خافيير سيركاس: لا يمكن فهم الأدب الإسباني من دون التراث العربي

روايته «جنود سلاميس» الأكثر انتشاراً ترجمت أخيراً إلى العربية

خافيير سيركاس
خافيير سيركاس
TT

خافيير سيركاس: لا يمكن فهم الأدب الإسباني من دون التراث العربي

خافيير سيركاس
خافيير سيركاس

الانطباع الأول الذي تكون لدي عن الكاتب الإسباني خافيير سيركاس هو أنه بحر من المعرفة، حيث تحمل كل إجابة من إجاباته تاريخ وتأملات عميقة تمثل الخيوط المحركة للأحداث في أعماله التي تشتهر بما تحمله من إسهامات تاريخية، وفلسفة، وقدر كبير من حسّ الدعابة. وأبدى سيركاس سعادته بالتحدث إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، خصوصا أن روايته الأكثر مبيعاً «جنود سلاميس» قد ترجمت أخيراً إلى العربية. هنا حوار معه:
> ترجمت روايتك «جنود سلاميس» أخيراً إلى العربية، وهي أكثر رواياتك انتشاراً. هل تعتقد أنها ستلقى استجابة مماثلة عند القارئ العربي ذي الثقافة المختلفة؟
- الأدب هو ما يجعل الخاص عاماً. ما يحدث لي أو لشخص ما في مكان ما هو ما يحدث لنا جميعاً. يتمتع الأدب، إذا كان حقيقياً، بهذه القدرة على الوصول إلى العالم أجمع. رواية «دون كيخوته» تثير اهتمام الجميع رغم أن الرجل الذي يفقد صوابه يوجد في لا مانشا، لكن هذا يعبر عنا جميعاً على نحو ما.
أنا سعيد للغاية بمعرفة أن هناك من يقرأ رواياتي التي تعبر عن ثقافة تبدو مختلفة تماماً، لكنها في الحقيقة ليست مختلفاً كثيراً، فنحن عرب وقد جئنا من هناك، وتلك أصولنا، وذاك تراثنا أيضاً. للأسف تم حرماننا من ذلك التراث نظراً للحديث طوال قرون عن إسبانيا التي تم بناؤها تحديداً من خلال ما يسمى بإعادة الغزو، وبسبب قرون طويلة أقام فيها العرب في إسبانيا، ثم تكونت إسبانيا من تمازج الأجناس مع العرب، وكان هناك يهود أيضاً، وتم سرقة ذلك التراث العربي بشكل ما لأنه يخبرنا قصة إسبانيا التي تم إسقاط ذلك التراث منها، ولم يبق سوى التراث المسيحي. إن هذا تزييف كامل للماضي لأن الثقافة الإسبانية مولودة من هذا الخليط الذي ظل باقياً.
تزخر اللغة الإسبانية بالتأثيرات العربية سواء في الطعام والأدب، حيث لا يمكن للمرء فهم الأدب الإسباني العظيم دون التراث العربي، في الشعر على سبيل المثال. العمارة أساسية أيضاً، فنحن بلد يتسم بالتعددية والتمازج مثلنا جميعاً، لكن يأتي ذلك التمازج في حالتنا من الثقافة العربية، ولم يتم استعادة ذلك حتى منتصف القرن الماضي. يتعلق الأمر بالاعتراف بالحقيقة وهي أننا من هناك.
> لماذا لم يتم الاعتراف بذلك؟
- السبب واضح ومؤكد وهو السلطة والسيطرة؛ السيطرة على الماضي والحاضر. لذا نحن كروائيين نشكك دوماً في هذه الرواية عن الماضي التي تمنحنا القوة والسيطرة، وينبغي علينا كمواطنين القيام بذلك أيضاً. تلك الرواية كانت للحكام الكاثوليك الذين طردوا العرب من إسبانيا، فهم من أرادوا ترسيخ تلك الرواية، التي تؤكد أنه ليست لنا علاقة بالعرب، وأنهم مختلفون عنّا، فنحن كاثوليك أوروبيون، وقد أرادوا جعل تلك الرواية ملائمة للحاضر حتى لو كان ذلك عبر التزييف.
تتناول رواية «المحتال» التي أقدمها هذه القضية، فليس إنريك ماركو، الذي يمثل نموذجاً واضحاً لذلك، فهو يخترع ماضياً لنفسه، عبارة عن ملحمة؛ ماضياً عاطفياً، وهو ما نفعله جميعاً في النهاية، خاصة من هم في السلطة، حين يتعلق الأمر بماضٍ سيء مليء بالحروب. لقد كذبنا فيما يتعلق بماضينا، وتخيلنا إسبانيا كاثوليكية خالصة غير «ملوثة» بالثقافات الأخرى، وهذا أمر كارثي لأن كل ما هو جيد في بلادي نتاج الديانات والثقافات واللغات المختلفة، لكن تم إخفاء ذلك عنا.
> هل للأدب العربي أثر على أعمالك؟
- التراث العربي متجذر بشدة في الأدب الكلاسيكي الإسباني كما روائع القرون الوسطى والعصر الذهبي. كان ثربانتس رجل على اتصال حقيقي بالثقافة العربية، وكتاب «الحب الفاضل» من الكتب الرئيسية والثورية في الأدب الإسباني التي لا يمكن فهمها دون الاتصال بالعرب، لكنني أجهل الأدب العربي المعاصر كثيراً.
