المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

منذ «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر إلى عصرنا الحالي

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


مقالات ذات صلة

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» تتجاوز مليون جنيه في المزاد

يوميات الشرق نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (غيتي)

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» تتجاوز مليون جنيه في المزاد

يذكر التاريخ أن إميلي برونتي اضطرت لدفع مبلغ 50 جنيهاً استرلينياً للناشر توماس كوتلي نيوبي لتضمن نشر روايتها «مرتفعات وذرنغ».

عبير مشخص (لندن)
كتب بول أوستر و سيري هوستفدت

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

«أنا حيّة... زوجي بول أوستر ميّت» بهذه الجملة الصارمة، تفتح سيري هوستفدت مذكراتها «حكايات شبح»، الصادرة عن دار نشر «غاليمار» 2026.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

تنبنى رواية «أغنيات جنائزي السرية»، للروائية المصرية نسمة عودة، منذ بدايتها حتى نهايتها، على تقنية الرسائل، لكنها رسائل من طرف واحد

عمر شهريار
كتب السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

عن دار «رشم للنشر والتوزيع» في السعودية، صدر أخيراً كتاب «سينما الاستنساخ المصرية»، للناقد السعودي خالد ربيع السيد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

صدر حديثاً عن دار «TASQ» للنشر كتاب «يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين» للكاتب إبراهيم اليوسف، وهو عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي

«الشرق الأوسط» (برلين)

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

بول أوستر و سيري هوستفدت
بول أوستر و سيري هوستفدت
TT

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

بول أوستر و سيري هوستفدت
بول أوستر و سيري هوستفدت

«أنا حيّة... زوجي بول أوستر ميّت» بهذه الجملة الصارمة، تفتح سيري هوستفدت مذكراتها «حكايات شبح»، الصادرة عن دار نشر «غاليمار» 2026، لتُقيم من خلالها حواراً مستمراً مع غائب لم يغادر، وتُشيّد صرحاً أدبياً نادراً لعلاقة جمعت كاتبيْن عاشا 43 عاماً في داخل صفحات بعضهما البعض.

الكتاب ليس رواية خيالية، بل نصّ اعترافي يعود بنا إلى الأيام الأخيرة في حياة بول أوستر، وإلى سنوات الحياة التي جمعت الكاتبين في زواج أدبي وإنساني استثنائي. فحين قال بول أوستر لسيري هوستفدت في لقائهما الأول في مطلع الثمانينات إنه يريد أن يعود يوماً ما كشبح، لم يكن يدري أنها ستُنجز وصيّته بعد 44 عاماً في كتاب استثنائي يُعيده إلى الحياة بكل عيوبه وعاداته ونكاته وأوراقه غير المكتملة.

في «حكايات شبح» يظهر بول أوستر بوصفه زوجاً وكاتباً وصديقاً وشريكاً في الحياة اليومية، لا بوصفه فقط اسماً لامعاً في الأدب الأميركي. إذ تكتب أرملته سيري هوستفدت: «بول كان عنيداً وأحياناً عديم اللباقة، لكنه كان أيضاً رقيقاً عاطفياً وطيب القلب». وهي تصفه في صفحات عديدة بأنه كان رجلاً لا يعيش وكأن البرق سيضربه مجدداً، أي أنه لم يكن يترقب المجد بل يعيش الحياة في حضور كامل وبساطة أخّاذة. تستعيد هوستفدت حضور زوجها في أدق التفاصيل: صوته، عاداته اليومية، محيطه، طريقته في الكتابة، وحتى ما تركه خلفه من أوراق وآثار شخصية، ورسائل ومذكرات ومسودات لم يسبق نشرها. أبرزها مخطوطة لم يُكملها تتضمّن خمساً وثلاثين صفحة كان يعدّها هدية لحفيده مايلز الذي وُلد في الأول من يناير (كانون الثاني) 2024، أي قبل أربعة أشهر فقط من رحيل جدّه. النصّ بعنوان «رسائل إلى مايلز»، يحكي فيه تاريخ العائلة ويوصي الطفل بطريقة عيش كريمة. هذه الصفحات، التي تضمّ جوهر ما أراد أوستر توريثه، هي ربما أكثر ما في الكتاب توهّجاً وإيلاماً، إذ يظهر وهو يكتب لطفل لن يراه يكبر، لطفل لن يتذكر وجهه، لكنه سيقرأ ما كتبه جدّه يوماً ما.

