شربل جرجس يُدير ظهره للمواجهة في «غير مرحَّب»

وجوه خارج اللوحة... وأثقالها كلُّها في الداخل

شربل جرجس يضع المواجهة على مسافة ريشة (الشرق الأوسط)
شربل جرجس يضع المواجهة على مسافة ريشة (الشرق الأوسط)
TT

شربل جرجس يُدير ظهره للمواجهة في «غير مرحَّب»

شربل جرجس يضع المواجهة على مسافة ريشة (الشرق الأوسط)
شربل جرجس يضع المواجهة على مسافة ريشة (الشرق الأوسط)

هناك شيء غير مألوف في بورتريهات شربل جرجس. الأشخاص موجودون بكامل أجسادهم تقريباً، وبعضهم يحتلّ مساحة كبيرة من اللوحة، ومع ذلك يغيب العنصر الذي اعتدنا أن يمنح البورتريه هويته، الوجه. امرأة على أريكة ورجل على كرسي، في جانبهما أمّ بين طفليها وامرأة يُجاورها كلب. وهناك أجساد في غرف ومطابخ ومساحات منزلية. جميعهم يديرون ظهورهم إلينا. تبدو الاستدارة في معرض «غير مرحَّب» فعلاً يتجاوز الاختيار التشكيلي، لتصبح طريقة في الوجود، وربما طريقة في الاحتمال.

الظهر قد يكون اعترافاً مؤجَّلاً (الشرق الأوسط)

المعرض الفردي للفنان اللبناني المولود عام 1995، يُقام في «آرت سِين غاليري» بمنطقة الجميزة البيروتية، ويجمع سلسلة من اللوحات الزيتية التي أنجز معظمها عام 2026. يعمل جرجس بين الواقعية والتجريد، وتتوزَّع تجربته بين الرسم والتجهيز والفيديو والتصوير، بينما ينشغل بالحالات الداخلية للإنسان، وبما يفعله المرء حين تصبح مواجهة نفسه أثقل من أن يحتملها.

يكتب الفنان في نصّ المعرض أنّ المواجهة كانت دائماً أمراً صعباً بالنسبة إليه، ويصف «اللامواجهة» بأنها السِّمة الأساسية للأعمال. الشخصيات التي يرسمها موجودة في مساحات مُغلَقة، من دون أُفق أو حدث ينتظرها. أمامها «حائط مسدود»، وما يحاول التقاطه هو الانزعاج واللامبالاة و«رحلة هروب هادئ».

ثمة أشياء نعيش معها من دون أن ننظر إليها (الشرق الأوسط)

المفارقة الجميلة في السلسلة أنّ الهروب يتحوَّل إلى مواجهة. الشخصيات تهرب من عين المتلقّي، بينما يضعها الرسام أمامه طويلاً كي يرسمها. والوجه المحجوب يجعل النظر أشدَّ إلحاحاً، لأنّ العين تبحث غريزياً عمّا حُرمت منه. بذلك تتغيَّر وظيفة البورتريه. جرجس يرسم أشخاصاً من دون أن يمنحنا امتياز معرفتهم. الملامح التي كان يُفتَرض أن تُعرِّف الفرد تُستَبدل بظهره وانحناءة كتفيه وجلسته وشَعره وثيابه، وبالأشياء المُحيطة به. يصبح الغياب مادةً للصورة.

حتى من الخلف... يُعرَف الحضن (الشرق الأوسط)

وتبدو الجدران شديدة الأهمية. في لوحات كثيرة، يجلس الشخص قبالة مساحة تنتهي سريعاً، أو يستقرّ داخل غرفة تبدو مُكتفية بحدودها. أبواب ومقابس كهرباء وأثاث منزلي وطاولات وكراسي وأرائك، أشياء مألوفة إلى درجة أننا نكاد نتوقَّف عن رؤيتها. لا نافذة تقود العين بعيداً، ولا امتداد بصري يمنح الجسد وعداً بالخروج. المكان الذي نتوقَّع أن يُوفّر الألفة يتحوَّل بهدوء إلى حدّ. وحتى حيث تظهر النباتات أو الألوان الأكثر حيوية، يبقى الجسد مستديراً إلى الداخل، كأنّ الخارج فَقَدَ قدرته على استدعائه.

