في عام 1989، صاح الزوج واين زالينسكي معلناً لزوجته دايان: «حبيبتي، لقد قزّمت الأولاد». لم تصدق بادئ الأمر وهرعت لتستطلع ما يقصده، فوجدت حبيبيها الصغيرين وقد أصبحا أصغر حجماً. لا بضع سنتيمترات أصغر ولا حتى متراً أصغر، بل أصغر كثيراً. عليك أن تحذر حين تسير لئلا تدوس عليهما من دون أن تدري.
نجاح الفيلم جلب 233 مليون دولار ومسلسلاً تلفزيونياً قام بدوره على فكرة العالم الذي يتسبب، من دون قصد، في تقزيم ولديه واثنين من أولاد الجيران، إلى أصابع متحركة. عليه الآن أن يجد الطريقة لاستعادتهم إلى الحياة الطبيعية. نجاحه ينهي الفيلم الذي نال جهده البصري جائزة «بافتا» بعد عامين.
- بشر مقزّمون
هذه الأيام، لدينا فيلم آخر يتحول فيه الناس إلى أقزام صغيرة هو «تقزيم» (Downsizing) للسينمائي نيكولاس باين، المخرج المستقل الذي، لأجل هذا الفيلم المختلف عن أعماله السابقة، تعاون مع شركة «باراماونت» على إنتاجه، والآن يمضي الوقت في حملات الترويج لفيلمه الذي يحلم بأن يصل إلى الخطوط النهائية لبعض الجوائز المهمّة.
لكن «تقزيم» يختلف من حيث إنه ليس نتاج خطأ علمي، بل نتيجة جهد مبذول لإنقاذ العالم من المجاعة. في الفيلم هناك مؤسسة علمية تحاول التغلب على المستقبل الداكن للبشرية المتمثل في النمو السكاني والاضمحلال الغذائي عبر تشجيع الناس على التحوّل إلى أحجام بالغة الصغر حيث نصف لقمة من أي طعام كافية لملء البطن.
تستهوي الفكرة الموظف بول سافرانك (مات دامون) وهو يراقب مَن تطوّع لمثل هذا الوضع داخل صندوق زجاجي. لا فرق أن المتطوع وزوجته أصبحا بحجم الصرصور، ولا أهمية لحقيقة أنّ الحياة قد تكون صعبة عندما تريد الوصول إلى علبة السكر الموضوعة على أعلى رف في المطبخ. الفكرة بحد ذاتها استهوت بول واعتقد أنّ زوجته أودري (كرستن ويغ) شاركته هذا الهوى. يقرران القبول بتقزيم نفسيهما والانضمام إلى مئات الأشخاص (إن لم يكن أكثر) الذين آمنوا بضرورة التضحية لأجل إنقاذ العالم من المجاعة.
في آخر لحظة تنسحب الزوجة وتترك الزوج لمصيره. لقد أدركت أنّها ليست أهلاً لمثل هذا التغيير الذي يتجاوز ما هو جذري في الحياة. على بول أن يعيش حياته الآن منفصلاً عن كل ماضيه ومع شخصيات أخرى وحبيبة كمبودية الأصل (هونغ تشو) لديها ما تناضل من أجله سياسياً.
سياسياً أيضاً رغب المخرج باين في الحديث عن ضرورة إيجاد حل شامل لمسألة الحياة على الأرض كما نعرفها. البحث عن مستقبل أفضل لعالم تنهار حجاراته تباعاً مثل جبل تتساقط صخوره من علٍ خلال زلزال ما. لكن السيناريو الذي كتبه، إذ يُبحِر في اتجاه إنقاذ العالم من مجاعة محتملة، يتحول في ثلثه الأخير إلى ما يناقض ذلك المسعى، فالبشر المقزّمون سيختارون دخول موطن تحت الأرض يعيشون فيه، وذلك بعد مشهد وداع لآخر غروب سيرونه قبل ولوج عالمهم الجديد. هنا، سيعتقد بول أنّه سيمضي مع هؤلاء الباذلين، لكنّه سيهرب من ذلك المصير، وإن كان سيبقى قزماً طوال حياته.
تغيير البوصلة في النهاية لا يفيد الفيلم، ويبعثر رسالته الأولى خالقاً انفصاماً بين الفكرة وتنفيذها، وبين بدايات الحكاية ونهاياتها التي لا تلتقي بالضرورة مع منطلق الفيلم لدرجة أنّه كان يمكن تقديم الحكاية بكاملها من دون اللجوء إلى فكرة التقزيم.
- العلم في خدمة الاستهلاك
في كل الحالات، فإن السينما - وعلى هذا الصعيد - انقسمت بدورها ما بين تقزيم البشر وعملقتهم. بين أن يؤموا، عن طريق الخطأ أساساً، تجربة لا رجوع عنها تجعلهم بطول قلم رصاص مستخدَم أو الانتفاخ والكبر بحيث يستطيع حجب نور الشمس عن البلدة بأسرها أو مجاورة أعلى طابق في ناطحة سحاب وقوفاً.
