محمد الماغوط شاعر اللغة البرية والاحتجاج على العالم

رحل في الثالث من أبريل قبل اثني عشر عاماً

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

محمد الماغوط شاعر اللغة البرية والاحتجاج على العالم

محمد الماغوط
محمد الماغوط

«دخل ساحة العراك حاملاً في مخيلته بوادر قصيدة النثر، كشكل مبتكر وجديد وحركة رافدة لحركة الشعر الحديث. كانت الرياح تهب حارّة في ساحة الصراع، والصحف غارقة بدموع الباكين على مصير الشعر حين نشر قلوعه البيضاء فوق أعلى الصواري. وقد لعبت بدائيته دوراً هاماً في خلق هذا النوع من الشعر، كما نجت موهبته من التحجر والجمود. وكان ذلك فضيلة من الفضائل النادرة في هذا العصر»، بهذه الكلمات المعبرة تنهي الشاعرة سنية صالح، زوجة محمد الماغوط، تقديمها لأعماله الشعرية التي أصدرتها دار العودة في بيروت عام 1973. ولعل الفكرة الأهم في هذا النص تتمثل في الإشارة إلى الجانب البدائي من تلك التجربة النادرة التي لم يحصل صاحبها إلا على النزر القليل من التعليم في مدارس سوريا الزراعية، فيما كانت موادها الخام مستلّة من لهب البراكين المتناثرة حول السلمية، بلدة الماغوط التي نسيها الرومان على التخوم الفاصلة بين ريف حمص وبين الصحراء. وغير بعيد عما قالته صالح سيرد صاحب «العصفور الأحدب» على سؤال يتعلق بقصيدة النثر «الشعر نوع من الحيوانات البرية. الوزن والقافية والتفعيلة تدجنه. وأنا رفضت تدجين الشعر وتركته كما هو حراً». وهو ما يلتقي مع رؤية الكاتبة الفرنسية المعروفة مرغريت دوراس للشعر بوصفه «الصراخ الغامض للحيوانات الليلية».
سيكون من نافل القول بالطبع أن نصف محمد الماغوط بالشاعر المتمرد. لكن تمرده، خلافاً للكثيرين، لم يقتصر على الشعر وحده، بل تعداه إلى مواقفه من قواعد السلوك ونظام القيم السائدة، كما من كل نظام سياسي واجتماعي يقوم على الاستبداد والقهر وإذلال البشر وامتهان كراماتهم. لذلك فهو لم يتورع منذ كان طفلاً عن رمي أحد الإقطاعيين المحليين بالحجر، كرد منه على الطريقة المهينة التي اتبعها هذا الأخير في إلقاء صرر القمح على الفلاحين. أما السياط التي نالها بسبب ذلك فقد روى الشاعر بأن آثارها ظلت مطبوعة على جسمه مدى العمر.
كما بدت علاقة الماغوط غير الودية بأبيه تعبيراً عن رفضه للسلطة البطريركية في حلقاتها المتداخلة. وربما كان خروجه على لغة الشعر المألوفة بمثابة تعبير رمزي عن ثورته على النص الموروث والقواعد الجاهزة والمعلبة للشعر العربي. كان من الصعب تبعاً لذلك تدجين الماغوط وترويضه، حتى من قبل الآيديولوجيا التي انتمى إليها شاباً في الخمسينات، وعانى بسببها من وطأة السجن والفقر والمنفى. فهو حين سئل عن سبب انخراطه في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي لا في صفوف حزب البعث، عزا السبب إلى كون الأول قد جهز مقره بمدفأة حديثة تردّ عن محازبيه غائلة البرد، فيما أخفق الثاني في تحقيق ذلك! وخلال إقامته في لبنان كانت حياة الشاعر تسير على خطين متوازيين، خط الحياة البائسة التي فرضت عليه أن يكسب قوته عبر أكثر المهن قسوة وإرهاقاً، وخط الإبداع الذي أتاح له التعرف إلى مؤسسي مجلة «شعر» من أمثال يوسف الخال وأنسي الحاج وأدونيس. حتى إذا قرأ هذا الأخير نصاً غُفلاً من الاسم على مسامع المجتمعين في لقاء المجلة الأسبوعي ظن البعض أنه يعود لبودلير، والبعض الآخر أنه لرامبو، قبل أن يفاجئ أدونيس الحضور بأن صاحب النص الذي أصابهم بالذهول هو الماغوط نفسه.