الاستدارة لا تمحو ما بقي وراءها (الشرق الأوسط)

الاستدارة تحتمل طبقة نفسية أعمق من الامتناع عن التواصل مع الآخر. هناك أشياء في الإنسان يصعب النظر إليها مباشرةً، فيتعلَّم العيش إلى جوارها. يؤجّلها ويدير لها ظهره، ويجلس أمام حائطه الخاص. لذلك اختار جرجس لحظات عادية، خالية من البطولة والحدث. الحياة الداخلية الثقيلة لا تحتاج دائماً إلى انفجار لتظهر. قد تسكن ظَهْراً منحنياً قليلاً أو امرأة أمام جدار، أو شخصاً جالساً وحده وسط أثاث بيته.

حتى وجود الأُم مع طفليها لا يكسر هذا القانون البصري. القُرب الجسدي حاضر، لكنّ الوجوه مُستَبعدة. وفي لوحة المرأة والكلب، يُوجّه الحيوان انتباهه نحوها بينما تظلُّ هي مستديرة عنا. كأنّ الفنان يضع درجات مختلفة من الصلة داخل عالم قرَّر حجب أهم أداة للتعارُف البشري. الآخر موجود، الحميمية مُمكنة، ومع ذلك يبقى جزء من الإنسان عصياً على الوصول.

لكلٍّ جدارٌ يعرفه جيداً (الشرق الأوسط)

ينتهي نصّ جرجس بعبارة مقتضبة، «إلى أبي...»، بعد كلام طويل عن الوجه الذي أمامه ولا يستطيع رؤيته، وعن النظر والهروب إلى الخلف والأمام. لا يتيح الكاتالوغ الجزم بأنّ الأب هو المفتاح التفسيري المباشر لكلّ اللوحات، وسيكون اختزال التجربة في الفَقْد تعسّفاً. لكنّ الإهداء يسمح بقراءة أكثر حميمية لفكرة الوجه الغائب. الموت يجعل المواجهة مستحيلة بصورتها الحرفية. يُصبح الوجه موجوداً في الذاكرة وغائباً عن العين، وتُصبح أشياء كان يمكن قولها أو رؤيتها أو حسمها جزءاً من منطقة يتعذَّر الرجوع إليها.

أمام الحائط تنتهي المسافة ويبدأ الداخل (الشرق الأوسط)

«غير مرحَّب» معرض عن المسافة التي نصنعها بيننا وبين ما يؤلمنا. عنوانه يترك إحساساً بأنّ ثمة شيئاً مطروداً من المجال المرئي، شخصاً أو ذكرى أو شعوراً داخلياً. وفي اقتباس إميل سيوران الذي يفتتح به الفنان نصّه، يحضر الإنسان ناجياً يُحاول النسيان، قبل أن تبدأ سلسلة الوجوه التي يعجز الرسّام عن رؤيتها.

تعتمد السلسلة على تكرار صارم للفكرة، وقد يصبح هذا التكرار قيداً حين يستبق المتلقّي آلية اللوحة التالية. لكنّ جرجس يجعل هذا النمط إيقاعاً مقصوداً. تتراكم اللامواجهة حتى تكفَّ عن كونها وضعيّة جسدية. تصبح حالة ذهنية. فالجدار الذي يحدُّ نظر الشخصيات لا يبقى داخل اللوحة طويلاً. بعد عدد من الأعمال، يبدأ المتلقّي بالتفكير في الجدران التي يحملها معه.