في الواقع، وفي العام المنتهي الذي شاهدنا فيه دخول بول عالم التقنين البدني إيماناً بمساعدة العلم على مواجهة خطر المجاعة في المستقبل، شاهدنا فيلماً آخر حول احتمالات تلك المجاعة أسمه «أوكجا» (Okja) لكن في حين أنّ نيّة العلماء سليمة في «تقزيم» نيكولاس كايج، فإنها شريرة في «أوكجا» كما كتبه وأخرجه الكوري جون - هو بونغ.
المؤسسة العلمية هنا لا تهدف إلى تقزيم البشر ولا إلى تغيير طباعهم، بل لتحويل الحيوانات المختلفة القابلة للأكل إلى مخلوقات أكبر حجماً ممّا هي عليه. بذلك يستطيع الحيوان أن يُطعم المئات عوضاً عن بضعة أفراد.
هكذا نتعرف على كوجا، الحيوان الذي تمّ زرع خلايا في داخله (واحد من ألوف) وتركه يرعى في منزل عائلة في الريف الكوري (الجنوبي). الفتاة الصغيرة (سو هيون آن) تحب هذا الحيوان الفريد والأليف وعندما تحاول المؤسسة الأميركية استعادته تنطلق في أثره لإنقاذه من المصير المظلم.
معظم هذا الإنتاج الخيالي الجانح جيد في الفكرة والنية والتنفيذ. لكن الذي لا يوازي تلك الجودة هي انتقاله من حالة لأخرى من دون تناغم ولا تماسك. فهو يبدأ كفيلم مغامرات صبيانية ثم ينتقل إلى فانتازيا ذات مواقف جانحة، وبعد ذلك يعرض وضعاً سياسياً لا يخلو من العنف (جبهة سياسية لإرهابيين معادين للمؤسسات الاجتماعية)، ومن ثم إلى ميلودراما غارقة في انفعالات عاطفية تسود النهاية.
في كل هذا الوضع يحاول أن يتوّج مضمونه بالسخرية ممّا يقع بين الأطراف المشتركة في حب استحواذ أوكجا كلّ لغرضه السياسي أو العاطفي، لكنّ هذه السخرية تتحول إلى مواقف كاريكاتيرية أكثر من مرّة.
طبعاً هي ليست المرة الأولى التي نشاهد فيها مخلوقاً كبير الحجم. «كينغ كونغ» كان الأسبق عندما ابتكره كل من مريان س. كوبر وإرنست ب. شاودساك سنة 1933. بطله غوريللا ضخمة تعيش فوق جزيرة مجهولة ولأغراض تجارية محضة (كتلك التي في «أوكجا») يتم نقله من بيئته في تلك الأدغال حيث كل الحيوانات عملاقة إلى مدينة نيويورك، حيث يأمل أصحاب المشروع في تحويله إلى مصدر ثراء بعرضه في أحد أكبر المسارح. «كينغ كونغ» الذي كان قد وقع في الحب من أول نظرة ألقاها على الشقراء فاي راي (مَن مِن جمهور ذلك الحين لم يقع في حبها؟)، وبسبب هذا الحب وكرهاً بوضعه في القفص كمهرج يحطم قيوده ويدمر نيويورك إلى أن يُدمر.
- المرأة المتمردة
على أكتاف هذا العمل سنجد كثيراً من الأفلام التي تعاملت مع العمالقة، لكنّ الأجدى هنا تناول البشر الذين «تعملقوا» أو «تقزّموا» لأن المسألتين تتحوّلان إلى وجهة نظر في موضوع هل من الأفضل تحويل الإنسان إلى مصدر خطر أو تحويله إلى مخلوق تحت الخطر؟!
الخمسينات كانت عقداً ثرياً في أفلامه التي شكَّلَت بعد مضيه وضعاً كلاسيكياً يمكن العودة إليه في الحالتين. وأحد الأفلام التي تناولت شخصية بشر يتحوّل إلى عملاق بحجم غير مسبوق هو «هجوم المرأة ذات الخمسين قدماً (Attack of the 50 Foot Woman) تحت إدارة المخرج ناتان جوران (من رعيل ثانوي أنجز نحو ستين فيلماً في حياته بينها عدداً كبيراً من أفلام «الوسترن») نشاهد نانسي (أليسون هايز) تعاني من سوء معاملة زوجها هاري (ويليام هدسون). بعد إصابتها بعارض مصدره فضائي تبدأ بالتحوّل تدريجياً من امرأة عادية إلى أخرى أكبر حجماً، ثم تواصل التحوّل حتى تصبح بقامة عملاقة تحركها الرغبة في الانتقام من الزوج الخادع ومن مجتمع ذكوري.
تجسيدها حمل رمزاً حائراً بين تأييد لفكرة أن المرأة لها الحق في الثأر من ذلك المجتمع، وتجسيدها كخطر ماحق على الإنسان عموماً.
