البحر يُغيِّر لونه في تايلاند... ومشهد غريب يُفاجئ السياح

ازدهار العوالق يُثير مخاوف من نقص الأكسجين في المياه

الأخضر الذي لا يُشبه الطمأنينة (رويترز)
الأخضر الذي لا يُشبه الطمأنينة (رويترز)
TT

البحر يُغيِّر لونه في تايلاند... ومشهد غريب يُفاجئ السياح

الأخضر الذي لا يُشبه الطمأنينة (رويترز)
الأخضر الذي لا يُشبه الطمأنينة (رويترز)

في مشهد بدا أقرب إلى لوحة غريبة منه إلى مياه جزيرة استوائية تعجّ بالسياح، اكتست مياه البحر قبالة جزيرة كو لان التايلاندية -وهي وجهة سياحية شهيرة- بلون أخضر فاقع، وانبعثت منها رائحة نفّاذة هذا الأسبوع، بعدما أسهمت الأمطار الغزيرة والفيضانات في تحفيز ازدهار العوالق البحرية، مما دفع بعض السبَّاحين إلى البقاء على الشاطئ.

وذكرت «رويترز» أنه على امتداد أجزاء من الساحل، ظهرت مساحات كثيفة من اللون الأخضر، في حين بدت الدراجات المائية طافية وسط مياه تَغيَّر لونها حول الجزيرة الواقعة في الجزء الشمالي من خليج تايلاند، بينما ظلَّت أجزاء أخرى من الشريط الساحلي بمنأى عن الظاهرة.

وقال كبير الباحثين ورئيس قسم البحوث البيئية البحرية في شعبة بحوث علوم البحار التابعة لمعهد علوم البحار بجامعة بورافا، أرووت مونهابون: «ما نراه فعلاً بالعين المجرَّدة هو لون ناجم عن نوع من العوالق يُسمى نوكتيليوكا».

خُضرة كان نُموُّها مفترضاً على اليابسة (رويترز)

وكان فريقه المؤلَّف من 4 باحثين موجوداً في الموقع لجمع عيّنات من المياه وقياس جودتها، قبل نقلها إلى المختبر للتعرُّف على الأنواع الموجودة فيها، وإنشاء قاعدة بيانات تساعد في تكوين صورة أوضح عن الوضع.

وازدهار العوالق ظاهرة طبيعية ومتكرّرة، وإنما ازدادت حِدّتها في مناطق مختلفة من العالم مع ارتفاع حرارة البحار بفعل تغيُّر المناخ، وفق الباحثين. وأضافوا أنّ جريان الأسمدة الزراعية ومياه الصرف الغنية بالعناصر الغذائية إلى البحر يوفّر للعوالق المغذيات اللازمة لنموّها السريع.

وعادة ما تستمر ظاهرة ازدهار العوالق بين يومين و3 أيام، ولكن انحسارها لا يعني بالضرورة انتهاء آثارها البيئية؛ فعندما تموت أعداد هائلة من العوالق تستهلك عملية تحلّلها الأكسجين الموجود في المياه، ما قد يؤدّي إلى نشوء مناطق تعاني نقصاً حادّاً فيه، أو ما تُعرف بـ«المناطق الميتة»؛ حيث تنخفض مستوياته إلى درجة لا تعود معها المياه قادرة على دعم الحياة البحرية، وفق نائب مدير معهد علوم البحار في جامعة بورافا، أنوكول بورانابراثيبرات.

وقال: «نراقب المرحلة النهائية، وهي نقص الأكسجين... وبناءً على بحوثي، أصبح نقص الأكسجين في الجزء الداخلي من خليج تايلاند أكثر حدّة فعلاً».

وأوضح أنّ أكبر مصدر للقلق بالنسبة إليه هو اتساع منطقة تعاني نقصاً حادّاً في الأكسجين تشكّلت هذا العام، وانخفضت مستوياته فيها إلى درجة لا تسمح بدعم الكائنات البحرية التي تعيش في قاع البحر.

وقد تكون الرياح الموسمية التي شهدتها تايلاند وظاهرة «إل نينيو» قد أسهمتا في زيادة حدّة ازدهار العوالق وظروف نقص الأكسجين؛ إذ إنّ المياه الأكثر دفئاً تكون أقل قدرة على الاحتفاظ بالأكسجين المذاب.

لكن أنوكول قال إن الأمر يحتاج إلى مزيد من البحوث، لتأكيد الصلة بين هذه العوامل وازدهار العوالق ونقص الأكسجين في مياه خليج تايلاند.


مقالات ذات صلة

تونس: صيف 2026 الأشد حرارة منذ عام 1950

شمال افريقيا درجات الحرارة المرتفعة في تونس أثرت على إمدادات الكهرباء والمياه الصالحة للشرب (رويترز)

تونس: صيف 2026 الأشد حرارة منذ عام 1950

أعلنت الأرصاد الجوية التونسية، الثلاثاء، أن صيف 2026، الذي شهد تكراراً في انقطاع التيار الكهربائي والمياه الصالحة للشرب، هو الأشد حرارة منذ عام 1950...

«الشرق الأوسط» (تونس)
يوميات الشرق ما خُلق للدفء صار حارساً للبرودة (رويترز)

صوف الأغنام... سلاح غير متوقَّع ضدّ ذوبان الجليد

يُجري باحثون تجربة غير مألوفة في جبال الألب، لاختبار ما إذا كان صوف الأغنام، قادراً على الإسهام في حماية الجليد...

يوميات الشرق رفّة صغيرة تروّض صيفاً ثقيلاً (أ.ب)

إسبانيا تفتح مراوحها في وجه الحرّ القياسي

تُفتح مروحة اليد الإسبانية التقليدية، التي تتميّز بصغر حجمها بما يكفي لحملها في حقيبة صغيرة، على شكل نصف دائرة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أوروبا نحو 33 دولة سجّلت هذا العام أكثر شهر يوليو حرارة لها منذ بدء تسجيل البيانات (أ.ف.ب)

للعام الثاني على التوالي... بريطانيا تسجل الصيف الأكثر حراً

شهدت بريطانيا الصيف الأشد حرارة في تاريخها للعام الثاني على التوالي، بحسب ما أعلنت هيئة الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة جدارية ملونة من أكروتيري تُظهر أسطولاً بحرياً يقترب من مدينة ساحلية محصنة وهي الوثيقة البصرية التي يستند إليها الكثير من الباحثين لمحاولة تصور شكل أطلنطس المفقودة قبل دمارها (ويكيبيديا)

شيفرة أطلنطس المفقودة: هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟

هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟ اكتشف حقائق عام 1613 قبل الميلاد والعلاقة الجيولوجية المذهلة بأسطورة قارة أطلنطس المفقودة التي كتب عنها أفلاطون.

كوثر وكيل (لندن)

كائنات فضائية على قمر زحل؟

ثمة أماكن لا تبدو صالحة لشيء... إلا للمفاجأة (ناسا)
ثمة أماكن لا تبدو صالحة لشيء... إلا للمفاجأة (ناسا)
TT

كائنات فضائية على قمر زحل؟

ثمة أماكن لا تبدو صالحة لشيء... إلا للمفاجأة (ناسا)
ثمة أماكن لا تبدو صالحة لشيء... إلا للمفاجأة (ناسا)

قد تكون هناك حياة فضائية على أحد أقمار مجموعتنا الشمسية، وفق العلماء، بعدما أظهرت تجارب جديدة أنّ كائنات دقيقة تستطيع العيش في ظروف تحاكي البيئة الموجودة على إنسيلادوس، أحد أقمار زحل.

ولطالما أثار إنسيلادوس اهتمام الباحثين على أنه أحد أكثر الأماكن الواعدة للبحث عن حياة خارج الأرض. فهو من الأماكن القليلة في جوارنا الكوني التي قد تتوافر فيها ظروف ملائمة للحياة، كما يقذف نفاثات من المواد إلى الفضاء، ممّا قد يسهّل على المركبات الفضائية المستقبلية فحصها.

ووجد بحث جديد نقلته «الإندبندنت» أنّ أنواعاً محدّدة من الكائنات الحية قد تكون قادرة بالفعل على العيش هناك، ممّا يشير إلى أنّ إنسيلادوس ربما يكون أكثر ملاءمةً للحياة مما كان العلماء يعتقدون.

ويُعدّ إنسيلادوس واحداً من 293 قمراً تدور حول زحل، ولا يبدو للوهلة الأولى مكاناً مضيافاً؛ فهو شديد البرودة، ولا يتوافر فيه سوى القليل من الأكسجين.

لكن اهتمام الباحثين ينصبّ منذ مدّة طويلة على ما قد يكمن تحت قشرته الجليدية؛ إذ يوجد أسفلها محيط هائل، ممّا دفعهم إلى الاعتقاد بأنه قد يكون أحد الأماكن القليلة في مجموعتنا الشمسية القادرة على دعم الحياة.

وفي الدراسة الجديدة، أجرى العلماء تجارب لفهم كيفية تمكّن بعض الكائنات الحيّة من البقاء في ذلك المحيط. وأعادوا في المختبر محاكاة الظروف التي يُعتقد أنها موجودة في قاعه، ليجدوا أن كائنات مجهرية تُعرف باسم «العتائق» استطاعت التكيُّف مع تلك البيئة.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، فانيسا هيلمبريشت: «يُعدّ إنسيلادوس أحد أكثر الأماكن الواعدة للبحث عن حياة خارج كوكب الأرض. وتُظهر تجاربنا أنّ الكيمياء الجيولوجية الفريدة لهذا القمر يمكن أن تهيئ ظروفاً أكثر ملاءمة للحياة الميكروبية مما كنا نعتقد في السابق».

وشدَّد الباحثون على أن الدراسة لا تثبت وجود حياة على إنسيلادوس، لكنها تظهر أن الظروف الموجودة فيه قادرة على دعم أحد أقدم أنواع الكائنات الحيّة الدقيقة على الأرض، ممّا يعزّز آمالهم في إمكان العثور على حياة هناك.

ويأمل الباحثون أن تمنح نتائج الدراسة دفعة إضافية للمحاولات الرامية إلى الوصول إلى إنسيلادوس وجلب عيّنات من محيطه لدراستها.

وتخطّط وكالة الفضاء الأوروبية لتحقيق ذلك من خلال مهمّة فضائية تحمل اسم «إل 4»، يُتوقَّع إطلاقها عام 2042.


في 6 ساعات... الذكاء الاصطناعي يفك شفرة رسالة لنابليون عمرها 217 عاماً

لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)
لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)
TT

في 6 ساعات... الذكاء الاصطناعي يفك شفرة رسالة لنابليون عمرها 217 عاماً

لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)
لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)

استخدم مهندسٌ الذكاء الاصطناعي لفك شفرة عسكرية تعود إلى الحقبة النابليونية، ظلت عصيةً على الحل لأكثر من قرنين من الزمان.

وقد نجح الذكاء الاصطناعي في فك رموز رسالة كُتبت بأمر من نابليون بونابرت، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من 200 عام، حسبما أفادت شبكة «يورونيوز».

لم تكن الوثيقة رسالة كتبها نابليون مباشرة؛ فقد صدرت عن مقر يوجين دي بوهارنيه، نائب الملك في إيطاليا، وكانت عبارة عن إيجاز مشفّر حول القوات أُرسل إلى مارمونت بناءً على أوامر نابليون.

وذكر كارتر تشرش، وهو مهندس في شركة الأمن السيبراني «سنتينل ون» (SentinelOne)، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن نموذج «أسترا جي بي تي -6» التابع لشركة «أوبن إيه آي» قد نجح في فك شفرة رسالة تعود لعام 1809 كانت مُرسلة إلى الجنرال الفرنسي أوغست دي مارمونت.

وأوضح تشرش أن نموذج الذكاء الاصطناعي قام بتحويل محتوى الصورة إلى نص لفك الشفرة في غضون ست ساعات تقريباً.

كتب تشرش في تدوينة له: «قامت أسترا بتقسيم اللوح -الذي تبلغ أبعاده 1202 في 1836- إلى صفوف، وقرأت الرموز، وحددت أيّاً من العلامات المرسومة يدوياً (والبالغ عددها 175 علامة) تمثل الرمز نفسه مكتوباً مرتين، وعندها فقط بدأت في فك الشفرة».

كان العديد من الباحثين قد حاولوا على مدى عقود إعادة تكوين محتوى الوثيقة، لكن أحداً منهم لم ينشر حلاً كاملاً للشفرة.

تولت «أسترا» إنجاز العمل من بدايته إلى نهايته، بما في ذلك نسخ محتوى الصورة، وتحليل شفرة الاستبدال المتماثل صوتياً (homophonic substitution cipher)، وكتابة البرمجيات اللازمة، ومطابقة المعلومات مع السجلات التاريخية. وقد كشف النص عن مواقع القوات البافارية والبولندية والفرنسية.

