محمد الماغوط شاعر اللغة البرية والاحتجاج على العالم

رحل في الثالث من أبريل قبل اثني عشر عاماً

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

محمد الماغوط شاعر اللغة البرية والاحتجاج على العالم

محمد الماغوط
محمد الماغوط

«دخل ساحة العراك حاملاً في مخيلته بوادر قصيدة النثر، كشكل مبتكر وجديد وحركة رافدة لحركة الشعر الحديث. كانت الرياح تهب حارّة في ساحة الصراع، والصحف غارقة بدموع الباكين على مصير الشعر حين نشر قلوعه البيضاء فوق أعلى الصواري. وقد لعبت بدائيته دوراً هاماً في خلق هذا النوع من الشعر، كما نجت موهبته من التحجر والجمود. وكان ذلك فضيلة من الفضائل النادرة في هذا العصر»، بهذه الكلمات المعبرة تنهي الشاعرة سنية صالح، زوجة محمد الماغوط، تقديمها لأعماله الشعرية التي أصدرتها دار العودة في بيروت عام 1973. ولعل الفكرة الأهم في هذا النص تتمثل في الإشارة إلى الجانب البدائي من تلك التجربة النادرة التي لم يحصل صاحبها إلا على النزر القليل من التعليم في مدارس سوريا الزراعية، فيما كانت موادها الخام مستلّة من لهب البراكين المتناثرة حول السلمية، بلدة الماغوط التي نسيها الرومان على التخوم الفاصلة بين ريف حمص وبين الصحراء. وغير بعيد عما قالته صالح سيرد صاحب «العصفور الأحدب» على سؤال يتعلق بقصيدة النثر «الشعر نوع من الحيوانات البرية. الوزن والقافية والتفعيلة تدجنه. وأنا رفضت تدجين الشعر وتركته كما هو حراً». وهو ما يلتقي مع رؤية الكاتبة الفرنسية المعروفة مرغريت دوراس للشعر بوصفه «الصراخ الغامض للحيوانات الليلية».
سيكون من نافل القول بالطبع أن نصف محمد الماغوط بالشاعر المتمرد. لكن تمرده، خلافاً للكثيرين، لم يقتصر على الشعر وحده، بل تعداه إلى مواقفه من قواعد السلوك ونظام القيم السائدة، كما من كل نظام سياسي واجتماعي يقوم على الاستبداد والقهر وإذلال البشر وامتهان كراماتهم. لذلك فهو لم يتورع منذ كان طفلاً عن رمي أحد الإقطاعيين المحليين بالحجر، كرد منه على الطريقة المهينة التي اتبعها هذا الأخير في إلقاء صرر القمح على الفلاحين. أما السياط التي نالها بسبب ذلك فقد روى الشاعر بأن آثارها ظلت مطبوعة على جسمه مدى العمر.
كما بدت علاقة الماغوط غير الودية بأبيه تعبيراً عن رفضه للسلطة البطريركية في حلقاتها المتداخلة. وربما كان خروجه على لغة الشعر المألوفة بمثابة تعبير رمزي عن ثورته على النص الموروث والقواعد الجاهزة والمعلبة للشعر العربي. كان من الصعب تبعاً لذلك تدجين الماغوط وترويضه، حتى من قبل الآيديولوجيا التي انتمى إليها شاباً في الخمسينات، وعانى بسببها من وطأة السجن والفقر والمنفى. فهو حين سئل عن سبب انخراطه في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي لا في صفوف حزب البعث، عزا السبب إلى كون الأول قد جهز مقره بمدفأة حديثة تردّ عن محازبيه غائلة البرد، فيما أخفق الثاني في تحقيق ذلك! وخلال إقامته في لبنان كانت حياة الشاعر تسير على خطين متوازيين، خط الحياة البائسة التي فرضت عليه أن يكسب قوته عبر أكثر المهن قسوة وإرهاقاً، وخط الإبداع الذي أتاح له التعرف إلى مؤسسي مجلة «شعر» من أمثال يوسف الخال وأنسي الحاج وأدونيس. حتى إذا قرأ هذا الأخير نصاً غُفلاً من الاسم على مسامع المجتمعين في لقاء المجلة الأسبوعي ظن البعض أنه يعود لبودلير، والبعض الآخر أنه لرامبو، قبل أن يفاجئ أدونيس الحضور بأن صاحب النص الذي أصابهم بالذهول هو الماغوط نفسه.
