى هذا الترابط الوثيق بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة إلى بروز مفهوم «الصحة الواحدة» (One Health)، وهو نهج عالمي يؤكد أن حماية صحة الإنسان لا يمكن فصلها عن حماية الحيوانات، والبيئة، والنظم البيئية التي يعيش فيها الجميع.

• لماذا يشهد العالم ظهوراً متكرراً لفيروسات جديدة؟ يرى كثير من الناس أن العالم أصبح يواجه فيروسات جديدة بوتيرة متسارعة، والحقيقة أن هذا الانطباع يعود إلى عاملين رئيسين؛ الأول يتمثل في زيادة فرص ظهور الأمراض الناشئة نتيجة التغيرات البيئية، والبشرية. والثاني يتمثل في التحسن الكبير في قدرة العلماء على اكتشافها، ورصدها.

إن التوسع العمراني، وإزالة الغابات، والتغير المناخي، والتجارة بالحيوانات البرية، وزيادة الاحتكاك بين الإنسان والحياة الفطرية، كلها عوامل تزيد من فرص انتقال مسببات الأمراض من الحيوانات إلى البشر. كما أن السفر الدولي السريع، والتواصل العالمي الكثيف جعلا انتقال الأمراض عبر الحدود أكثر سهولة مما كان عليه في الماضي.

«هانتا» و«إيبولا» و«نيباه»

لماذا تثير هذه الفيروسات القلق؟ رغم أن هذه الفيروسات تُذكر كثيراً في وسائل الإعلام، فإن لكل واحد منها خصائص مختلفة من حيث مصدر العدوى، وطريقة الانتقال، ومستوى الخطورة.

• فيروس هانتا: ينتقل عادة من القوارض إلى الإنسان عبر استنشاق جزيئات ملوثة بمخلفات القوارض المصابة. ورغم أن المرض قد يكون شديد الخطورة في بعض الحالات، فإن انتقاله بين البشر يُعد نادراً في معظم الأنواع، لكنه ليس مستحيلاً.

• فيروس إيبولا: عاد خلال الأسابيع الأخيرة إلى واجهة المتابعة الصحية العالمية بعد إعلان منظمة الصحة العالمية في مايو (أيار) 2026 أن التفشي الناجم عن فيروس إيبولا من نوع بونديبوغيو (Bundibugyo) في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا يمثل طارئة صحية عامة ذات أهمية دولية. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة، لأن هذا النوع لا تتوافر له حتى الآن لقاحات، أو علاجات معتمدة على نطاق واسع، بخلاف بعض رالأنواع الأخرى من إيبولا. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن العالم أمام جائحة جديدة، إذ لا يزال الفيروس ينتقل أساساً عبر الملامسة المباشرة لدم أو سوائل جسم المصاب، وتبقى قدرته على الانتشار أقل بكثير من الفيروسات التنفسية واسعة الانتشار. ولذلك فإن احتواء الفاشيات يظل ممكناً عند تطبيق إجراءات العزل، وتتبع المخالطين، ومكافحة العدوى بصورة فعالة.

• فيروس نيباه يحظى في المقابل باهتمام خاص لدى الهيئات الصحية الدولية بسبب ارتفاع معدل الوفيات في بعض الفاشيات، وعدم توفر لقاح معتمد للاستخدام الواسع حتى الآن رغم وجود عدة لقاحات وعلاجات تجريبية قيد التطوير، والدراسة. وترتبط العدوى غالباً بخفافيش الفاكهة، كما سُجلت حالات انتقال محدودة بين البشر في بعض الفاشيات.

وتخضع هذه الفيروسات لمراقبة علمية مستمرة، بسبب قدرتها على إحداث فاشيات خطيرة في ظروف معينة.

