«بالون الأهرامات» يفجّر جدلاً وانتقادات في مصر

يصل إلى ارتفاع 150 متراً... ويمنح رؤية بانورامية لمعالم المنطقة

«بالون الأهرامات» يفجّر جدلاً وانتقادات في مصر (وزارة السياحة المصرية)
«بالون الأهرامات» يفجّر جدلاً وانتقادات في مصر (وزارة السياحة المصرية)
TT

«بالون الأهرامات» يفجّر جدلاً وانتقادات في مصر

«بالون الأهرامات» يفجّر جدلاً وانتقادات في مصر (وزارة السياحة المصرية)
«بالون الأهرامات» يفجّر جدلاً وانتقادات في مصر (وزارة السياحة المصرية)

فجَّر مشروع «بالون الأهرامات» الذي تستعد مصر لإطلاقه بهدف منح السائحين رؤية بانورامية لمعالم المنطقة جدلاً واسعاً وانتقادات، وعدَّه آثاريون «تشويهاً» لأحد أهم المعالم الأثرية، مطالبين بإيقاف المشروع. بينما هدَّدت الشركة المتعاقدة على تقديم الخدمات بالمنطقة باتخاذ «إجراءات قانونية».

وتستعد مصر للتشغيل التجريبي لمشروع «البالون الثابت» بمنطقة الأهرامات بالجيزة، والذي يُعدُّ أحد الأنشطة الترفيهية الجديدة، التي تسعى إلى تقديم تجربة سياحية مختلفة، ومن المُقرر، بحسب وزارة السياحة والآثار، أن يرتفع «البالون» إلى مسافة 150 متراً فوق سطح الأرض، في تجربة جديدة تستغرق نحو 15 دقيقة، تُتيح للزائرين مشاهدة بانورامية مُميزة للمنطقة، وسيتم خلالها تقديم شرح للزائرين والسائحين تم إعداده تحت إشراف الوزارة، ممثلة في المجلس الأعلى للآثار، عن المنطقة وأبرز المعالم الأثرية الموجودة بها، من خلال نظارات وسماعات مُخصصة، بـ12 لغة مختلفة.

وأكد وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، أن المشروع «يمثل إضافة جديدة للأنشطة الترفيهية التي تُقدَّم للزائرين والسائحين بالمنطقة، وبما يُسهم في إثراء تجربتهم داخل أحد أهم المواقع الأثرية والسياحية في العالم»، موضحاً في إفادة رسمية خلال تفقده المشروع، الأحد، أن «الوزارة تحرص على تطوير التجربة السياحية المُقدَّمة للزائرين في مصر بصفة عامة، وفي منطقة أهرامات الجيزة بصفة خاصة، من خلال العمل على خلق وإضافة تجارب ومنتجات سياحية جديدة، بجانب الأنشطة الترفيهية المعتادة بالنسبة للسائحين».

وقوبل المشروع بانتقادات أثرية واسعة، ودعا آثاريون إلى إلغائه. وأكد مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، رئيس «حملة الدفاع عن الحضارة المصرية» الدكتور عبد الرحيم ريحان، «رفضه الكامل» للمشروع، وعدَّه «تدنيساً لحرمة الآثار». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الهرم يمثل رمزاً خاصاً لمصر، وهو مرتبط بالهوية محلياً، والمقصد الأول لأي زائر لمصر بوصفه قيمةً عالميةً استثنائيةً تنفرد بها مصر بوصفه العجيبة الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا السبع القديمة، والأجنبي يتعامل معه بوصفه حرماً مقدَّساً»، عادّاً أي مفردات ترفيهية وليست خدمية لراحة الزائر مثل البالون تُعدُّ «تدنيساً لهذه الحرمة وتقزيماً لقيمته، فالزائر يستطيع ركوب البالون في أي مكان في مصر له طبيعة ترفيهية داخل أي مدينة سياحية، ولكن الزائر لا يستطيع زيارة الهرم إلا في هذا الموقع»، على حدِّ تعبيره.

آثاريون يحذرون من تشويه منطقة الأهرامات (وزارة السياحة المصرية)

وبحسب ريحان، فإن «أي مشروعات تطوير أو خدمات في منطقة مُسجَّلة تراثاً عالمياً يجب أن تلتزم بمعايير اليونيسكو، وهي الحفاظ على الأصالة والقيمة الاستثنائية للمكان، وعدم الإضرار بطبيعته الأثرية أو الجيولوجية». متسائلاً: «هل حصل المشروع على موافقة اليونيسكو؟».

وبحسب وزارة السياحة والآثار، تمَّت إقامة المشروع في المنطقة الصحراوية «خارج الحدود الأثرية المباشرة»، وعلى مسافة مناسبة «تضمن عدم التأثير على المشهد البصري الاستثنائي للأهرامات»، حيث يبعد نحو كيلومترين عن الأهرامات، ومسافة 2.2 كيلومتر عن أبو الهول، كما أنَّ البالون «مُثبت بالأرض وسيتحرَّك رأسياً صعوداً وهبوطاً، بتكنولوجيا تعتمد على أعلى معايير الأمن والسلامة والاستدامة».

وأكد وزير السياحة أن «توافر أعلى معايير الأمان والسلامة والاستدامة البيئية، والحفاظ على الطابع الأثري والهوية البصرية الفريدة للمنطقة، يُمثلان أولوية قصوى في تنفيذ المشروع». وبجانب الانتقادات الأثرية، قوبل مشروع «البالون» باعتراضات من شركة «أوراسكوم للاستثمار» المتعاقدة على تطوير وتشغيل الخدمات بمنطقة الأهرامات، مهدِّدة باتخاذ «إجراءات قانونية»، وقال العضو المنتدب للشركة مروان حسين، في بيان صحافي، الاثنين: «لم يتم التعاقد مع الشركة بشأن المشروع، رغم أن العقد ينصُّ على الحقِّ الحصري للشركة في أي نشاط تجاري يُقام داخل منطقة الزيارة». مؤكداً أن «مشروع البالون كان محلَّ خلاف بين الشركة والمجلس الأعلى للآثار، وقد قامت الشركة بمحاولات كثيرة للتوصُّل إلى حل يرضي جميع الأطراف، إلا أنه لم يتم التوصل إلى أي حل».

وكانت شركة «أوراسكوم للاستثمار» قد تعاقدت مع وزارة السياحة المصرية في ديسمبر (كانون الأول) 2018 على تقديم وتشغيل خدمات الزائرين بمنطقة أهرامات الجيزة، ووفق بيان لوزارة السياحة حينها، تتولى الشركة توفير وتشغيل وصيانة وسائل انتقال للزائرين داخل المنطقة، وصيانة الخدمات، والنظافة، وتأمين أماكن الزائرين.

وفي رأي الخبير الآثاري، أحمد عامر، فإن حسم الخلاف بين الشركة المتعاقدة على تقديم الخدمات ووزارة السياحة سيكون الاحتكام فيه إلى بنود التعاقد. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان البالون ضمن المساحة التي تعاقدت الشركة على إدارة خدماتها فستكون لها حقوق مالية»، مرجحاً أن يكون «مكان البالون خارج تعاقدات الشركة لأنه يبعد عن حرم الأثر».

في حين عدَّ الخبير السياحي الدكتور زين الشيخ مطالبات الشركة بأنها «خلافات اقتصادية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المشكلة سيتم حلها بالتفاوض بين الشركة ووزارة السياحة».

ويرى الخبير السياحي، الدكتور بسام الشماع، أنه «على الرغم من بُعد المشروع عن الحرم الأثري للأهرامات بما يضمن عدم تشويه الصورة البصرية للمعالم الأثرية، فإنه لا جدوى من تنفيذه». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «البالون لا يقدم أي شيء جديد للسائح، ولا يُشكِّل أي إضافة أثرية أو سياحية، لذا لا جدوى له»، وبحسب الشماع فإن «البالون يُشكِّل خطراً كبيراً خصوصاً أن الرياح بمنطقة الأهرامات متعددة الاتجاهات، كما أن فكرة قيام السائح بالتقاط الصور من على ارتفاع 150 متراً غير آمنة، حيث يمكن بكاميرات حديثة التقاط صور طبوغرافية للمنطقة، والتي ما زالت مليئة بآثار لم تكتشف».