لقد شكلت الحياة القاسية التي عاشها الماغوط في طفولته وشبابه الخلفية الواضحة أو المستترة لكل قصائده وصوره ومناخاته الشعرية. على أن ذلك القدر من المعاناة لم يكن لينتج قامة بحجم قامته لو لم يحظ بموهبة استثنائية، وبقدرة هائلة على تحويل مواد الواقع الأولية إلى صور مدهشة تصعق القارئ بطزاجتها ومفارقاتها وغرابة عناصرها المحيرة. فالماغوط لم يكتب عن العوز والتشرد تأثراً منه بالأدبيات الماركسية التي فرضت على الشعر الالتزام بمعايير عقائدية وأخلاقية محددة للاعتراف بأهميته وجدواه، بل كان ما كتبه انعكاساً لتجربته القاسية وتشرده الحقيقي، وهو الذي قضى ليالي وأياماً كثيرة طريداً بلا مأوى على أرصفة التسكع الباردة. وهو لا يقول: «ما من سنبلة في العالم إلا وعليها قطرة من لعابي» من باب المبالغة والتهويل اللفظيين، بل لأنه عرف معنى الجوع وخبِره عن كثب. وهو إذ يستخدم ضمير المتكلم في الكثير من قصائده لا تنغلق أناه على نفسها كالشرنقة، بل تعكس وجع الإنسان ومعاناته أينما وجد. حتى إذا انتقل إلى ضمير الجماعة بدا شعره شبيهاً بالتعاويذ والأدعية والابتهالات التي أطلقها الشعراء القدامى لحث قوى الطبيعة على إخراجهم من العزلة والكبت والقهر: «أيها القمر المنهوك القوى يقولون إنك في كل مكان على عتبة المبغى وفي صراخ الخيول بين الأنهار الجميلة وتحت ورق الصفصاف الحزين كن معنا في هذه العيون المهشمة والأصابع الجرباء أعطنا امرأة شهية في ضوء القمر لنسمع رحيل الأظافر وأنين الجبال ما من أمة في التاريخ لها مثل هذه العجيزة الضاحكة والعيون المليئة بالأجراس».
ليس في هذا الشعر استسلام للإنشاء الرخو أو الميلودراما العاطفية الرومانسية، ولا هو مقتطع من حواضر الصور والاستعارات المألوفة، بل هو يخرج من القاع الأخير للألم الإنساني مندفعاً نحو غايته بدينامية بالغة التوتر وبعيدة عن التكلف والتكلس والجمود التعبيري. ثمة في نصوص الماغوط ما يؤجج الإحساس بوحشة الكائن، كما بغياب العدالة وتسليع القيم، وتحوّل الأرض في ظل الجشع الرأسمالي إلى سوق مفتوحة للبيع والشراء. كما أن الصور عند الماغوط تجانب المجانية والاقتحام المتعسف لمناخ القصيدة، بل هي موظفة في خدمة المعنى والمناخ العام للقصيدة.
إضافة إلى أن الإفادة من فن السرد توفر للنص ذلك الخيط الدرامي الذي يؤالف بين مقاطعه وأجزائه. وإذا كانت قصائده تتجه مباشرة إلى معناها، فالماغوط يعرف كيف ينقذ الوضوح من فخ المباشرة، وكيف يحوله إلى طاقة خلاقة من التفاعل مع القارئ عبر تدافع الجمل وحرارة الأسلوب وقوة الإقناع. ومعانيه محمولة دائماً على الالتباس ومشرعة بفعل الصدق على نقيضها، بحيث يمكن له أن يضع لأحد كتبه عنوان «سأخون وطني» دون أن يساورنا بوطنيته أي شك. إن معظم ما يكتبه الماغوط يُحمل على غير وجه لأنه يستخدم أسلوب التورية الماكرة والسخرية المشبعة بالمرارة، خصوصاً فيما يتصل بواقع وطنه وأمته المزري، حيث تغيب قيم الحرية والعدالة والمساواة ليحل محلها التسلط والقهر والسحق التام للكرامة الإنسانية. وليس ثمة شاعر متعلق بوطنه إلى حد التتيم والوله الصوفي أكثر من ذلك الذي يهتف بمرارة قل نظيرها: «قولوا لوطني الصغير والجارح كالنمر أنني سأرفع سبّابتي كتلميذ طالباً الموت أو الرحيل ولكن لي بذمته بضعة أناشيد عتيقة من أيام الطفولة وأريدها الآن لن أصعد قطاراً ولن أقول وداعاً ما لم يُعِدْها إليَّ حرفاً حرفاً ونقطة نقطة وإذا كان لا يريد أن يراني أو يأنف من مجادلتي أمام المارة ليضعها في صرّة عتيقة أو وراء شجرة ما وأنا أهرع لالتقاطها كالكلب ما دامت كلمة الحرية في لغتي على هيئة كرسي صغير للإعدام».
