المسرح الملكي في الرباط وسحر تصاميم زها حديد

يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)
يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)
TT

المسرح الملكي في الرباط وسحر تصاميم زها حديد

يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)
يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)

قبل أن يُرفع الستار، ينجح «المسرح الملكي» الجديد في الرباط - وهو من تصميم المهندسة المعمارية المرموقة زها حديد - في إبهار الناظرين لدرجة تفوق التصور.

فعلى ضفاف نهر أبي رقراق، يبرز التصميم كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض، ثم تنحدر نحو مدخل يفضي إلى ردهات تحاكي في تكوينها الأخاديد الصخرية. وتتداخل سلالم انسيابية تشبه الأشرطة لتصعد عبر واجهات شاهقة الارتفاع تماثل المنحدرات الصخرية المكونة من 4 طوابق، بينما تطل مقصورات الأوبرا على قاعة عرض رئيسية تشبه في هيئتها التكوينات الصخرية الجوفية المبطنة بالبلورات؛ إذ لا يقتصر المشهد المسرحي المبتكر على خشبة المسرح فحسب، بل يمتد ليشمل المبنى بأكمله.

المسرح الملكي في الرباط (غيتي)

صممت المهندسة المعمارية العراقية - البريطانية هذا المسرح الملكي - الذي يضم مسارح داخلية وخارجية - في ذروة مسيرتها المهنية وقبيل وفاتها عام 2016. وقد جاء المبنى تتويجاً لمجموعة أعمالها التي أتاح لها التطور التقني فيها تحويل منشأة معمارية فائقة الحداثة إلى ما يشبه تشكيلاً محيطياً نحته الفنان «برانكوزي». ففي العقد الأخير من مسيرتها، سعت حديد إلى تحقيق ما أطلقت عليه اسم «الحركة والانسيابية المطلقة». لقد كانت التقنيات الرقمية تمنح الحرية لحديد - وهي أول امرأة تفوز بجائزة «بريتزكر» للهندسة المعمارية - ولزميلها المقرب في المكتب الهندسي، باتريك شوماخر؛ إذ حررتهما من قيود الهندسة التقليدية ومن جمود المباني التي تبدو كأنها آلات صماء من الفولاذ والزجاج.

في عام 2010، دعا الملك محمد السادس ملك المغرب شخصياً المهندسة المعمارية زها حديد إلى مقر شركتها في لندن لتصميم مسرح في العاصمة. بعد أن خاب أمله لخسارة تصميمها الجريء لمسرح في الدار البيضاء أمام المهندس المعماري الفرنسي كريستيان دي بورتزامبارك، أراد الملك من حديد تنفيذ تصميمها الأصلي في الرباط. أقنعت حديد الملك بالبدء من جديد بتصميم مبنى يتناسب مع الموقع الجديد، وهو وادٍ نهري بين العاصمة ومدينة سلا.

المصممة المعمارية زها حديد (غيتي)

البداية

بالنسبة لحديد، جاءت الدعوة بمثابة تذكرة بحدث غير سار؛ فقبل 20 عاماً في ويلز، لم تحظَ بالترحيب في مشروع كان من شأنه أن يُغيّر مسيرتها المهنية، فازت المهندسة المعمارية البالغة من العمر 45 عاماً، ثم خسرت، ثم فازت وخسرت مرة أخرى في جولة أخرى، في مسابقة تصميم دار أوبرا كارديف. أثارت هذه الدراما التي تصدرت عناوين الصحف تساؤلات حول الأسلوب والتحيز. عدَّت حديد الرفض مسألةً شخصية، مُشيرةً إلى «المقاومة والتحيز». توقف هاتفها عن الرنين. فكرت في مغادرة البلاد.