لقد شكلت الحياة القاسية التي عاشها الماغوط في طفولته وشبابه الخلفية الواضحة أو المستترة لكل قصائده وصوره ومناخاته الشعرية. على أن ذلك القدر من المعاناة لم يكن لينتج قامة بحجم قامته لو لم يحظ بموهبة استثنائية، وبقدرة هائلة على تحويل مواد الواقع الأولية إلى صور مدهشة تصعق القارئ بطزاجتها ومفارقاتها وغرابة عناصرها المحيرة. فالماغوط لم يكتب عن العوز والتشرد تأثراً منه بالأدبيات الماركسية التي فرضت على الشعر الالتزام بمعايير عقائدية وأخلاقية محددة للاعتراف بأهميته وجدواه، بل كان ما كتبه انعكاساً لتجربته القاسية وتشرده الحقيقي، وهو الذي قضى ليالي وأياماً كثيرة طريداً بلا مأوى على أرصفة التسكع الباردة. وهو لا يقول: «ما من سنبلة في العالم إلا وعليها قطرة من لعابي» من باب المبالغة والتهويل اللفظيين، بل لأنه عرف معنى الجوع وخبِره عن كثب. وهو إذ يستخدم ضمير المتكلم في الكثير من قصائده لا تنغلق أناه على نفسها كالشرنقة، بل تعكس وجع الإنسان ومعاناته أينما وجد. حتى إذا انتقل إلى ضمير الجماعة بدا شعره شبيهاً بالتعاويذ والأدعية والابتهالات التي أطلقها الشعراء القدامى لحث قوى الطبيعة على إخراجهم من العزلة والكبت والقهر: «أيها القمر المنهوك القوى يقولون إنك في كل مكان على عتبة المبغى وفي صراخ الخيول بين الأنهار الجميلة وتحت ورق الصفصاف الحزين كن معنا في هذه العيون المهشمة والأصابع الجرباء أعطنا امرأة شهية في ضوء القمر لنسمع رحيل الأظافر وأنين الجبال ما من أمة في التاريخ لها مثل هذه العجيزة الضاحكة والعيون المليئة بالأجراس».
ليس في هذا الشعر استسلام للإنشاء الرخو أو الميلودراما العاطفية الرومانسية، ولا هو مقتطع من حواضر الصور والاستعارات المألوفة، بل هو يخرج من القاع الأخير للألم الإنساني مندفعاً نحو غايته بدينامية بالغة التوتر وبعيدة عن التكلف والتكلس والجمود التعبيري. ثمة في نصوص الماغوط ما يؤجج الإحساس بوحشة الكائن، كما بغياب العدالة وتسليع القيم، وتحوّل الأرض في ظل الجشع الرأسمالي إلى سوق مفتوحة للبيع والشراء. كما أن الصور عند الماغوط تجانب المجانية والاقتحام المتعسف لمناخ القصيدة، بل هي موظفة في خدمة المعنى والمناخ العام للقصيدة.
إضافة إلى أن الإفادة من فن السرد توفر للنص ذلك الخيط الدرامي الذي يؤالف بين مقاطعه وأجزائه. وإذا كانت قصائده تتجه مباشرة إلى معناها، فالماغوط يعرف كيف ينقذ الوضوح من فخ المباشرة، وكيف يحوله إلى طاقة خلاقة من التفاعل مع القارئ عبر تدافع الجمل وحرارة الأسلوب وقوة الإقناع. ومعانيه محمولة دائماً على الالتباس ومشرعة بفعل الصدق على نقيضها، بحيث يمكن له أن يضع لأحد كتبه عنوان «سأخون وطني» دون أن يساورنا بوطنيته أي شك. إن معظم ما يكتبه الماغوط يُحمل على غير وجه لأنه يستخدم أسلوب التورية الماكرة والسخرية المشبعة بالمرارة، خصوصاً فيما يتصل بواقع وطنه وأمته المزري، حيث تغيب قيم الحرية والعدالة والمساواة ليحل محلها التسلط والقهر والسحق التام للكرامة الإنسانية. وليس ثمة شاعر متعلق بوطنه إلى حد التتيم والوله الصوفي أكثر من ذلك الذي يهتف بمرارة قل نظيرها: «قولوا لوطني الصغير والجارح كالنمر أنني سأرفع سبّابتي كتلميذ طالباً الموت أو الرحيل ولكن لي بذمته بضعة أناشيد عتيقة من أيام الطفولة وأريدها الآن لن أصعد قطاراً ولن أقول وداعاً ما لم يُعِدْها إليَّ حرفاً حرفاً ونقطة نقطة وإذا كان لا يريد أن يراني أو يأنف من مجادلتي أمام المارة ليضعها في صرّة عتيقة أو وراء شجرة ما وأنا أهرع لالتقاطها كالكلب ما دامت كلمة الحرية في لغتي على هيئة كرسي صغير للإعدام».
