محمد الماغوط شاعر اللغة البرية والاحتجاج على العالم

رحل في الثالث من أبريل قبل اثني عشر عاماً

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

محمد الماغوط شاعر اللغة البرية والاحتجاج على العالم

محمد الماغوط
محمد الماغوط

«دخل ساحة العراك حاملاً في مخيلته بوادر قصيدة النثر، كشكل مبتكر وجديد وحركة رافدة لحركة الشعر الحديث. كانت الرياح تهب حارّة في ساحة الصراع، والصحف غارقة بدموع الباكين على مصير الشعر حين نشر قلوعه البيضاء فوق أعلى الصواري. وقد لعبت بدائيته دوراً هاماً في خلق هذا النوع من الشعر، كما نجت موهبته من التحجر والجمود. وكان ذلك فضيلة من الفضائل النادرة في هذا العصر»، بهذه الكلمات المعبرة تنهي الشاعرة سنية صالح، زوجة محمد الماغوط، تقديمها لأعماله الشعرية التي أصدرتها دار العودة في بيروت عام 1973. ولعل الفكرة الأهم في هذا النص تتمثل في الإشارة إلى الجانب البدائي من تلك التجربة النادرة التي لم يحصل صاحبها إلا على النزر القليل من التعليم في مدارس سوريا الزراعية، فيما كانت موادها الخام مستلّة من لهب البراكين المتناثرة حول السلمية، بلدة الماغوط التي نسيها الرومان على التخوم الفاصلة بين ريف حمص وبين الصحراء. وغير بعيد عما قالته صالح سيرد صاحب «العصفور الأحدب» على سؤال يتعلق بقصيدة النثر «الشعر نوع من الحيوانات البرية. الوزن والقافية والتفعيلة تدجنه. وأنا رفضت تدجين الشعر وتركته كما هو حراً». وهو ما يلتقي مع رؤية الكاتبة الفرنسية المعروفة مرغريت دوراس للشعر بوصفه «الصراخ الغامض للحيوانات الليلية».
سيكون من نافل القول بالطبع أن نصف محمد الماغوط بالشاعر المتمرد. لكن تمرده، خلافاً للكثيرين، لم يقتصر على الشعر وحده، بل تعداه إلى مواقفه من قواعد السلوك ونظام القيم السائدة، كما من كل نظام سياسي واجتماعي يقوم على الاستبداد والقهر وإذلال البشر وامتهان كراماتهم. لذلك فهو لم يتورع منذ كان طفلاً عن رمي أحد الإقطاعيين المحليين بالحجر، كرد منه على الطريقة المهينة التي اتبعها هذا الأخير في إلقاء صرر القمح على الفلاحين. أما السياط التي نالها بسبب ذلك فقد روى الشاعر بأن آثارها ظلت مطبوعة على جسمه مدى العمر.
كما بدت علاقة الماغوط غير الودية بأبيه تعبيراً عن رفضه للسلطة البطريركية في حلقاتها المتداخلة. وربما كان خروجه على لغة الشعر المألوفة بمثابة تعبير رمزي عن ثورته على النص الموروث والقواعد الجاهزة والمعلبة للشعر العربي. كان من الصعب تبعاً لذلك تدجين الماغوط وترويضه، حتى من قبل الآيديولوجيا التي انتمى إليها شاباً في الخمسينات، وعانى بسببها من وطأة السجن والفقر والمنفى. فهو حين سئل عن سبب انخراطه في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي لا في صفوف حزب البعث، عزا السبب إلى كون الأول قد جهز مقره بمدفأة حديثة تردّ عن محازبيه غائلة البرد، فيما أخفق الثاني في تحقيق ذلك! وخلال إقامته في لبنان كانت حياة الشاعر تسير على خطين متوازيين، خط الحياة البائسة التي فرضت عليه أن يكسب قوته عبر أكثر المهن قسوة وإرهاقاً، وخط الإبداع الذي أتاح له التعرف إلى مؤسسي مجلة «شعر» من أمثال يوسف الخال وأنسي الحاج وأدونيس. حتى إذا قرأ هذا الأخير نصاً غُفلاً من الاسم على مسامع المجتمعين في لقاء المجلة الأسبوعي ظن البعض أنه يعود لبودلير، والبعض الآخر أنه لرامبو، قبل أن يفاجئ أدونيس الحضور بأن صاحب النص الذي أصابهم بالذهول هو الماغوط نفسه.