«كانت قصة خليج كارديف إحدى أكبر الصدمات في مسيرتها المهنية، ويمكن اعتبار هذا المبنى الذي شُيّد بعد وفاتها في الرباط بمثابة تبريرٍ مُنتصر»، كما قال ديان سودجيك، المدير السابق لمتحف التصميم في لندن. في الرباط، استطاعت زها أن تنظر إلى الماضي بشماتة.

في الثاني والعشرين من أبريل، افتتحت لالة خديجة، ابنة الملك، وشقيقتاه لالة مريم ولالة حسناء، المبنى بحضور السيدة الأولى الفرنسية، بريجيت ماكرون. وقدّم برنامجٌ موسيقيٌّ حافلٌ بأعمال تشايكوفسكي وفيردي وأغانٍ عربية أندلسية، بالإضافة إلى عزفٍ منفردٍ لعازف العود الماهر إدريس الملومي، مُبرزاً بذلك قدرة القاعة على استيعاب الصوت، ومؤكداً على سياسة المسرح في عرض التقاليد الموسيقية المغربية إلى جانب ذخيرةٍ عالمية.

انطباعات

يخضع نهر أبي رقراق، الذي يصب في المحيط الأطلسي، لظاهرة المد والجزر؛ ما يؤدي إلى انعكاس اتجاه تدفقه. وفي الطرف الجنوبي الشرقي للمسرح الملكي، تنشأ موجة رقيقة من منطقة كانت في الأصل أرضاً سبخية، ثم تتسع وتنتفخ وتتفرع. وتصل الموجة الرئيسية ذروتها فوق قاعة العرض التي تتسع لـ 1800 مقعد وبرج المسرح (منطقة تعليق الديكورات)، قبل أن تنحسر باتجاه المدخل الرئيسي، حيث تلتقي بموجة أخرى؛ فيمر الجمهور عبر هذا المشهد المفعم بالحركة والاضطراب لدخول المبنى. ويقول نيلس فيشر، مدير المشروع: «تُظهر الرسومات الأولية لزها كيف أثرت حركة المياه المحيطة بالمبنى في تشكيله». وتقول آنا غلاس، المديرة التنفيذية لفرقة «رقص مسرح هارلم» (Dance Theater of Harlem)، واصفةً انطباعها عند رؤية المبنى في حفل الافتتاح: «لقد ذُهلت تماماً؛ فالمبنى يخطف الأنفاس، ويمنحك شعوراً بالإثارة يحبس الأنفاس، يشبه ذلك الشعور الذي ينتابك عند ركوب الأفعوانية (قطار الملاهي) لأول مرة، ثم يجذبك الفضول لاستكشافه».

تفاصيل داخلية في المسرح الملكي بالرباط (موقع المسرح)

تصميم القاعات

تتمثل وظيفة قاعات الحفلات الموسيقية ودور الأوبرا في احتواء الموسيقى داخل حيز عازل للصوت، إلا أن حديد لم تكتفِ ببناء مجرد وعاء للصوت، بل أبدعت عرضاً معمارياً في حد ذاته؛ إذ يدخل الزوار من تحت موجة متكسرة، تماماً كما يفعل راكبو الأمواج حين يندفعون عبر نفق مائي. ويمتد ممر نهري عبر المساحات الداخلية، بدءاً من المدخل ومروراً بمنحدرات مائية مصممة بعناية بين جدران شاهقة تشبه الأخاديد الطبيعية، وصولاً إلى مسرح مفتوح يتسع لـ 7000 متفرج، ويقع بمحاذاة النهر.

صُممت القاعة -التي تتخذ شكل حدوة حصان، وتتساوى أبعاد عرضها وعمقها تقريباً- لتصنع شعوراً بالألفة والقرب. يقول غلاس، الذي ستقدم فرقته عروضاً خلال الموسم الكامل الأول للمسرح هذا الخريف: «عندما تقف على خشبة المسرح، يمنحك ترتيب المقاعد على شكل حدوة حصان شعوراً بأن الجمهور يحيط بك من كل جانب، وكأنهم يعانقونك. وأتوقع أن يبدع راقصونا في استعراض مهاراتهم، رغبةً منهم في رد المشاعر التي يشعرون بأنهم يتلقونها من الجمهور».