هل كل تفشٍّ مرضي يعني أننا أمام جائحة جديدة؟ من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً الربط التلقائي بين ظهور فاشية جديدة واحتمال حدوث جائحة عالمية. غير أن علم الأوبئة يميز بوضوح بين عدة مستويات من الأحداث الصحية، كالتالي:

- الفاشية (Outbreak): عندما تبدأ الصورة بحالة فردية، ثم تظهر مجموعة من الحالات المرتبطة ضمن منطقة محددة.

- الوباء (Epidemic): عندما يتسع نطاق الانتشار ليشمل مناطق أو دولاً متعددة.

- الجائحة (Pandemic): وهي انتشار عالمي واسع النطاق لمرض جديد عبر قارات ودول متعددة، مع استمرار انتقاله بين البشر على نطاق واسع.

وليس كل فيروس قادراً على تحقيق هذا الانتشار العالمي. فالعوامل التي تحدد ذلك تشمل سهولة انتقال العدوى بين البشر، وطبيعة طرق الانتقال، وفترة العدوى، وقدرة السلطات الصحية على الاكتشاف المبكر، والاحتواء. ولهذا فإن كثيراً من الفاشيات تُحتوى محلياً، ولا تتحول إلى جوائح عالمية.

وقد أثبتت التجارب السابقة أن ارتفاع معدل الوفيات لا يعني بالضرورة ارتفاع القدرة على الانتشار. فإيبولا، على سبيل المثال، أكثر فتكاً من كوفيد-19، لكنه أقل قدرة بكثير على الانتقال بين البشر، وهو ما يفسر عدم تحوله إلى جائحة عالمية رغم تكرار فاشياته.

وسائل الإعلام الاجتماعي والإشاعاتمعلومات ملتبسة. إذا كانت الفيروسات تنتشر عبر طرق بيولوجية معروفة، فإن الإشاعات تنتشر عبر الشبكات الرقمية بسرعة قد تفوق انتشار الأمراض نفسها. وقد برز هذا الأمر بوضوح خلال جائحة كوفيد-19، عندما انتشرت معلومات غير دقيقة ونظريات مؤامرة وعلاجات غير مثبتة علمياً على نطاق واسع.

وتكمن المشكلة في أن منصات التواصل الاجتماعي أتاحت لأي شخص نشر المعلومات الصحية، وتفسيرها أمام جمهور واسع، بغض النظر عن خلفيته العلمية. وهنا تتجلى ظاهرة «الإنفوديميك» (Infodemic) أو «الوباء المعلوماتي»، وهو المصطلح الذي تستخدمه منظمة الصحة العالمية لوصف الانتشار المتزامن للمعلومات الصحيحة والخاطئة على حد سواء، ما يجعل الوصول إلى المعرفة الموثوقة أكثر صعوبة. ومع ظهور أخبار عن فيروسات مثل هانتا أو إيبولا أو نيباه، تتكرر عناوين تتحدث عن «الفيروس القاتل القادم»، أو «الجائحة الجديدة»، بينما تكون المعلومات العلمية المتاحة في تلك المرحلة محدودة، أو أولية.

ومن الأسئلة المهمة التي ينبغي طرحها عند قراءة أي خبر صحي: ما هو مصدر المعلومة؟ وهل توجد دراسة، أو تقرير رسمي يدعمها؟ وهل يتحدث الخبر عن حالة فردية أم عن نمط وبائي مؤكد؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تساعد على التمييز بين المعرفة العلمية الموثوقة والمعلومات غير الدقيقة.

• كيف يمكن الوقاية من الفيروسات الناشئة؟ توصي منظمة الصحة العالمية، ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأميركية بالإجراءات الأساسية التالية:

- المحافظة على النظافة الشخصية، وتلقي اللقاحات الموصى بها ضد الأمراض التي تتوافر لها لقاحات فعالة.

- تجنب التعامل المباشر مع الحيوانات البرية، أو مخلفاتها دون وسائل وقاية مناسبة.

- متابعة المصادر الرسمية، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، أو اتخاذ قرارات مبنية عليها.