قبله بعام واحد قام مخرج مغمور آخر هو بيرت غوردن بتحقيق فيلم بعنوان «العملاق المدهش» (The Amazing Colossal Man) وبطله رجل أصيب بلوثة نووية حولته إلى عملاق كبير. حمل الفيلم على العلم النووي أكثر ممّا حمل رموزاً اجتماعية كتلك التي في «هجوم المرأة ذات الخمسين قدماً» لكن التشويق ذاته.
هذا مع العلم أن شخصية «The Hulk» التي أُنتِج فيلمان عنها، الأول سنة 2003 لآنغ لي والثاني سنة 2008 للويس لتريير، قامت على المفارقة العلمية ذاتها: رجل عادي يُصاب بأشعة تحوّله إلى عملاق، مع اختلاف أنّه قد يعود إلى شكله السابق عندما لا يشعر بالخطر عليه أو عندما لا يثيره موقف معاد.
الفكرة ذاتها طغت على مسلسل تلفزيوني ما بين 1978 و1982 بعنوان «العملاق الخرافي» (The Incredible Man) حيث كان الهارب من مطارديه رجل عادي يتحوّل حين الغضب إلى عملاق ليس بطول بناية، لكن على نحو ضخم وبقامة ثلاثة أشخاص. وسؤال هذا الناقد بينما تتمزق قمصان الرجل وهو يتضخم وسراويله عمّا إذا كان يملك ميزانية كافية لشراء ملابس جديدة إثر كل مرّة تتمزق فيها ملابسه؟! وماذا يفعل عندما يعود إلى حجمه الطبيعي بثياب ممزقة ومهلهلة؟ هل يقصد أقرب متجر بما عليه؟
- الرجل المضمحل
في هذه الحالات جميعاً (وهناك أفلام أخرى من تلك الفترة أو خلال ما تلاها)، كان العملاق (ذكراً أو أنثى) غالباً مصدر خطر على الآخرين حتى وإن لم يكن شريراً في الأساس. هو ليس وحشاً كاسراً ولا عمد إلى تضخيم بدنه للانقضاض على الآخرين، بل هناك ظروف هو غير مسؤول عنها حوّلته إلى عملاق وخطره هو تحصيل حاصل يحمل قدراً كبيراً من سوء الفهم والمعاملة.
أما التقزيم فهو الوضع المضاد. إنه عن الرجل الذي يصغر متحولاً من قامة عادية إلى قامة طفل ثم إلى مخلوق لا يرتفع حجماً عن أصبع سبابة يده السابقة.
المعاينة الرئيسة الأولى لمثل هذا الوضع وردت في فيلم «الرجل المتقلص العجيب» (The Incredible Shrinking Man) سنة 1957، على يدي مخرج تخصص في الخمسينات بتحقيق عدة أفلام رعب كلاسيكية جديرة اسمه جاك أرنولد. والحكاية هنا تبدأ، كما في رواية رتشارد ماثيسون التي تم اقتباسها، برجل وزوجته يقضيان عطلة على متن يخت. الزوجة تدخل «الكابين»، والرجل يبقى فوق سطح المركب عندما تمر به سحابة غامضة. بعد حين يبدأ بملاحظة أنّ ثيابه أصبحت كبيرة، ثم يدرك وزوجته أنه يتقلص، وعلى الرغم من كل التجارب الطبية التي تعرّض لها فإن تقلصه يستمر إلى أن يصبح من الصغر بحيث بات يعيش تحت خطر أن يصطاده عنكبوت أو تلتهمه قطّة المنزل.
الوضع الماثل خطير بحد ذاته، لكنّه في الوقت ذاته معبّر عن فكرة أن الرجل العصري (آنذاك) مهدد بالتقوقع والانحسار تبعاً لمتطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية. إنّه المعيل العاطفي لزوجته والاقتصادي للبيت. حال يتأكد بطل الرواية والفيلم من أنّه يتقلص، يدرك في داخله أنّه لن يستطيع القيام بواجباته العاطفية أو الاجتماعية كاملة، وما يلبث أن يضمحل. النصف الثاني من الحكاية تضعه حبيس غرفة تحت أرضية يجهد في سبيل الدفاع عن حياته ضد المخاطر حوله. وحين تبحث عنه زوجته ولا تجده تمضي في سبيلها لحياة أخرى مع رجل لم يتعرض لتلك السحابة الغامضة.
هذه المعالجة الفلسفية والوجدانية لم تثر اهتمام «حبيبتي، لقد قزمت الأطفال»، ولا الفيلم الحديث «الرجل - النمل». وحينها اقتبست الفكرة العامة لمسلسل تلفزيوني بعنوان «أرض العمالقة» (ما بين 1968 و1970) حول بشر حطوا على ظهر كوكب من العمالقة بحيث أصبحوا، بطبيعة الحال، أقزاماً معرضين في كل حلقة لخطر مختلف.
تاريخ غريب من سينما الأقزام والعمالقة
بعضهم أصغر حجماً من أصبع اليد
مات دامون وكريستين ويغ في «تقزيم»
تاريخ غريب من سينما الأقزام والعمالقة
مات دامون وكريستين ويغ في «تقزيم»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

