خلف عضلات «روكي» و«رامبو»... سيلفستر ستالون يروي معركته مع الشره المرضي

سيلفستر ستالون (رويترز)
سيلفستر ستالون (رويترز)
TT

خلف عضلات «روكي» و«رامبو»... سيلفستر ستالون يروي معركته مع الشره المرضي

سيلفستر ستالون (رويترز)
سيلفستر ستالون (رويترز)

خلف العضلات المفتولة، والصورة التي صنعت منه أحد أشهر أبطال أفلام الحركة، كان سيلفستر ستالون يخوض معركة مختلفة بعيداً عن الكاميرات. فالممثل الذي جسّد شخصيتي «روكي بالبوا» و«جون رامبو»، البطلين اللذين لا يهزمان، كشف عن جانب لم يره معظم المعجبين.

فهوس ستالون بالحفاظ على جسد مثالي، وبنيته العضلية، ونسبة منخفضة من الدهون من أجل هذه الأدوار البطولية، تجاوز حدود التدريب، والانضباط، ليتحول إلى علاقة مضطربة مع الطعام، وصورته عن جسده انتهت بالشره المرضي.

والشره المرضي (Bulimia) هو اضطراب في الأكل يتمثل عادةً في نوبات متكررة من تناول كميات كبيرة من الطعام مع الشعور بفقدان السيطرة، يعقبها سلوكيات للتخلص من السعرات، أو منع زيادة الوزن، مثل التقيؤ المتعمد، أو الإفراط في ممارسة الرياضة، أو الصيام، أو استخدام الملينات.

ستالون: هوسي بالحفاظ على لياقتي تحول إلى عبادة للجسد

وخلال حديثه مع «نيويورك تايمز»، وصف ستالون كيف تحول تركيزه على الحفاظ على جسم نحيف وعضلي إلى هوس.

وقال: «أصبحت مهووساً للغاية بالحفاظ على ذلك المستوى من اللياقة»، واصفاً ما مر به بأنه «نوع من عبادة الجسد المهووسة».

ومع مرور الوقت، أدى هذا الهوس إلى إصابته باضطراب في الأكل.

وأوضح ستالون: «وصل الأمر إلى مرحلة أصبحت فيها أعاني من الشره المرضي».

اضطرابات الأكل لا تصيب النساء والفتيات فقط

تكتسب صراحة ستالون أهمية خاصة، لأنها تتحدى افتراضاً شائعاً حول الأشخاص الذين يمكن أن يصابوا باضطرابات الأكل.

وغالباً ما يُنظر إلى اضطرابات الأكل على أنها حالات تؤثر في الفتيات والنساء بشكل أساسي. وقد أسهم هذا الافتراض في تشكيل عقود من الأبحاث، كما أدى إلى تمثيل الرجال بشكل أقل في الدراسات العلمية المتعلقة بهذه الاضطرابات.

لكن دراسات أحدث بدأت تقدم صورة أكثر شمولاً، وقد تكون أرقامها مفاجئة.

أكثر من رجل من كل 5

وجدت دراسة أجريت عام 2025 وشملت 1553 فتى ورجلاً في كندا والولايات المتحدة أن 21.3 في المائة منهم استوفوا معايير تشخيص محتمل لاضطراب في الأكل، أي أكثر من شخص واحد من كل خمسة مشاركين.

وكان الشره المرضي العصبي أكثر اضطرابات الأكل شيوعاً بين هذه المجموعة، إذ ظهر لدى نحو 5.8 في المائة من المشاركين.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في ضوء ما كشفه ستالون عن تجربته الشخصية.

وأشار الباحثون في الدراسة إلى مشكلة قديمة تتمثل في أن اضطرابات الأكل فُهمت تاريخياً على أنها «اضطرابات نسائية»، وهو ما أثر في الوعي العام، وفي مسار البحث العلمي حولها.

لكن إذا كانت اضطرابات الأكل تؤثر في هذه النسبة من الرجال، فلماذا نادراً ما نسمع عن معاناتهم معها؟

الوصمة والضغط الاجتماعي قد يدفعان الرجال إلى إخفاء معاناتهم

تكمن إحدى الإجابات الرئيسة في الوصمة الاجتماعية، والضغط المرتبط بضرورة الظهور بمظهر قوي.

