كيف نؤرّخ لذواتنا؟

كيف نؤرّخ لذواتنا؟

المسافة بين السيرة واقعاً وكتابة
الأحد - 3 ذو القعدة 1439 هـ - 15 يوليو 2018 مـ رقم العدد [ 14474]
د. عبد الله بن عبد الرحمن الحيدري
تدل «السيرة» في الاصطلاح الحديث على «تاريخ الحياة للأفراد». وقد أطلق العرب كلمة «سيرة» على ما كتب من حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ثم توسعوا في مدلولها فأطلقوها على حياة بعض الأشخاص، وهذا النوع من السير هو النوع الأول المعروف باسم «السيرة الغيرية»، أو ما يعرف لدى الغرب باسم «Biography». وهذا النوع من السيرة يعني، باختصار، «البحث عن حقيقة في حياة إنسان فذ، والكشف عن مواهبه وأسرار عبقرية من ظروف حياته التي عاشها، والأحداث التي واجهها في محيطه والأثر الذي خلفه في جيله أو بعبارة أوضح (الكتابة عن أحد الأشخاص البارزين لاستجلاء شخصيته، والكشف عن عناصر العظمة فيها)».
وقد عُني بعضهم بتحديد مواطن الالتقاء بين السيرتين: الغيرية والذاتية، غير أن ذلك أدى إلى الوقوع في الخلط بينهما، حيث ذهب بعض الدارسين «إلى أنه لا فرق بين السيرتين في الغاية والشكل والمضمون، سوى أن السيرة الذاتية تكتب بصيغة المتكلم، بينما تكتب الأخرى بصيغة الغائب».
والحقيقة أن السيرتين غير متفقتين مطلقاً «لاختلاف الصفات التي تجود بهما كل من السيرتين»، بالإضافة إلى أن بعض السير الذاتية قد كتبت بصيغة الغائب، ومن ذلك «أيام» طه حسين، التي تعد من أشهر السير الذاتية العربية.
على أنه من المهم الإشارة إلى أن النقد العربي الحديث قد استوعب التفرقة بين المصطلحين الغربيين المركبين تركيباً مزجياً، فحكاهما لفظاً وقال: «السيرة الغيرية» لـBiography و«السيرة الذاتية» لـAutobiography.
وتشكل السير الذاتية نمطاً متميزاً في الفنون الأدبية، غير أن الكتب التي تتناول هذا الفن بوصفه فناً أدبياً مستقلاً عن فن السيرة الغيرية قليلة بالمقارنة مع الكتب التي عُنيت بتحديد مفهوم الأجناس الأدبية الأخرى، خصوصا الشعر والمسرح بصفتهما أقدم الأجناس الأدبية. ولعل السبب يكمن في أن السيرة الذاتية جنس أدبي جديد بمفهومه المعاصر، إذ لا يتجاوز عمر مصطلحه القرنين، على وجه التقريب، وهي فترة قصيرة، يتعذر الاتفاق فيها على تعريف محدد وواضح لمفهوم هذا الفن وحدوده، حيث لم يتفق النقاد أو أصحاب النظريات بعد على تعريف معين للسيرة الذاتية، فمنهم من تحدث عن «العقد الأوتوبيوغرافي» وجعل منه أساساً لتعريفه السيرة الذاتية، ومنهم من فضَّل تعريفاً يعتمد على كتابة السيرة الذاتية نفسها، لا على العلاقة المفترضة بين المؤلف والقارئ.
كيف نؤرّخ لذواتنا؟
السؤال يتناول «تاريخ الذات»، أي أن يتولى الإنسان نفسه التأريخ لنفسه، وكاتب التاريخ أمين، يستند على التواريخ، وعلى تسلسل الأحداث، وكيف وقعت، ويحللها، ويفسّرها، ويراعي الربط بينها، لكن هل يمكن تحقق ذلك من دون استعداد مبكّر لهذه المهمة الصعبة؟
أما السيرة الذاتية بوصفها عملاً إبداعياً فتحتاج إلى روافد كثيرة تساعد على نجاحها، وتحتاج إلى تخطيط مسبق قبل البدء بكتابتها، وربما كان الإقدام على كتابتها أشبه بمن يخطط لبناء منزل، فليس من المتصور إطلاقاً أن يكون البناء كيفما اتفق، وإنما يخضع المشروع لتفكير طويل واستشارات ومداولات وعناية ومتابعة واهتمام.