مقالات ذات صلة

مصر تدرس إعادة فتح مقبرة نفرتاري... والجمال ينتظر قرار العلماء

يوميات الشرق تتميَّز المقبرة برسومها وألوانها الزاهية (فيسبوك)

مصر تدرس إعادة فتح مقبرة نفرتاري... والجمال ينتظر قرار العلماء

تُعد مقبرة الملكة نفرتاري، زوجة الملك رمسيس الثاني، من أبرز مقابر وادي الملكات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق حجارة عمرها أطول من يقيننا (إ.ب.أ)

البارثينون يخسر إحدى أساطيره بعد 2000 عام

من أبرز ملامح البارثينون أنّ ما يبدو أعمدةً دوريةً رأسيةً مستقيمةً ليس كذلك في الحقيقة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق استعادة قناع أثري مصري من سويسرا (السفارة السويسرية بالقاهرة)

استعادة قناع جنائزي من سويسرا تُكرِّس لمطالب استرداد الآثار المصرية

جدَّد الإعلان عن استعادة مصر قناعاً أثرياً من سويسرا مطالب الأثريين والمتخصصين المصريين باسترداد الآثار المهرَّبة إلى الخارج.

محمد الكفراوي (القاهرة)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)

مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

جددت واقعة توقيف أحد الأشخاص بمحافظة المنيا (جنوب مصر) وبحوزته 151 قطعة أثرية تعود للعصور المصرية القديمة قضايا الاتجار في الآثار.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
TT

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة، حيث كانت تُعرَف مصر قديماً باسم «كمت» أي «الأرض السوداء»، مستدعياً انعكاساتها على الواقع والمشهد اليومي والشخوص المعاصرين.

وفي المعرض الذي تستضيفه قاعة «الباب سليم» بمتحف الفن الحديث حتى 26 سبتمبر (أيلول) الحالي، يجدِّد الفنان محمد قراءة مفهوم «كِمِت» بوصفه أكثر من مجرد تسمية تاريخية لمصر القديمة؛ فهو بالنسبة له «نقطة انطلاق للتأمل في العلاقة بين الإنسان والأرض والزمن، وبين ما يبقى من الحضارات في الذاكرة الإنسانية».

جانب من المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطلق تجربة الفنان من تفكيك المنظومة الفكرية والرمزية للشكل المصري القديم بصورته الاعتيادية المباشرة، ويرصد فلسفته وما وراءه وحدود ملامسته واشتباكه مع الواقع المعاصر، يقول عيد: «الفن المصري القديم لم يكن مجرد تسجيل للمشهد أو زخرفة بصرية، وإنما كان لغة متكاملة تحمل مفاهيم الخلود، والعبور، والهوية، ودورة الحياة والموت والبعث».

ومن هذا المنطلق، تتحول الرموز والعناصر المستلهمة من الجداريات المصرية القديمة إلى طاقات بصرية معاصرة، يعاد من خلالها طرح أسئلة حول الزمن والوجود والذاكرة. فالجسد في الأعمال لا يظهر بوصفه هيئة خارجية فقط، بل يصبح حاملاً للمعنى، والخط ليس مجرد حدود شكلية، بل يتحول إلى أثر للذاكرة ومسار بصري يعبر بين الماضي والحاضر.

يضيف عيد لـ«الشرق الأوسط»: «تعتمد التجربة على مفهوم التهجين البصري، حيث تتداخل مفردات الفن المصري القديم مع صياغات تشكيلية معاصرة، لتكوين فضاء بصري تتجاور داخله طبقات زمنية متعددة؛ زمن الحضارة القديمة، وزمن العمل الفني، وزمن التجربة الشعورية للمبدع والمتلقي».

الأعمال استخدمت أسلوباً خاصاً في قراءة الأساطير (قطاع الفنون التشكيلية)

تعتمد اللوحات على تكوينات متباينة ضمن أكثر من بعد بصري، بعضها يمثل الحاضر بشخوصه ومفرداته العادية، وبعضها يستدعي رموز الأساطير المصرية القديمة، والبعض الآخر يضفي جواً نفسياً حميماً يربط الزمان بالمكان بالشخوص في مشهد جمالي يتبنى مفردات الحداثة عبر اللون والخط والتعبير والتجريد.