بصمة زها الأصيلة

كانت حديد، برفقة شوماخر وفيشر، قد عاينت الموقع لأول مرة في عام 2010، وبدأ العمل في البناء عام 2014. واكتملت أعمال التشييد في عام 2021، أي بعد 5 سنوات من وفاتها. ورغم أن المبنى أُنجز بعد رحيلها، فإنه -كما يقول سودجيك- «يحمل بلا شك بصمة زها الأصيلة، ويُعد تذكيراً بمدى براعة وقوة هذه المعمارية».

تم اختيار موقع المبنى، الذي تبلغ مساحته 290 ألف قدم مربع وتكلفته 170 مليون دولار، بعناية فائقة. وقال فيشر: «يمثل المسرح حلقة وصل بين ضفتي الوادي اللتين كانت مدينتاهما تاريخياً منفصلتين تماماً». وفي إطار رؤية الملك محمد السادس، «يعكس المسرح الملكي بالرباط التزام المغرب الراسخ بالثقافة والصناعات الإبداعية كمحرك للتنمية، مع تعزيز التبادل الثقافي مع أفريقيا والعالم»، كما صرّح مديره الفني ونائب مديره العام، إبراهيم المزند. ويسعى المسرح إلى ترسيخ مكانته كمنصة دولية للموسيقى والرقص والمسرح المغربي والعربي والأفريقي، بالإضافة إلى موسيقى البوب ​​الغربية (حيث سيستضيف عرض «هذا هو مايكل»، وهو عرض حيّ تكريمي لمايكل جاكسون، في 29 أكتوبر / تشرين الأول). في إطار هذه المبادرة الأوسع، يجري الآن بناء مركز ثقافي أفريقي رئيسي، وهو متحف القارة، في وسط مدينة الرباط.

انسيابية التصميم في المسرح الملكي بالرباط (موقع المسرح)

عودة إلى الجذور

بالنسبة لحديد - التي درست الرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، وعاشت حياتها كبالغة في المهجر بعيداً عن العراق، وكانت تقضي عطلاتها غالباً في المغرب - كان هذا المشروع بمثابة عودة ثقافية إلى الجذور، حسبما صرحت في حديث سابق. ورغم الشهرة المبكرة التي نالتها منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فإن الدول العربية لم تبدأ في تكليفها بمشاريع كبرى إلا بعد مطلع الألفية الجديدة، وذلك عقب فوزها بجائزة «بريتزكر» وتنفيذها مشاريع ناجحة في الصين، غير أن أحداث «الربيع العربي» أدت إلى توقف العديد من المشاريع، قبل أن تظهر تكليفات جديدة لاحقاً؛ إذ يجري حالياً تشييد أكثر من 6 مبانٍٍ - أو تم الانتهاء منها بالفعل - استناداً إلى تصاميمها وبعد وفاتها، وذلك تحت إشراف شوماخر وفي مواقع متعددة تمتد عبر شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

تفاصيل داخلية في المسرح الملكي بالرباط (موقع المسرح)

على مر القرون، أضفى المعماريون طابعاً من الجلال والعظمة على الكاتدرائيات والمساجد. وفي هذا الصدد، قالت حديد ذات مرة في مقابلة صحافية: «أعتقد أن الناس كثيراً ما تاقوا إلى ابتكار مثل هذه المساحات؛ فدخول حيّزٍ مكانيٍّ عظيمٍ - حيّزٍ أشبه بالفردوس - يبعث في النفس شعوراً بالارتقاء والسمو». وعلى الرغم من أن «المسرح الملكي» يُعدّ فضاءً مخصصاً للعروض الفنية، فإنه يمتلك القدرة على نقل الجمهور إلى زمان ومكان متخيَّلين؛ فقد تجاوزت حديد حدود خشبة المسرح لتنقل سحر الإبهار إلى أرجاء المبنى بأكمله.

* خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

يوميات الشرق في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

بأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من أبطال المسرحية ميشيل وهبة ولودي الخوري وفادي أبو شعيا (الشرق الأوسط)

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

المسرحية موجّهة إلى جيل الشباب، وتخاطب خصوصاً أبناء جيل «زد» المهتمّين بمتابعة أخبار مواقع التواصل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق التناغم في الأداء كان حاضراً بين دكاش وشبلي (الشرق الأوسط)

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

اختارت للانطلاق في هذا الطريق حكاية ترتكز على ذكريات شخصية ممزوجة بالخيال...

فيفيان حداد (بيروت)
منحنيات أصولية كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)

سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

من خلال مسرحية «درجة تانية»، تروي سمر صالح قصتها الحقيقية ضمن رسالة إنسانية مؤثِّرة، وتضفي على أدائها شيئاً من روحها وشخصيتها الطريفة.

فيفيان حداد (بيروت)

الأمير هاري: أرغب في التصالح مع عائلتي

الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)
الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)
TT

الأمير هاري: أرغب في التصالح مع عائلتي

الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)
الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)

كشف الأمير هاري أنه يأمل في التصالح مع والده الملك تشارلز ملك بريطانيا وبقية أفراد عائلته الذين ​انفصل عنهم عندما انتقل إلى الولايات المتحدة قبل 6 سنوات، وفقاً لوكالة «رويترز».

وتسبب هاري، البالغ من العمر 42 عاماً وابن الملك الأصغر، في حدوث انقسام كبير داخل العائلة عندما تخلى هو وزوجته ميغان عن مهامهما الملكية، وانتقلا في 2020 إلى ولاية كاليفورنيا الأميركية التي ‌وجّها منها ‌انتقادات شديدة للمؤسسة الملكية.

ولم ​يتحدث ‌هاري ⁠مع ​شقيقه الأكبر، ⁠ولي العهد الأمير ويليام، إلا نادراً على مدى سنوات، ولم تلتقِ عائلته مع والده مجدداً إلا في الآونة الأخيرة. وقال هاري في مقابلة مع مجلة «جي كيو» إنه يرغب في إصلاح الأمور. وعاد هاري أخيراً ⁠إلى بريطانيا برفقة ميغان وابنيهما.

«التصالح هو ‌ما يهم»

قال هاري ‌للمجلة: «مع كل ما يجري في ​العالم، فإن التصالح ‌هو أهم شيء بالنسبة إليَّ».

وذكر أنه يتفهم ‌الاهتمام الكبير الذي تحظى به أوضاع عائلته.

وأضاف: «هناك خلافات بين الأشقاء، وهناك علاقات متصدعة بين الأبناء ووالديهم، أو بين الأبناء وأحد الوالدين». وأوضح: «وقد تلهم جهود ‌التصالح بعض الناس لتحسين علاقاتهم الخاصة».

وتابع: «وهناك من لا يريدون أن ينجح هذا ⁠التصالح. ⁠أما أنا فأريده أن ينجح».

وقال المتحدث باسم هاري إن أحدث تعليقاته لم تكن تهدف إلى توجيه انتقاد إلى ويليام أو أي فرد آخر من أفراد العائلة.

وأكمل هاري دوق ساسكس حديثه لمجلة «جي كيو» قائلاً إنه على الرغم من أن «الندوب تبقى إلى الأبد»، فإنه يريد تشجيع الجميع على نسيان الماضي.

وأردف: «بالنسبة إليَّ، هناك ما يكفي من المآسي ​في العالم وفي ​حياة الناس، ولا داعي لمواصلة الخلافات العائلية. الأمر لا يستحق العناء».


هلكوت مصطفى: «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» يبرز شجاعة الكُرديات

الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
TT

هلكوت مصطفى: «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» يبرز شجاعة الكُرديات

الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)

قال المخرج العراقي النرويجي هلكوت مصطفى إن تصوير فيلمه «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» في المُوصل ارتبط بعلاقته الشخصية مع المدينة، وتكوّنت خلال عمله مصوراً للحروب وزياراته إليها أثناء المعارك ضد تنظيم «داعش»، موضحاً أن ما شاهده هناك ترك فيه أثراً دفعه إلى العودة بالكاميرا إليها، رغبة في تصوير الحكاية داخل المكان الذي تنتمي إليه، رغم الصعوبات الكبيرة التي فرضها هذا الاختيار على تنفيذ الفيلم وسلامة العاملين فيه.

وأضاف مصطفى، في حواره مع «الشرق الأوسط» على هامش عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان الجونة السينمائي»، أنه أراد منح المرأة موقعاً أساسياً في الحكاية، وإظهار قدرتها على الفعل واتخاذ القرار، مشيراً إلى أن «خبرته في تغطية الحرب عرّفته عن قرب إلى شجاعة المقاتلات الكُرديات، وما تحملنه من مسؤوليات، بينما لا تزال النساء في مجتمعات المنطقة يواجهن صعوبات عميقة في الوصول إلى مواقع صنع القرار».

ويتناول فيلم «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» الذي رشحه العراق إلى الأوسكار حكاية قناصة كردية تُدعى «فيان»، تخوض مهمة لإنقاذ شقيقتها الصغرى من قبضة تنظيم «داعش»، خلال عمليات تحرير المُوصل. وتؤدي شخصيتها الممثلة آفان جمال، التي خضعت لتحضيرات مطوّلة استهدفت بناء قدراتها الجسدية والعسكرية، إلى جانب استيعاب الحالة النفسية لامرأة تضطر إلى ضبط مشاعرها ومواجهة الخطر، فيما يرتبط استمرارها في القتال بأمل استعادة شقيقتها.

وأوضح مصطفى أن التصوير في الموصل كان من أكثر قراراته صعوبة، لأن المسؤولية امتدت إلى حماية فريق العمل والأشخاص الذين تعاونوا معه على الأرض مستعيداً رغبته في تجاوز الاعتماد المعتاد على مواقع بديلة.

وأوضح أن كثيراً من الأفلام الدولية التي تتناول العراق تُصوَّر في المغرب أو الأردن، بينما كان يريد البقاء داخل البيئة الحقيقية للحكاية. وأقر بأن التجربة كانت شديدة القسوة، إلى حد أنه لا يرغب في تكرارها.

انفعالات الشخصية

وعن بناء شخصية البطلة، قال إن اهتمامه انصبّ على الوصول إلى أداء مقنع، يستطيع حمل انفعالات الشخصية من دون الاعتماد على كثرة الكلام. ولهذا ارتبط الإعداد للدور بتدريبات القنص، والعمل على السلوك والحالة العاطفية، حتى تصبح حركة الممثلة وطريقة تعاملها مع المواقف جزءاً من التعبير عن تجربتها، مشدداً على أن تقديم المرأة بوصفها ضحية لم يكن ما يسعى إليه، إذ أراد أن يمنح قدراتها وقوتها حضوراً واضحاً على الشاشة.

وعن عنوان الفيلم، أوضح أن ما جذبه إليه هو قدرته على التعبير عن قوة النساء في مواجهة تنظيم بالغ الوحشية، كان يخشى أن يُقتل عناصره بأيديهن، مؤكداً أن هذه المفارقة أثّرت فيه، لكنه ربط اختياره أيضاً برغبة أوسع في منح النساء أدوار البطولة، في ظل غلبة الشخصيات الرجالية على أفلام المنطقة لكونه يريد إظهار ما تستطيع المرأة القيام به حين تُمنح مساحة تتسع لتجربتها وقدراتها.