في عام 1809، كانت أوروبا تقترب بخطى حثيثة من الحرب؛ إذ كانت النمسا تستعد لمواجهة فرنسا، في حين ظل جزء كبير من القوات الفرنسية منشغلاً في القتال داخل إسبانيا. وكان «مارمون»، قائد القوات الفرنسية في دالماسيا، يواجه خطر العزلة في حال شنت النمسا هجوماً.

وفي 16 مارس (آذار)، أصدر نابليون أمراً لـ«أوجين» بإطلاع مارمون على مواقع القوات الفرنسية وحلفائها الرئيسية، مشدداً على ضرورة أن تكون الرسالة «مكتوبة بشفرة سرية» وأن ينقلها ضابط موثوق.

وجاء في الوثيقة: «إن الروس يزحفون ضد النمسا، ويبلغ قوام جيش فريولي اليوم ثمانين ألف جندي». وأفادت الوثيقة: «أضف إلى ذلك فيلق دالماسيا - ودون احتساب قوات الاحتياط التي يجري تنظيمها في كل مكان في الخطوط الخلفية - وستدرك أن النمسا ستتعرض لهجوم فوري وشامل من جميع الجهات. وبالتالي، فهي تسير مسرعة نحو حتفها. وعندما تتلقى أمر الزحف، لا تدع بضع وحدات عسكرية أو حشوداً من الغوغاء ترهبك».

وبالاستناد إلى أعداد القوات ورتب الضباط ومواقع الوحدات التي تم فك شفرتها، أعاد «تشرش» تحديد تاريخ الوثيقة ليكون في أواخر شهر مارس 1809، أي قبل نحو أسبوعين من شن القوات النمساوية لهجومها.

وفي 18 سبتمبر (أيلول)، نشر تشرش سجله البحثي الكامل، متضمناً النص المنقول، وجداول الشفرات، والنصوص البرمجية التي تتيح للآخرين إعادة إنتاج النتائج والتحقق منها.

وفقاً لتشرش، قام ساتوشي توموكيو، وهو باحث مقيم في طوكيو يتولى إدارة موقع «كريبتيانا» (Cryptiana)، بمراجعة الحل ووسم الإدخال بعبارة «تم الحل».


محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
TT

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

كان محمود درويش حاضراً في متحف سرسق بأكثر من عُمُر شِعري. ظهر الرجل الذي صوَّرته سيمون بيتون عام 1997، وسمعنا الشاعر الذي صار جزءاً من الذاكرة العربية، ثم جلس شِعره إلى جوار نصوص فلسطينية كُتبت بعده وفي زمن أشدّ ضراوة. بين هذه الأزمنة، صنعت أمسية «درويش والشِّعر الفلسطيني المعاصر» مادّتها.

في قصيدته كانت فلسطين اسماً وأمّاً وحبّاً وذاكرة (الشرق الأوسط)

أُقيم اللقاء ضمن «يوم محمود درويش للشِّعر»، الذي نظّمه مركز «بومبيدو» بالتعاون مع «معهد العالم العربي»، وتوزَّعت فعالياته على نحو 30 موقعاً ثقافياً في فرنسا والعالم ضمن «موسم البحر الأبيض المتوسّط 2026». تولّى «البيت الدولي للكتّاب» تنظيم الموعد البيروتي، وقدَّمه الروائي شريف مجدلاني، أحد وجوه الأدب اللبناني المكتوب بالفرنسية، ورئيس «البيت»، وريما عبد الملك، وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة وصاحبة الحضور الطويل في المؤسّسات الثقافية. جمعهما موقعٌ يليق بطبيعة المشروع، في بيروت التي خَبِرَت درويش وعرفت زمناً كان فيه الشِّعر الفلسطيني جزءاً من مشهدها الثقافي.

ذاكرة سرسق تستقبل ذاكرةً جاءت من فلسطين (الشرق الأوسط)

عاد فيلم «محمود درويش: والأرض، كما اللغة» إلى مرحلة مفصلية من حياة صاحبه. درويش عام 1997 ليس شاعر البدايات الذي تكفيه الهوية مادةً للمواجهة، وليس منفيّاً ينتظر فَتْح الطريق. الطريق فُتِح جزئياً، وأمكنه الوصول إلى فلسطين بعد «اتفاق أوسلو» الذي اعترض على صيغته. وصل، ولم يجد في الوصول نهايةً للمنفى. فالإنسان قد يبلغ المكان ولا يستعيد الزمن الذي عاشه فيه.