ووفق الفنان: «يلعب اللون دوراً محورياً في بناء هذه الرؤية؛ فاللون لا يُستخدَم بوصفه عنصراً جمالياً فقط، بل بوصفه حاملاً دلالياً وفلسفياً. يكون الأسود فيه جوهر التجربة، فهو ليس لوناً للعتمة، وإنما بوصفه رمزاً للأرض الخصبة (الأرض السوداء)، والرحم الذي تنبثق منه الحياة، والمساحة التي تختزن أسرار الوجود والتجدد».

ويستند الفنان إلى التوثيق الرقمي للجداريات المصرية القديمة بوصفه ذاكرة حية؛ حيث تتحول الخطوط المستعادة من النقوش القديمة إلى طبقات شفافة داخل العمل، تستحضر الحضور والغياب، وتربط بين الأثر التاريخي والرؤية المعاصرة.

إحدى لوحات المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

و«تضم التجربة مجموعة من الأعمال المُنفَّذة بتقنيات الأقلام الخشبية الملونة والأكريليك، تتناول موضوعات مستوحاة من مفردات الحضارة المصرية القديمة، مثل الشجرة المقدسة، والطائر، والطقوس، والجسد الإنساني، لكنها تعيد تقديمها داخل سياق بصري جديد يبحث عن المعنى الكامن خلف الرمز»، وفق الفنان.

ويعد معرض «سرديات الأرض السوداء» دعوة لإعادة اكتشاف الماضي؛ فالأرض هنا لا تنطوي على المكان فقط، بل تمتد لتحمل حكايات الإنسان عبر الذاكرة البشرية التي تختزن طاقة الزمن، وتفتح حواراً بين ما كان وما هو آتٍ، في رحلة تأملية من رحم الأرض نحو الأبدية.

الفنان محمد عيد بجوار إحدى لوحاته (قطاع الفنون التشكيلية)

من جهته أكد الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية خلال افتتاح المعرض أن «أعمال الفنان محمد عيد لا تقتصر على مجرد التوثيق التاريخي أو استعادة التراث، بل تتجاوز ذلك لتصنع أسطورة جديدة تخص الحاضر، وتنسج حواراً عميقاً بين الأبعاد الروحية والزمنية للوجود الإنساني».

يُشار إلى أنّ الفنان محمد عيد سبق أن قدَّم في عام 2021 معرض «خريف المحب» كما شارك في أكثر من 30 معرضاً جماعياً، وحاز جائزة «صالون الشباب» بمصر عام 2017، وجائزة الحفر بمعرض الطلائع الـ52 الذي تنظمه «جمعية محبي الفنون الجميلة».


عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
TT

عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)

صادف عامل بناء، خلال عمله في مشروع روتيني بأحد المنازل، اكتشافاً مرعباً تمثّل في رفات بشرية قديمة، حوّلت أعمال التجديد إلى تحقيق جنائي، قبل أن تجد الرفات طريقها أخيراً إلى مثواها الأخير.

وكان روس سليدجر (49 عاماً) يباشر أعمال تجديد منزله في ربيع عام 2019، حين عثر عامل بناء، كان يُنجز إضافة مطبخ إلى المنزل، على ما بدت أنها عظام بشرية، وفق ما نقلته «فوكس نيوز» عن وكالة «إس دبليو إن إس» الإخبارية.

وأُعيد دفن الرفات رسمياً في أغسطس (آب) الماضي، خلال مراسم أُقيمت في كنيسة قريبة من منزل سليدجر، في منطقة واي بمقاطعة كنت، جنوب شرقي إنجلترا.

وأفاد سليدجر بأنه لم يُبالِ بالاكتشاف في البداية، ظناً منه أن العظام تعود إلى حيوان مزرعة أو حيوان أليف. وقال: «أخبرني عامل البناء: (لقد وجدتُ بعض العظام)، فأجبته: (رائع)، ظناً مني أنها تعود إلى حيوان مزرعة أو حيوانات أليفة».

