رحلة الرقيب في البحث عن الذات

سومر شحادة في «حكاية السيد البرغي» حيث الأدب شفاء من الاستبداد

رحلة الرقيب في البحث عن الذات
TT

رحلة الرقيب في البحث عن الذات

رحلة الرقيب في البحث عن الذات

الاستبداد لم يعد مسألة محلية في دولة ديكتاتورية من دول العالم الثالث، بل سمة عالمية تستعيد أقسى ملامحها، كأنما كل نظريات الحرية وئدت ونسي أثرها. حتى إن كان سومر شحادة في روايته الجديدة «حكاية السيد البرغي» الصادرة حديثاً عن «دار الآداب» يستوحي الحالة السورية التي عايشها، فإن النص يتخلى عن تحديد المكان، ويترك الشخصيات منفلتة من ربقة الأسماء، تعيش وجودها الإنساني الكفكاوي المرّ بلا صدمات كبرى أو أحداث انقلابية.

فنحن في أماكن لا أسماء لها ولا عناوين. الشخصية الرئيسية في الرواية (البطل) يعمل في مؤسسة يطلق عليها اسم «إصلاحية». بمعنى أنها تقوم بمهمة الإصلاح، بينما هي بنية استخباراتية تتبع «النظام» الذي لا نعرف له هوية أو لوناً. القصة إذن بلا مؤشرات زمانية أو مكانية، تدخلنا في لعبة روائية متحررة من قيود الجغرافيا واعتباراتها، بحيث نبقى في بقعة هلامية تدور فيها الأحداث. الرواية التي تتحدث عن حبائل التحايل على القمع، ووسائل التلاعب على السلطة المستبدة، تمارس الحيل ذاتها على القارئ والسلطة معاً.

الموظف الحكومي في قسم الوثائق في «الإصلاحية» لم يكن مهجوساً بالتساؤل حول مهمته، وهو يقرأ النصوص التي يتوجب عليه مراقبتها، لكن حين تمر عليه مقالة ممدوح حداد، يتلبسه الشك في صلاحية المقالة نفسها للنشر، ويشعر بالاستفزاز وهو يقرأ فيها أن الموظفين أمثاله «مجرد برغي في آلة تطحن وعي الناس». الآلة هنا هي النظام، والموظف الرقيب هو برغي لا أكثر في آلة ضخمة، وكم من برغٍ غيره. وهي في مجملها براغي تسيّر الآلة دون أن تفهم كنه وظيفتها الحقيقية. إرباكه أمام هذا التشبيه يجعله يتذكر من جديد أن عمله هذا «سمّم حياته» لكن رضي وتغاضى وكتم وجعه، لأن هذه الوظيفة «تزيد من حظوظ أبنائه في الوظائف مستقبلاً».

نص مقالة ممدوح حداد، يفتح تدريجياً أمام السيد البرغي باب الكشف، حيث تنقلب حياته، ويذهب يبحث عن ممدوح، من هو؟ بماذا يفكر؟ وهل له كتابات أخرى؟ أي مصادفة أن تكون ابنته معجبة بهذا الكاتب وفي مكتبتها روايته «عطر الليل» التي سيقرأها خلال رحلته مع عائلته إلى الريف.

في رواية «عطر الليل» يبحث الموظف عن خلفيات الكاتب ممدوح، عن نواياه وانتماءاته، ويؤجل مرة تلو أخرى تسليم التقرير الذي يفترض أن يكتبه عن المقالة المعلقة، ويقدمه للجهة المسؤولة.

في موازاة تصاعد الحالة النفسية المضطربة التي يعيشها الموظف، وهو يقرأ رواية ممدوح حداد، والتي تنعكس على علاقته بعائلته، يتساءل عن دوره وحياته، ومهمته. ومع تقدمه في القراءة يلتبس علينا الأمر، كما الموظف نفسه، إن كان ممدوح مرآة له، ومجرد اسم مستعار، أم كاتباً حقيقياً.

طوال عشرين سنة، كان الموظف البرغي يقدم تقاريره دون تردد، هذه المرة يشعر بأنه أمام كاتب يختبر فكره، ومساره. وإذا كانت مقالة ممدوح قد استفزته وحرضته على قراءة روايته، فإن الرواية بموضوعها عن الألم الشخصي، وانسداد الأفق، وضياع الذاكرة، تحت وطأة نظام قمعي، تتسبب له في اهتزازات نفسية عميقة ومراجعات موجعة. يقرأ الرواية التي تقلب وجدانه خلال رحلته الريفية مع عائلته، لكن الرقابة لا تعتقه. وهي وإن غابت تبقى ساكنة فيه. ينظر من نافذة في فندقه الجبلي، حيث تنساب الحقول أمامه، فيرى كاميرا ترصده، كعين لا تنام. يتخيل التقرير الذي سيسطره في صاحب الرواية واصفاً إياه بأنه «كاتب منحط، يوظف الكتابة توظيفاً»، لا، بل «هو خطر على الأدب»، لكنه يتراجع. هذا الكاتب أعاده إلى ذاته، إلى أيام الأرق الأولى، حين بدأ وظيفته قبل عشرين سنة، يومها كان يصاب بقلق يحجب عنه النوم. لكن زميلاً له نصحه بأن يحب عمله ويحاول «رؤية الآلة على أنها أمر وجداني... وما أن يعترف المرء بالآلة حتى ترافقه مثل حب قديم يجدد ذاته». يصل الاستلاب بالسيد البرغي أنه أكثر ما يشعر بالطمأنينة حين يصبح أمام كاميرا المراقبة في الإصلاحية، ربما لأنه هنا يصبح بعيداً عن أي شبهة قد تلتصق به. أما خارج مكان عمله فشياطين أفكاره توسوس له بما يشعره بالرعب من انكشاف أمره، خاصة أن إحساساً يطارده بأن ثمة كاميرات تترصده أينما تنقّل، ما يزيد من شعوره الدائم بالخوف المكبوت.