• كيف نستعد للمستقبل؟ لقد أظهرت التجارب الحديثة أن مواجهة الأمراض الناشئة لا تعتمد فقط على المستشفيات، والأدوية، واللقاحات، بل تشمل أيضاً أنظمة الترصد الوبائي، والتعاون العلمي الدولي، وتعزيز جاهزية الأنظمة الصحية.

كما يبرز دور الإعلام الصحي المسؤول في نقل المعلومات بدقة بعيداً عن الإثارة، والتهويل، بما يسهم في بناء الثقة بالمؤسسات الصحية، وتعزيز الوعي المجتمعي خلال الأزمات.

وفي عالم تنتشر فيه الأخبار بـ«سرعة الضوء»، تبقى الحقيقة العلمية الموثقة هي خط الدفاع الأول، ليس فقط ضد الأمراض، بل أيضاً ضد الخوف، وسوء الفهم، والتضليل.

ويبقى العلم عملية متجددة تتطور باستمرار مع ظهور معطيات وأدلة جديدة، ولذلك تظل المتابعة العلمية المستمرة، والثقة بالمصادر الموثوقة، والابتعاد عن الإشاعات هي السبيل الأمثل لفهم المخاطر الصحية، والتعامل معها بوعي، واتزان.

ويعكس هذا المقال ما توصل إليه العلم من معارف وحقائق حتى تاريخ كتابته، استناداً إلى الأدلة المتاحة، والتقارير الصادرة عن الجهات العلمية والصحية المعتمدة. أما المستقبل فيبقى مفتوحاً على معطيات جديدة، فالفيروسات كائنات متغيرة، والعلوم الطبية تتطور باستمرار، وما نعدّه اليوم حقيقة راسخة قد يُستكمل أو يُراجع غداً في ضوء أدلة علمية أحدث.

* استشاري طب المجتمع


تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ

تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ
TT

تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ

تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ

كشف مسح وطني شامل عن أنَّ نحو ربع البالغين الأميركيين فوق سن الخمسين، يتناولون مكمِّلاً غذائياً واحداً، على الأقل، بغية تحسين صحة الدماغ، ظناً منهم أنَّ ذلك يُحسِّن الذاكرة ويُعزِّز الانتباه والتركيز. إلا أن المشكلة تكمن في عدم وجود دليلٍ قاطعٍ يثبت فاعلية أيٍّ من هذه المكملات.

فوائد ملتبسة

في هذا الصدد، قال الدكتور بيتر كوهين، طبيب الباطنة في «تحالف كمبردج الصحي»، التابع لجامعة هارفارد والذي يركز الجزء الأكبر من جهوده البحثية على المكملات الغذائية: «ليس ثمة دليلٌ، يُشير إلى وجود مُكوِّنٍ في المكملات الغذائية، يُحسِّن صحة الدماغ. ولم يثبت أنَّ أيَّ مُكوِّنٍ مُصرَّحٍ به قانوناً في المكملات الغذائية، يعزز عمليات التفكير أو يمنع فقدان الذاكرة».

وتتركز المشكلة الرئيسة هنا في جميع المنتجات، التي تُباع دون وصفة طبية، في غياب الرقابة. جدير بالذكر أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية لا تُشرف على اختبار المنتجات أو دقة مُكوِّناتها، وإنما يقتصر دورها على مراقبة المكملات، التي تُروِّج لفوائد صحية مُرتبطة بعلاج أمراضٍ مُحدَّدة.

وفيما يتعلق بصحة الدماغ، هذا يعني أنَّ الجهة المصنِّعة للمُكمِّلات الغذائية يمكنها الادعاء أنَّ مُنتجها يُساعد على تعزيز اليقظة الذهنية أو الذاكرة، لكن لا يُمكنها الادعاء أنه يحمي من مرض ألزهايمر أو أيِّ شكلٍ آخر من أشكال الخرف، أو يُحسِّن من أعراضه. كما أن الجهات المصنِّعة غير ملزمة بتقديم أي دليل يدعم ادعاءاتها بفاعلية مكملاتهم الغذائية لصحة الدماغ.