لقد شكلت الحياة القاسية التي عاشها الماغوط في طفولته وشبابه الخلفية الواضحة أو المستترة لكل قصائده وصوره ومناخاته الشعرية. على أن ذلك القدر من المعاناة لم يكن لينتج قامة بحجم قامته لو لم يحظ بموهبة استثنائية، وبقدرة هائلة على تحويل مواد الواقع الأولية إلى صور مدهشة تصعق القارئ بطزاجتها ومفارقاتها وغرابة عناصرها المحيرة. فالماغوط لم يكتب عن العوز والتشرد تأثراً منه بالأدبيات الماركسية التي فرضت على الشعر الالتزام بمعايير عقائدية وأخلاقية محددة للاعتراف بأهميته وجدواه، بل كان ما كتبه انعكاساً لتجربته القاسية وتشرده الحقيقي، وهو الذي قضى ليالي وأياماً كثيرة طريداً بلا مأوى على أرصفة التسكع الباردة. وهو لا يقول: «ما من سنبلة في العالم إلا وعليها قطرة من لعابي» من باب المبالغة والتهويل اللفظيين، بل لأنه عرف معنى الجوع وخبِره عن كثب. وهو إذ يستخدم ضمير المتكلم في الكثير من قصائده لا تنغلق أناه على نفسها كالشرنقة، بل تعكس وجع الإنسان ومعاناته أينما وجد. حتى إذا انتقل إلى ضمير الجماعة بدا شعره شبيهاً بالتعاويذ والأدعية والابتهالات التي أطلقها الشعراء القدامى لحث قوى الطبيعة على إخراجهم من العزلة والكبت والقهر: «أيها القمر المنهوك القوى يقولون إنك في كل مكان على عتبة المبغى وفي صراخ الخيول بين الأنهار الجميلة وتحت ورق الصفصاف الحزين كن معنا في هذه العيون المهشمة والأصابع الجرباء أعطنا امرأة شهية في ضوء القمر لنسمع رحيل الأظافر وأنين الجبال ما من أمة في التاريخ لها مثل هذه العجيزة الضاحكة والعيون المليئة بالأجراس».
ليس في هذا الشعر استسلام للإنشاء الرخو أو الميلودراما العاطفية الرومانسية، ولا هو مقتطع من حواضر الصور والاستعارات المألوفة، بل هو يخرج من القاع الأخير للألم الإنساني مندفعاً نحو غايته بدينامية بالغة التوتر وبعيدة عن التكلف والتكلس والجمود التعبيري. ثمة في نصوص الماغوط ما يؤجج الإحساس بوحشة الكائن، كما بغياب العدالة وتسليع القيم، وتحوّل الأرض في ظل الجشع الرأسمالي إلى سوق مفتوحة للبيع والشراء. كما أن الصور عند الماغوط تجانب المجانية والاقتحام المتعسف لمناخ القصيدة، بل هي موظفة في خدمة المعنى والمناخ العام للقصيدة.
إضافة إلى أن الإفادة من فن السرد توفر للنص ذلك الخيط الدرامي الذي يؤالف بين مقاطعه وأجزائه. وإذا كانت قصائده تتجه مباشرة إلى معناها، فالماغوط يعرف كيف ينقذ الوضوح من فخ المباشرة، وكيف يحوله إلى طاقة خلاقة من التفاعل مع القارئ عبر تدافع الجمل وحرارة الأسلوب وقوة الإقناع. ومعانيه محمولة دائماً على الالتباس ومشرعة بفعل الصدق على نقيضها، بحيث يمكن له أن يضع لأحد كتبه عنوان «سأخون وطني» دون أن يساورنا بوطنيته أي شك. إن معظم ما يكتبه الماغوط يُحمل على غير وجه لأنه يستخدم أسلوب التورية الماكرة والسخرية المشبعة بالمرارة، خصوصاً فيما يتصل بواقع وطنه وأمته المزري، حيث تغيب قيم الحرية والعدالة والمساواة ليحل محلها التسلط والقهر والسحق التام للكرامة الإنسانية. وليس ثمة شاعر متعلق بوطنه إلى حد التتيم والوله الصوفي أكثر من ذلك الذي يهتف بمرارة قل نظيرها: «قولوا لوطني الصغير والجارح كالنمر أنني سأرفع سبّابتي كتلميذ طالباً الموت أو الرحيل ولكن لي بذمته بضعة أناشيد عتيقة من أيام الطفولة وأريدها الآن لن أصعد قطاراً ولن أقول وداعاً ما لم يُعِدْها إليَّ حرفاً حرفاً ونقطة نقطة وإذا كان لا يريد أن يراني أو يأنف من مجادلتي أمام المارة ليضعها في صرّة عتيقة أو وراء شجرة ما وأنا أهرع لالتقاطها كالكلب ما دامت كلمة الحرية في لغتي على هيئة كرسي صغير للإعدام».
إن الغريزة الجامحة لا التأليف البارد هي ما يقف وراء شعر الماغوط. والقلب لا العقل هو محرك الكتابة ومحفزها ودليلها الهادي. وهو إذ يلتقي مع نيتشه في انحيازه للخيار الديونيزي المتمثل بالحيوية الشهوانية ضد الخيار الأبولوني المتمثل بالعقلانية والهندسة المنظمة، يفترق عنه في تمجيده الصعلكة والهشاشة الإنسانية مقابل إعلاء صاحب «هكذا تكلم زرادشت» لمبدأ القوة والاستحواذ والسيطرة على الآخرين. هكذا لا يحضر الحب عند الماغوط في ثوبه العذري والرومانسي، بل في إطاره الشبقي الذي يحرر الجسد المغلول من قيوده ورغباته المقموعة، من مثل «المرأة التي أحلم بها لا تأكل ولا تشرب ولا تنام إنها ترتعش فقط ترتمي بين ذراعي وتستقيم كسيف في آخر اهتزازه» أو «آه كم أود أن آكل النساء بالملاعق وأن أقضم أكتافهنّ كالفهد» أو يقول بلسان المرأة الحالمة بالرجل المعشوق من جهة أخرى: «عندما أكون وحيدة يأتي إلى زنِخاً كالقصّاب بطيئاً تحت الأشجار الجرداء يلوّح شهوته كالسلسلة بين إصبعيه». ولعل الميزة الأهم لشعر الماغوط تتمثل في رهانه على الحواس الخمس كوسيلة فضلى لاكتشاف جمال العالم، أو للخوض في أوحال العيش أو لمعاينة جذور الشقاء. فهو شعر روائح وأصوات ومشاهد ومذاقات، لا شعر المعادلات الرياضية التي تتم في غرف العقل الباردة.
لكن الشاعر الذي يكتب نصوصه بجماع أعصابه، ما يلبث أن يجد الهوة عميقة بين غزارة أحلامه وبين تعثر خطاه، فيصرخ بشطره الآخر «اصرخ أيها الأبكم وارفع ذراعيك عالياً حتى ينفجر الإبط، واتبعني أنا السفينة الفارغة والريح المسقوفة بالأجراس أتحسس صدري وحنجرتي النافرة كثمرة التفاح وحول عيني قطيع من الدموع». كما أن نصوصه النثرية وأعماله المسرحية العديدة كانت بدورها مأهولة بحمى اللغة والسخرية السوداء ونزيف الشرايين.
أما ما اصطلح البعض على تسميته بالإيقاع الداخلي، فهو يجد في شعر محمد الماغوط شاهده ونموذجه الأمثل، حيث الجمل والسطور تتناظر وتتوازى وتتدافع نحو خواتيمها دون تعسف أو افتعال، وحيث الصيغ الكلامية تتنوع بين النداء والاستفهام والتعجب والاستنكار، وبين ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب، وحيث التكرار يجانب الإملال السقيم ويصادق تقليب الرعشات على وجوهها الكثيرة. وإذا كانت الصورة هي قوام شعر الماغوط الذي يقول في أحد حواراته بأن طفولته برمتها هي شريط من الصور، فإن إنجازه الأهم على هذا الصعيد يتمثل في إعادة الاعتبار للتشبيه الذي طالما وضعه البعض في أدنى سلم البيان العربي.
ذلك أنه يقيم وجوهاً غير مسبوقة للشبه بين العناصر والكائنات والأشياء. ونحن لا نملك أن نستجيب إلا بالشهقات حين نقرأ له تشبيهات شديدة الغرابة، من مثل «كنت أتدفق وأتلوى كحبلٍ من الثريات المضيئة الجائعة» أو «لا شيء سوى الغبار يعلو ويهبط كثدي المصارع» أو «أوروبا القانية تهرول في أحشائي كنسرٍ من الصقيع».
يبقى لي أخيراً أن أشير إلى وحشة الماغوط وغربته، وبخاصة بعد أن أنهكه المرض في سنواته الأخيرة، ووضعه وجهاً لوجه أمام فكرة الموت. إلا أن غربته تلك لم تقتصر على فترة بعينها، بل كانت حياته برمتها منذورة للغربة والتشرد والضياع، وهو القائل «إنني لست ضائعاً فحسب فحتى لو هويت عن أريكتي في المقهى لن أصل إلى سطح الأرض بآلاف السنين».



لينة التاريخية... وجهة تراثية تتوهّج جمالاً شمال السعودية

تقع القرية بالقرب من درب زبيدة وهو أحد أشهر الدروب التاريخية في الجزيرة العربية (واس)
تقع القرية بالقرب من درب زبيدة وهو أحد أشهر الدروب التاريخية في الجزيرة العربية (واس)
TT

لينة التاريخية... وجهة تراثية تتوهّج جمالاً شمال السعودية

تقع القرية بالقرب من درب زبيدة وهو أحد أشهر الدروب التاريخية في الجزيرة العربية (واس)
تقع القرية بالقرب من درب زبيدة وهو أحد أشهر الدروب التاريخية في الجزيرة العربية (واس)

بموقعها جنوب محافظة رفحاء في شمال السعودية، تُعدّ قرية لينة من أبرز القرى التاريخية التي تجمع عمق المكان وجمال المشهد، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجي بين النفود والحَجرة، وعلى مفترق طرق رئيسية تربطها بكلٍ من الرياض والقصيم وحائل عبر الطريق الدولي للحدود الشمالية، الذي يشكّل محوراً حيوياً يربط دول الخليج بالأردن وسوريا وتركيا، وصولاً إلى أوروبا غرباً.

وتحظى القرية بأهمية تاريخية لوقوعها على مسار طريق تجاري قديم كان يربط إقليم نجد بالعراق، وبقربها من أحد أشهر الدروب التاريخية في الجزيرة العربية، وهو درب زبيدة، ما أسهم في ترسيخ مكانتها التاريخية وتعزيز حضورها الثقافي، لتغدو اليوم نموذجاً مميزاً في تحسين المشهد البصري، والاهتمام بالبيئة والهوية المحلية

وشهدت قرية لينة خلال الفترة الماضية نقلةً نوعيةً في مظهرها العام، تمثّلت في تطوير الميادين والطرق وتحويلها إلى لوحات فنية ومجسّمات جمالية تعكس روح المكان وعمق تاريخه، حيث تتجلّى المناظر الطبيعية في أبهى صورها نهاراً، بينما تتحول ليلاً إلى مشاهد بانورامية مضيئة تضفي طابعاً بصرياً جذاباً.

قرية لينة التاريخية شهدت نقلةً نوعيةً في مظهرها العام (واس)

وشملت أعمال التطوير تنظيم مداخل القرية ومخارجها، وتحسين الجزر الوسطية على امتداد الطرق وداخل النطاق العمراني، إلى جانب توزيع مجسّمات فنية مستوحاة من الموروث الثقافي والتراث المحلي.

وتفخر لينة بسوقها التاريخية التي تقع على نحو 105 كيلومتر جنوب رفحاء، وأُنشئت عام 1352هـ، وتعدُّ من المعالم التاريخية التي أسهمت في ازدهار منطقة الحدود الشمالية السعودية خلال منتصف القرن الماضي وأنعشتها اقتصادياً.

وتحتوي السوق التاريخية على عشرات المحلات والمخازن التجارية، التي يتبادل فيها تجار المنطقة ونجد والعراق والشام السلعَ بجميع أنواعها إلى وقت قريب، ولا تزال إطلالتها شاهدةً على الحقبة الزمنية التي مرَّت بها.

السوق التاريخية بقرية لينة (واس)

كما تعد السوق الميناء البري في منطقة الحدود الشمالية للتبادل التجاري بين التجار، كتجار «العقيلات» من البادية المارين بها، حيث كانوا يموّنون السوق بمختلف البضائع المتنوعة التي يجلبونها معهم من البلاد المجاورة.

وكان في هذه السوق تتم مقايضة السلع بين البادية وأهل لينة وتجار العراق والشام، وأُنشئت فيها مخازن كبيرة تُعرَف بـ«السيابيط» لتخزين المواد الغذائية وغيرها.