مقالات ذات صلة

«آرت بازل قطر» يعلن عن الفنانين والصالات المشاركة في دورته المقبلة

يوميات الشرق برحة مشيرب في الدوحة (آرت بازل)

«آرت بازل قطر» يعلن عن الفنانين والصالات المشاركة في دورته المقبلة

أعلن معرض «آرت بازل قطر» قائمة صالات العرض المشاركة في دورته الثانية التي ستقام في شهر يناير (كانون الثاني) من العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أغلب الأعمال وُلدت من مواد أُعيد تدويرها (وزارة الثقافة)

«ربع تون»... معرض فني جديد للفنان العراقي نصير شمّة

يقوم المعرض على إعادة توظيف نشارة الأخشاب وبقايا صناعة آلة العود، وتحويلها من وظيفتها التقليدية إلى تكوينات تشكيلية تنبض بالمقام والإيقاع.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)

أحمد البحراني يستعيد ذاكرة الطفولة بـ«ضفاف الفرات»

كيف يمكن لقطعة خشب أنهت رحلتها في البحر أن تبدأ حياة جديدة؟ وأي ذاكرة تختبئ في طائر صغير، لا يحاكي الطبيعة بقدر ما يستعيد بيتاً بعيداً وطفولة لا تزال تسكن صاحبه

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من معرض «النزول إلى النهر» (الشرق الأوسط)

محمد عبلة يعيد اكتشاف «النهر» بالحركة الصاخبة والألوان

في معرضه «النزول إلى النهر» يعود الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة إلى نهر الطفولة الذي تشكلت على ضفافه ذاكرته البصرية.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)

جميل ملاعب: 50 عاماً بين السماء والأرض على جدران معرض

بيروت نقطة الانطلاق والعودة، لكنّ العودة في الرسم تختلف عن العودة الجغرافية...

فاطمة عبد الله (بيروت)

كيف قايض متهم بتقطيع جثة اعترافه بشطيرة وبطاطس مقلية خلال محاكمته؟ (فيديو)

المتهم الأميركي روبرت كيسلر البالغ من العمر 74 عاماً (وسائل إعلام أميركية)
المتهم الأميركي روبرت كيسلر البالغ من العمر 74 عاماً (وسائل إعلام أميركية)
TT

كيف قايض متهم بتقطيع جثة اعترافه بشطيرة وبطاطس مقلية خلال محاكمته؟ (فيديو)

المتهم الأميركي روبرت كيسلر البالغ من العمر 74 عاماً (وسائل إعلام أميركية)
المتهم الأميركي روبرت كيسلر البالغ من العمر 74 عاماً (وسائل إعلام أميركية)

لم يجد القاضي الأميركي نيك نازاريتيان في ولاية فلوريدا، من الكلمات ما يصف به المشهد السريالي الذي دار في قاعة المحكمة، سوى القول إن الأمر «خاطئ بألف طريقة وطريقة».

فلم يكن المشهد يدور حول ثغرة قانونية معقدة أو جدل دستوري عميق، بل كان تفاوضاً غريباً من نوعه في تاريخ المحاكم، متهم بجريمة قتل مروعة يقايض اعترافه بالذنب بوجبة طعام سريعة.

في ثنايا تلك الجلسة العاصفة التي جرت مؤخراً، فاجأ المسن الأميركي روبرت كيسلر، البالغ من العمر 74 عاماً والكفيف قانونياً، هيئة المحكمة بعرض غير متوقع.

وبينما كانت الترتيبات تجري لاختيار هيئة المحلفين للنظر في قضية مقتل السيدة ستيفاني كرون-أوفرهولت، رفع كيسلر سقف المطالب، ليس بحثاً عن براءة مستحيلة، بل طمعاً في شطيرة لحم بالجبن «تشيز ستيك» مضاف إليها البصل والمايونيز، وصحن من البطاطس المقلية، ومشروب بيبسي بارد.

كان هذا كل ثمن اعترافه بجريمة هزت الولاية قبل سنوات، وقبوله طواعية بقضاء بقية عمره خلف القضبان.