وأضاف سليدجر أنه أُصيب بالذهول حين علم بأنّ الرفات قد تكون بشرية. واستذكر قائلاً: «كما يمكنك أن تتخيّل، انفلتت مني ألفاظ كثيرة. كنت أفكّر: لا بد أنك تمزح، هذه مجرّد مزحة، لكنه ردَّ: (أنا جاد جداً)».

وأثارت العظام، التي تبيّن لاحقاً أنها رفات تعود إلى العصر الأنغلوساكسوني، ويبلغ عمرها نحو 1000 عام، ضجة واسعة، وأطلقت تحقيقاً للشرطة. وتوجَّه نحو 10 ضباط إلى المنزل للتنقيب في الفناء الخلفي، فعثروا في نهاية المطاف على رفات جثة ثانية.

وشمل الاكتشاف المروّع في مجمله عظمة فخذ، وجمجمتين، وأضلاعاً، وجزءاً من الحوض، وشظايا من عظمة العضد وعظام الأصابع.

وقال سليدجر: «اعتقدوا أنه مسرح جريمة. كان عليهم إبقاء ضابط طوال الليل، وكان عليه الخروج من سيارته كلّ نصف ساعة».

وأضاف: «كانت تلك الحركة تُشغّل كشافات الإضاءة القوية لدى الجيران، مما كان يُثير نباح كلبي. وكما يمكنك أن تتخيّل، لم أنم كثيراً تلك الليلة».

وبعد نحو 48 ساعة من الاكتشاف الأول، أكّد المتخصّصون أنّ الرفات قديمة، ولا صلة لها بجريمة حديثة.

وإنما الاكتشافات لم تتوقّف عند هذا الحد؛ فقد عثر سليدجر لاحقاً على ما وصفها بـ«مفاصل وأصابع»، خلال تركيب العشب الاصطناعي في فنائه الخلفي، ممّا أثار قلقه من احتمال تأخّر أعمال التجديد.

وقال سليدجر: «كنت أفكّر: يا إلهي، هذا سيؤخّر الأمور. لديّ عمال بناء قادمون الأسبوع المقبل».

وأضاف: «كنتُ أظن أنّ الأمر قد يستغرق شهوراً، لكن لحُسن الحظّ، انتهى كلّ شيء بحلول نهاية عطلة الأسبوع، وهو أمر جيد».

وأوضح أنه بعد انتهاء تحقيق الشرطة، نُقلت الرفات إلى جمعية تاريخية، ثم إلى قسيس محلّي، وإنما ترتيب دفنها في مثواها الأخير استغرق بعض الوقت.

وأعرب سليدجر عن اعتقاده بأنّ «الأمر كان يتعلَّق بالحصول على إذن، وتحديد ما إذا كان مسموحاً بدفنها هناك». وتابع: «أظنّ أنها كانت مجرّد إجراءات بيروقراطية أكثر من أي شيء آخر».

ولم يكن فناء سليدجر الخلفي المكان الوحيد في المملكة المتحدة الذي كشف عن قطعة غير متوقَّعة من التاريخ؛ فقد توصَّل زوجان بريطانيان آخران إلى اكتشاف ذي قيمة تاريخية، وإن كان أقل قتامة بكثير، في فنائهما الخلفي مؤخراً.

وعثر الزوجان، من مقاطعة هامبشاير، على كنز يضم 70 عملة إنجليزية تاريخية، خلال تعديل سياج قرب حديقة الزهور عام 2020.

وبيعت هذه العملات في مزاد علني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بأكثر من 380 ألف جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 500 ألف دولار أميركي.


قردة مدغشقر تُجيد «السوبرانو» وتُسمِع أغنياتها عبر الغابات

في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
TT

قردة مدغشقر تُجيد «السوبرانو» وتُسمِع أغنياتها عبر الغابات

في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)

حين يفتح مغنّي الأوبرا فمه عن آخره لبلوغ نغمة عالية، يُحدث تغييراً خفياً في شكل فمه وحنجرته ليصل صوته إلى مدى أبعد. وتكشف بحوث حديثة عن أنّ أحد أكثر حيوانات مدغشقر غرابةً، وهو قرد الليمور المُغرّد، قد يفعل شيئاً مماثلاً في أعالي أشجار الغابات المطيرة.