تعود هوستفدت إلى بداية علاقتها بأوستر في نيويورك في ثمانينات القرن الماضي، ثم تتقدم نحو المرض والرحيل، مستعينةً بمراسلات شخصية ومقاطع من يومياتها ورسائل كتبها زوجها في أيامه الأخيرة. ومن خلال هذه المواد، تبني صورة لعلاقة كُتبت بالحوار الدائم، إذ كان كل منهما يقرأ أعمال الآخر ويعلّق عليها ويشارك في صوغها ذهنياً، وكأن الزواج نفسه صار شكلاً من أشكال الكتابة المشتركة. وفي هذا السياق يبدو الكتاب كمحاولة لاستعادة الشراكة الثقافية التي جمعت الزوجيْن الكاتبيْن، إذ كان كل منهما يقرأ الآخر ويعتمد عليه في اختبار النص ومعناه. ولذا فإن كثيراً ممن قرأوا «حكايات شبح» وصفوه أيضاً بأنه كتاب عن الزواج بقدر ما هو كتاب عن الحداد، فهو يلتقط كيف يصبح الحب، مع الزمن، جزءاً من بنية التفكير نفسها، وكيف يخلخل الغياب هذه البنية من الداخل.

تتطرق سيري هوستفدت في كتابها إلى طقوس العمل المشتركة: القراءة بصوت عالٍ في فترة بعد الظهر، ومشاركة الجمل والأفكار وأحياناً الشخصيات نفسها. لم يكونا يكتبان في الغرفة ذاتها، كان هو في الطابق الثالث وهي في الثاني، لكنهما كانا يلتقيان لمراجعة ما كتباه، وكأن المنزل نفسه كان يُمليهما معاً.

ما يجعل «حكايات شبح» مؤثراً ليس موضوعه وحده، بل الطريقة التي تصف بها هوستفدت التفاصيل الصغيرة: الرسائل، اليوميات، الملاحظات، الأشياء المتروكة على الطاولة، ونبرة البيت حين يغيب أحد أركانه. إنها لا تكتب عن موت زوجها فقط، بل عن تحوّل الحياة اليومية نفسها بعد الموت، وكيف يصبح الزمن متكسراً حين يغيب الشخص الذي كان يضبط إيقاعه. الكتاب، بحسب أكثر من قراءة نقدية، لا يكتفي بتسجيل الحزن، بل يفكك أثره على اللغة والذاكرة والجسد، حتى إن القارئ يشعر أن هوستفدت لا تلاحق بول أوستر كشخص، بل تلاحق صورته داخلها، داخل البيت، وداخل المعنى الذي تشكَّل من سنوات العيش المشترك.

كتبت سيري هوستفدت «حكايات شبح» بلغة متماسكة، دقيقة، ومشحونة بالتأمل. وهي لا تنزلق إلى العاطفية المباشرة، بل توازن بين حرارة التجربة وصرامة التفكير، بين الاعتراف الشخصي والأسئلة الكبرى عن الذاكرة والهوية والوقت. ولهذا تبدو بعض المقاطع كأنها تنتمي إلى نوع من «الفلسفة الحميمة»، حين يصبح الحزن مدخلاً لفهم الذات لا مجرد استعادة مأساة. وتُجمع القراءات النقدية على أن قوة الكتاب تكمن في هذا التوتر الخصب بين الوجع والوعي. فهو لا يريد أن يبتز عاطفة القارئ، بل يدعوه إلى مرافقة تجربة إنسانية عميقة، تتكشف فيها هشاشة العلاقات، وعبث اللغة أمام الموت، وفي الوقت نفسه قدرتها على حفظ ما لا يُحفظ.

كتبت «نيويورك تايمز بوك ريفيو»: «مؤثر حقاً... كتاب هوستفدت يشبه في نبرته (عام التفكير السحري) لجوان ديديون... كتاب مُحبَّب ومؤثر عن الوحدة واليأس والارتباك. إنه قريب من الصرخة». فيما لفتت «نيويورك تايمز» إلى أن «جزءاً من الكتاب عن الحزن وتداعياته النفسية والفيزيولوجية، وجزءاً آخر هو لمحة كاشفة عن الزواج الأدبي بين بول وسيري، والتزامهما العميق بمشاركة أعمال بعضهما البعض».

أما في فرنسا، فقد رأت «لوموند» أن هوستفدت «تُنجز الأمنية الأخيرة لبول أوستر، وهي العودة في هيئة شبح»، في كتاب «مؤثر» لا هو «رثاء ضبابي» ولا «ضريح أدبي». وقدّرت المجلة الثقافية «تيليراما» أن الكتاب «يسبر بلطف أرواحنا في مواجهة الغياب»، فيما وصفته «ليزانروكوبتيبل» بأنه «رواية آسرة ووداع جميل لبول أوستر».