الأهم أن هذا المستوى من الرقابة قد يتضاءل؛ فقد أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أنها تدرس تعديلاً في القواعد، من شأنه تخفيف عدد مرات ظهور التحذيرات على ملصقات المكملات الغذائية. وعلق الدكتور كوهين على هذا الأمر بقوله: «هذه خطوة بالغة الأهمية في الاتجاه الخاطئ».

وأضاف: «يواجه المستهلكون بالفعل كماً هائلاً من المعلومات المضللة، عند شراء المكملات الغذائية».

مزيج من العناصر الغذائية

يحتوي كثير من مكملات الدماغ على أحماض أوميغا 3 الدهنية (مثل تلك الموجودة في زيت السمك)، وفيتامين إي E، ومجموعة متنوعة من فيتامينات بيB، أو مزيج منها. إذن، ما سرّ هذه العناصر؟

من جهة أخرى، هناك أدلة قوية تشير إلى أن بعض الأنظمة الغذائية -مثل حمية البحر الأبيض المتوسط، وحمية داش «DASH diet»، وحمية مايند «MIND diet»- قد تُسهم في تحسين الوظائف الإدراكية. وتحتوي هذه الأنظمة الغذائية على أطعمة غنية بالعناصر الغذائية سالفة الذكر.

ومع ذلك يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الاستفادة نابعة من مزيج العناصر الغذائية في هذه الأنظمة، أم من العناصر الغذائية الفردية أو كمياتها المحددة، أم من عوامل أخرى. ومن ناحيتهم، حاول الباحثون الإجابة عن هذه التساؤلات، من خلال اختبار تأثير هذه العناصر الغذائية الفردية على الصحة الإدراكية. وحتى الآن، لم تخلص الدراسات المحدودة، التي أُجريت في هذا الصدد، إلى أي دليل يثبت فائدتها، باستثناء حالات نادرة.

إلا أن هذا لا يعني أن مكملات الدماغ غير فاعلة، بل يعني فقط نقصاً في الأدلة، إن وُجدت، التي تُستخلص عادةً من التجارب السريرية العشوائية -المعيار الذهبي للبحث العلمي- حول ما إذا كانت الفيتامينات منفردة، أو عناصر غذائية أخرى، تُحسّن صحة الدماغ.

تحليل علمي للعناصر المفيدة

وفيما يلي موجز لما توصل إليه العلم حتى الآن ودلالاته:

أحماض أوميغا-3 الدهنية:

تُساعد أحماض أوميغا-3 الدهنية (Omega-3 fatty acids) في بناء أغشية الخلايا في الدماغ، وربما يكون لها كذلك تأثيرات مضادة للالتهابات ومضادة للأكسدة، تُمكنها من حماية خلايا الدماغ. بوجه عام، هناك ثلاثة أنواع من أحماض أوميغا-3: حمض الإيكوسابنتاينويك (EPA) وحمض الدوكوساهيكسانويك (DHA)، ويوجدان بوفرة في الأسماك الدهنية، مثل السلمون والماكريل. أما النوع الثالث، حمض ألفا لينولينيك (ALA) فيوجد في الخضراوات الورقية الخضراء (الكرنب، والبروكلي، والسبانخ)، والزيوت النباتية (الكانولا، وفول الصويا)، والمكسرات والبذور (الجوز، وبذور الكتان).

يحوّل الجسم حمض ألفا لينولينيك (ALA) إلى حمض إيكوسابنتاينويك أو حمض دوكوساهيكسانويك، لكن بكميات قليلة. لذا، فإن أفضل طريقة للحصول على كميات كبيرة من هذين الحمضين، تكمن في تناول مزيد من الأسماك. وتُعدّ الأسماك عنصراً أساسياً في حمية البحر الأبيض المتوسط وحمية «مايند»، وغيرها. وقد وجدت الدراسات ارتباطاً بين زيادة تناول الأسماك، وانخفاض خطر التدهور المعرفي.