وتناولت مراجعة بحثية نُشرت عام 2022 نتائج عدد من الدراسات النوعية التي بحثت في تجربة الرجال الذين يعيشون مع اضطرابات الأكل.

وظهر موضوع متكرر في هذه الدراسات، إذ شعر كثير من الرجال بأنهم يعانون مما ينظر إليه المجتمع على أنه «مرض نسائي». وجعل هذا التناقض تجربتهم أكثر صعوبة في فهمها، والتعبير عنها، وطلب المساعدة بشأنها.

ووصف الباحثون كيف دفعت مشاعر الخجل والخوف من الأحكام المسبقة بعض الرجال إلى إخفاء معاناتهم. كما وقفت المعايير المرتبطة بالصورة التقليدية للرجولة، مثل التوقع من الرجل أن «يتحمل»، وأن يبقى قوياً، في طريق سعيهم إلى العلاج، وفقاً للمراجعة.

وبحسب الدراسة، لم يكن بعض الرجال متأكدين أصلاً من إمكانية إصابة الرجل باضطراب في الأكل.

وأشار مؤلفو المراجعة إلى أنه عندما لا يُتوقع من الرجال أن يقلقوا بشأن الطعام، أو صورة أجسادهم، أو مشاعرهم، فقد ينتهي بهم الأمر إلى المعاناة في صمت، وأحياناً من دون إدراك ما يحدث لهم.

وعندما لا يتوقع الأشخاص المحيطون بهم، بمن في ذلك بعض المتخصصين في الرعاية الصحية، إصابة الرجال باضطرابات الأكل، فقد تمر الحالة من دون ملاحظة، أو يجري تشخيصها بشكل خاطئ.

اعتراف ستالون قد يساعد في كسر الصورة النمطية

وهنا يمكن لشخصية عامة مثل ستالون أن تؤدي دوراً مهماً.

فعندما يعترف شخص يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره نموذجاً للقوة الجسدية بأنه عانى من الشره المرضي، فإن ذلك قد يساهم في تقويض الفكرة القائلة إن اضطرابات الأكل تصيب أشخاصاً من فئات معينة فقط.

وتكتسب رؤية هذه التجارب علناً أهمية خاصة، إذ تشير الأبحاث إلى أن أحد أكبر العوائق التي يواجهها الرجال يتمثل ببساطة في عدم رؤيتهم لأنفسهم ضمن الحديث الدائر حول اضطرابات الأكل.

وقد تساعد القصص التي تكسر هذه الصورة النمطية شخصاً ما على التعرف على معاناته، والشعور بأنه ليس وحيداً فيها.

اضطرابات الأكل حالات خطيرة وقابلة للعلاج

لا يعني ذلك أن التعافي عملية بسيطة، كما أن مقابلة واحدة لن تمحو سنوات من الصمت المحيط باضطرابات الأكل، والصحة النفسية لدى الرجال، لكنها تمثل خطوة مهمة في كسر هذه الوصمة.

واضطرابات الأكل حالات خطيرة، لكنها قابلة للعلاج. ومن يعاني من اضطراب في الأكل، أو يعرف شخصاً يواجه هذه المشكلة، ينبغي أن يعرف أن المساعدة متاحة، وأن طلب الدعم لا يرتبط بجنس الشخص، أو بالصورة التي يعتقد أنه «يفترض» أن يكون عليها.

ويمكن طلب الدعم من طبيب، أو معالج نفسي، أو شخص موثوق به. كما يمكن الاستعانة بالجهات المتخصصة في اضطرابات الأكل للوصول إلى مصادر المساعدة المناسبة.


مقالات ذات صلة

مهاجمة منزل ريهانا بـ20 رصاصة... والادعاء: المتهمة كانت تستهدف قتلها

يوميات الشرق المغنية الأميركية ريهانا (أ.ب)

مهاجمة منزل ريهانا بـ20 رصاصة... والادعاء: المتهمة كانت تستهدف قتلها

كشف ممثلو الادعاء أن إيفانا أورتيز كانت تستهدف قتل المغنية الأميركية ريهانا، عندما أطلقت، وفقاً للاتهامات، وابلاً من الرصاص على قصرها الفخم في مدينة لوس أنجليس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)

مِن أكْل الديدان إلى العزلة في فندق... أدريان برودي يتجاوز المعقول من أجل أدواره

هو أحد أكثر نجوم هوليوود تطرُّفاً في التمثيل. لا يتوانى أدريان برودي عن وضع نفسه في مواقف وتجارب خارجة عن المألوف، كي يجهِّز نفسه لدورٍ ما.