في الغابات الداكنة شمال شرقي مدغشقر، حيث تحجب الأشجار الكثيفة التواصل البصري لمسافة تتجاوز بضعة أمتار، تعتمد قرود الليمور المعروفة باسم «الإندري» على أغنياتها الشجية للتواصل. وخلص العلماء إلى أنّ هذه الرئيسيات تفتح أفواهها على نحو أوسع حين تُصدر نغمات أعلى طبقة، وهو نمط يتّسق مع تقنية صوتية تُعرف بـ«ضبط الفورمانت».

وقال الباحث فيليبو كاروغاتي، من جامعة تورينو الإيطالية، المؤلف الرئيسي للدراسة التي نقلتها «رويترز» عن دورية «بلوس كومبيوتيشنال بيولوجي»: «تخيّل شكل فمك وحنجرتك على هيئة أنبوب. حين تفتح فمك على نحو أوسع، يتغيّر شكل ذلك الأنبوب، وهذا بدوره يُغيّر التردّدات التي يتردّد صداها بصورة طبيعية، وهو أشبه بما يحدث حين تُطيل أنبوب آلة موسيقية هوائية أو تُقصّره، فتتغيّر النغمة الصادرة عنها».

ويُعزّز هذا التعديل، الذي تلجأ إليه قرود الإندري عند بلوغ نغمات عالية، قوة أصواتها ومداها، تماماً كما يفعل مغنّو الأوبرا المحترفون.

وتأمل الباحثة كيارا دي غريغوريو، من جامعة وارويك في إنجلترا، والمؤلفة المشاركة في الدراسة، أن يلفت البحث الأنظار إلى هذه القدرة الصوتية، وإلى الحيوان المهدّد بشدة بالانقراض. فقرد الليمور ليس موجوداً في البرّية إلا في مدغشقر، والإندري هو النوع الوحيد المعروف منه بقدرته على الغناء.

وقالت دي غريغوريو: «بينما قد نظنّ أننا البشر الوحيدون الذين يمتلكون أصوات سوبرانو قادرة على أداء أغنيات بهذا التعقيد، ثمة مغنٍّ استثنائي آخر في الغابة، يُغنّي ويتواصل ويحاول ببساطة البقاء على قيد الحياة».

مزيج بين العويل والصفير

وحلّل الباحثون 83 تسجيلاً مصوّراً لـ19 قرداً من الإندري في البرّية، في غابة «ماروميزاها» ومحميّة «ميتسينجو» بمدغشقر. وتتبّعوا ملامح الوجه إطاراً بإطار، وربطوها بالصوت المتزامن معها، لاختبار ما إذا كان اتساع فتحة الفم يتنبّأ بحدّة النغمة.

وقال كاروغاتي: «لقد فعل ذلك بدرجة كبيرة جداً».

وأوضح أنّ أغنيات الإندري «كثيراً ما تُوصف بأنها مزيج من العويل والصفير، بنغمات طويلة وعالية، تصعد وتهبط، وتبعث الرهبة في النفس، وتكاد تبدو حزينة للأذن البشرية، لكنها في الوقت عينه منظَّمة بدقة، وتُؤدّى في ثنائيات تتشابك فيها عبارات الذكر والأنثى، عوضاً عن أن تتداخل وتتزامن فحسب».

وتؤدي هذه الأغنيات دوراً جوهرياً في علاقة مجموعات الإندري العائلية بمحيطها، وتضطلع بأكثر من وظيفة اجتماعية.

وقال كاروغاتي: «تتمثّل وظيفتها الرئيسية في إعلان الوجود، وكأنها تقول: نحن هنا، عبر بيئة طبيعية لا تستطيع فيها غالباً رؤية جيرانك وسط الغابات الكثيفة. والمثير للاهتمام أنّ هذه الأغنيات المرتبطة بتحديد المجال تميل إلى الإطالة تحديداً حين تلمح المجموعة مجموعة أخرى مجاورة، وكأن الرؤية المباشرة تُعزّز الأغنية».