وفي «لكسبريس»، كتبت إيميلي لانيز: «تقرأ هذه النصوص وكأنها كتاب رثاء رائع. إنه تسلسل زمني للغياب، وتصوير لزوجين، وتشريح لحوارهما الخصب الذي بلغ من العمق حدّاً حوّل الكائنَين إلى كيان ثالث هجين ومعتَّق».

«حكايات شبح» ليس مجرد كتاب عن الفقدان. إنه عمّا يبقى حين يرحل الحضور، عن تلك الطبقات المتراكمة من الكلام والصمت والعادات والنكات والمشاريع المشتركة التي لا تختفي بالموت، بل تتحوّل إلى شيء آخر: أشباح مقيمة داخل الجُمل، داخل الأوراق، وداخل طريقة النظر إلى العالم.


نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة
TT

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

تنبنى رواية «أغنيات جنائزي السرية»، للروائية المصرية نسمة عودة، منذ بدايتها حتى نهايتها، على تقنية الرسائل، لكنها رسائل من طرف واحد، من الأم «أمينة» إلى ابنتها «عائشة»، التي أخذها والدها معه في سفره منذ سنوات بعيدة، ولم ترها الأم منذ طفولتها. رسائل أقرب إلى مذكرات، تحكي فيها الأم لابنتها سيرة حياتها، وما عانته من قسوة منذ طفولتها، وسبب تخليها عنها للأب، نافيةً عن نفسها تهمة «الجنون» التي حاصرتها من الجميع. فعلى مدار الرواية لا نسمع صوت الابنة، غير المهتمة برسائل أمها الإلكترونية، لنرى عبر هذه السيرة مواضع الجنون المجتمعي الأعمق.

جسد الرواية، الصادرة في القاهرة عن «دار المحرر للنشر»، هو ذكريات الأم، وآلامها، فهي -عبر رسائل «واتساب»- تحكي لابنتها الغائبة سيرة حياتها، وسيرة مجتمع بأكمله، تحكي لها عن ميتاتها الرمزية منذ طفولتها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مروراً بمراهقتها، وزواجها رغماً عنها من رجل يكبرها بعقود، تزوجها لمجرد أنها تشبه عشيقة صباه ومراهقته، التي كانت تربطه بها علاقة جسدية قبل مولد «أمينة» بكثير، هذه العشيقة لم تكن سوى «أم أمينة» نفسها، لكنهما لم يتمكنا من الزواج حينها، فسافر لسنوات طوال، وعندما عاد كانت حبيبته القديمة قد تزوجت وأنجبت، فاستغل ثروته ونفوذه وتزوج الابنة، فكانت «أمينة» مجرد دوبلير لأمها، يُسقط عليها غضبه وانتقامه.

برهافة شديدة، ولغة موجعة وحادة، تقدم الرواية مسارات وخطوط درامية كثيرة ومتشابكة، تحكيها البطلة الساردة «أمينة»، مفكِّكةً كثيراً من بنية الواقع الاجتماعي المسكوت عنه، يتضافر فيها الاجتماعي بالسياسي بالأخلاقي بالديني، وتعرِّي بجرأة فنية البنية الاجتماعية، وسيكولوجية الفقر، ودوامات القهر التي تبتلع الجميع، فضلاً عن التواطؤ الجمعي الذي يسمح بزواج فتاة من حبيب أمها القديم، وبتواطؤ الجميع، رغم علمهم بالماضي وبنيّات الزوج، تحت قاعدة أن «الحرام لا يحرّم حلالاً».

على عكس الشائع، لا تأتي الذكورية والتسلط على المرأة من جانب الرجال، رغم حضور هذا التسلط، لكن الرواية تكشف عن تسلط أكثر ضراوة تمارسه النساء على البطلة، خصوصاً الجدَّات، المتحكمات في مصائر الأبناء والأحفاد، فالجدة تقمع بناتها الست وابنها، والد البطلة، الذي يبدو ظلاً باهتاً وضعيفاً أمام أمه، المتحكمة في كل شيء، في تمثل واضح واستعادة للماترياكية. هذا التحكم ذاته، مارسته أيضاً جدة «دهيبة»، صديقة «أمينة» الوحيدة والمقربة، والأكثر جرأة وتمرداً، فقد كان الإيذاء الجسدي والنفسي الذي مارسته هذه الجدة الأخرى على حفيدتها أكثر قسوةً وإيذاءً جسدياً، من اعتداء عمها المدمن «عزيز» عليها جسدياً، في حين بدا الأب أيضاً غائباً، وبلا حضور حقيقي.