في خضم معركته الذاتية مع رواية ممدوح، التي فيها من التفاصيل ما يشبهه حد التطابق، يسمع وهو جالس في مكتبه في «الإصلاحية» صوتاً يقترب من باب غرفته. عندها سارع إلى إحكام إغلاق الباب، سنده بجسده، ثم أخذ ينظر في أرجاء الغرفة بفزع وهو يعتقد أن النظام قرأ أفكاره. «النظام قادم، وسوف يسحقه بالمسننات الحديدية، وقد تأخر في قراءة مصيرية». ثم يقول لنفسه: «أصبحت أقرب للاعتقاد بالفعل أنني عدو نفسي، وقد نجح النظام في ترسيخ هذا التصور لدي».

مع بداية قراءة السيد البرغي لـ«عطر الليل» يشعر أن ممدوح خصم له، لكنه بمرور الصفحات، يصل إلى خلاصات أهمها أن ممدوح عجز عن امتلاك حياته، و«عجز عن الاعتراف أن البشر أقل من أن تصنع أقدارها». يقرأ في الرواية عجز ممدوح عن مواجهة النظام، مواجهة تلك الأدوات المخابراتية التي صارت جزءاً من نسيج المجتمع، وليست دخيلة عليه.

يشعر بتشابه بين حياته الشخصية وما يعيشه صاحب الرواية. فهو بحسه التجسسي المتمرس وخبرته، يدرك أنه أمام سيرة وجدانية للكاتب ممدوح حداد، وهي ليست مجرد حكاية من صنع الخيال، إنها مليئة بالمشاعر والانفعالات. مع التقدم في القراءة يصبح أكثر تماهياً مع الكاتب، لكن الفرق أنه انخرط في النظام، وممدوح عاداه وواجهه، لكنهما وصلا إلى النتيجة نفسها، هي أنهما سُحقا، وابتلعتهما الآلة.

يصل الاستلاب بالسيد البرغي أنه أكثر ما يشعر بالطمأنينة حين يصبح أمام كاميرا المراقبة في الإصلاحية

عندما ينهي القراءة أول مرة، يشعر كأن إحساساً جديداً يخترقه، أو كأنما حفر النص في داخله عميقاً، وفجّر أسئلة وجودية.

نحن في حضرة رواية داخل الرواية. بمعية السيد البرغي، نقرأ حكاية ممدوح حداد، بعيني الموظف الرقيب، ونعيش في الوقت نفسه تفاعلاته النفسية مع النص، وإحساسه به، وكيف أنه بمرور الصفحات تزداد شكوكه في نفسه، ومراجعته المؤلمة لحياته، ليس حول محاباته للنظام فقط، لكن حول علاقته الملتبسة بزوجته أيضاً. إذ يقول: «بقيت أنظر إليها نظرتي إلى حديقة في جوار المنزل، تفوح منها رائحة عطر الليل. وكنت أمنع نفسي من اقتحام أسوار تلك الحديقة، أو التطفل على أزهارها». شيء من التجاور في حياة زوجين يفترض أنهما اندغما، لكن الحياة لا تسير بانسيابية حين تكون النفس قلقة، مرتجفة، تدفن مخاوفها، وتصمت عن الضيم، وترتكب الآثام مكرهة.

لهذا، وهو في خضم إعداد التقرير فإن «أكثر المواضيع التي بدأت تلح عليه هي مسألة الحرية». أما العبارة التي بقى يرددها، ويتمنى لو تصل إلى الأسماع، فهي «أنا بريء». لكنه فاقد القدرة على التحكم بمصيره. فكيف تستوي الحرية مع القيد؟

تبقى الرواية تسير بوتيرة هادئة خارجياً، مضطربة في أعماق النفوس، إلى أن نصل إلى نهاية يحسم فيها الموظف أمره، مختاراً ما يعتقده حريته، على البقاء قطعة صغيرة في آلة جهنمية. لكن هل وجد الموظف سلامه الذي يبتغيه؟ نبرة النص لا توحي بذلك، لكننا نفهم أن ممدوح حداد الذي بقي شخصية مقنعة هو مجرد ذريعة روائية أو حاجة أدبية لقراءة الموظف لذاته. أما رواية «عطر الليل» بأسلوبها الذي سحر قارئها، فلعبت دور المشرّح النفسي، أو الكاشف والمحلل، لشخصية قضم روحها القمع وشتّت كيانها، في إشارة إلى دور الأدب في الشفاء من الاستبداد.


مقالات ذات صلة

فن «الكتابة عن الكتابة»

كتب فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها.

سوسن الأبطح
كتب تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون  رضا البهات

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون 
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

قصر الحلابات

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.