إن الغريزة الجامحة لا التأليف البارد هي ما يقف وراء شعر الماغوط. والقلب لا العقل هو محرك الكتابة ومحفزها ودليلها الهادي. وهو إذ يلتقي مع نيتشه في انحيازه للخيار الديونيزي المتمثل بالحيوية الشهوانية ضد الخيار الأبولوني المتمثل بالعقلانية والهندسة المنظمة، يفترق عنه في تمجيده الصعلكة والهشاشة الإنسانية مقابل إعلاء صاحب «هكذا تكلم زرادشت» لمبدأ القوة والاستحواذ والسيطرة على الآخرين. هكذا لا يحضر الحب عند الماغوط في ثوبه العذري والرومانسي، بل في إطاره الشبقي الذي يحرر الجسد المغلول من قيوده ورغباته المقموعة، من مثل «المرأة التي أحلم بها لا تأكل ولا تشرب ولا تنام إنها ترتعش فقط ترتمي بين ذراعي وتستقيم كسيف في آخر اهتزازه» أو «آه كم أود أن آكل النساء بالملاعق وأن أقضم أكتافهنّ كالفهد» أو يقول بلسان المرأة الحالمة بالرجل المعشوق من جهة أخرى: «عندما أكون وحيدة يأتي إلى زنِخاً كالقصّاب بطيئاً تحت الأشجار الجرداء يلوّح شهوته كالسلسلة بين إصبعيه». ولعل الميزة الأهم لشعر الماغوط تتمثل في رهانه على الحواس الخمس كوسيلة فضلى لاكتشاف جمال العالم، أو للخوض في أوحال العيش أو لمعاينة جذور الشقاء. فهو شعر روائح وأصوات ومشاهد ومذاقات، لا شعر المعادلات الرياضية التي تتم في غرف العقل الباردة.
لكن الشاعر الذي يكتب نصوصه بجماع أعصابه، ما يلبث أن يجد الهوة عميقة بين غزارة أحلامه وبين تعثر خطاه، فيصرخ بشطره الآخر «اصرخ أيها الأبكم وارفع ذراعيك عالياً حتى ينفجر الإبط، واتبعني أنا السفينة الفارغة والريح المسقوفة بالأجراس أتحسس صدري وحنجرتي النافرة كثمرة التفاح وحول عيني قطيع من الدموع». كما أن نصوصه النثرية وأعماله المسرحية العديدة كانت بدورها مأهولة بحمى اللغة والسخرية السوداء ونزيف الشرايين.
أما ما اصطلح البعض على تسميته بالإيقاع الداخلي، فهو يجد في شعر محمد الماغوط شاهده ونموذجه الأمثل، حيث الجمل والسطور تتناظر وتتوازى وتتدافع نحو خواتيمها دون تعسف أو افتعال، وحيث الصيغ الكلامية تتنوع بين النداء والاستفهام والتعجب والاستنكار، وبين ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب، وحيث التكرار يجانب الإملال السقيم ويصادق تقليب الرعشات على وجوهها الكثيرة. وإذا كانت الصورة هي قوام شعر الماغوط الذي يقول في أحد حواراته بأن طفولته برمتها هي شريط من الصور، فإن إنجازه الأهم على هذا الصعيد يتمثل في إعادة الاعتبار للتشبيه الذي طالما وضعه البعض في أدنى سلم البيان العربي.
ذلك أنه يقيم وجوهاً غير مسبوقة للشبه بين العناصر والكائنات والأشياء. ونحن لا نملك أن نستجيب إلا بالشهقات حين نقرأ له تشبيهات شديدة الغرابة، من مثل «كنت أتدفق وأتلوى كحبلٍ من الثريات المضيئة الجائعة» أو «لا شيء سوى الغبار يعلو ويهبط كثدي المصارع» أو «أوروبا القانية تهرول في أحشائي كنسرٍ من الصقيع».
يبقى لي أخيراً أن أشير إلى وحشة الماغوط وغربته، وبخاصة بعد أن أنهكه المرض في سنواته الأخيرة، ووضعه وجهاً لوجه أمام فكرة الموت. إلا أن غربته تلك لم تقتصر على فترة بعينها، بل كانت حياته برمتها منذورة للغربة والتشرد والضياع، وهو القائل «إنني لست ضائعاً فحسب فحتى لو هويت عن أريكتي في المقهى لن أصل إلى سطح الأرض بآلاف السنين».



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended