وصفت الممثلة المصرية ريم عامر تجربتها في فيلم «البرانية» بأنها مختلفة عن أي عمل سابق شاركت فيه، خصوصاً أن الشخصية كانت تتطلب قدراً كبيراً من المصداقية والاندماج في بيئة حقيقية، موضحة أن التحدي الأكبر بالنسبة إليها كان أن يصدق الجمهور أنها واحدة من أفراد العائلة التي تظهر معها على الشاشة.
وأضافت ريم عامر لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمر لم يكن متعلقاً بأداء الشخصية فقط، وإنما بالوصول إلى تفاصيلها وطريقة كلامها وحركتها وعلاقتها بالمحيطين بها، وهو ما جعل تجربة الفيلم بالنسبة لي رحلة كاملة داخل عالم مختلف».
تدور أحداث الفيلم الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «فينيسيا السينمائي» بإيطاليا في نسخته الماضية، حول شخصية «أمل» وهي شابة حامل تعيش مع عائلتها في قرية «البرانية» التابعة لمحافظة المنوفية في دلتا مصر، حين تهتز حياة الأسرة المترابطة عندما يعرض أحد ملاك الأراضي شراء أرضهم، فتبدأ الضغوط والخلافات في الظهور، فيما تنجذب أمل إلى فكرة حياة المدينة بعد زيارة ابنة عمها رانيا القادمة من القاهرة، التي تلفت انتباهها إلى نمط مختلف من الحياة. ومع بداية طرح فكرة بيع الأرض، تبدأ أمل في التساؤل عن المستقبل الذي اختارته لها عائلتها.

وتستعيد ريم عامر تفاصيل مشاركتها في «البرانية»، التي لم تختبر خلالها قدرتها على تجسيد شخصية مختلفة فحسب، بل وضعتها أيضاً أمام ضرورة الاندماج الكامل في عالم لم يكن مألوفاً لها. وترى أن الاختلاف بين خلفيتها الأكاديمية والبيئة التي احتضنت التصوير لم يمثّل عائقاً؛ إذ انصرف اهتمامها منذ البداية إلى ما يتجاوز أداء الدور، فسعت إلى جعل حضورها داخل العائلة طبيعياً ومقنعاً، بحيث لا يشعر المشاهد بأنها ممثلة جاءت من خارج هذا العالم. وكان تحقيق هذه المصداقية، وفق رؤيتها، «التحدي الحقيقي الذي حملته التجربة».
وتتحدَّث ريم عن كواليس تعاونها مع مخرجة الفيلم أشجان الهمص، بوصفها من المحطات التي حدّدت مسار العمل منذ البداية. فقد التقتها خلال اختبار أداء رشّحتها إليه إحدى صديقاتها، وسرعان ما نشأت بينهما حالة من التفاهم، قبل أن تقرر أشجان إسناد الدور إليها وترسل لها السيناريو.
وتتوقف ريم عند طبيعة الشخصية التي تؤديها، موضحة أن «أمل شابة حامل تعيش وسط عائلة كبيرة ومترابطة في قرية البرانية، وأن بناء الشخصية لم يكن منفصلاً عن المكان الذي تدور فيه الأحداث». وأتاح لها العمل في المنوفية نحو شهرين الاقتراب تدريجياً من هذا العالم، لا بوصفه موقعاً للتصوير فحسب، بل بيئة كان عليها أن تتشرّب تفاصيلها، حتى يبدو وجود الشخصية فيها تلقائياً.
وخضعت ريم لتدريبات متواصلة مع مدرب متخصص في اللهجة، فكانت تعيد الاستماع إلى الجمل وتكرارها باستمرار. كما استفادت من احتكاكها اليومي بأفراد العائلة، معتبرة أن إقامتها في المنوفية طوال فترة التصوير أدت دوراً حاسماً في إبقائها داخل الأجواء التي تنتمي إليها الشخصية.
وعن علاقتها بأفراد العائلة، تشير إلى أن الوقت الذي قضته معهم أزال تدريجياً المسافة الفاصلة بينهم، لا سيما أن معظمهم كانوا يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.
وتوضح أن «التعامل معهم احتاج إلى قدر كبير من الحساسية، لأن المطلوب لم يكن تعليمهم التمثيل، بقدر ما كان الحفاظ على عفويتهم أمام الكاميرا. وفي المقابل، وجدت نفسي مطالبة بالتخلي عن فكرة الممثلة التي تأتي إلى موقع التصوير ثم تغادره، والدخول فعلياً في تفاصيل الحياة المحيطة بالشخصية».

وتشير إلى أن تعاونها مع أشجان لم يقتصر على تنفيذ السيناريو، بل شمل مناقشة تفاصيل الدور وطريقة بنائه، خصوصاً أن «أمل امرأة حامل في سن صغيرة، وكان من المهم ألا يتحول حملها إلى صورة نمطية، أو أن يحدّ من حركتها وحضورها، بل أن تظل امرأة طبيعية تتعامل معه بوصفه جزءاً من حياتها اليومية».
وتستحضر ريم اللحظة التي تحوَّل فيها الاندماج من وسيلة للتحضير إلى حالة معيشة كاملة، موضحة أن وجودها المتواصل مع العائلة جعل الحدود بين الدور وحياتها اليومية أقل وضوحاً. وبمرور الوقت، لم تعد تشعر بأنها تؤدي دور امرأة تنتمي إلى هذه الأسرة، بعدما أصبحت علاقتها بالمكان والأشخاص المحيطين بها أكثر تلقائية، وهو ما انعكس في النهاية على أدائها أمام الكاميرا.
وتكشف ريم أن مشاركتها في الفيلم تركت أثراً شخصياً تجاوز حدوده، إذ أعادت من خلال حياتها في المنوفية اكتشاف معنى الترابط الأسري. فقد عايشت عائلة يتشارك أفرادها تفاصيل يومهم، ويعرف كلٌّ منهم أحوال الآخر، ويجتمعون في اللحظات الصعبة والبسيطة على حد سواء.
وتقارن بين هذا النمط من الحياة وإيقاع المدينة، الذي يدفع الإنسان باستمرار إلى الانشغال بالعمل والسعي إلى تحقيق أهدافه، أحياناً على حساب علاقته بأسرته، مؤكدة أن الفيلم جعلها أكثر انتباهاً إلى قيمة هذا القرب.
وتضيف أن هذا الأثر انعكس على علاقتها بأسرتها، ودفعها إلى التفكير في المساحة التي تمنحها لها في حياتها اليومية. وترى أن «ما يميّز العائلة التي عشت معها خلال التصوير ليس غياب الصعوبات، بل قدرتها على مواجهتها بوصفها جماعة واحدة».
وتتوقف عند مشهد الولادة، بوصفه أحد أصعب مشاهد الفيلم بالنسبة إليها، موضحة: «المشهد وما يحمله من انفعال جعلني أبدأ التصوير بدرجة كبيرة من التوتر والقلق، لكن هذا الشعور تبدّد خلال التنفيذ، ليخرج في النهاية بالصورة التي كنت أتمناها، ويصبح من أكثر المشاهد اختصاراً للرحلة النفسية التي قطعتها الشخصية خلال الأحداث».
أما وصول «البرانية» إلى «مهرجان فينيسيا السينمائي»، فتصفه ريم بأنه «مفاجأة حقيقية»؛ إذ لم تتوقع أن تجد هذه الحكاية المحلية طريقها إلى أحد أبرز المهرجانات السينمائية في العالم. ومنحتها المشاركة شعوراً خاصاً بالفخر، لا بوصفها محطة مهمة في مسيرتها التمثيلية فحسب، بل لأن الفيلم ينطلق من تفاصيل شديدة الخصوصية في المجتمع المصري، ويضعها في سياق سينمائي قادر على التواصل مع جمهور عالمي.