إن الغريزة الجامحة لا التأليف البارد هي ما يقف وراء شعر الماغوط. والقلب لا العقل هو محرك الكتابة ومحفزها ودليلها الهادي. وهو إذ يلتقي مع نيتشه في انحيازه للخيار الديونيزي المتمثل بالحيوية الشهوانية ضد الخيار الأبولوني المتمثل بالعقلانية والهندسة المنظمة، يفترق عنه في تمجيده الصعلكة والهشاشة الإنسانية مقابل إعلاء صاحب «هكذا تكلم زرادشت» لمبدأ القوة والاستحواذ والسيطرة على الآخرين. هكذا لا يحضر الحب عند الماغوط في ثوبه العذري والرومانسي، بل في إطاره الشبقي الذي يحرر الجسد المغلول من قيوده ورغباته المقموعة، من مثل «المرأة التي أحلم بها لا تأكل ولا تشرب ولا تنام إنها ترتعش فقط ترتمي بين ذراعي وتستقيم كسيف في آخر اهتزازه» أو «آه كم أود أن آكل النساء بالملاعق وأن أقضم أكتافهنّ كالفهد» أو يقول بلسان المرأة الحالمة بالرجل المعشوق من جهة أخرى: «عندما أكون وحيدة يأتي إلى زنِخاً كالقصّاب بطيئاً تحت الأشجار الجرداء يلوّح شهوته كالسلسلة بين إصبعيه». ولعل الميزة الأهم لشعر الماغوط تتمثل في رهانه على الحواس الخمس كوسيلة فضلى لاكتشاف جمال العالم، أو للخوض في أوحال العيش أو لمعاينة جذور الشقاء. فهو شعر روائح وأصوات ومشاهد ومذاقات، لا شعر المعادلات الرياضية التي تتم في غرف العقل الباردة.
لكن الشاعر الذي يكتب نصوصه بجماع أعصابه، ما يلبث أن يجد الهوة عميقة بين غزارة أحلامه وبين تعثر خطاه، فيصرخ بشطره الآخر «اصرخ أيها الأبكم وارفع ذراعيك عالياً حتى ينفجر الإبط، واتبعني أنا السفينة الفارغة والريح المسقوفة بالأجراس أتحسس صدري وحنجرتي النافرة كثمرة التفاح وحول عيني قطيع من الدموع». كما أن نصوصه النثرية وأعماله المسرحية العديدة كانت بدورها مأهولة بحمى اللغة والسخرية السوداء ونزيف الشرايين.
أما ما اصطلح البعض على تسميته بالإيقاع الداخلي، فهو يجد في شعر محمد الماغوط شاهده ونموذجه الأمثل، حيث الجمل والسطور تتناظر وتتوازى وتتدافع نحو خواتيمها دون تعسف أو افتعال، وحيث الصيغ الكلامية تتنوع بين النداء والاستفهام والتعجب والاستنكار، وبين ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب، وحيث التكرار يجانب الإملال السقيم ويصادق تقليب الرعشات على وجوهها الكثيرة. وإذا كانت الصورة هي قوام شعر الماغوط الذي يقول في أحد حواراته بأن طفولته برمتها هي شريط من الصور، فإن إنجازه الأهم على هذا الصعيد يتمثل في إعادة الاعتبار للتشبيه الذي طالما وضعه البعض في أدنى سلم البيان العربي.
ذلك أنه يقيم وجوهاً غير مسبوقة للشبه بين العناصر والكائنات والأشياء. ونحن لا نملك أن نستجيب إلا بالشهقات حين نقرأ له تشبيهات شديدة الغرابة، من مثل «كنت أتدفق وأتلوى كحبلٍ من الثريات المضيئة الجائعة» أو «لا شيء سوى الغبار يعلو ويهبط كثدي المصارع» أو «أوروبا القانية تهرول في أحشائي كنسرٍ من الصقيع».
يبقى لي أخيراً أن أشير إلى وحشة الماغوط وغربته، وبخاصة بعد أن أنهكه المرض في سنواته الأخيرة، ووضعه وجهاً لوجه أمام فكرة الموت. إلا أن غربته تلك لم تقتصر على فترة بعينها، بل كانت حياته برمتها منذورة للغربة والتشرد والضياع، وهو القائل «إنني لست ضائعاً فحسب فحتى لو هويت عن أريكتي في المقهى لن أصل إلى سطح الأرض بآلاف السنين».



مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.