تاريخ غريب من سينما الأقزام والعمالقة

بعضهم أصغر حجماً من أصبع اليد‬

مات دامون وكريستين ويغ في «تقزيم»‬
مات دامون وكريستين ويغ في «تقزيم»‬
TT

تاريخ غريب من سينما الأقزام والعمالقة

مات دامون وكريستين ويغ في «تقزيم»‬
مات دامون وكريستين ويغ في «تقزيم»‬

في عام 1989، صاح الزوج واين زالينسكي معلناً لزوجته دايان: «حبيبتي، لقد قزّمت الأولاد». لم تصدق بادئ الأمر وهرعت لتستطلع ما يقصده، فوجدت حبيبيها الصغيرين وقد أصبحا أصغر حجماً. لا بضع سنتيمترات أصغر ولا حتى متراً أصغر، بل أصغر كثيراً. عليك أن تحذر حين تسير لئلا تدوس عليهما من دون أن تدري.
نجاح الفيلم جلب 233 مليون دولار ومسلسلاً تلفزيونياً قام بدوره على فكرة العالم الذي يتسبب، من دون قصد، في تقزيم ولديه واثنين من أولاد الجيران، إلى أصابع متحركة. عليه الآن أن يجد الطريقة لاستعادتهم إلى الحياة الطبيعية. نجاحه ينهي الفيلم الذي نال جهده البصري جائزة «بافتا» بعد عامين.
‬- بشر مقزّمون
هذه الأيام، لدينا فيلم آخر يتحول فيه الناس إلى أقزام صغيرة هو «تقزيم» (Downsizing) للسينمائي نيكولاس باين، المخرج المستقل الذي، لأجل هذا الفيلم المختلف عن أعماله السابقة، تعاون مع شركة «باراماونت» على إنتاجه، والآن يمضي الوقت في حملات الترويج لفيلمه الذي يحلم بأن يصل إلى الخطوط النهائية لبعض الجوائز المهمّة.‬
لكن «تقزيم» يختلف من حيث إنه ليس نتاج خطأ علمي، بل نتيجة جهد مبذول لإنقاذ العالم من المجاعة. في الفيلم هناك مؤسسة علمية تحاول التغلب على المستقبل الداكن للبشرية المتمثل في النمو السكاني والاضمحلال الغذائي عبر تشجيع الناس على التحوّل إلى أحجام بالغة الصغر حيث نصف لقمة من أي طعام كافية لملء البطن.
تستهوي الفكرة الموظف بول سافرانك (مات دامون) وهو يراقب مَن تطوّع لمثل هذا الوضع داخل صندوق زجاجي. لا فرق أن المتطوع وزوجته أصبحا بحجم الصرصور، ولا أهمية لحقيقة أنّ الحياة قد تكون صعبة عندما تريد الوصول إلى علبة السكر الموضوعة على أعلى رف في المطبخ. الفكرة بحد ذاتها استهوت بول واعتقد أنّ زوجته أودري (كرستن ويغ) شاركته هذا الهوى. يقرران القبول بتقزيم نفسيهما والانضمام إلى مئات الأشخاص (إن لم يكن أكثر) الذين آمنوا بضرورة التضحية لأجل إنقاذ العالم من المجاعة.‬
في آخر لحظة تنسحب الزوجة وتترك الزوج لمصيره. لقد أدركت أنّها ليست أهلاً لمثل هذا التغيير الذي يتجاوز ما هو جذري في الحياة. على بول أن يعيش حياته الآن منفصلاً عن كل ماضيه ومع شخصيات أخرى وحبيبة كمبودية الأصل (هونغ تشو) لديها ما تناضل من أجله سياسياً.
سياسياً أيضاً رغب المخرج باين في الحديث عن ضرورة إيجاد حل شامل لمسألة الحياة على الأرض كما نعرفها. البحث عن مستقبل أفضل لعالم تنهار حجاراته تباعاً مثل جبل تتساقط صخوره من علٍ خلال زلزال ما. لكن السيناريو الذي كتبه، إذ يُبحِر في اتجاه إنقاذ العالم من مجاعة محتملة، يتحول في ثلثه الأخير إلى ما يناقض ذلك المسعى، فالبشر المقزّمون سيختارون دخول موطن تحت الأرض يعيشون فيه، وذلك بعد مشهد وداع لآخر غروب سيرونه قبل ولوج عالمهم الجديد. هنا، سيعتقد بول أنّه سيمضي مع هؤلاء الباذلين، لكنّه سيهرب من ذلك المصير، وإن كان سيبقى قزماً طوال حياته.
تغيير البوصلة في النهاية لا يفيد الفيلم، ويبعثر رسالته الأولى خالقاً انفصاماً بين الفكرة وتنفيذها، وبين بدايات الحكاية ونهاياتها التي لا تلتقي بالضرورة مع منطلق الفيلم لدرجة أنّه كان يمكن تقديم الحكاية بكاملها من دون اللجوء إلى فكرة التقزيم.‬
- العلم في خدمة الاستهلاك‬
في كل الحالات، فإن السينما - وعلى هذا الصعيد - انقسمت بدورها ما بين تقزيم البشر وعملقتهم. بين أن يؤموا، عن طريق الخطأ أساساً، تجربة لا رجوع عنها تجعلهم بطول قلم رصاص مستخدَم أو الانتفاخ والكبر بحيث يستطيع حجب نور الشمس عن البلدة بأسرها أو مجاورة أعلى طابق في ناطحة سحاب وقوفاً.
في الواقع، وفي العام المنتهي الذي شاهدنا فيه دخول بول عالم التقنين البدني إيماناً بمساعدة العلم على مواجهة خطر المجاعة في المستقبل، شاهدنا فيلماً آخر حول احتمالات تلك المجاعة أسمه «أوكجا» (Okja) لكن في حين أنّ نيّة العلماء سليمة في «تقزيم» نيكولاس كايج، فإنها شريرة في «أوكجا» كما كتبه وأخرجه الكوري جون - هو بونغ.
المؤسسة العلمية هنا لا تهدف إلى تقزيم البشر ولا إلى تغيير طباعهم، بل لتحويل الحيوانات المختلفة القابلة للأكل إلى مخلوقات أكبر حجماً ممّا هي عليه. بذلك يستطيع الحيوان أن يُطعم المئات عوضاً عن بضعة أفراد.
هكذا نتعرف على كوجا، الحيوان الذي تمّ زرع خلايا في داخله (واحد من ألوف) وتركه يرعى في منزل عائلة في الريف الكوري (الجنوبي). الفتاة الصغيرة (سو هيون آن) تحب هذا الحيوان الفريد والأليف وعندما تحاول المؤسسة الأميركية استعادته تنطلق في أثره لإنقاذه من المصير المظلم.
معظم هذا الإنتاج الخيالي الجانح جيد في الفكرة والنية والتنفيذ. لكن الذي لا يوازي تلك الجودة هي انتقاله من حالة لأخرى من دون تناغم ولا تماسك. فهو يبدأ كفيلم مغامرات صبيانية ثم ينتقل إلى فانتازيا ذات مواقف جانحة، وبعد ذلك يعرض وضعاً سياسياً لا يخلو من العنف (جبهة سياسية لإرهابيين معادين للمؤسسات الاجتماعية)، ومن ثم إلى ميلودراما غارقة في انفعالات عاطفية تسود النهاية.
في كل هذا الوضع يحاول أن يتوّج مضمونه بالسخرية ممّا يقع بين الأطراف المشتركة في حب استحواذ أوكجا كلّ لغرضه السياسي أو العاطفي، لكنّ هذه السخرية تتحول إلى مواقف كاريكاتيرية أكثر من مرّة.‬
طبعاً هي ليست المرة الأولى التي نشاهد فيها مخلوقاً كبير الحجم. «كينغ كونغ» كان الأسبق عندما ابتكره كل من مريان س. كوبر وإرنست ب. شاودساك سنة 1933. بطله غوريللا ضخمة تعيش فوق جزيرة مجهولة ولأغراض تجارية محضة (كتلك التي في «أوكجا») يتم نقله من بيئته في تلك الأدغال حيث كل الحيوانات عملاقة إلى مدينة نيويورك، حيث يأمل أصحاب المشروع في تحويله إلى مصدر ثراء بعرضه في أحد أكبر المسارح. «كينغ كونغ» الذي كان قد وقع في الحب من أول نظرة ألقاها على الشقراء فاي راي (مَن مِن جمهور ذلك الحين لم يقع في حبها؟)، وبسبب هذا الحب وكرهاً بوضعه في القفص كمهرج يحطم قيوده ويدمر نيويورك إلى أن يُدمر.