كريستين حبيب (بيروت)
خاص الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)

خاص من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الأردن يختار فيلم «غرَق» لتمثيله رسمياً في دورة الأوسكار المقبلة، والممثل محمد نزار يتحدّث عن رحلة سينمائية وإنسانية استثنائية خرج منها شخصاً آخر.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق نجمة تلفزيون الواقع كيم كارداشيان (رويترز)

يورو واحد فقط... تعويض كيم كارداشيان بعد واقعة السطو المسلح في باريس

بعد سنوات من واقعة السطو المسلح التي تعرضت لها في باريس، أصدرت محكمة فرنسية حكماً بمنح نجمة تلفزيون الواقع كيم كارداشيان تعويضاً رمزياً قدره يورو واحد فقط.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق «Widow's Bay» الفائز الأكبر بجوائز «إيمي» كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً (إ.ب.أ)

لعنة الجزيرة الغامضة وأزمات غرفة الطوارئ... «ويدوز باي» و«ذا بِت» نجما حفل «إيمي»

حفل «إيمي» يتوّج أفضل مسلسلات العام والممثل ماثيو ريس يحقق إنجازاً تاريخياً بفوزه عن فئتَي الكوميديا والدراما القصيرة.

كريستين حبيب (بيروت)

استخدام الهواتف الذكية لفحص شبكية العين

تصوير الشبكية باستخدام الهواتف الذكية في الهند (جامعة بون - مؤسسة سانكارا للعيون في الهند).
تصوير الشبكية باستخدام الهواتف الذكية في الهند (جامعة بون - مؤسسة سانكارا للعيون في الهند).
TT

استخدام الهواتف الذكية لفحص شبكية العين

تصوير الشبكية باستخدام الهواتف الذكية في الهند (جامعة بون - مؤسسة سانكارا للعيون في الهند).
تصوير الشبكية باستخدام الهواتف الذكية في الهند (جامعة بون - مؤسسة سانكارا للعيون في الهند).

أظهرت دراسة حديثة قادها فريق من الباحثين الألمان أن الهواتف الذكية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في الكشف المبكر عن أمراض العيون، لا سيما في المناطق التي تفتقر إلى بنية تحتية متخصصة في طب العيون.

وكان فريق دولي من الخبراء بقيادة مستشفى جامعة بون (UKB) قد أجروا مراجعة شاملة للوضع الراهن عالمياً لتقنيات تصوير قاع العين باستخدام الهواتف الذكية.

وسلط الباحثون الضوء على الإمكانات التقنية والسريرية المتاحة حالياً، وحددوا أوجه القصور في هذه الأساليب، كما أوضحوا الشروط اللازمة لدمج تقنية تصوير الشبكية عبر الهواتف الذكية بشكل أوسع في مسارات الفحص الأولي، وتصنيف الحالات، وخدمات الطب عن بُعد.

ووفق نتائج دراستهم المنشورة في دورية «بروجرس إن ريتينال أند آي ريسيرش»، يمكن دمج الكاميرات المدمجة في الهواتف الذكية مع محولات بصرية وأنظمة إضاءة خاصة لإنتاج حلول قد تكون ذات أهمية خاصة لتطبيقات الطب عن بُعد وللمناطق التي تعاني من محدودية الوصول إلى خدمات رعاية العيون المتخصصة.

وقام فريق دولي يضم خبراء من ألمانيا والمملكة المتحدة والبرازيل والهند والولايات المتحدة، بتحليل 30 حلاً تقنياً، بالإضافة إلى 274 منشوراً علمياً ومصادر أخرى ذات صلة. وتُعد الأدلة المتاحة حالياً ذات أهمية خاصة فيما يتعلق باعتلال الشبكية السكري، والتغيرات المرتبطة بالمياه الزرقاء (الجلوكوما)، وتطبيقات مختارة في حالات اعتلال الشبكية لدى الخدج.

وقال الدكتور ماكسيميليان فينترجيرست من عيادة العيون في مستشفى جامعة بون في بيان الأربعاء: «لقد تجاوزت تقنية تصوير الشبكية باستخدام الهواتف الذكية مرحلة التجربة التقنية بمراحل، إذ يُظهر تحليلنا أنها قادرة بالفعل على دعم سيناريوهات محددة للفحص الأولي وتصنيف الحالات».

وفي المناطق التي تفتقر إلى البنية التحتية الكافية لطب العيون والكوادر المتخصصة، قد يمثل إنشاء برامج فحص شاملة تحدياً كبيراً نظراً لمتطلبات البنية التحتية والتكاليف المترتبة على ذلك. وهنا، يمكن أن يشكل التصوير عبر الهواتف الذكية ركيزة أساسية ضمن نماذج رعاية جديدة ولا مركزية، فوفقاً للتحليل العلمي الذي قام به الباحثون، يمكن لغير المتخصصين في طب العيون من مقدمي الرعاية الصحية الآخرين التقاط صور صالحة للشبكية بعد تلقي التدريب المناسب. ويمكن بعد ذلك إرسال هذه الصور عبر تقنيات الطب عن بُعد إلى مراكز متخصصة لتقييمها. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في حالات الأمراض التي تتطلب فحصاً دورياً لمجموعات سكانية كبيرة، مثل اعتلال الشبكية السكري.

قال رافائيل ليشتنبويمر، المؤلف الرئيسي للدراسة وعضو فريق فينترجيرست البحثي: «لا يغني الهاتف الذكي عن فحص العيون التقليدي الذي يجريه الطبيب المختص، ولكنه يساعد في توسيع نطاق الوصول إلى خدمات تصوير الشبكية، وتحديد الأفراد الذين تظهر لديهم نتائج غير طبيعية في مرحلة مبكرة».

ووفق نتائج الدراسة قد يلعب الجمع بين تقنية تصوير الشبكية بالهواتف الذكية وتقنيات الذكاء الاصطناعي دوراً مهماً في المستقبل؛ فعلى سبيل المثال، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تقييم جودة الصورة ومدى شموليتها للمنطقة المطلوبة من الشبكية في أثناء عملية الالتقاط ذاتها.

ويوضح فينترجيرست: «يمكن لهذا الدعم الآلي أن يساعد في ضمان توظيف الموارد البشرية المحدودة بشكل أكثر فاعلية، لا سيما في برامج الفحص التي تشمل أعداداً كبيرة من المرضى».

ومع ذلك، يوضح التحليل أيضاً أن هناك مسائل مهمة لا تزال بحاجة إلى حسم قبل تعميم إمكانية الاستخدام على نطاق واسع. وتشمل هذه المسائل الفروق بين أنظمة التصوير المختلفة المعتمدة على الهواتف الذكية من حيث جودة الصورة ومجال الرؤية، فضلاً عن مدى توافقها مع طرازات الهواتف الذكية المتنوعة.


الانطوائي والخجول: ما الفرق بينهما؟

الخجل نقيض الانفتاح في التعامل مع الآخرين إذ يرتبط بالخوف من التقييم أو الحكم السلبي (بيكسلز)
الخجل نقيض الانفتاح في التعامل مع الآخرين إذ يرتبط بالخوف من التقييم أو الحكم السلبي (بيكسلز)
TT

الانطوائي والخجول: ما الفرق بينهما؟

الخجل نقيض الانفتاح في التعامل مع الآخرين إذ يرتبط بالخوف من التقييم أو الحكم السلبي (بيكسلز)
الخجل نقيض الانفتاح في التعامل مع الآخرين إذ يرتبط بالخوف من التقييم أو الحكم السلبي (بيكسلز)

قد يبدو الشخص الذي يتجنب الحديث مع الآخرين أو يفضّل الابتعاد عن التجمعات الاجتماعية خجولاً أو انطوائياً، ولذلك كثيراً ما تُستخدم صفتا «الخجل» و«الانطواء» وكأنهما تعنيان الشيء نفسه. إلا أن هذا الربط ليس دقيقاً؛ فهناك فرق جوهري بين أن يشعر الإنسان بالخوف من نظرات الآخرين وتقييمهم له، وبين أن يفضّل الهدوء والعزلة لأنه يستعيد طاقته بعيداً عن المحفزات والتفاعلات الاجتماعية.