تقطع الساردة أحياناً مجرى السرد، مقدمةً لمحات تحليلية رشيقة لسلوكيات أبطال عالمها، وفق منطق كتابة المذكرات أو الرسائل، فتقول مفسرةً سبب قسوة وتسلط النساء بعضهن على بعض: «لا أحد يتعاطف مع النساء، حتى النساء، كأنهن لا يُردن لدائرة الألم أن تتوقف، حتى لا يشعرن بسوء أقدارهن. في المعاناة الجماعية مواساة، وفي النجاة الفردية خيانة».

تكشف الرواية عن غياب الأب في مجتمعات الفقر، وانتقال السلطة داخل البيوت إلى كبرى نساء العائلة. في طفولتها كانت «أمينة» تتخيل أن والدها يمكن أن تنبت له أجنحة ويطير؛ إنها صورة السوبر مان المتخيَّلة في ذهن كل فتاة عن أبيها، لكن رويداً رويداً ينكشف ضعفه وانسحاقه أمام أمه، وأمام رئيسه في العمل، وزوجته، وابنته، وأمام العالم أجمع، وينتهي به الأمر إلى أن تراه في مشهد استثنائي، وذكي في غرائبيته، تراه وقد تقزَّم وتضاءل، بشكل مدهش في تصويره جمالياً، تقول: «في تلك اللحظة ذاب أبي المتضائل بالفعل، ذاب حتى أصبح في حجم بلية صغيرة ملونة بالأزرق. تدحرج حتى عتبة الشقة، ثم قفز على درجات السلم. طار للأعلى قليلاً».

إلى جانب حيوات البطلتين، «أمينة» وصديقتها «دهيبة»، ومعاناة كل منهما مع عائلتها، تقدم الرواية تمثيلاً للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر، فتبدو هذه الأوضاع حاضرة في خلفية المشهد دائماً، تؤثر بشكل واضح ومحسوس في حياة الشخوص. كما ترسم صورة سردية لطبيعة الحياة في المناطق الشعبية وشبه العشوائية، في مناطق على أطراف القاهرة، حيث يقيم النازحون إلى العاصمة من المحافظات البعيدة، كحال أسرة «دهيبة» التي تنحدر من أصول نوبية. ويأتي النازحون بنسقهم القيمي الريفي، ويغرسونه في قلب المدينة، مع تسييد العادات والتقاليد الريفية، على المكان الذي يُفترض به أن يكون فضاءً للانفتاح والتحرر.

تمزج البطلة الساردة، التي كانت مولعة في صباها بالرسم والفنون عامة، بين سيرتها وبين أغنيات شهيرة في حقب مختلفة، إذ تبدأ كل فصل بمقطع من أغنية. هذه الأغنيات التي أصبحت تستدعيها بعد ذلك في أثناء علاجها النفسي، وتخبر طبيبها بأن كل أغنية منها كانت مرافقة لإحدى ميتاتها السابقة، ميتاتها الرمزية. إضافةً إلى الأغنيات، ثمة حضور قوي للأفلام، وهناك ثلاثة أفلام يبدو حضورها لافتاً: «آيس كريم في جليم» أول فيلم شاهدته في السينما مع صديقتها «دهيبة»، بعد أن هربتا يومها من المدرسة، تحدياً لتصور الجدَّات عن البنت التي تذهب للسينما. والثاني «أحلام هند وكاميليا» فكان بمنزلة حلم لها، تريد أن تتمثله وتهرب مع «دهيبة» وتعيشان معاً، ومعهما «عائشة» ابنتها بعد ذلك. والثالث «موعد على العشاء»، فكانت تتمنى أن تنتقم من زوجها، مثلما فعلت البطلة سعاد حسني مع زوجها.

الفن والغناء والصحبة كانت عالم «أمينة»، لكن زواجها عنوةً من رجل ينتمي إلى الإسلام السياسي، وتخليها عن ابنتها له، حيث أصبحت تراها فقط على الشاشة، وهي تقدم برنامجاً عبر قناة دينية يمتلكها والدها وجماعته، إبان صعود «الإخوان» عقب «يناير 2011»، فتراها وهي تطعن في عقيدة ودين كل المختلفين معها... تحزن الأم مرتين؛ الأولى على ضياع حياتها، وتعامل المحيطين معها بوصفها «مجنونة»، والثانية لما آل إليه حال ابنتها. فقد تشوهتا، مثلما تشوه جميع أبطال هذا العالم الروائي، وتحولوا إلى مسوخ: «العنف يا عائشة هو ما يخلق شخصيات مشوهة وخاضعة ومرتعدة، لا تملك حق الرفض أبداً».


السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ
TT

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

عن دار «رشم للنشر والتوزيع» في السعودية، صدر أخيراً كتاب «سينما الاستنساخ المصرية»، للناقد السعودي خالد ربيع السيد، يقع الكتاب في أكثر من 400 صفحة من القطع الكبير. ويناقش آلية نسخ الأفلام الأجنبية، وتحويلها إلى مصرية، مقارنة بالسينما المصرية الأصيلة الرصينة، خاصة في الثمانينات مع حركة الواقعية الجديدة، والتي يرى المؤلف أنها كانت نابعة من قلب الواقع، وقضاياه، ومشكلات الإنسان المصري الحقيقية.

يبدأ الكتاب بمقدمة يوضح فيها المؤلف أن تأليفه لهذا الكتاب جاء «بدافع التعرف على الأفلام المصرية، والاستمتاع بها، وربما لتحريض القارئ على مشاهدة الجيد منها، ومقارنتها بالأفلام الأجنبية التي استنسخت منها، ولم يكن القصد الانتقاص من شأن السينما المصرية عموماً». ويوضح في هذه المقدمة مفهومه الخاص للفوارق بين الاستنساخ والاقتباس، قائلاً: «الاستنساخ كما أرى يعتمد على نقل مطابق لأفكار وحبكات أفلام أخرى، نسخ ولصق، حيث تنحسر مساحة الإبداع، والأصالة، وتنطوي على شيء من إعادة الصنع، أو التكوين بمدخلات جديدة لتنتج معطيات مستجدة. بينما يتوافق مصطلح اقتباس مع ما ينقل من الرواية، والمسرح».

بعد هذه المقدمة، هناك تصديران لناقدين سينمائيين مصريين، الأول بعنوان: «شعرة، وقارة، ما بين الاقتباس والاستنساخ» للناقد عصام زكريا، يوضح فيه الفوارق بين الاقتباس والسرقة، والحدود العلمية بينهما، وتاريخ الاقتباس في السينما العالمية، والأميركية منها بوجه خاص، مشيراً إلى أن الكتاب «إسهام مهم في النقاشات الدائرة حول تعريفات وأصول وحدود الاقتباس، وهو نقاش ضروري، ليس فقط لإعطاء كل ذي حق حقه، ولكن لإثراء الحياة الفنية، وتلقين الشباب الصاعد درساً بليغاً في معنى أن يكون الإنسان فناناً».

التصدير الثاني بعنوان: «سينما ثرية يعتريها نسخ واستسهال» للناقدة فايزة هنداوي، تؤكد فيه أن «الكاتب لا يقف موقف الخصم، بل موقف المحب الغيور، ما يمنحه توازناً نقدياً، فهو لا يتردد في الإشادة بما هو أصيل، ومبدع، ويحتفي بالدور الاقتصادي والاجتماعي الذي لعبته السينما في حياة ملايين المصريين، والعرب. ولكنه في الوقت نفسه لا يتوانى عن كشف مواطن الضعف، وانتقاد أفلام المقاولات البائسة، التي حولت أفلاماً راقية إلى نسخ مشوهة وسخيفة».

يتكون الكتاب من ستة أبواب رئيسة، كل منها ينقسم إلى عدة فصول، متناولاً أشهر الأفلام المستنسخة، وأشهر الممثلين الذين اعتمدوا على الاستنساخ في أفلامهم، بخاصة عادل إمام، وأحمد حلمي، فضلاً عن رصد ظاهرة استنساخ الأفيشات، حتى الموسيقى التصويرية، ويناقش مظاهر التغريب التي نقلتها السينما المصرية. كما يضم قوائم وتحليلات وبوسترات عن الأفلام المصرية المنقولة من السينمات الأخرى. وبعد تطواف كبير في دراسة الظاهرة، وجذورها، وتجلياتها، أفرد الكتاب الباب الأخير، الذي ينقسم إلى خمسة فصول، لإلقاء الضوء على ما أسماه «السينما المصرية الأصيلة» التي أنتجت بدماء وروح مصرية خالصة، وأهم مخرجيها، ومحطاتها، ومؤلفي الموسيقى التصويرية فيها.