أشلاء في أكياس عائمة

يعود أصل الجريمة إلى نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2021، حين استيقظت مدينة تامبا على كابوس مرعب، بعدما عثر صيادون في خليج «مكاي» على أكياس بلاستيكية عائمة تحوي أشلاء بشرية مقطعة بعناية.

كشفت التحقيقات لاحقاً، وفق ما نقلته تقارير صحيفة «برادنتون هيرالد» ووكالات الأنباء الأميركية، أن الجثة تعود لامرأة كانت تقيم في منزل كيسلر. ورغم إنكاره الطويل، واجه المتهم أدلة جنائية ثقيلة تضمنت العثور على دماء الضحية تحت السجاد وفي سيارته، ليجد نفسه في مواجهة اتهامات بالقتل العمد من الدرجة الأولى وإساءة معاملة جثة.

«بندقية دافعي الضرائب» والبديل الشهي

حين وقف كيسلر يمثل نفسه أمام القاضي، حاول إضفاء طابع «إنساني واقتصادي» على مساومته الغريبة. وحسب مضبطة الجلسة التي تداولتها وسائل الإعلام الأميركية ومن بينها شبكة «إن بي سي»، برر المتهم طلبه الغريب برغبته في «توفير أموال دافعي الضرائب» التي ستُهدر في محاكمة طويلة ومعقدة.

كان يعرض اختصار الوقت والجهد، شريطة أن تخرج المحكمة عن بروتوكولها الصارم وتؤمن له تلك الوجبة المفضلة قبل غلق ملفه الجنائي إلى الأبد.

وجبة السجن تنهي المسرحية

برغر الواغيو مع البطاطس المقلية (الشرق الأوسط)

لكن العدالة في فلوريدا لم تكن قابلة للمساومة على طاولة الطعام؛ إذ سارع القاضي نازاريتيان إلى إحباط المناورة، مؤكداً للمتهم بحسم أنه لا يملك الصلاحية القانونية ولا الأخلاقية لعقد صفقات قضائية قوامها شطائر اللحم والمشروبات الغازية.

وعرض القاضي متهكماً الوجبة العادية المخصصة للسجناء في ذلك اليوم، وهو ما دفع كيسلر للتراجع فوراً عن فكرة الاعتراف بالذنب، معلناً تمسكه بالمحاكمة. وبذلك، طُويت صفحة «الصفقة الشهية»، لتبدأ المحكمة رحلة البحث في تفاصيل جريمة تقطيع الجثة، بعيداً عن رائحة المايونيز والبصل المقلي.


ضغطة هاتف تكفي لتحويل عشاء هادئ إلى مقلب بـ12 ألف دولار!

نجح متابعون لصانع المحتوى الأميركي «لاسي» (Lacy) في تحويل عشائه بأحد مطاعم طوكيو إلى وليمة مفتوحة (إكس)
نجح متابعون لصانع المحتوى الأميركي «لاسي» (Lacy) في تحويل عشائه بأحد مطاعم طوكيو إلى وليمة مفتوحة (إكس)
TT

ضغطة هاتف تكفي لتحويل عشاء هادئ إلى مقلب بـ12 ألف دولار!

نجح متابعون لصانع المحتوى الأميركي «لاسي» (Lacy) في تحويل عشائه بأحد مطاعم طوكيو إلى وليمة مفتوحة (إكس)
نجح متابعون لصانع المحتوى الأميركي «لاسي» (Lacy) في تحويل عشائه بأحد مطاعم طوكيو إلى وليمة مفتوحة (إكس)

في واحدة من أغرب المقالب على الإنترنت، نجح متابعون لصانع المحتوى الأميركي «لاسي» (Lacy) في تحويل عشائه بأحد مطاعم طوكيو إلى وليمة مفتوحة، بعدما استخدموا رمزاً إلكترونياً ظهر أمام الكاميرا لطلب عشرات الأطباق على حسابه، وصلت قيمتها المعلنة إلى نحو 12 ألف دولار!