فالخجل يرتبط، في الأساس، بالخوف من التقييم السلبي أو القلق من نظرة الآخرين، وهو ما يجعله يتقاطع في بعض سماته مع القلق الاجتماعي. أما الانطواء، فيشير إلى ميل الشخص إلى سرعة التأثر بالمثيرات الخارجية والحاجة إلى قضاء بعض الوقت بمفرده لاستعادة طاقته بعد التفاعل الاجتماعي، وفقاً لموقع «فيري ويل مايند».

ومن هنا، فإن الشخص الانطوائي ليس بالضرورة خجولاً، كما أن الشخص الخجول ليس بالضرورة انطوائياً. وقد يجتمع الخجل والانطواء لدى الشخص نفسه، لكنهما يعبّران عن بُعدين مختلفين من الشخصية.

الخجل مقابل الانفتاح والانطواء مقابل الانبساط

لفهم الفرق بصورة أوضح، من المفيد النظر إلى بُعدين منفصلين للشخصية: الخجل في مقابل الانفتاح، والانطواء في مقابل الانبساط.

فالخجل نقيض الانفتاح في التعامل مع الآخرين؛ إذ يرتبط الخجل بالخوف من التقييم أو الحكم السلبي، بينما يميل الشخص المنفتح إلى التواصل مع الآخرين والمبادرة إلى التفاعل معهم من دون أن يشكل الخوف من تقييمهم عائقاً أمامه.

أما الانطواء، فهو نقيض الانبساط، ويرتبط بالطريقة التي يستجيب بها الشخص للمثيرات الخارجية وبكيفية استعادة طاقته. فالانطوائي قد يستمتع بالتواصل الاجتماعي، لكنه قد يحتاج بعده إلى بعض الوقت بمفرده ليستعيد طاقته، في حين يميل الشخص الانبساطي إلى البحث عن التحفيز والتفاعل الاجتماعي، ويستمد قدراً من طاقته من وجوده مع الآخرين.

لا يخشى الشخص المنفتح الآخرين عادةً، ويميل إلى المبادرة بالتفاعل معهم، سواء في الحفلات والتجمعات الاجتماعية، أو عند التعرف إلى أشخاص جدد، أو عند التخطيط لأنشطة مع الأصدقاء.

وقد يبدو الشخص الانبساطي مشابهاً للشخص المنفتح، إذ غالباً ما يكون اجتماعياً وقادراً على تكوين الصداقات بسهولة. إلا أن السمة الأساسية للانبساط لا تتمثل في غياب الخوف من الآخرين، وإنما في الحاجة إلى التحفيز الخارجي وقضاء الوقت مع الآخرين.

وبعبارة أخرى، قد يكون الشخص اجتماعياً ومحباً للتفاعل مع الآخرين لأنه يستمد منه الطاقة، وهذه سمة ترتبط بالانبساط. وفي المقابل، قد يكون شخص آخر مرتاحاً في التعامل مع الآخرين ولا يشعر بالخوف منهم، لكنه يفضّل قضاء بعض الوقت بمفرده بعد التفاعل الاجتماعي ليستعيد طاقته، وهو ما قد يتوافق مع الانطواء.

وتشير دراسات التصوير العصبي للدماغ إلى وجود أنماط مختلفة من نشاط بعض مناطق الدماغ لدى الأشخاص الانبساطيين مقارنةً بالأشخاص الانطوائيين، بما يتوافق مع الاختلاف في استجابتهم للمثيرات والتحفيز الخارجي.

أربعة أبعاد محتملة للشخصية

يمكن تبسيط الفروق بين هذه المفاهيم من خلال النظر إلى كل سمة على حدة:

الشخص الخجول: هو الذي يشعر بالخوف من التقييم السلبي من الآخرين، ولذلك قد يميل إلى تجنب بعض المواقف أو التفاعلات الاجتماعية.

الشخص المنفتح في تعامله مع الآخرين: هو الذي يميل إلى التواصل والمبادرة بالتفاعل معهم من دون خوف من تقييمهم له.

