تصعيد أميركي جديد في حرب التجارة... والصين تندد وتشكو وتتعهد بالرد

تستهدف واردات صينية بـ200 مليار دولار وتحذيرات من آثار عالمية

سفينة بضائع متوقفة في ميناء كينغدو في مقاطعة شاندونغ أمس (أ.ب)
سفينة بضائع متوقفة في ميناء كينغدو في مقاطعة شاندونغ أمس (أ.ب)
TT

تصعيد أميركي جديد في حرب التجارة... والصين تندد وتشكو وتتعهد بالرد

سفينة بضائع متوقفة في ميناء كينغدو في مقاطعة شاندونغ أمس (أ.ب)
سفينة بضائع متوقفة في ميناء كينغدو في مقاطعة شاندونغ أمس (أ.ب)

في رد فعل سريع، حذرت الصين أمس من أنها ستتخذ «التدابير المضادة المناسبة» بعد تهديدات جديدة من واشنطن بفرض رسوم جمركية جديدة على نحو 200 مليار دولار من الصادرات الصينية، أي ما يعادل أربعة أضعاف القائمة الأولى التي استهدفتها الولايات المتحدة يوم الجمعة الماضي.
وفجر الأربعاء، قال مسؤولون كبار في الحكومة الأميركية إن الولايات المتحدة قررت فرض رسوم جمركية على واردات سلع صينية بقيمة 200 مليار دولار اعتبارا من سبتمبر (أيلول) المقبل، وذلك بعدما أخفقت الجهود الرامية للتفاوض على حل للنزاع التجاري في الوصول إلى اتفاق. وقال الممثل التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر إن الولايات المتحدة ستفرض رسوما بـ10 في المائة على الواردات الصينية الإضافية. مشيرا إلى أن الصادرات الصينية المستهدفة بهذه الرسوم هي منتجات تستفيد من «نقل قهري للتكنولوجيا»، وهو المصطلح الذي تطلقه واشنطن على السياسة التي تتّبعها الصين في تعاملها مع شركات التكنولوجيا الأميركية.
وكان المسؤولون الأميركيون أصدروا مساء الثلاثاء قائمة تضم آلاف الواردات الصينية التي تريد إدارة ترمب فرض رسوم جمركية جديدة عليها، وتشمل مئات المنتجات الغذائية والتبغ والكيماويات والفحم والصلب والألمنيوم، مما أثار انتقادات من بعض مجموعات الصناعة الأميركية. وتشمل القائمة أيضا سلعا استهلاكية، منها إطارات السيارات والأثاث والمنتجات الخشبية وحقائب اليد وحقائب السفر وطعام الحيوانات الأليفة وقفازات كرة السلة والبسط والأبواب والدراجات وأدوات التزلج وحقائب الغولف والورق الصحي ومستحضرات التجميل. وستكون هذه الخطوة الجديدة الأحدث من نوعها في نزاع تجاري متصاعد بين أكبر اقتصادين في العالم.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب توعد بكين بإجراء انتقامي بعدما ردت بالمثل على قائمة أميركية أولى شملت صادرات صينية إلى الولايات المتحدة بقيمة 34 مليار دولار فرضت عليها واشنطن الأسبوع الماضي رسوما جمركية بنسبة 25 في المائة. مشيرا إلى أن بلاده ربما تفرض في نهاية المطاف رسوما على سلع صينية بأكثر من 500 مليار دولار، وهو ما يعادل تقريبا إجمالي الواردات الأميركية من الصين في العام الماضي.
وبلغ حجم الواردات الأميركية من الصين بالإجمال 505 مليارات دولار عام 2017. فيما سجل الميزان التجاري بين البلدين عجزا بقيمة 375 مليار دولار لصالح الصين.
واتهمت الصين الولايات المتحدة الأسبوع الماضي بـ«إطلاق أكبر حرب تجارية في التاريخ». فيما يتهم مسؤولون أميركيون الصين ببناء «هيمنتها الصناعية» عبر «سرقة إلكترونية» للمعارف التكنولوجية الأميركية بفرضها نقل الملكية الفكرية والاستحواذ عليها من قبل شركات تابعة للدولة.