وكان لاسي يتناول العشاء برفقة صديقته دارلا كلير في مطعم «زاوو شيبويا» (Zauo Shibuya)، يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول)، ويبثّ الأمسية مباشرة عبر منصة «تويتش». وخلال التصوير، ظهر رمز الاستجابة السريعة (QR Code) المخصص لطلب الطعام على الطاولة، فالتقط بعض المتابعين الفرصة، ومسحوا الرمز بهواتفهم للوصول إلى قائمة المطعم، وبدأوا في إرسال طلبات إضافية.

وحسب موقع «إنترناسيونال بيزنس تايمز»، لم ينتبه لاسي إلى ما يحدث إلا عندما اقترب أحد العاملين للاستفسار عن سيل الطلبات الجديدة. عندها أدرك أن جمهوره قرر المشاركة في العشاء بطريقته الخاصة! وسارع إلى طلب وقف استقبال أي طلبات أخرى، لكن الأطباق كانت قد بدأت تصل بالفعل.

وبحسب روايته، بلغت قيمة الطلبات نحو 1.5 إلى 1.6 مليون ين ياباني، أي ما يعادل 11 إلى 12 ألف دولار تقريباً، وشملت نحو 15 طبقاً إضافياً. وقال إنه عرض تحمل تكلفة الطعام، بل اقترح تقديم الأطباق إلى العائلات الموجودة في المطعم بدلاً من إهدارها.

لكن المطعم قدم رواية مختلفة، نافياً مطالبة لاسي بدفع هذا المبلغ. وأوضح، في بيان نشره عبر «إنستغرام»، أن العاملين راجعوا الطلبات مع الزبائن، واحتسبوا فقط قيمة الأطعمة التي تناولوها فعلياً. ومع ذلك، كانت بعض الأطباق قد أُعدّت بالفعل قبل اكتشاف المقلب، ما اضطر العاملين إلى التخلص من جزء من الطعام غير المطلوب.

ومن جانبه، قال لاسي إنه تواصل مع إدارة المطعم لمحاولة تسوية الموقف وتصحيح ما حدث، في توضيح نشره عبر منصة «إكس».

الطريف أن المتابعين لم يحتاجوا إلى مغادرة منازلهم للمشاركة في وليمة طوكيو؛ بضع نقرات على الهاتف كانت كافية لتحويلهم إلى زبائن، بينما تُرك للمطعم عبء تحضير الطعام، وللاسي مهمة التعامل مع المفاجأة. هكذا، تحوّل رمز صغير صُمم لتسهيل الطلب إلى مقلب غير متوقع، وإن لم تنتهِ القصة بفاتورة الـ12 ألف دولار التي أثارت كل هذه الضجة!


البروتين النباتي قد يساعد على إنقاص الوزن دون حساب السعرات

البروتين النباتي متوفر في أطعمة مثل البقوليات والمكسرات (جامعة هارفارد)
البروتين النباتي متوفر في أطعمة مثل البقوليات والمكسرات (جامعة هارفارد)
TT

البروتين النباتي قد يساعد على إنقاص الوزن دون حساب السعرات

البروتين النباتي متوفر في أطعمة مثل البقوليات والمكسرات (جامعة هارفارد)
البروتين النباتي متوفر في أطعمة مثل البقوليات والمكسرات (جامعة هارفارد)

أظهرت دراسة سريرية أميركية أن استبدال البروتين الحيواني بالبروتين النباتي قد يساعد على إنقاص الوزن لدى البالغين الذين يعانون زيادة الوزن، دون تعمُّد تقليل إجمالي كمية البروتين المتناولة عمداً أو حساب السعرات الحرارية، وذلك عند اتباع نظام غذائي نباتي منخفض الدهون.

ووجد باحثون بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة جورج واشنطن أن مصدر البروتين قد يؤدي دوراً مهماً في التحكم بالوزن، وليس الكمية فقط التي يحصل عليها الجسم منه. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «BMJ Nutrition, Prevention & Health».