الشخص الانطوائي: هو الذي يتأثر بسرعة بالمثيرات الخارجية أو يُستثار بسهولة، ولذلك يحتاج إلى قضاء بعض الوقت بمفرده لاستعادة طاقته بعد التفاعل الاجتماعي.

الشخص الانبساطي: هو الذي يميل إلى البحث عن المثيرات الخارجية، ويستمد جزءاً من طاقته من قضاء الوقت مع الآخرين، في حين قد يشعر باستنزاف الطاقة عند البقاء وحيداً لفترة طويلة.

وعند الجمع بين هذين البعدين، أي بُعد الخجل والانفتاح من جهة، وبُعد الانطواء والانبساط من جهة أخرى، يمكن تصور أربع مجموعات عامة، مع التأكيد على أن الشخصيات الإنسانية أكثر تعقيداً من أن تُحصر في تصنيفات جامدة:

1. الانبساطي المنفتح

لا يخشى التفاعل مع الآخرين، ويميل في الوقت نفسه إلى البحث عن التحفيز وقضاء الوقت في البيئات الاجتماعية.

2. الانبساطي الخجول

قد تكون لديه حاجة إلى التحفيز والتفاعل الاجتماعي، لكنه يشعر في الوقت نفسه بالخوف من تقييم الآخرين له أو الحكم عليه.

3. الانطوائي المنفتح

لا يخشى التعامل مع الآخرين، لكنه يتأثر بسرعة بالمثيرات الاجتماعية، وقد يحتاج إلى بعض الوقت بمفرده لاستعادة طاقته.

4. الانطوائي الخجول

يجمع بين الميل إلى التأثر بالمثيرات الخارجية والحاجة إلى العزلة لاستعادة الطاقة، وبين الخوف من التقييم السلبي أو الحكم عليه من جانب الآخرين.

الخجل والانطواء ليسا مترادفين

غالباً ما يُنظر إلى الخجل والانطواء على أنهما صفتان متشابهتان أو مترادفتان، لكن من المهم التمييز بينهما. فالخجل يتعلق بصورة أساسية بالخوف من نظرة الآخرين وتقييمهم، بينما يتعلق الانطواء بالطريقة التي يستجيب بها الشخص للمثيرات الاجتماعية والخارجية وبحاجته إلى العزلة لاستعادة طاقته.

ويميل الأشخاص الخجولون إلى القلق بشأن احتمال تعرضهم لتقييم سلبي من الآخرين، ولذلك قد يتجنبون بعض المواقف الاجتماعية. ويضع هذا الخجل في نطاق يتقاطع مع القلق الاجتماعي، وإن كان من الممكن أن يكون الشخص خجولاً من دون أن يعاني اضطراب القلق الاجتماعي.

أما الشخص الانطوائي، فلا يعني بالضرورة أنه يخشى الآخرين أو يشعر بعدم الارتياح في وجودهم. فقد يكون واثقاً من نفسه، وقادراً على تكوين العلاقات والمشاركة في المناسبات الاجتماعية، لكنه يشعر باستنزاف طاقته بعد التفاعل مع الآخرين ويحتاج إلى بعض الوقت بمفرده حتى يستعيد نشاطه.


الطلاب أصحاب الجداول المزدحمة أقل عرضة للاكتئاب

قد لا تكون المسألة متعلقة بحجم الوقت المتاح لديك وإنما بكيفية شعورك تجاهه (بكسباي)
قد لا تكون المسألة متعلقة بحجم الوقت المتاح لديك وإنما بكيفية شعورك تجاهه (بكسباي)
TT

الطلاب أصحاب الجداول المزدحمة أقل عرضة للاكتئاب

قد لا تكون المسألة متعلقة بحجم الوقت المتاح لديك وإنما بكيفية شعورك تجاهه (بكسباي)
قد لا تكون المسألة متعلقة بحجم الوقت المتاح لديك وإنما بكيفية شعورك تجاهه (بكسباي)

كشفت دراسة حديثة، أجراها باحثون من جامعة كولورادو بولدر الأميركية، أن الطلاب الذين كانت جداولهم أكثر ازدحاماً كانوا أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب بشكل ملحوظ، كما حققوا درجات أكاديمية أفضل. في المقابل، عانى أولئك الذين انتابهم شعور دائم بـ«ضغط الوقت» معدلات أعلى للقلق والاكتئاب، بغضّ النظر عن طبيعة جداولهم الزمنية.