ولكن بحسب الخبراء، فإن الإجراءات والقواعد المتبعة في هذا المجال تجعل فرض هذه الضرائب «أمرا مستحيلا»، إذ يتعيّن على مكتب ممثل التجارة الأميركية أن يعقد جلسات استماع حول المنتجات المدرجة في القائمة الجديدة للنظر فيما إذا كان سيتم الإبقاء عليها أم لا.
وقال مسؤولون في الإدارة إنه سيتاح للجمهور شهران للتعليق على الرسوم المقترحة قبل أن تصبح القائمة نهائية. فيما أوضح لايتهايزر أن قيمة السلع الواردة في القائمة الأولى تبلغ 50 مليون دولار سنويا، وليس 34 مليونا كما أُعلن سابقا.
- شكوى وتنديد صيني
وبعد ساعات قليلة من الإعلان الأميركي، نددت وزارة التجارة الصينية في بيان بالتهديدات الأميركية الجديدة «غير المقبولة إطلاقا»، معتبرة أن تصرف الولايات المتحدة «غير العقلاني» يضر «بالصين والعالم وبهم أنفسهم».
وكتبت بكين «حفاظا على المصالح الأساسية للبلاد والشعب، ستضطر الحكومة الصينية - كما فعلت من قبل - إلى اتخاذ تدابير الرد الضرورية»، مبدية «صدمتها» لسلوك واشنطن. وتابعت الوزارة «بموازاة ذلك، ندعو الأسرة الدولية إلى العمل بشكل منسق للحفاظ على قواعد التبادل الحر والنظام التجاري التعددي والتصدي معا للهيمنة التجارية».
وأفادت الصين عن تقديم شكوى جديدة «فورا» ضد الولايات المتحدة لدى منظمة التجارة العالمية. واتهمت بكين واشنطن بالسعي إلى «تدمير» التجارة بين البلدين.
وقال نائب وزير التجارة الصيني لي شينغانغ خلال منتدى في بكين إن «زيادة الرسوم الجمركية بصورة متبادلة وعلى نطاق واسع بين الصين والولايات المتحدة ستؤدي حتما إلى تدمير التجارة الصينية - الأميركية». وأضاف أن «هذه الممارسات تؤثر سلبا على العولمة الاقتصادية وتضرّ بالنظام الاقتصادي العالمي».
وإذ وصف المسؤول الصيني التراشق الضريبي الدائر حاليا بين بلاده والولايات المتحدة بأنه «وقت فوضوي في التجارة الدولية»، أكد أن «الشركات في كلا البلدين ستتكبّد خسائر. ما من منتصر في حرب تجارية. التعاون هو الخيار الوحيد الصائب بين الصين والولايات المتحدة». وأضاف أن «الولايات المتحدة ترفع على ما يبدو من وتيرة هذه المناوشات التجارية»، محذرا من أن «الأثر السلبي للمناوشات التجارية بدأ يظهر فعلا».
- تحذيرات واسعة
ويخشى المستثمرون من أن يلحق تصاعد النزاع التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم ضررا بالنمو العالمي ويؤثر سلبا على المعنويات. وتأتي الحرب التجارية بين العملاقين العالميين في أعقاب بدء الولايات المتحدة لصراعات مماثلة مع حلفائها المقربين، بما في ذلك كندا والاتحاد الأوروبي.
ويحذر خبراء من أن السياسات التجارية لترمب ستلحق الضرر بالوظائف في الولايات المتحدة ويمكن أن تضر بالاقتصاد العالمي... بينما يقول ترمب إنه يحاول تصحيح نظام تجاري عالمي يعتبره غير عادل للعمال والشركات الأميركية. كما يحذر الخبراء منذ أشهر من أضرار محتملة لحرب تجارية بين واشنطن وبكين ليس فقط على صعيد الاقتصاد الأميركي، بل أيضا على الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يهدد بوقف النمو الاقتصادي المستمر منذ سنوات.
وعلى الرغم من التحذيرات من تداعيات هذه الحرب على الولايات المتحدة نفسها، فإن ترمب يعتقد أن الاقتصاد الأميركي يمكنه الخروج فائزا من هذه المعركة. وفي المقابل تعتبر الصين أيضا أن اقتصادها قادر على تخطي الأزمة بالتركيز على الطلب المحلي وتخفيف الاعتماد على الصادرات.


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.