‬- المرأة المتمردة
على أكتاف هذا العمل سنجد كثيراً من الأفلام التي تعاملت مع العمالقة، لكنّ الأجدى هنا تناول البشر الذين «تعملقوا» أو «تقزّموا» لأن المسألتين تتحوّلان إلى وجهة نظر في موضوع هل من الأفضل تحويل الإنسان إلى مصدر خطر أو تحويله إلى مخلوق تحت الخطر؟!
الخمسينات كانت عقداً ثرياً في أفلامه التي شكَّلَت بعد مضيه وضعاً كلاسيكياً يمكن العودة إليه في الحالتين. وأحد الأفلام التي تناولت شخصية بشر يتحوّل إلى عملاق بحجم غير مسبوق هو «هجوم المرأة ذات الخمسين قدماً (Attack of the 50 Foot Woman) تحت إدارة المخرج ناتان جوران (من رعيل ثانوي أنجز نحو ستين فيلماً في حياته بينها عدداً كبيراً من أفلام «الوسترن») نشاهد نانسي (أليسون هايز) تعاني من سوء معاملة زوجها هاري (ويليام هدسون). بعد إصابتها بعارض مصدره فضائي تبدأ بالتحوّل تدريجياً من امرأة عادية إلى أخرى أكبر حجماً، ثم تواصل التحوّل حتى تصبح بقامة عملاقة تحركها الرغبة في الانتقام من الزوج الخادع ومن مجتمع ذكوري.
تجسيدها حمل رمزاً حائراً بين تأييد لفكرة أن المرأة لها الحق في الثأر من ذلك المجتمع، وتجسيدها كخطر ماحق على الإنسان عموماً.
قبله بعام واحد قام مخرج مغمور آخر هو بيرت غوردن بتحقيق فيلم بعنوان «العملاق المدهش» (The Amazing Colossal Man) وبطله رجل أصيب بلوثة نووية حولته إلى عملاق كبير. حمل الفيلم على العلم النووي أكثر ممّا حمل رموزاً اجتماعية كتلك التي في «هجوم المرأة ذات الخمسين قدماً» لكن التشويق ذاته.
هذا مع العلم أن شخصية «The Hulk» التي أُنتِج فيلمان عنها، الأول سنة 2003 لآنغ لي والثاني سنة 2008 للويس لتريير، قامت على المفارقة العلمية ذاتها: رجل عادي يُصاب بأشعة تحوّله إلى عملاق، مع اختلاف أنّه قد يعود إلى شكله السابق عندما لا يشعر بالخطر عليه أو عندما لا يثيره موقف معاد.
الفكرة ذاتها طغت على مسلسل تلفزيوني ما بين 1978 و1982 بعنوان «العملاق الخرافي» (The Incredible Man) حيث كان الهارب من مطارديه رجل عادي يتحوّل حين الغضب إلى عملاق ليس بطول بناية، لكن على نحو ضخم وبقامة ثلاثة أشخاص. وسؤال هذا الناقد بينما تتمزق قمصان الرجل وهو يتضخم وسراويله عمّا إذا كان يملك ميزانية كافية لشراء ملابس جديدة إثر كل مرّة تتمزق فيها ملابسه؟! وماذا يفعل عندما يعود إلى حجمه الطبيعي بثياب ممزقة ومهلهلة؟ هل يقصد أقرب متجر بما عليه؟
- الرجل المضمحل‬
في هذه الحالات جميعاً (وهناك أفلام أخرى من تلك الفترة أو خلال ما تلاها)، كان العملاق (ذكراً أو أنثى) غالباً مصدر خطر على الآخرين حتى وإن لم يكن شريراً في الأساس. هو ليس وحشاً كاسراً ولا عمد إلى تضخيم بدنه للانقضاض على الآخرين، بل هناك ظروف هو غير مسؤول عنها حوّلته إلى عملاق وخطره هو تحصيل حاصل يحمل قدراً كبيراً من سوء الفهم والمعاملة.
أما التقزيم فهو الوضع المضاد. إنه عن الرجل الذي يصغر متحولاً من قامة عادية إلى قامة طفل ثم إلى مخلوق لا يرتفع حجماً عن أصبع سبابة يده السابقة.‬
المعاينة الرئيسة الأولى لمثل هذا الوضع وردت في فيلم «الرجل المتقلص العجيب» (The Incredible Shrinking Man) سنة 1957، على يدي مخرج تخصص في الخمسينات بتحقيق عدة أفلام رعب كلاسيكية جديرة اسمه جاك أرنولد. والحكاية هنا تبدأ، كما في رواية رتشارد ماثيسون التي تم اقتباسها، برجل وزوجته يقضيان عطلة على متن يخت. الزوجة تدخل «الكابين»، والرجل يبقى فوق سطح المركب عندما تمر به سحابة غامضة. بعد حين يبدأ بملاحظة أنّ ثيابه أصبحت كبيرة، ثم يدرك وزوجته أنه يتقلص، وعلى الرغم من كل التجارب الطبية التي تعرّض لها فإن تقلصه يستمر إلى أن يصبح من الصغر بحيث بات يعيش تحت خطر أن يصطاده عنكبوت أو تلتهمه قطّة المنزل.‬
الوضع الماثل خطير بحد ذاته، لكنّه في الوقت ذاته معبّر عن فكرة أن الرجل العصري (آنذاك) مهدد بالتقوقع والانحسار تبعاً لمتطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية. إنّه المعيل العاطفي لزوجته والاقتصادي للبيت. حال يتأكد بطل الرواية والفيلم من أنّه يتقلص، يدرك في داخله أنّه لن يستطيع القيام بواجباته العاطفية أو الاجتماعية كاملة، وما يلبث أن يضمحل. النصف الثاني من الحكاية تضعه حبيس غرفة تحت أرضية يجهد في سبيل الدفاع عن حياته ضد المخاطر حوله. وحين تبحث عنه زوجته ولا تجده تمضي في سبيلها لحياة أخرى مع رجل لم يتعرض لتلك السحابة الغامضة.
هذه المعالجة الفلسفية والوجدانية لم تثر اهتمام «حبيبتي، لقد قزمت الأطفال»، ولا الفيلم الحديث «الرجل - النمل». وحينها اقتبست الفكرة العامة لمسلسل تلفزيوني بعنوان «أرض العمالقة» (ما بين 1968 و1970) حول بشر حطوا على ظهر كوكب من العمالقة بحيث أصبحوا، بطبيعة الحال، أقزاماً معرضين في كل حلقة لخطر مختلف.


مقالات ذات صلة

«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

يوميات الشرق أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)

«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

صعوبة السيناريو تمثّلت في اعتماده على التصوير داخل موقع واحد، ممّا فرض تحدّياً...

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)

شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

ريان كوغلر يسعى دائماً لإنتاج أفلام مختلفة في كل نوع سينمائي. فيلمه (Creed «كريد»، 2015) أضاف جديداً إلى أفلام الدراما الرياضية

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق «فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة.

فيفيان حداد (بيروت)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».