وشددت الدراسة على أهمية العلاقة بين الوقت والصحة النفسية: «فقد لا تكون المسألة متعلقة بحجم الوقت المتاح لديك، بل بكيفية شعورك تجاه هذا الوقت».

وأظهرت نتائج الدراسة، المنشورة في دورية «جورنال أوف أميركان كوليدج هيلث»، أن الطلاب الذين سجلوا درجات أعلى في مقاييس «اليقظة الذهنية» (القدرة على إدراك اللحظة الراهنة) كانوا قادرين على تحمّل أعباء جداول مزدحمة، دون الإضرار بصحتهم النفسية. كما ثبت أن تدريبات التنفس العميق والتأمل تعزز شعور الفرد بوفرة الوقت المتاح لديه.

وقالت كيتلين ماككيمي، الباحثة الرئيسية في الدراسة وطالبة الدكتوراه بقسم علم النفس وعلم الأعصاب بجامعة كولورادو بولدر: «نميل عادةً إلى اعتقاد أن الأمور ستتحسن وأننا لن نشعر بالتوتر إذا تخلصنا من بعض المهامّ المُلقاة على عاتقنا، لكن هذه البيانات تُظهر أن الأمر ليس بتلك البساطة؛ فبعيداً عمّا هو مدوّن فعلياً في جداولنا، نحن بحاجة إلى إصلاح علاقتنا النفسية بالوقت».

وتشير أبحاث سابقة إلى أن الأشخاص الذين يكرّسون وقتهم للآخرين، من خلال أنشطة مثل التطوع أو مساعدة الأصدقاء، يميلون إلى الشعور بتوتر أقل تجاه الوقت، مقارنةً بأولئك الذين يقضون وقتهم في شؤونهم الخاصة أو يهدرونه.

الضغط مقابل الندرة

سعت ماككيمي إلى بحث تأثير عنصرين مهمين يتعلقان بالوقت: «ضغط الوقت» (أي الشعور الذاتي بالاستعجال)، و«ندرة الوقت» (أي النقص في عدد الساعات المخصصة لالتزامات محددة). وفي دراستها الاستقصائية، جمعت الباحثة بيانات حول عدد الساعات التي يقضيها الطلاب المشاركون أسبوعياً في الفصول الدراسية، والتحضير للدروس، والعمل، والتنقل، وممارسة أنشطة أخرى. وقُيِّم من خلال أسئلة الاستبيان مدى شعورهم بضغط الوقت، ومستويات القلق أو الاكتئاب لديهم، ودرجة اليقظة الذهنية التي يتمتعون بها. كما وافق المشاركون على تقديم بيانات معدلاتهم التراكمية (GPA)، والسماح بالاطلاع على سجلاتهم الأكاديمية.

واكتشفت ماككيمي أن «ندرة الوقت» (أي انشغال الجدول الزمني) كانت مرتبطة بقوة بكلٍّ من ارتفاع الدرجات وانخفاض معدلات الاكتئاب. وفي المقابل، ارتبط ازدياد «ضغط الوقت» بقوة بزيادة القلق والاكتئاب وانخفاض الدرجات.

وقالت ماككيمي: «قد يكون هناك شخص مشغول للغاية، لكنه يتمتع بعلاقة متناغمة مع الوقت، وآخر يمتلك، من الناحية الموضوعية، جدولاً زمنياً يتضمن فترات فراغ، لكنه يشعر بتوتر شديد حيال الوقت».

وتؤكد ماككيمي أن الأشخاص الذين يتمتعون بصحة نفسية أفضل يسعون بطبيعتهم إلى خوض مزيد من التجارب، بينما يميل مَن يعانون اضطراب المزاج إلى رفض الفرص بشكل متكرر.

وتقول: «تدعم هذه البيانات فكرة أن زيادة الأنشطة والمشاركة الفعالة لا تسهم فحسب في تحسين الصحة النفسية، بل قد تدعم أيضاً النجاح الأكاديمي والمهني».