مع ذلك، لم تُظهر مكملات أوميغا-3 المصنوعة من زيت السمك التأثير نفسه. وعليه، يبدو أن أي فائدة تأتي من زيادة تناول الأسماك، وليس من تناول مكملات زيت السمك. عن ذلك، قال الدكتور كوهين: «لستُ على علم بأي دليل جديد حول مكملات أوميغا-3 يشير إلى أنها تُحسّن وظائف الدماغ. ولذلك، فإنني لن أصفها أو أنصح بها المرضى».

> جنكة بيلوبا gingko biloba:

يستعين الطب الصيني التقليدي بأوراق شجرة الجنكة ذات الشكل المروحي، لعلاج مختلف الأمراض. في الولايات المتحدة، يُباع مستخلص هذه الأوراق في صورة مكمل غذائي يُعرف باسم الجنكة بيلوبا، وعلى رأس فوائده تحسين الذاكرة. مع ذلك، وكما الحال مع مكملات صحة الدماغ الأخرى، لا يدعم العلم هذه الادعاءات.

ومن بين إحدى كبرى التجارب السريرية، التي استكشفت هذه العلاقة المحتملة، دراسة تقييم الذاكرة باستخدام الجنكة (GEM). في إطارها، استعان الباحثون بما يزيد على 3000 شخص بالغ من كبار السن (متوسط أعمارهم 79 عاماً، 54 في المائة منهم رجال)، يتمتعون بوظائف إدراكية طبيعية، أو يعانون من ضعف إدراكي طفيف.

وتناول جميع المشاركين إما 120 ملّيغراماً من الجنكة وإما دواءً وهمياً (بلاسيبو) مرتين يومياً، على مدار نحو ست سنوات. وقد جرى تحديد هذه الكمية، بناءً على أبحاث سابقة. وخلصت النتائج إلى أن تناول الجنكة بيلوبا لم يُقلل من المعدل الإجمالي للإصابة بالخرف.

نظرة على مكملات صحة الدماغ

ويبقى التساؤل قائماً: في ظل غياب الأدلة، لماذا لا يزال الناس يشترون مكملات صحة الدماغ؟ يبدو أن السبب الرئيس هنا سهولة تناول حبة دواء، بدلاً من إجراء تغييرات جذرية في نمط الحياة.

بدلاً من ذلك، من الأفضل أن تستثمر في ممارسة مزيد من التمارين الرياضية، واتباع نظام غذائي نباتي. ومن شأن هذه الأمور أن تحسن الذاكرة وصحة الدماغ، على المدى الطويل، أكثر من أي مكمل غذائي.

في هذا الصدد، شرح الدكتور كوهين: «بما أن الشركات المصنعة تستطيع الإعلان دون أي دليل يدعم ادعاءاتها، فلا يمكنك الاعتماد على أيٍّ من الادعاءات المذكورة على العبوة. إذا كنت لا تزال مهتماً باستخدام أحد هذه المنتجات، فعليك الحديث إلى طبيبك، والاطلاع معه على الأدلة العلمية».

وقد يساعد تناول الفيتامينات المتعددة يومياً، على الحفاظ على حدة الدماغ مع التقدم في السن.

ورغم أن فوائد ما تُسمى بمكملات صحة الدماغ مشكوك فيها، فإن تجربة «كوسموس» COSMOS، التي قادتها جامعة هارفارد، تشير إلى أن البالغين، الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر، قد يستفيدون من تناول الفيتامينات المتعددة يومياً. وتُعادل آثارها تقريباً إبطاء التدهور المعرفي لمدة نحو عامين.

على نحو خاص، أظهر المشاركون الذين تناولوا الفيتامينات المتعددة لمدة نحو عامين، نتائج أفضل على صعيد الذاكرة العرضية -أي تذكُّر الأحداث والتجارب- مقارنةً بأقرانهم الذين تناولوا حبوباً غير فاعلة.

* رسالة هارفارد الصحية، خدمات «تريبيون ميديا».