> الحقائق والأكاذيب حاضرة دوماً في أعمالك. كيف يمكنك تحليل التوجه السائد الآن في «زمن الأخبار المكذوبة»؟
- لطالما كان الكذب حاضراً، ولطالما يلجأ كثير من السياسيين إلى الكذب في السياسة. ما يحدث حالياً مرتبط بتلك الحقيقة العالمية والأبدية، فالرجال والنساء يكذبون. ربما ما يحدث هو أن الحقيقة الأساسية في عصرنا هي سيطرة وسائل الإعلام بشكل يفوق الواقع ويتجاوزه. لا تعبر وسائل الإعلام عن الواقع فحسب، بل تصنعه. ما لا يوجد في وسائل الإعلام لا يوجد في واقع الأمر، حيث تزايد نفوذها، لذا أصبحت القدرة على نشر الأكاذيب أكبر من الإنسان، ويعني هذا أننا نعيش في عالم تحيطه الأكاذيب نظراً لقدرة وسائل الإعلام وتنوعها بشكل هائل. لم يعد على المرء إنشاء صحيفة وإنفاق الملايين لنشر الحقائق أو الأكاذيب، بل يكفي أن يكون لديك حساب على موقع الـ«فيسبوك». لقد ازدادت الأكاذيب قوة عن أي وقت مضى.
من الأمور التي اكتشفتها أثناء تأليفي لرواية «المحتال» هي أننا معشر البشر كثيراً ما نفضل الكذبة على الحقيقة لأنها أجمل، وأكثر رومانسية، ومجاملة، ولأن الحقيقة كثيراً ما تكون قبيحة، وقاسية، ومحزنة، ومعقدة.
وجود الصحافة ضروري أكثر من أي وقت مضى، لكنها لم تعد كافية لمعرفة الحقائق، فعليك تحليل وتفكيك الأكاذيب التي يتم نشرها مع الحقائق.
> أي من أعمالك ترشحه لقرائنا، إضافة لـ«جنود سلاميس»؟
- كانت رواية «جنود سلاميس» هي التي جعلتني كاتباً محترفاً. تبدو أعمالي وكأنها تتناول الماضي، لكنها دائماً ما تتحدث عن الحاضر. إنها تتحدث عن ماضٍ لم يحدث بعد. تتناول تلك الرواية قصة عالمية حدثت أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، لكنني تحدثت عن قصص مماثلة في كثير من مناطق العالم. إنها قصة مجموعة من سجناء الفاشية الذين أطلق حرس الحدود الفرنسية النار عليهم في نهاية الحرب الأهلية الإسبانية المروعة الفظيعة. تمكّن أحدهم من الفرار من ذلك الإعدام الجماعي بمعجزة، والاختباء، وبينما يبحث عنه الجمهوريون لقتله، يجده أحدهم فجأة، ويصوب السلاح نحوه ليقتله، وبينما ينظر في عينيه يأتي صوت من جهة رفاقه يسأله عما إذا كان قد وجد السجين الهارب أم لا. وبينما يتطلع ذلك الشاب إليه، يجيب قائلا إنه لم يجد أحداً، ويخفض سلاحه، ويستدير مغادراً. روى ابن البطل هذه القصة لي وقد أذهلتني، وجعلتني أتساءل عن السبب الذي يدعو المرء إلى إنقاذ حياة عدو. يحقق رجل صحافي يدعى خافيير سيركاس في هذه القضية.
> من أين لك بفكرة المؤلف الذي يصبح بطل الرواية؟
- من الصحافة على ما أعتقد. لم أكن صحافياً، لكني بدأت أكتب روايات وأحداث تاريخية، وأدركت أنه بإمكاني استخدام ذلك. في كل الأحوال تعلمت تلك الطريقة في رواية «جنود سلاميس»، فقد كنت دوماً أؤلف روايات قريبة جداً من تجربتي الشخصية، لكن في تلك الرواية كنت بحاجة إلى الرجل الذي يدعى سيركاس، لأن كل الشخصيات كانت لها أسماء حقيقية، فقلت لنفسي إنه إذا كانوا جميعاً لهم أسماء حقيقية، فيجب أن يكون للراوي اسمه الحقيقي أيضاً، ويجب أن يكون خافيير سيركاس حتى لو لم يكن أنا.
> هل هناك اختلاف كبير؟
- نعم إنه قناع
> للاختفاء؟
- أو ربما لكشف الحقيقة. قد يحمل خافيير سيركاس في الرواية أكثر مما أحمله أنا شخصياً. إنه وسيلة وأداة للحكي. يظهر سيركاس الذي نتحدث عنه بعد ذلك في روايات أخرى لي بطرق مختلفة تماماً. على سبيل المثال يشبهني سيركاس في «المحتال» تماماً.
> ما هي كلمتك الإسبانية المفضلة؟
- لا. عليك تعلم قول كلمة لا.


مقالات ذات صلة

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر
كتب باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية،

بدر الخريف (الرياض)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».