ويُعد البروتين عنصراً غذائياً أساسياً في الأنظمة الهادفة إلى إنقاص الوزن، إذ يساعد على الشعور بالشبع لفترة أطول، وقد يقلل الرغبة في تناول الطعام، فضلاً عن دوره في الحفاظ على الكتلة العضلية خلال فقدان الوزن. ويتوفر البروتين في مصادر حيوانية، مثل اللحوم والأسماك والبيض ومنتجات الألبان، وأخرى نباتية، مثل العدس والفاصوليا والحمص وفول الصويا والمكسرات.

وخلال الدراسة، تابع الباحثون 62 بالغاً يعانون زيادة الوزن في واشنطن، ووزعوهم عشوائياً على نظامين غذائيين لمدة 16 أسبوعاً. اعتمد النظام الأول على حمية نباتية منخفضة الدهون، تضمنت الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والبقوليات، مع استبعاد المنتجات الحيوانية تماماً.

أما النظام الثاني، فكان حمية البحر المتوسط، وفقاً لبروتوكول دراسة «بريديميد»، واشتمل على الخضراوات والفواكه والبقوليات والأسماك والمكسرات وزيت الزيتون البكر الممتاز، مع تفضيل اللحوم البيضاء قليلة الدهون على اللحوم الحمراء.

وبعد فترة توقف استمرت 4 أسابيع، انتقل المشاركون إلى النظام الغذائي الآخر لمدة 16 أسبوعاً إضافياً، دون فرض قيود على السعرات الحرارية في أي من النظامين. وأكمل 52 مشاركاً، أي 84 في المائة من العينة، مراحل التجربة التي امتدت 36 أسبوعاً.

وأظهرت النتائج أن متبعي الحمية النباتية خفّضوا استهلاكهم اليومي من البروتين الحيواني بمعدل 47.7 غرام، في حين زاد استهلاكهم للبروتين النباتي بمقدار 14.4 غرام، وتراجع إجمالي البروتين المتناول بمعدل 33.3 غرام يومياً. في المقابل، لم تُسجل تغيرات ذات دلالة إحصائية في استهلاك البروتين لدى متبعي حمية البحر المتوسط.

وعند تحليل نتائج النظامين، وجد الباحثون أن المشاركين الذين خفّضوا استهلاكهم للبروتين الحيواني بأكبر قدر، وزادوا اعتمادهم على البروتين النباتي، حققوا أكبر خسارة في الوزن.

كذلك ارتبط ارتفاع استهلاك البروتين الحيواني وإجمالي البروتين بفقدان أقل للوزن، في حين ارتبطت زيادة استهلاك البروتين النباتي بخسارة أكبر. ورصد الباحثون أيضاً علاقة بين انخفاض استهلاك 4 أحماض أمينية، هي الإيزوليوسين، واللايسين، والميثيونين، والتيروزين، وفقدان وزن أكبر. وتوجد هذه الأحماض بتركيزات أعلى في البروتينات الحيوانية مقارنة بالبروتينات النباتية.

وأشار الباحثون إلى أن النتائج تدعم أدلة متزايدة على دور الأنظمة الغذائية النباتية في التحكم بالوزن، مؤكدين أنها لا تعني أن البروتين ضار، بل تسلط الضوء على أهمية مصدره. فقد ارتبط الاعتماد بدرجة أكبر على الفاصوليا، والعدس، والتوفو، والحبوب الكاملة، مقابل تقليل استهلاك اللحوم، ومنتجات الألبان والبيض، بفوائد في التمثيل الغذائي وفقدان الوزن.

ومع ذلك، لا تثبت النتائج، وفقاً للفريق، أن تغيير مصدر البروتين وحده يؤدي مباشرة إلى إنقاص الوزن، إذ تناول التحليل الارتباطات بين التغيرات الغذائية والوزن ضمن تجربة سابقة، ما يستدعي إجراء مزيد من الأبحاث لتحديد الآليات المسؤولة عن هذه العلاقة.