حيفا وقبرص وتونس وعمّان وباريس والقاهرة وبيروت ورام الله، تُشكّل جغرافيا رجل صار كثير الأمكنة بعدما فَقَدَ بداهة المكان الواحد. المنفى يستقرّ في الداخل. لا تُنهيه تذكرةُ عودة، لأنّ البروة، قريته في الجليل التي خرج منها الطفل، بقيت في ذاكرته على صورة لا يستطيع الرجل استعادتها.

شريف مجدلاني وريما عبد الملك يجمعان أزمنة القصيدة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

وجد درويش في اللغة ما يُبقي صلته بالأرض قائمة بعدما غدت العودة إليها مُحمَّلة بما تغيَّر وفُقِد. ومن المعنى المزدوج لكلمة «بيت»، المنزل وبيت الشِّعر، بَنَت سيمون بيتون وإلياس صنبر جانباً من قراءة الفيلم لعلاقة درويش بالمكان واللغة. المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه. لم تُعوّض اللغة ما ضاعَ، لكنها أبقته بعيداً عن التلاشي ومنحت الذاكرة سبيلاً لمواجهة ما فعله الزمن بالمكان.

درويش الذي أخذ فلسطين إلى أبعد من حدود القضية (الشرق الأوسط)

فلسطين لم تُغادر شِعره، لكنه رفض أن تَستهلك الشِّعر. دخل إليها من الأُم والحبّ والجسد والموت والوحدة والقهوة، حتى صار الفلسطيني في قصيدته إنساناً مُحدّداً، لا صورة معلَّقة على قضية. بذلك أصاب الفيلم في قراءة درويش، رغم أنّ خللاً في وضوح الصوت جعل مُتابعة بعض أجزائه مُرهِقةً، وأضاع شيئاً من حميمية العلاقة التي أرادها بين صوت الشاعر والمُشاهد.

بعده، جاءت قراءات ضنا مخايل وريما عبد الملك وطارق يعقوب وأنطوان غسبار ورائد طيّان، تُرافقها موسيقى جاك اسطفان، لنصوص درويش ورِفعت العرعير ونجوان درويش وسمر عبد الجابر وهند جودة ومصعب أبو توهة ونعمة حسن ورائد طيّان وكريم قطّان وسامر أبو هواش.

أصوات فلسطينية متعدّدة... لكلّ منها جرحها وطريقتها في حمله (الشرق الأوسط)

فَرَضَ الاختلاف في مستويات النصوص نفسه على القراءات. تفاوتت معالجة الصورة الشِّعرية، فبدت بعض النصوص أكثر اشتغالاً عليها، ومالت أخرى إلى القول المباشر.

تبقى هذه المختارات أضيق من أن تختصر مسار الشِّعر الفلسطيني المُعاصر أو تجارب أصحابه. حضور درويش بينها رفع سقف المقارنة من تلقائه. فالشاعر الذي أمضى عقوداً في إبعاد فلسطين عن القول المباشر، جَلَسَ إلى جوار كتابةٍ يولد بعضها على تماس شديد مع الحدث، حتى تبدو الفاجعة أسرع من قدرة اللغة على تحويلها إلى شِعر.

وظهر في القراءات شرخٌ جمالي أكثر من كونه جيلياً. عند درويش، نادراً ما بقي الحدث على حاله داخل القصيدة. كان يأخذه بعيداً حتى يصبح أكبر من اللحظة التي خرج منها. نصوصٌ سمعناها ظلَّت أقرب إلى الحدث، وخصوصاً ما اتصل منها بغزة. قسوة ما جرى تُفسِّر هذه المباشَرة إلى حدّ ما، وتضع الشِّعر أمام مَهمّته الأصعب في العثور على لغته وسط كلّ هذا الألم.

كان الاكتظاظ في سرسق جزءاً من صورة الليلة. امتلأت القاعة وبقي وافدون خارجها بعدما تعذَّر إيجاد مقاعد لهم. فاتهم حدثٌ أثبت جمهوره أنّ الشِّعر لا يزال قادراً على ملء المكان وترك آخرين عند بابه.

مرَّ على رحيل محمود درويش 18 عاماً، ومرَّت على فلسطين خسارات متلاحقة، وجاء شعراء وُلدت تجاربهم في عالم آخر، ومع ذلك لم يتحوَّل أثره إلى ذكرى تُستَعاد في المناسبات. كلّما ابتعد زمنُه، وجدناه ينتظرنا في زمننا.