وأشار مصطفى إلى أن الدافع العاطفي للحكاية ظل أساسياً بالنسبة إليه طوال العمل، فالفيلم يتصل بالحب والأمل والعلاقة بالأشخاص الأقرب إلينا، وبالمدى الذي يمكن أن يبلغه الإنسان لإنقاذ عائلته. ومن هذا المنطلق، رأى أن رحلة البطلة تستمد قوتها من ارتباطها بشقيقتها، وما يدفعها إلى مواصلة المحاولة، وسط ظروف تختبر قدرتها على الاحتمال، وتجعل إنقاذ فرد من الأسرة غاية تتحمل من أجلها مخاطر استثنائية.

المخرج العراقي هلكوت مصطفى (الشرق الأوسط)

وأوضح أن إنجاز الفيلم استغرق تسع سنوات، كان جانب أساسي منها مخصصاً للبحث عن اللغة السينمائية المناسبة للحكاية. ووصف الموازنة بين الحرب والدراما بأنها الجزء الأصعب في المشروع، إذ احتاج إلى وقت طويل ليحدد ما يمكن أن يقدمه بصورة مختلفة، مؤكداً أنه يرى العمل واقعاً في مساحة تتداخل فيها الأنواع، بحيث تحضر الحرب بما تفرضه من مخاطر، وتظل التجربة العاطفية للشخصيات عنصراً أساسياً في بنائه.

وتوقف مصطفى عند حضور الصمت في الفيلم، رابطاً إياه بذكريات عاشها خلال عمله مصوراً للحروب، حين كان يوجد داخل مبانٍ يسودها الهدوء، بينما يتواصل الخوف من غارة جوية أو هجوم لعناصر «داعش» أو انفجار قنبلة.

لغة الصمت

وأوضح أن هذه الخبرة جعلت الصمت جزءاً أساسياً من تصوره للفيلم؛ فالهدوء الذي عرفه في تلك الظروف كان مُحملاً بترقب الخطر، وبالعجز عن معرفة مصدره أو اللحظة التي قد يقع فيها.

وعن التقاء خلفيته العراقية الكردية بتجربته في النرويج، قال إن هذا التداخل جزء من تكوينه الشخصي، ووصف نفسه بأنه يحمل قلباً كردياً عراقياً وعقلاً نرويجياً، مشيراً إلى أنه أراد أن يظهر هذا التكوين في الفيلم لأنه يعبر عنه وعن الطريقة التي يرى بها الحكاية. وجاء حديثه عن هويته امتداداً لارتباطه بموضوع العمل، وبالخبرات التي اكتسبها خلال سنوات عاشها بين بيئتين مختلفتين.

وفيما يتعلق بالتمويل، أقر مصطفى بأن إنجاز مشروع بهذه الحالة يواجه صعوبات كبيرة في المنطقة، خصوصاً حين يحاول صاحبه تقديم منظور مختلف عما يتوقعه الممولون في الغرب، موضحاً أن بعض صناع الأفلام يجدون أنفسهم أمام ضغوط تدفعهم إلى تقديم الحكايات التي يرغب العالم الغربي في مشاهدتها، بينما يصبح تأمين التمويل أكثر تعقيداً عند محاولة الاقتراب من الموضوع من زاوية أخرى.

وعبّر مصطفى عن اعتزازه بالاعتراف الدولي الذي يحظى به عمله، وبفرصة تمثيل العراق سينمائياً، مؤكداً أن البلاد تضم ثقافات متعددة وخلفيات وتجارب مختلفة، يستطيع الفن أن يجمع بينها، معتبراً أن هذا الإيمان بقدرة الفن على التقريب بين الناس أحد أسباب استمراره في العمل، وما يمنح وصول الفيلم إلى مشاهدين من بيئات متنوعة معنى شخصياً ومهنياً بالنسبة إليه.


