رحلة الرقيب في البحث عن الذات

سومر شحادة في «حكاية السيد البرغي» حيث الأدب شفاء من الاستبداد

رحلة الرقيب في البحث عن الذات
TT

رحلة الرقيب في البحث عن الذات

رحلة الرقيب في البحث عن الذات

الاستبداد لم يعد مسألة محلية في دولة ديكتاتورية من دول العالم الثالث، بل سمة عالمية تستعيد أقسى ملامحها، كأنما كل نظريات الحرية وئدت ونسي أثرها. حتى إن كان سومر شحادة في روايته الجديدة «حكاية السيد البرغي» الصادرة حديثاً عن «دار الآداب» يستوحي الحالة السورية التي عايشها، فإن النص يتخلى عن تحديد المكان، ويترك الشخصيات منفلتة من ربقة الأسماء، تعيش وجودها الإنساني الكفكاوي المرّ بلا صدمات كبرى أو أحداث انقلابية.

فنحن في أماكن لا أسماء لها ولا عناوين. الشخصية الرئيسية في الرواية (البطل) يعمل في مؤسسة يطلق عليها اسم «إصلاحية». بمعنى أنها تقوم بمهمة الإصلاح، بينما هي بنية استخباراتية تتبع «النظام» الذي لا نعرف له هوية أو لوناً. القصة إذن بلا مؤشرات زمانية أو مكانية، تدخلنا في لعبة روائية متحررة من قيود الجغرافيا واعتباراتها، بحيث نبقى في بقعة هلامية تدور فيها الأحداث. الرواية التي تتحدث عن حبائل التحايل على القمع، ووسائل التلاعب على السلطة المستبدة، تمارس الحيل ذاتها على القارئ والسلطة معاً.

الموظف الحكومي في قسم الوثائق في «الإصلاحية» لم يكن مهجوساً بالتساؤل حول مهمته، وهو يقرأ النصوص التي يتوجب عليه مراقبتها، لكن حين تمر عليه مقالة ممدوح حداد، يتلبسه الشك في صلاحية المقالة نفسها للنشر، ويشعر بالاستفزاز وهو يقرأ فيها أن الموظفين أمثاله «مجرد برغي في آلة تطحن وعي الناس». الآلة هنا هي النظام، والموظف الرقيب هو برغي لا أكثر في آلة ضخمة، وكم من برغٍ غيره. وهي في مجملها براغي تسيّر الآلة دون أن تفهم كنه وظيفتها الحقيقية. إرباكه أمام هذا التشبيه يجعله يتذكر من جديد أن عمله هذا «سمّم حياته» لكن رضي وتغاضى وكتم وجعه، لأن هذه الوظيفة «تزيد من حظوظ أبنائه في الوظائف مستقبلاً».

نص مقالة ممدوح حداد، يفتح تدريجياً أمام السيد البرغي باب الكشف، حيث تنقلب حياته، ويذهب يبحث عن ممدوح، من هو؟ بماذا يفكر؟ وهل له كتابات أخرى؟ أي مصادفة أن تكون ابنته معجبة بهذا الكاتب وفي مكتبتها روايته «عطر الليل» التي سيقرأها خلال رحلته مع عائلته إلى الريف.

في رواية «عطر الليل» يبحث الموظف عن خلفيات الكاتب ممدوح، عن نواياه وانتماءاته، ويؤجل مرة تلو أخرى تسليم التقرير الذي يفترض أن يكتبه عن المقالة المعلقة، ويقدمه للجهة المسؤولة.

في موازاة تصاعد الحالة النفسية المضطربة التي يعيشها الموظف، وهو يقرأ رواية ممدوح حداد، والتي تنعكس على علاقته بعائلته، يتساءل عن دوره وحياته، ومهمته. ومع تقدمه في القراءة يلتبس علينا الأمر، كما الموظف نفسه، إن كان ممدوح مرآة له، ومجرد اسم مستعار، أم كاتباً حقيقياً.

طوال عشرين سنة، كان الموظف البرغي يقدم تقاريره دون تردد، هذه المرة يشعر بأنه أمام كاتب يختبر فكره، ومساره. وإذا كانت مقالة ممدوح قد استفزته وحرضته على قراءة روايته، فإن الرواية بموضوعها عن الألم الشخصي، وانسداد الأفق، وضياع الذاكرة، تحت وطأة نظام قمعي، تتسبب له في اهتزازات نفسية عميقة ومراجعات موجعة. يقرأ الرواية التي تقلب وجدانه خلال رحلته الريفية مع عائلته، لكن الرقابة لا تعتقه. وهي وإن غابت تبقى ساكنة فيه. ينظر من نافذة في فندقه الجبلي، حيث تنساب الحقول أمامه، فيرى كاميرا ترصده، كعين لا تنام. يتخيل التقرير الذي سيسطره في صاحب الرواية واصفاً إياه بأنه «كاتب منحط، يوظف الكتابة توظيفاً»، لا، بل «هو خطر على الأدب»، لكنه يتراجع. هذا الكاتب أعاده إلى ذاته، إلى أيام الأرق الأولى، حين بدأ وظيفته قبل عشرين سنة، يومها كان يصاب بقلق يحجب عنه النوم. لكن زميلاً له نصحه بأن يحب عمله ويحاول «رؤية الآلة على أنها أمر وجداني... وما أن يعترف المرء بالآلة حتى ترافقه مثل حب قديم يجدد ذاته». يصل الاستلاب بالسيد البرغي أنه أكثر ما يشعر بالطمأنينة حين يصبح أمام كاميرا المراقبة في الإصلاحية، ربما لأنه هنا يصبح بعيداً عن أي شبهة قد تلتصق به. أما خارج مكان عمله فشياطين أفكاره توسوس له بما يشعره بالرعب من انكشاف أمره، خاصة أن إحساساً يطارده بأن ثمة كاميرات تترصده أينما تنقّل، ما يزيد من شعوره الدائم بالخوف المكبوت.