ابتكار علمي يعِدُ بالقضاء نهائياً على السلع المُقلَّدة

الكيميائي الدنماركي توماس جوست سورنسن مبتكر البصمة الجديدة للمنتجات (جامعة كوبنهاغن)
الكيميائي الدنماركي توماس جوست سورنسن مبتكر البصمة الجديدة للمنتجات (جامعة كوبنهاغن)
TT

ابتكار علمي يعِدُ بالقضاء نهائياً على السلع المُقلَّدة

الكيميائي الدنماركي توماس جوست سورنسن مبتكر البصمة الجديدة للمنتجات (جامعة كوبنهاغن)
الكيميائي الدنماركي توماس جوست سورنسن مبتكر البصمة الجديدة للمنتجات (جامعة كوبنهاغن)

طوَّر الكيميائي الدنماركي توماس جوست سورنسن، أستاذ الكيمياء في جامعة كوبنهاغن، تقنية مبتكرة يمكنها القضاء على تقليد المنتجات بشكل نهائي.

وأوضح الباحث أنّ التقنية تعتمد على بصمة رقمية فريدة ومُعترف بها قانونياً تثبت أصالة أي منتج، وقد بدأت بالفعل شركات عالمية، مثل «رويال كوبنهاغن»، باستخدامها لحماية منتجاتها، وفق ما نشرته جامعة كوبنهاغن على موقعها الإلكتروني، الخميس.

وتشير الإحصاءات إلى أنّ قيمة السلع المقلّدة المتداولة حول العالم بلغت 467 مليار دولار في عام 2021. وتشمل عادة المنتجات الفاخرة مثل الحقائب، والساعات، والنظارات الشمسية، لكنها لم تعد محصورة بالسلع الفاخرة فقط؛ إذ تمتدّ لتشمل مستحضرات التجميل، والألعاب، والمعدات الرياضية، وقطع السيارات، والإلكترونيات، والأدوية.

وتمثّل هذه المنتجات المقلّدة خسائر مالية هائلة، إلى جانب فقدان آلاف الوظائف، كما قد تشكّل خطراً مباشراً على المستهلكين، لا سيما في حالة الأدوية ومستحضرات التجميل الزائفة، أو الأجهزة الإلكترونية التي قد تتسبّب في حرائق مفاجئة.

وتعتمد فكرة البصمة الجديدة على مبدأ «الوظائف الفيزيائية غير القابلة للاستنساخ»؛ إذ تتشكّل البصمة بشكل عشوائي وفريد لكل منتج، على غرار حبيبات الرمل عند سقوطها على صفيحة زجاجية، وهو نمط يستحيل تكراره أو نسخه.

مساحة البصمة الرقمية تبلغ نحو 1 ملليمتر مربع فقط (جامعة كوبنهاغن)

وعن طريقة التنفيذ، تُوضع البصمة على المنتج نفسه أو على غلافه باستخدام حبر شفَّاف يحتوي على جزيئات دقيقة تُشكّل نمطاً عشوائياً ومميزاً لكلّ وحدة. وتبلغ مساحة البصمة نحو 1 ملليمتر مربع فقط، ويمكن مسحها ضوئياً باستخدام الهواتف الذكية، لتعمل بذلك دليلاً قانونياً مُعترفاً به على أصالة المنتج.

ويقول سورنسن: «تخيّل رمي حفنة من الرمل على صفيحة زجاجية، ستتشكل الحبوب بنمط عشوائي لا يمكن نسخه. نحن نستخدم المبدأ نفسه عند إنتاج بصماتنا الاصطناعية».

وأصبحت شركة «رويال كوبنهاغن» من أوائل الشركات العالمية التي اعتمدت هذه التقنية لتتبُّع منتجاتها منذ خروجها من المصنع وحتى وصولها إلى المستهلك النهائي.

وأوضح نائب الرئيس التنفيذي لشركة «فيسكارس» الدنمارك، آلان شيفتي، أنّ استخدام البصمة الرقمية أتاح مستوى غير مسبوق من الشفافية عبر سلسلة التوزيع، وضمان حماية المنتجات بأدلة قانونية، مضيفاً: «التطبيق بسيط وفعّال تماماً».

وتُستخدم هذه التقنية أيضاً على منتجات أخرى، مثل التماثيل الخشبية لشركة «كاي بوجيسين». وتعود جذور الابتكار إلى سنوات من البحث في كيمياء المواد بجامعة كوبنهاغن، قبل أن يتطوّر إلى شركة ناشئة تحمل اسم «PUFIN-ID®»، ويبلغ عدد موظفيها حالياً 16 موظفاً.

واليوم، تقدّم الشركة منتجاً جاهزاً للتطبيق والاستخدام المباشر عبر الهواتف الذكية، إلى جانب بنية تحتية متكاملة لإدارة البصمات الرقمية، مؤكدةً أنّ هذه التقنية لا تحمي فقط التصاميم الدنماركية الكلاسيكية والسلع الفاخرة العالمية؛ إذ تسهم أيضاً في تعزيز الثقة بالمكوّنات الأمنية والبنية التحتية الحيوية.


عبد الكريم دراجي: الجدل حول «الست» دليل وصوله إلى الجمهور

يرى أنّ الجدل حول الأعمال الفنية ظاهرة صحية (الشرق الأوسط)
يرى أنّ الجدل حول الأعمال الفنية ظاهرة صحية (الشرق الأوسط)
TT

عبد الكريم دراجي: الجدل حول «الست» دليل وصوله إلى الجمهور

يرى أنّ الجدل حول الأعمال الفنية ظاهرة صحية (الشرق الأوسط)
يرى أنّ الجدل حول الأعمال الفنية ظاهرة صحية (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان الجزائري عبد الكريم دراجي، الذي شارك في فيلم «الست» مُجسّداً شخصية «المعجب الجزائري»، الذي أسقط أم كلثوم أرضاً بعد تسلّله لتقبيل قدمها خلال وجودها على مسرح «الأولمبيا» الباريسي الشهير أواخر ستينات القرن الماضي، عن سعادته بالمشاركة في العمل الذي يعدّه علامة بارزة وبوابة لدخوله عالم السينما المصرية.

دراجي، الذي حاز إشادات جماهيرية ونقدية عن دوره، أكد في حواره لـ«الشرق الأوسط» أنه يطمح إلى تقديم مزيد من الشخصيات الفنية التي تضيف إلى مشواره، من بينها تجسيد السيرة الذاتية لشخصيات من الثورة الجزائرية.

وتحدّث عن كواليس مشاركته في «الست»، الذي يُعرض حالياً في عدد كبير من دور السينما في مصر والعالم العربي، موضحاً أنّ جهة الإنتاج تواصلت مع إحدى الوكالات الجزائرية لترشيح ممثلين، ليقع الاختيار عليه من المخرج مروان حامد وطاقم العمل.

وأوضح دراجي أنّ تحضيراته للدور جاءت بدعم من مروان حامد، خصوصاً أن الشخصية الحقيقية لا تمتلك مرجعاً واقعياً، ولم تكن هناك معلومات متوافرة عنها، قائلاً: «لذلك اخترنا أن يكون معجباً مهووساً، ويمكن القول إنه كان مجنوناً بأم كلثوم، فمن يقوم بهذا الفعل لن يكون في حالته الطبيعية».

واعتمد دراجي على الهوس المفرط في تجسيد الشخصية والتعريف بسماتها، بكلّ كيانه وحركاته ومشاعره ونظراته، فأوهم المشاهد بأنه قد يُنهي حياة أم كلثوم، وليس ذاهباً فقط لرؤيتها وسماعها، لا سيما في مَشاهده مع منى زكي، التي جسَّدت شخصية أم كلثوم، ونظراته التي عبَّرت عن حبّ يبلغ حدّ الجنون لفنانة طالما حلم بلقائها من فرط عشقه لها.

واستعان الممثل، خلال تقمّصه شخصية «المعجب الجزائري»، بعقله الباطن ومخزونه من الحركات غير الطبيعية التي أعدّها لترسيخ إعجابه الكبير بأم كلثوم، إلى جانب خبرته التمثيلية، مؤكداً أنه اعتمد أيضاً على دراسته للفنون الدرامية، مُستخدماً مفاتيحه كونه ممثلاً قدَّم مسلسلات من بطولته، إضافة إلى مسرحيات وأعمال ستاند أب كوميدي في فرنسا والجزائر.

ويرى دراجي فيلم «الست» فرصة وعلامة بارزة في مشواره الفني، وبوابة دخول إلى السينما المصرية، مؤكداً أنّ «طموح أي فنان هو الوصول إلى أكبر فئة ممكنة لإيصال صوته وفنّه، والسينما المصرية معروفة بأنها الأكبر في العالم العربي، وكانت دائماً بوابة لعبور كثير من الفنانين».

عبد الكريم دراجي وعدد من صنّاع فيلم «الست» (إنستغرام)

وعن رأيه في الجدل الذي صاحب الفيلم منذ طرحه في دُور السينما، قال دراجي إنّ «ما يحدث أمر طبيعي وصحي، فأي عمل لا يُثار حوله حديث، سواء بالسلب أو الإيجاب، يعني أنه لم يصل إلى الجمهور»، لافتاً إلى أنّ «حرّية الرأي مكفولة للجميع، وغالباً ما ينطلق الجدل من صورة نمطية عن الشخصية المطروحة في أعمال السيرة الذاتية، وهو ما يفضي إلى اختلاف في الآراء الشخصية والنقدية، تصبّ في النهاية في مصلحة العمل».

وعن مساحة دوره، وما إذا كانت مناسبة لإبراز إمكاناته التمثيلية، أضاف دراجي أنّ «كلّ ممثل يطمح إلى مساحة أكبر، لكن شخصية المعجب محدَّدة بهذا الشكل، وأي شخصية تُقدَّم بإتقان توازي أكبر دور في العمل، فلا وجود لما يُسمَّى دور كبير وآخر صغير، فقد شاهدنا نجوماً كباراً شاركوا في أفلام مهمّة بمشهد أو مشهدين فقط».

وبكونه فناناً جزائرياً، أكد أنّ حالة السينما والفنّ عموماً في الجزائر تشهد تطوراً ملحوظاً، موضحاً: «لدينا عدد كبير من الممثلين والمخرجين الذين قدّموا أعمالاً لافتة، وشاركت في مهرجانات عالمية مثل (البندقية) و(البحر الأحمر)، وحقَّقت أصداء إيجابية ومشرّفة»، معرباً عن سعادته بالمشاركة في الدورة الخامسة من مهرجان «البحر الأحمر» من خلال فيلم «رقية».

وعن خطواته الفنّية المقبلة، واللون الذي يطمح إلى التوسُّع فيه، أكد دراجي أنه يحب الفنّ بجميع أشكاله، وسبق أن قدَّم أعمالاً جماهيرية، لكنه يطمح إلى توسيع دائرته الفنّية والدخول إلى مساحات أعمق.

دوره في «الست» فتح له باب السينما المصرية (إنستغرام)

وكشف عبد الكريم دراجي عن رغبته في تجسيد شخصيات من الثورة الجزائرية، مؤكداً أنه على «الفنان الجيد استغلال الفرص التي تضعه على الطريق الصحيح وتضيف إلى مسيرته». وأضاف أنه رغم عشقه لعالم التمثيل، لا يضع في ذهنه نجماً بعينه للعمل معه مستقبلاً، لأنه «يفضّل اختيار المخرج أولاً».

فيلم «الست» من بطولة منى زكي، ومحمد فراج، وسيد رجب، وأحمد خالد صالح، وعبد الكريم دراجي، ونخبة من ضيوف الشرف، من بينهم أمينة خليل، وآسر ياسين، ونيللي كريم، وأحمد أمين، وأحمد حلمي، وكريم عبد العزيز، وهو من إخراج مروان حامد، وكتابة أحمد مراد.

ويتناول لمحات حقيقية من السيرة الشخصية والفنية لـ«سيدة الغناء العربي» أم كلثوم، بدءاً من كواليس حفلها على مسرح «الأولمبيا»، مروراً ببداياتها الفنّية، ودور والدها وشقيقها في حياتها، وإتقانها للإنشاد الديني، وتولّيها منصب «نقيب الموسيقيين»، وعلاقاتها بعدد من الرموز الفنية.

كما سلّط صُنّاع فيلم «الست» الضوء على بعض الجوانب الإشكالية في حياة أم كلثوم، من بينها الزواج والأمومة، والتدخين، والحرص على متابعة إيرادات حفلاتها وقيمة التعاقد معها، والغضب والعناد، وعلاقتها ببعض الأنظمة الحاكمة التي عاصرتها في مصر، إضافة إلى مرحلة الوهن الشديد بعد مرضها، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول العمل.