«مفيش راجل بيعيط» يكشف هشاشة عالم «الجاردات»

لقطة من الفيلم المصري «مفيش راجل بيعيط» (الشركة المنتجة)
لقطة من الفيلم المصري «مفيش راجل بيعيط» (الشركة المنتجة)
TT

«مفيش راجل بيعيط» يكشف هشاشة عالم «الجاردات»

لقطة من الفيلم المصري «مفيش راجل بيعيط» (الشركة المنتجة)
لقطة من الفيلم المصري «مفيش راجل بيعيط» (الشركة المنتجة)

يكشف الفيلم المصري «مفيش راجل بيعيط» عن هشاشة عالم «الجاردات»، أصحاب العضلات القوية والأجساد الضخمة الذين يعملون في حراسة الشخصيات المهمة، وينتشرون عبر حفلات وأفراح الأثرياء والملاهي الليلية لوقف أي تجاوز أو فض أي منازعات، ومع اقتراب الفيلم منهم تظهر الشروخ في صورة الرجل القوي.

الفيلم من كتابة وإخراج محمد مصطفى، وإنتاج شركة «حصالة» التي أسستها المخرجة ومنتجة الفيلم هالة لطفي، وحاز الفيلم دعم صندوق البحر الأحمر السينمائي، ومؤسسة الدوحة للأفلام والمورد الثقافي، ويضم فريق العمل مدير التصوير محمود لطفي، والمونتير أحمد مجدي مرسي، وقد استغرقت كتابته وتصويره نحو 10 سنوات، وعرض، الاثنين، ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة.

لا يسعى الفيلم إلى تناول أبطاله ظاهرياً، بل يتتبع تحولات حياتهم وأيامهم، بين التدريبات القاسية للحفاظ على لياقتهم، ويلتقط مشاهد من حياتهم الأسرية وجوانبهم الإنسانية عبر 4 شخصيات وهم: عبد الله العربي، وفارس سيد، وأحمد حمدي وهيثم الإسناوي.

ويستمد المخرج عنوان الفيلم من مقولة يرددها الآباء والأمهات في الأحياء المصرية حيث ينهرون أولادهم إذا ما بكوا لأي سبب، مرددين العبارة الشهيرة باللهجة العامية المصرية «مفيش راجل بيعيط»، كما لو أن مشاعر البكاء تنتقص من رجولتهم.

طاقم الفيلم على الرد كاربت بمهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

ويحاول المخرج طوال فيلمه تفكيك هذا المعنى الذي يُدين المجتمع بسببه، فيفتح لأبطاله مجالاً للفضفضة، فيتحدثون عن رؤية البعض لهم وكأنهم أجساد ضخمة بلا مشاعر، فيقول أحدهم أبي قال لي: «لا تبكي أمام أحد حتى لا تَظهر ضعيفاً»، بينما يسأله المخرج الذي يتدخل في بعض مشاهد الفيلم طارحاً أسئلة: متى شعرت بأنك ضعيف؟ فيقول لو أن أحداً أُحبه فارقني أبكي، لا يغرنك هذا الشكل والجسد، فلدينا قلوب تنبض بالرحمة، ويعلن آخر عن رغبته في اعتزال مهنة (البودي جارد) ويقول: «في أي مشكلة تحدث في وجودنا ودون تدخل منا يتم جرنا إلى أقسام الشرطة».

ويلفت المخرج محمد مصطفى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن فكرة كبت المشاعر التي تكاد تكون مفروضة على الرجال تشغله كثيراً، وقدمها من قبل في فيلم قصير عام 2014 عن مجموعة من الأولاد يدخلون عالم الرجولة، معتبراً أن «مفيش راجل بيعيط» امتداداً للفيلم القصير، لكنه يتناول النماذج المفرطة في الرجولة عن طريق شخصيات الجاردات ولاعبي كمال الأجسام.

كما أشار المخرج إلى أنه يطرح من خلال الفيلم أسئلة، على غرار: هل المجتمع هو الذي يفرض على هؤلاء الأشخاص مفهوم الرجولة؟ فالرجال لا يُسمح لهم بالتعبير عن مشاعرهم في الحزن والفرح، والشعور الوحيد الذي يعبر عنه الرجل هو الغضب، مؤكداً أن فكرة كبت المشاعر يظهر في صورة عنف».

لقطة من فيلم «مفيش راجل بيعيط» (الشركة المنتجة)

ويؤكد مصطفى أنه كتب سيناريو الفيلم، بينما ترك لأبطاله حرية الاختيار طوال الوقت ويقول: «كنا نعمل في أجواء يغلب عليها الارتجال، فأُنصت لأفكارهم؛ لأنني في النهاية أقدم فيلماً يعبّر عن حياتهم، ولا أرغب في فرض وجهة نظري بل لديّ أسئلة أريد أن أعرفها منهم».

ويبرر المخرج أن الفيلم أخذ وقتاً طويلاً في تنفيذه، كاشفاً عن أنه احتاج إلى عام ليوطد علاقته ببطله الأول عبد الله العربي لبناء علاقة ثقة معه، وكان يلتقيه خلالها ويستمع له، ويقول: «كنت أرغب في عمل فيلم قائم على مراقبة هؤلاء الرجال، كما لو كنت أرسم بورتريهاً لكل منهم، وقد بدأنا التصوير في 2021، وكنا نقوم بعمل المونتاج لما صورناه، ونكتب مشاهد جديدة؛ لأن اللغة السينمائية لم تكن محسومة منذ اللحظة الأولى بل كنا نكتشفها في أثناء العمل».

ويرى الناقد خيري زين العابدين أن فيلم «مفيش راجل بيعيط» يطرح فكرة إنسانية ثرية، تنطلق من عالم الرجال الذين اتخذوا من عضلاتهم وسيلة للعمل وإثبات القوة، بينما تختبئ خلف تلك الأجساد الصلبة هشاشة نفسية ومخاوف وتناقضات، وقد نجح المخرج في الاقتراب من شخصياته والتقاط لحظات صادقة تكشف عن الإنسان خلف استعراض الرجولة، مستفيداً من تصوير يمتلك حساسية بصرية واضحة.

المخرج محمد مصطفى مع أحد أبطال فيلمه (إدارة المهرجان)

ويرى الناقد المصري أن السنوات العشر التي استغرقها إنجاز الفيلم تبدو، للمفارقة، أقرب إلى رحلة طويلة لجمع الاكتشافات منها إلى رحلة لإنضاج بناء سينمائي متماسك؛ إذ تتزاحم الأفكار بين الرجولة والعنف والخوف والهوية، وصولاً إلى تأملات المخرج في علاقته بشخصياته، فتبدو النتيجة شذرات وتنويعات على موضوعات متعددة، تفتقد الخيط الدرامي القادر على جمعها، وربما كان العنوان الشعبي البسيط «مفيش راجل بيعيط» أكثر قدرة على اختزال جوهر الفيلم من المدخل والتعليق الصوتي اللذين اختارهما مخرجه.

وفي مفارقة غريبة، ضمت مسابقة الأفلام الوثائقية بالدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي فيلمين مصريين يطرحان موضوعين متشابهين، وهما «عودة كابتن كابونجا» و«مفيش راجل بيعيط»، ويعلق زين العابدين على ذلك قائلاً: «من اللافت جداً تشابه الفكرة بين الفيلمين، حيث تتوارى هشاشة الرجال خلف قوتهم الجسدية، لكن الفارق أن (كابونجا) يمتلك حكاية واضحة تتولد منها الأفكار، بينما يحاول (مفيش راجل بيعيط) بناء حكاية من أفكار متشعبة».