في خضم معركته الذاتية مع رواية ممدوح، التي فيها من التفاصيل ما يشبهه حد التطابق، يسمع وهو جالس في مكتبه في «الإصلاحية» صوتاً يقترب من باب غرفته. عندها سارع إلى إحكام إغلاق الباب، سنده بجسده، ثم أخذ ينظر في أرجاء الغرفة بفزع وهو يعتقد أن النظام قرأ أفكاره. «النظام قادم، وسوف يسحقه بالمسننات الحديدية، وقد تأخر في قراءة مصيرية». ثم يقول لنفسه: «أصبحت أقرب للاعتقاد بالفعل أنني عدو نفسي، وقد نجح النظام في ترسيخ هذا التصور لدي».

مع بداية قراءة السيد البرغي لـ«عطر الليل» يشعر أن ممدوح خصم له، لكنه بمرور الصفحات، يصل إلى خلاصات أهمها أن ممدوح عجز عن امتلاك حياته، و«عجز عن الاعتراف أن البشر أقل من أن تصنع أقدارها». يقرأ في الرواية عجز ممدوح عن مواجهة النظام، مواجهة تلك الأدوات المخابراتية التي صارت جزءاً من نسيج المجتمع، وليست دخيلة عليه.

يشعر بتشابه بين حياته الشخصية وما يعيشه صاحب الرواية. فهو بحسه التجسسي المتمرس وخبرته، يدرك أنه أمام سيرة وجدانية للكاتب ممدوح حداد، وهي ليست مجرد حكاية من صنع الخيال، إنها مليئة بالمشاعر والانفعالات. مع التقدم في القراءة يصبح أكثر تماهياً مع الكاتب، لكن الفرق أنه انخرط في النظام، وممدوح عاداه وواجهه، لكنهما وصلا إلى النتيجة نفسها، هي أنهما سُحقا، وابتلعتهما الآلة.

يصل الاستلاب بالسيد البرغي أنه أكثر ما يشعر بالطمأنينة حين يصبح أمام كاميرا المراقبة في الإصلاحية

عندما ينهي القراءة أول مرة، يشعر كأن إحساساً جديداً يخترقه، أو كأنما حفر النص في داخله عميقاً، وفجّر أسئلة وجودية.

نحن في حضرة رواية داخل الرواية. بمعية السيد البرغي، نقرأ حكاية ممدوح حداد، بعيني الموظف الرقيب، ونعيش في الوقت نفسه تفاعلاته النفسية مع النص، وإحساسه به، وكيف أنه بمرور الصفحات تزداد شكوكه في نفسه، ومراجعته المؤلمة لحياته، ليس حول محاباته للنظام فقط، لكن حول علاقته الملتبسة بزوجته أيضاً. إذ يقول: «بقيت أنظر إليها نظرتي إلى حديقة في جوار المنزل، تفوح منها رائحة عطر الليل. وكنت أمنع نفسي من اقتحام أسوار تلك الحديقة، أو التطفل على أزهارها». شيء من التجاور في حياة زوجين يفترض أنهما اندغما، لكن الحياة لا تسير بانسيابية حين تكون النفس قلقة، مرتجفة، تدفن مخاوفها، وتصمت عن الضيم، وترتكب الآثام مكرهة.

لهذا، وهو في خضم إعداد التقرير فإن «أكثر المواضيع التي بدأت تلح عليه هي مسألة الحرية». أما العبارة التي بقى يرددها، ويتمنى لو تصل إلى الأسماع، فهي «أنا بريء». لكنه فاقد القدرة على التحكم بمصيره. فكيف تستوي الحرية مع القيد؟

تبقى الرواية تسير بوتيرة هادئة خارجياً، مضطربة في أعماق النفوس، إلى أن نصل إلى نهاية يحسم فيها الموظف أمره، مختاراً ما يعتقده حريته، على البقاء قطعة صغيرة في آلة جهنمية. لكن هل وجد الموظف سلامه الذي يبتغيه؟ نبرة النص لا توحي بذلك، لكننا نفهم أن ممدوح حداد الذي بقي شخصية مقنعة هو مجرد ذريعة روائية أو حاجة أدبية لقراءة الموظف لذاته. أما رواية «عطر الليل» بأسلوبها الذي سحر قارئها، فلعبت دور المشرّح النفسي، أو الكاشف والمحلل، لشخصية قضم روحها القمع وشتّت كيانها، في إشارة إلى دور الأدب في الشفاء من الاستبداد.


مقالات ذات صلة

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

ثقافة وفنون الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط..

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي

صدر أخيراً عن دار النابغة في القاهرة كتاب «إيكولوجيا النص الأدبي: دراسات نظرية وتطبيقية مترجمة في النقد البيئي المعاصر»، ترجمة وتحرير معتز سلامة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون إلياس خوري

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة...

شوقي بزيع

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».