والسيرة الذاتية في مراحل بنائها شبيهة جداً بالمراحل التي يمر بها بناء المساكن، ويفترض أن يحضر كاتبها كل أوراقه ومستنداته، وملفاته القديمة والجديدة، ومقالاته وكتبه، ومشاركاته في الحياة العامة المكتوبة في شكل يوميات أو بأي صيغة كانت، ويستدعي بالضغط على الذاكرة كل الصعوبات والعقبات التي صادفته في الحياة، ويستعيد ذكريات السفر، وعلاقاته بالآخرين، وينظر إلى كل هذه المواد على أنها مواد أولية تحتاج إلى انتقاء واختيار، وإعادة تصنيع حتى يمكنها أن تدخل في البناء النهائي للسيرة الذاتية.
وفي مواجهة هذه المصادر للسيرة الذاتية نحتاج إلى ترتيبها زمنياً، فلا نتحدث عن الحياة العملية قبل مراحل التعليم، أو نتحدث عن مراحل التعليم قبل مرحلة الطفولة المبكرة، وينبغي أن تكون لدى كاتب السيرة الذاتية القدرة الانتقائية الصارمة التي تستبعد غير المهم، وتضحي بكثير من الأحداث العادية، وتسدل الستار على المواقف غير المؤثرة في حياته، في وقت يُحتفى فيه ببعض الأحداث الصغيرة في ذاتها، المؤثرة في الجملة، ولها دور في تشكيل شخصيته ومسار حياته، فيعمد إلى تحليلها وبيان أثرها، ويربط ماضي حياته بحاضرها في إطار هذه الأحداث، وبلغة واقعية ليس فيها تدليس ولا مبالغة ولا تهوين من شأن الذات وتحقير لها، بل يحرص قدر الإمكان على أن تكون روايته صادقة مقنعة متسقة مع أحداث حياته التي شاركه فيها الآخرون، وليس بالإمكان تزييفها وبهرجتها وقلب حقائقها.
وفي رأيي... أن أفضل الأعمال التي يمكن أن نقرأها في جنس السيرة الذاتية هي التي سينهض بها كُتّاب القصة والرواية؛ لأن هذا الجنس قصة حياة ورواية أحداث، وليس أقدر من هؤلاء على القص والرواية.
وبين يدي أعمال، أراها ناجحة في هذا المجال، ومن بينها: «حياتي مع الجوع والحب والحرب» لعزيز ضياء، و«مكاشفات السيف والوردة» لعبد العزيز مشري، و«سيرة شعرية» و«حياة في الإدارة» لغازي القصيـبي، و«غربة المكان» لإبراهيم الناصر الحميدان، في حين أرى أن بعض من تصدى لكتابتها (دون أن أذكر أسماء محدّدة) لم يوفقوا، فجاءت سيرهم مباشرة مثقلة بالتفاصيل العادية غير المهمة، متضخمة في صفحاتها، متكئة في كثير من الأحيان على أوراق لا قيمة لها كخطابات الشكر المعتادة أو نحوها.
السيرة الذاتية عمل صعب لا يخلو من تحدٍ ومغامرة، وأهم سماتها الصدق والبوح، وثانيها المنطقية والتدرج والانتقاء الصارم، وثالثها الإيجاز ودوره في بناء السيرة بناء متقناً دون ترهل وحشو وتفصيلات وإطالة تثقل العمل وتجلب الملل للقارئ والناشر على السواء!
وقد لا يتأتى له الوفاء بهذه الشروط، وتجنب المزالق، دون القراءة المعمّقة في الدراسات النقدية التي تصدت لهذا الجنس الأدبي؛ العربية وغير العربية، وهي كثيرة جداً.

* أستاذ الأدب المشارك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية اللغة العربية بالرياض - قسم الأدب، نائب رئيس مجلس إدارة «جمعية الأدب العربي»، والمقالة مقتطفات من محاضرة ألقيت أخيراً في ديوانية «جمعية المتقاعدين الوطنية»
Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة