السيسي: سنؤسس لمصر قوية نختلف من أجلها وليس عليها

الأمير سلمان عد المناسبة نقطة تحول نحو الأمن والاستقرار والسير في طريق التنمية > تقليد منصور {قلادة النيل} في أول قرار جمهوري

نائب خادم الحرمين الأمير سلمان بن عبد العزيز خلال اجتماعه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الاتحادية بالقاهرة أمس (واس)
نائب خادم الحرمين الأمير سلمان بن عبد العزيز خلال اجتماعه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الاتحادية بالقاهرة أمس (واس)
TT

السيسي: سنؤسس لمصر قوية نختلف من أجلها وليس عليها

نائب خادم الحرمين الأمير سلمان بن عبد العزيز خلال اجتماعه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الاتحادية بالقاهرة أمس (واس)
نائب خادم الحرمين الأمير سلمان بن عبد العزيز خلال اجتماعه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الاتحادية بالقاهرة أمس (واس)

في تقليد تشهده البلاد للمرة الأولى في تاريخها، وقع الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي وثيقة تسلمه السلطة من الرئيس المصري المنتهية ولايته المستشار عدلي منصور، في قصر الاتحادية الرئاسي، أمس، أمام لفيف من القادة العرب وممثلي الدول الصديقة. وقال السيسي، في كلمة له قبيل التوقيع على الوثيقة «سنؤسس لمصر المستقبل دولة قوية محقة عادلة سالمة آمنة مزدهرة، تنعم بالرخاء، وتؤمن بالعلم والعمل»، موجها شكره إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، داعيا كل الشركاء الدوليين الذين وقفوا بجوار مصر إلى المشاركة في مبادرة «أصدقاء مصر» التي دعا لها العاهل السعودي.
وللمرة الأولى منذ تأسيس الجمهورية في البلاد عام 1953، تشهد مصر وثيقة لتسليم السلطة في بدء ولاية الرئيس السابع للبلاد. وجاء في نص الوثيقة أنه «باسم الشعب، صاحب السيادة ومصدر السلطات ومفجر ثورة يناير (كانون الثاني) عام 2011 وما حملته من طموحات، ويونيو (حزيران) عام 2013 المكملة التي صوبت المسار، واستعادت الوطن، وتنفيذا للاستحقاق الثاني لخريطة الطريق، وبناء على قرار اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية بإعلان فوز المشير عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وعقب أداء اليمين الدستورية، تسلم الرئيس المنتخب عبد الفتاح السيسي مقاليد السلطة في البلاد من المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية المؤقت المنتهية رئاسته».
وتولى منصور السلطة في يوليو (تموز) الماضي، عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي على خلفية مظاهرات حاشدة ضد حكمه بعد عام واحد من توليه السلطة في البلاد.
وفي كلمته، قبيل التوقيع، وجه الرئيس الجديد، السيسي، كلمة قال فيها إن «اللحظة التي تمر بها مصر لحظة تاريخية فريدة وفارقة في عمر هذا الوطن. فعلى مدار تاريخنا لم يشهد وطننا تسليما لها في السابق، فللمرة الأولى يصافح الرئيس المنتهية ولايته الرئيس المنتخب، ويوقعان معا وثيقة تسليم السلطة في البلاد في مناسبة غير مسبوقة وتقليد غير معهود؛ يوثق بداية حقبة تاريخية جديدة من مصير أمتنا».
وعد السيسي انتخابه «يؤسس بداية حقبة تاريخية جديدة على مرأى ومسمع من العالم أجمع، وفي مقدمتهم من سماهم بالأصدقاء الذين عاونوا مصر بصدق»، مضيفا أنها «مسؤولية كبيرة أن أكون مسؤولا عن بلد بقيمة وخصوصية مصر»، مشيرا إلى أن مصر ستستمر في «نبذ العنف أيا كانت دوافعه، وللإرهاب أيا كانت بواعثه». وقال السيسي «إنني أعتزم أن تشهد مرحلة البناء المقبلة نهوضا شاملا، على المستويين الداخلي والخارجي، لنعوض ما فاتنا ونصوب أخطاء الماضي. سنؤسس لمصر المستقبل دولة قوية محقة عادلة سالمة آمنة مزدهرة تنعم بالرخاء، تؤمن بالعلم والعمل، وتدرك أن خيراتها يتعين أن تكون من أبنائها ولأبنائها. وسيتواكب مع بناء الداخل إعادة إحياء بدورها الرائد إقليميا والفاعل دوليا».
وأضاف الرئيس قائلا إن «مصر الجديدة ستضطلع برسالتها التي دائما ما حرصت عليها، ألا وهي الإسهام المباشر في تحقيق أمن واستقرار المنطقة وأمتنا العربية، كما أن مصر الجديدة لن تغفل قوتها الناعمة، فكرها وفنها وأدبها، تفاعلها المستمر وتأثيرها الممتد في مختلف دوائر حركتها وانتماءاتها». ولفت السيسي إلى أنه «آن للشعب المصري أن ينال حصاد ثورتين»، مشددا على أن «الاختلاف بين القوى السياسية خلال الفترة المقبلة سيكون من أجل الوطن، ليكون تنوعا وعطاء، نضفي به روح المحبة والتعاون».
وتقدم السيسي بالشكر إلى كل الشركاء الدوليين الذين وقفوا بجوار بلاده، معربا عن شكره الخاص وتقديره لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، على مبادرته النبيلة بالدعوة لعقد مؤتمر للأشقاء وأصدقاء مصر. وأضاف الرئيس قائلا «إنني أتطلع لمشاركة كل الأصدقاء في هذا المؤتمر (مؤتمر المانحين) للإسهام في بناء مصر الجديدة، ومشاركة الشعب المصري آماله وطموحاته، كما أتطلع إلى تعزيز علاقات مصر مع دولكم الشقيقة والصديقة لنكمل مسيرة تعاوننا ونجنى معا ثمار مشاركتنا». وطالب السيسي بالعمل لصالح نشر قيم الحق والسلام، قائلا «لنؤمن لبلادنا وشعبنا مستقبلا أفضل، ونترك لهم إرثا من التعاون والصداقة والمحبة والإخاء، وقودا يدفع علاقاتنا نحو مستقبل أفضل وتعاون أسمى».
وفي ختام كلمته، تقدم السيسي بالشكر إلى الرئيس المؤقت منصور، وقال له «إن مصر دولة وشعبا تتقدم لك بالشكر على ما قدمت للبلاد من خدمات جليلة وحكمة بالغة خلال توليك رئاسة البلاد. ففي أقل من عام واحد تركت في نفسنا أثرا رائعا، وغرست في عقولنا أفكارا بناءة ضربت مثلا جليا في الانتماء والإيثار وإعلاء مصلحة الوطن وإنكار الذات». وأضاف «أقول لك كنت رئيسا قديرا وصبورا وحكيما، وإنسانا خلوقا وكريما ومحبا للوطن وأبنائه جميعا، متيقنا أن عطاءك من أجل الوطن سيستمر فياضا غزيرا في مرحلة البناء المقبلة».
وفي كلمته، تقدم الرئيس المنتهية ولايته عدلي منصور، بـ«خالص الامتنان لكل أخ عربي شقيق وكل صديق غربي، أثبتت تجربتنا المصرية الفريدة أنهم على قدر المسؤولية، وشاركوا في مساعدة مصر خلال الفترة السابقة». وأضاف «أتطلع أن يستمر تعاون الجميع مع مصر، بما يخدم صالح البلاد ويعزز مواقفنا الدولية»، مشيرا إلى أن «مصر لن تنسى من وقفوا بجوارها وقت الشدة، وسنظل نتبادل أدوار التأييد والمساندة على كل الأصعدة مستقبلا».
وقال منصور «أقف أمامكم اليوم بعد أن سلمت أمانة الوطن إلى الرئيس الجديد، وأسترجع مشاهد العام بكل ما حوته من مشاكل ومصاعب اقتصادية وسياسية واجتماعية، وعلى رأسها إرهاب جبان استهدف أرواح أبنائنا». وتابع منصور «واجهنا أمواجا عاتية ومحاولات آثمة لعرقلة المسيرة، ولكن أبى هذا الشعب إلا أن يكمل دربه، ويواصل مسيرته، وقدم أرواح أعز أبنائه دفاعا عن الحرية»، مشيرا إلى أن الشعب المصري التف حول بيان 3 يوليو، الذي أعلن خلاله عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، والمسار السياسي عبر خريطة المستقبل التي تضمنت تعديل الدستور وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وصاغتها القوى الوطنية، مؤكدا «كلي ثقة في أننا سننجح في استكمال خريطة الطريق بانتخابات برلمانية، ونتمكن من تحويل نصوص الدستور إلى واقع ملموس».
وشدد الرئيس المنتهية ولايته على أن «الفترة الماضية أثبتت أن الدولة المصرية عصية على الانكسار، وستظل قادرة على تحقيق أمنها وأمن منطقتها العربية، وقاهرة لمن يريد لها الشر والسوء». ووجه منصور كلمة للرئيس الجديد قائلا «اختارك المصريون وفاء لوطنيتك، وثقة منهم في قدرتك على أن توفر لهم الأمن والأمان، وأن تحقق لهم تطلعاتهم في حياة أفضل».

* لقطات

* بينما توجهت الأنظار إلى الرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي أثناء حلف اليمين الدستورية في المحكمة الدستورية، أمس الأحد، رصدت عدسات المصورين الظهور الأول لعائلة المشير السيسي خلال مراسم التنصيب، حيث حضرت السيدة الأولى، انتصار السيسي، بصحبة أبنائها مصطفى ومحمود وحسن وآية السيسي، مراسم أداء اليمين الدستورية.
* أخطأ المستشار ماهر سامي، نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، خلال كلمة ارتجلها قبيل أداء الرئيس عبد الفتاح السيسي اليمين الدستورية، وقدم المستشار أنور العاصي بوصفه نائبا لرئيس الجمهورية، قبل أن يستدرك مصححا؛ النائب الأول لرئيس المحكمة الدستورية العليا. وعلق سامي على هنته هذه قائلا «بشرة خير»، على غرار الأغنية المتداولة بشكل موسع في الوطن العربي حاليا، مما أثار ضحك الحضور.
* شهد صالون المحكمة الدستورية العليا لقاء تذكاريا صباح أمس بين الرئيس المنتهية ولايته المستشار عدلي منصور، والرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي، وذلك عقب وصول السيسي لمقر المحكمة لأداء اليمين الدستورية. وانضم للقاء المستشار أنور العاصي نائب رئيس المحكمة الدستورية. وجرى التقاط الصور التذكارية بهذه المناسبة.
* بدأت إجراءات أداء القسم الدستوري للرئيس عبد الفتاح السيسي بتلاوة آيات من القرآن الكريم، وقام بالتلاوة القارئ المصري الشهير، الشيخ أحمد نعينع. كما شهد الحفل عزفا للسلام الجمهورية، ولوحظ فيه التزام المشاركين بالقواعد البروتوكولية الصارمة.
* قالت مصادر مقربة من المستشار عدلي منصور، الرئيس المنتهية ولايته، إنه غادر مقر القصر الرئاسي بعد انتهاء مراسم تسليم وتسلم السلطة للرئيس السيسي. وقالت المصادر إنه توجه إلى منزله، تمهيدا للعودة إلى ممارسة عمله كرئيس للمحكمة الدستورية، لكن «بعد أن يحصل على قسط من الراحة، بعد عناء نحو سنة من إدارة المرحلة الانتقالية في البلاد».
* الوفد الصيني المشارك في حفل تنصيب السيسي، برئاسة وزير الصناعة والتكنولوجيا الصيني مياوي وي، قرر زيارة محافظة الأقصر السياحية في جنوب مصر، اليوم (الاثنين)، لمشاهدة المناطق الأثرية والسياحية. صرح بذلك بخيت خيري حسن، مدير العلاقات العامة بمطار الأقصر الدولي.
* تسلم الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي رسالة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سلمها رئيس البرلمان (الدوما) الروسي سيرغي ناريشكين، الذي شارك في مراسم تنصيبه في قصر الاتحادية الرئاسي (شرق القاهرة). كما قالت مصادر الرئاسة المصرية إن إدارة المراسم تلقت العديد من برقيات التهنئة والرسائل الرسمية من زعماء العديد من دول العالم.
* «تيار الاستقلال» المؤيد للسيسي نظم مسيرة حاشدة انطلقت من أمام جمعية الشبان المسلمين بوسط القاهرة إلى مقر المحكمة الدستورية العليا في جنوب العاصمة، للمشاركة في احتفالية تنصيب الرئيس الجديد، ثم قطعت المسافة مرة أخرى في طريق العودة. وفي كل منطقة سكنية تمر بها كان المواطنون يلوحون للمسيرة بالأعلام والهتافات الوطنية.
* صنع عدد من المحتفلين في ميدان التحرير أمس تمثالا للرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو يمسك بيد تمثال آخر يصور مصر على هيئة سيدة ترتدي ملابس خضراء. وصنع المواطنون التمثالين على عجل من الورق والشمع، وقاموا بنصبهما في الميدان الذي كان يستقبل حشودا من الأهالي لمواصلة الاحتفال بالرئيس الجديد.
* تقارير محلية رصدت قيام مجموعات محدودة من المنتمين لجماعة الإخوان، المصنفة في البلاد كجماعة إرهابية، بتحركات في بعض المناطق النائية في عدة محافظات احتجاجا على تنصيب السيسي، كان من بينها تنظيم مسيرة لعشرات النساء في الفيوم (جنوب)، وأخرى في كفر الشيخ (شمال).



مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان

مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان
TT

مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان

مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان

لم يصدف في التاريخ أن كانت الحرب معزولة عن السياسة. فالحرب هي السياسة، لكن بوسائل أخرى، حسب كارل فون كلوزفيتز. والحرب تُخاض لأهداف سياسية بحتة، شرط أن تكون هذه الأهداف قابلة للتحقيق. والعكس قد يعني أن استراتيجيّة الحرب المرسومة سوف تناقض طبيعتها. فاستراتيجيّة الحرب بشكل عام، هي تلك الطريقة (الكيف في التنفيذ) التي تربط الأهداف بالوسائل، شرط التوازن بين الاثنتين.
أن تدخل الحرب بثقة زائدة، متجاهلاً الكثير والكثير من متطلّبات النجاح، لهو أمر قاتل. وأن تدخل الحرب ومفتاح نجاحها بيد الأعداء، لهو أمر يعكس السطحيّة الاستراتيجيّة للمخطّطين. لكن المصيبة تكمن، بالثمن المدفوع لأي تعثّر. فمن يرِدْ أن يكون قوّة عظمى فعليه تجميع عناصر القوّة لمشروعه.
وإذا تعذّر ذلك، فعليه ابتكار استراتيجيّة فريدة من نوعها، تجمع «القوّة الطريّة» مع القوّة الصلبة، بهدف التعويض عن أيّ نقص من عناصر القوّة.

فشل منظومة بوتين
لردع الغرب!
لم يستطع الرئيس بوتين وبعد سنة على عمليته العسكريّة في أوكرانيا، تركيب منظومة ردعيّة فاعلة وقادرة على تسهيل حربه. بكلام آخر، لم تنفع استراتيجيّته والمُسمّاة استراتيجيّة الرجل المجنون (Mad Man Theory)، في ردع الغرب. فهو أراد حماية حربه التقليديّة بمظلّته النوويّة، مُظهراً نفسه لاعباً غير عقلانيّ (Irrational). فمن التهديد النوويّ المتكرّر من قبله، ومن قبل الرئيس الروسي السابق ميدفيديف، إلى وزير الخارجيّة سيرغي لافروف. كان ردّ الغرب عبر اتباع استراتيجيّة القضم المُتدرّج لخطوط بوتين الحمراء.
وللتذكير فقط، استعمل الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون، وبالتعاون والتنسيق مع هنري كيسنجر، استراتيجيّة الرجل المجنون في حربه على فيتنام. فصوّر نيكسون نفسه آنذاك على أنه لاعب غير عقلاني قد يذهب إلى استعمال النووي في حال لم تلبَّ مطالبه، وذلك مقابل حركيّة كيسنجر العقلانيّة لإيجاد مخرج من مستنقع فيتنام.

من يريد كلّ شيء، قد
لا يحصل على شيء
وضع الرئيس بوتين لنفسه أهدافاً تعجيزيّة. من طلبه عودة وضع حلف «الناتو» إلى منتصف التسعينات، إلى إلغاء الدولة الأوكرانيّة، وضمّها إلى روسيا على أنها جزء لا يتجزّأ من مناطق النفوذ الروسيّ، إلى قيادة الانتفاضة العالميّة ضد الإمبرياليّة الأميركيّة، إلى رسم نظام عالميّ جديد تكون فيه روسيا لاعباً كونيّاً وقوّة عظمى على غرار أميركا والصين. كلّ ذلك، باقتصاد ودخل قوميّ يوازي الدخل القومي لمدينة نيويورك. كل ذلك مع تصنيع حربيّ متواضع، يعود أغلبه إلى أيام الاتحاد السوفياتيّ، ودون تصنيع محلّي للشرائح الذكيّة، التي تعد حيويّة لتشغيل أسلحة القرن الحادي والعشرين. كل ذلك مع جيش أغلبه من الأقليات التي تعيش في المناطق النائية وعلى هامش حياة الشعب الروسي في المدن الرئيسّية. جيش لا يحسن القتال المشترك للأسلحة (Combined). جيش مؤلّف من عدّة جيوش، منها الجيش الروسيّ الرسمي، إلى الفرق الشيشانيّة، وحتى شركة «فاغنر» الخاصة. حتى إن هذه الجيوش لا يقاتل بعضها مع بعض، وهي ليست على وفاق، لا بل تتصارع علناً، إن كان حول الاستراتيجيات العسكريّة، أو حتى في طريقة إدارة الحرب. جيش لم يخطط للسيناريو السيّئ، فوقع في فخ الرضا المسبق عن الذات.
بوتين الحائر
بين الاستراتيجيّة والتكتيك
في المرحلة الأولى للحرب حول كييف، خسر بوتين في الاستراتيجيّة والتكتيك. غيّر الاستراتيجيّة وتوجّه نحو إقليم الدونباس فحقق نجاحات تكتيكيّة، لكنها لم تُصَب وتتراكم لتؤمّن النجاحات الاستراتيجيّة.
بعد الدونباس، خسر الرئيس بوتين التكتيك في إقليم خاركيف، كما أجبر على الانسحاب من مدينة خيرسون. وبذلك، تراكمت الخسائر التكتيكيّة والاستراتيجيّة على كتف الرئيس بوتين لتعيده إلى مربّع الخسارة الأول حول العاصمة كييف.

التقييدات على سلوك بوتين
في المرحلة المقبلة
• لا يمكن للرئيس بوتين أن يخسر مرّتين متتاليتين في أوكرانيا.
• فالخسارة تعني بالحدّ الأدنى الإطاحة به سياسياً، حتى ولو لم تتظهّر معارضة داخلية حتى الآن.
• تاريخيّاً، لا مكان للضعفاء في الكرملين. فكلمة الكرملين وهي من أصل تتريّ، تعني القلعة المُحصّنة. وكلّما كان هناك تعثّر عسكريّ روسي في الخارج، كان التغيير السياسي في الداخل النمط المعتاد.
• لا بد للرئيس بوتين من تقديم نصر عسكريّ للداخل الروسي، حتى لو كان محدوداً. وقد يكون هذا النصر في إقليم الدونباس أولاً، وفي إقليم زابوريجيا ثانياً. فهو قد ضمّ هذين الإقليمين إلى جانب إقليم خيرسون.
• لكن السيطرة على الأقاليم الثلاثة: الدونباس وزابوريجيا وخيرسون، بأكملها، ليس بالأمر السهل، وذلك استناداً إلى التجارب السابقة مع الجيش الروسيّ. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يستطع الجيش الروسي، و«فاغنر» إسقاط مدينة بخموت حتى الآن، وبعد مرور أكثر من سبعة أشهر على العمليّة العسكريّة حولها.

المنتظر من بوتين
• بدل النوعيّة أغرق الرئيس بوتين الجبهات بالكميّة، خصوصاً من العسكر الجديد. ألم يقل الزعيم السوفياتي الراحل جوزيف ستالين: «إن للكميّة نوعيّة بحد ذاتها؟»، وبذلك يحاول بوتين اختبار جاهزيّة الانتشار الأوكراني على طول الجبهة لرصد نقاط الضعف.
• تقول المعلومات إن الجيش الروسي قد حشد كثيراً من الطائرات الحربيّة والطوافات على حدود أوكرانيا استعداداً لاستعمالها في المعركة المقبلة، خصوصاً أن جاهزيّة السلاح الجويّ الروسي تتجاوز نسبة 80 في المائة.
• كما تقول المعلومات إن التجمعات العسكريّة بدأت تظهر داخل الأراضي الروسيّة خصوصاً في مدينة كورسك، التي تقع خارج مدى راجمات «الهايمرس».
• يحاول الرئيس بوتين استرداد زمام المبادرة من يد الجيش الأوكراني، وذلك استباقاً لوصول المساعدات الغربيّة، خصوصاً الدفاعات الجويّة ودبابات القتال الرئيسيّة.
• وأخيراً وليس آخراً، قد يحاول الرئيس بوتين زرع الفوضى في المحيط الجغرافي لأوكرانيا، إن كان في مولدوفا، أو انطلاقاً من إقليم كاليننغراد الروسي والواقع على بحر البلطيق. هذا عدا إمكانيّة ضرب خطوط الإمداد لأوكرانيا على ثلاثة ممرات بريّة؛ تمرّ عبر كل من: سلوفاكيا ورومانيا وبولندا.
في الختام، هذه هي صورة الجبهّة الروسيّة. لكن رقصة «التانغو» بحاجة إلى شخصين كي تكتمل. فكيف ستكون عليه الجاهزيّة الأوكرانيّة؟ خصوصاً أننا عاينّا في هذه الحرب نماذج الحرب من العصر الزراعي، كما من العصر الصناعي، ودون شكّ من العصر التكنولوجيّ.
بعد عام على الحرب... هل باتت روسيا أكثر أمناً؟
مستقبل الحرب... واحتمالات توسعها وخروجها عن السيطرة
كيف أساءت روسيا تقدير موقف ألمانيا؟
أوروبا... تساؤلات حول مآلات الدعم لأوكرانيا
الأزمة... والدور «المشلول» لمجلس الأمن


سباق بين سلالات حاكمة تاريخية على عرش إيران

أنصار شاه إيران السابق يرفعون صورته وصورة نجله خلال مشاركتهم في مظاهرة للمعارضة أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأسبوع الماضي (أ.ب)
أنصار شاه إيران السابق يرفعون صورته وصورة نجله خلال مشاركتهم في مظاهرة للمعارضة أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأسبوع الماضي (أ.ب)
TT

سباق بين سلالات حاكمة تاريخية على عرش إيران

أنصار شاه إيران السابق يرفعون صورته وصورة نجله خلال مشاركتهم في مظاهرة للمعارضة أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأسبوع الماضي (أ.ب)
أنصار شاه إيران السابق يرفعون صورته وصورة نجله خلال مشاركتهم في مظاهرة للمعارضة أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأسبوع الماضي (أ.ب)

وسط غابة خضراء في مكان مجهول، وقف رجل سبعيني ليخاطب الإيرانيين بالفيديو باقتباسات من كبار الشعراء الفارسيين، معلناً أنه «شاه عباس سلجوقي، ملك الملوك وإمبراطور إيران، آخر المتبقين من سلالة السلاجقة، ومن الأتراك الإيرانيين».
قد تبدو مزاعم الرجل في حكم إيران مثار تندر، نظراً إلى أن إمبراطورية السلالة السلجوقية التي يدعي التحدر منها أفلت قبل أكثر من ثمانية قرون. لكنه مجرد متسابق بين كثيرين يحاولون طرح أنفسهم بديلاً للنظام الحالي، في ظل تزايد السخط الشعبي على أدائه.

وتداولت فيديوهات لأشخاص يزعمون انتسابهم إلى السلاسات التي حكمت إيران بعد سقوط الصفوية في القرن الثامن عشر، وبعضهم يرشح نفسه لاستعادة عرش أجداده.
وأصبح الشغل الشاغل للإيرانيين على شبكات التواصل الاجتماعي تتبع أخبار من يتحدرون من السلالات التاريخية التي حكمت بلادهم قبل قرون، عبر فيديوهات مزاعم حق العرش التي تثير دهشتهم أو منشورات ساخرة.

صراع على تركة القاجار

ونشر شخص يدعي بابك ميرزا قاجار يقول إنه يتحدر من السلالة القاجارية التي حكمت البلاد من 1794 حتى 1925، قبل إطاحة آخر ملوكها أحمد شاه قاجار، على يد رئيس وزرائه رضا خان بهلوي الذي جلس على العرش وأسس الحكم البهلوي.
وقبل أيام، أعادت قناة «تي آرتي» التركية في خدمتها الفارسية التذكير بتقرير نشر في عام 2016 يزعم وجود أحد أحفاد السلسلة القاجارية في إسطنبول. ونقلت عمن وصفته بأنه «بابك ميرزا أحد الباقين من سلالة القاجار الإيرانية»: «في هذا التوقيت المضطرب، أرى تقارباً في العلاقة بين تركيا وإيران... أنا قادم من إيران وأتحدث التركية، وأكثر من نصف الإيرانيين قادرون على فهم اللغة التركية».

وتداول مغردون بياناً لـ«رابطة قاجار»، ومقرها جنيف وتقول إنها تمثل أبناء السلالة القاجارية، نفى أي صلة بين بابك ميرزا والقاجار. وقالت الرابطة: «اطلعنا على مزاعم شخص يدعى بابك بيتر بادار ويدعي وراثة العرش والتاج الملكي للقاجاريين، وينوي بهذه الأوهام القيام بأنشطة سياسية. هذا الشخص غير معروف للرابطة وأطلعت على وجوده عبر وسائل الإعلام».
وأضاف بيان الرابطة: «نحن كأسرة القاجار نقف إلى جانب الشعب الإيراني، ونطرد أي شخص يحاول انتحال هوية مزيفة للوصول إلى مصالح شخصية واستغلال الأوضاع الصعبة».

«دار المجانين»

وبينما انشغل الإيرانيون بمتابعة صور وفيديوهات بابك ميرزا، ظهر فيديو الرجل السبعيني الذي وقف في الغابة معلناً أنه «شاه عباس سلجوقي ملك الملوك وإمبراطور إيران».
وكتب مغرد يدعى فريد خان: «بعد بابك ميرزا قاجار، ظهر أمير سلجوقي هو الأمير عباس سلجوقي كبير أسرة السلاجقة ومن دعاة إعادة تأسيس النظام الشاهي في إيران... البلاد تحولت إلى دار المجانين».
وقال مغرد آخر: «الأمير عباس سلجوقي مستعد للتنافس مع أربعة مرشحين من السلالة الصفوية والأفشارية والقاجارية والبلهوية الذين أعلنوا استعدادهم مسبقاً لإعادة تأسيس النظام الشاهي».
وكتبت مغردة تدعى شرارة: «في سباق العودة التاريخي، ظهر أمير سلجوقي... على أمراء السلاسات الأخرى الإسراع لأن الغفلة تؤدي إلى الندم، على رضا بهلوي الانتحار لأن منافسيه يزدادون».
ورضا بهلوي هو نجل شاه إيران السابق الذي يلتف حوله أنصار والده وبعض المشاهير، لطرح بديل لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران. لكن نجل الشاه يواجه معارضة من شريحة واسعة بين أبناء الشعوب غير الفارسية، مثل الأكراد والعرب والأتراك والبلوش.
وتأتي الظاهرة الجديدة بينما تحاول السلطات الإيرانية إخماد الاحتجاجات بأساليب من بينها التوسع في عقوبة الإعدام وتنفيذها حتى الآن في أربعة متظاهرين.
وكان لافتاً خلال الأيام الأخيرة نشر فيديوهات من قنوات «الحرس الثوري» تشبه النظام الحالي بالحكم الصفوي الذي حاول منافسة العثمانيين على حكم العالم الإسلامي.


السودانيون يتداولون أسماء لتولي رئاسة الحكومة المدنية

وصول مساعدات المعونة الأميركية إلى ميناء بورتسودان أمس (أ.ف.ب)
وصول مساعدات المعونة الأميركية إلى ميناء بورتسودان أمس (أ.ف.ب)
TT

السودانيون يتداولون أسماء لتولي رئاسة الحكومة المدنية

وصول مساعدات المعونة الأميركية إلى ميناء بورتسودان أمس (أ.ف.ب)
وصول مساعدات المعونة الأميركية إلى ميناء بورتسودان أمس (أ.ف.ب)

بدأ سباق إعلامي على خلفية التسريبات من الغرف المغلقة حول أسماء المرشحين لتولي منصب رئيس وزراء الحكومة المدنية المرتقبة في السودان، فيما أكدت مصادر موثوقة لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر سابق لأوانه، وأن البعض ربما يحاول تسويق بعض الأسماء، لكن الجهات المعنية بأمر العملية السياسية تتمسك بأن اختيار رئيس الوزراء يحتاج إلى توافق كبير بين الأطراف المختلفة التي تشكل الحاضنة الجديدة للسلطة الانتقالية التي لم تتشكل بعد.
وأفادت المصادر ذاتها بأن موضوع الأسماء غير مطروح في الوقت الحالي لأن العملية السياسية لا تزال في بداياتها ويمكن الحديث عن الترشيحات عقب التوقيع على «الاتفاق الإطاري» بين المدنيين والعسكريين. وأكدت أن «تحالف الحرية والتغيير، والمجموعات الأخرى، لم تبدأ في أي نقاش حول هذا الأمر، لكن هذا لا يمنع أي جهة كانت أن تتقدم بالمرشح الذي تراه مناسباً». وأوضحت أن المرشح لمنصب رئيس الوزراء سيخضع للتشاور بين أطراف كثيرة، وأن الوصول إلى التوافق على شخص لقيادة الحكومة المدنية في هذا الوقت لن يكون سهلاً، لكن ليس أمام قوى الانتقال مفر من التوافق على مرشح يجد قبولاً واسعاً وسط القوى السياسية وحراك الشارع.
ومن بين الأسماء التي ترددت لتولي منصب رئيس الوزراء، طه عثمان، وهو من قيادات تحالف «الحرية والتغيير» التي قادت المفاوضات مع قادة الجيش خلال الفترة الماضية حتى تم التوصل إلى «تفاهمات حول مسودة الوثيقة الدستورية، التي أعدتها نقابة المحامين»، والتي تحدد هياكل وصلاحيات مؤسسات وأجهزة السلطة الانتقالية المتفق عليها.
كما برز اسم وزير المالية الأسبق، إبراهيم البدوي، الذي عمل في حكومة رئيس الوزراء المستقيل، عبد الله حمدوك. وتردد أيضاً اسم وزير العدل الأسبق، نصر الدين عبد الباري، الذي عمل أيضاً في حكومة حمدوك، وتتردد إشاعات بأنه يحظى بدعم مقدر من قوى دولية. وتقول المصادر إنه بصرف النظر عن الأسماء، فلا شك أن هناك مجموعات ضغط (لوبيات) تدفع باتجاه تقديم المرشح الأقوى لرئاسة الحكومة الانتقالية المدنية، التي لا بد أن تتخذ قرارات صعبة، وربما مواجهات سياسية مع أنصار النظام المعزول من الإسلاميين المنتمين إلى حزب المؤتمر الوطني الذي كان يرأسه الرئيس السابق عمر البشير.
لكن غالبية المصادر أشارت إلى أن هذه الترشيحات لا تخرج عن كونها ترويجاً وسباقاً لبعض القوى السياسية والمدنية لرسم المشهد السياسي في البلاد قبل اكتمال العملية السياسية، التي تحتاج إلى خطوات كبيرة للوصول إلى الاتفاق النهائي. وقالت المصادر: «في الوقت الراهن لا يمكن الحديث عن أي حظوظ للأسماء المطروحة للتنافس على المنصب»، لكنها توقعت أن ترتفع وتيرة الحملات الإعلامية في الفترة المقبلة في محاولة للتسويق السياسي لهذه الأسماء.
ونصّت التفاهمات التي توصل إليها تحالف «الحرية والتغيير» مع القيادة العسكرية في البلاد، وفق مسودة الدستور المقترح، على أن يكون رئيس الوزراء ومجلسه من الكفاءات الوطنية المستقلة، بعيداً عن المحاصصات الحزبية، وأن تختارهم القوى السياسية التي ستوقع على «الإعلان السياسي الجديد، مع مراعاة التمثيل العادل للنساء والتنوع العرقي والجهوي دون الإخلال بمبدأ الكفاءة».
وأكد القيادي في تحالف «الحرية والتغيير» ياسر عرمان، في حديث أول من أمس، أن اختيار رئيس الوزراء «يجب أن يتم بالتشاور بين قوى الثورة، بما في ذلك أطراف عملية السلام (الفصائل المسلحة)، بالإضافة إلى قوى الانتقال الديموقراطي». وتنقسم العملية السياسية إلى مرحلتين، الأولى التوقيع على «الاتفاق الإطاري» بما تم التوصل إليه من توافق حول مسودة الدستور، ومن ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية بالتوقيع على «الاتفاق النهائي»، الذي يعقبه تشكيل الحكومة التنفيذية.