المسرح الملكي في الرباط وسحر تصاميم زها حديد

يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)
يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)
TT

المسرح الملكي في الرباط وسحر تصاميم زها حديد

يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)
يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)

قبل أن يُرفع الستار، ينجح «المسرح الملكي» الجديد في الرباط - وهو من تصميم المهندسة المعمارية المرموقة زها حديد - في إبهار الناظرين لدرجة تفوق التصور.

فعلى ضفاف نهر أبي رقراق، يبرز التصميم كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض، ثم تنحدر نحو مدخل يفضي إلى ردهات تحاكي في تكوينها الأخاديد الصخرية. وتتداخل سلالم انسيابية تشبه الأشرطة لتصعد عبر واجهات شاهقة الارتفاع تماثل المنحدرات الصخرية المكونة من 4 طوابق، بينما تطل مقصورات الأوبرا على قاعة عرض رئيسية تشبه في هيئتها التكوينات الصخرية الجوفية المبطنة بالبلورات؛ إذ لا يقتصر المشهد المسرحي المبتكر على خشبة المسرح فحسب، بل يمتد ليشمل المبنى بأكمله.

المسرح الملكي في الرباط (غيتي)

صممت المهندسة المعمارية العراقية - البريطانية هذا المسرح الملكي - الذي يضم مسارح داخلية وخارجية - في ذروة مسيرتها المهنية وقبيل وفاتها عام 2016. وقد جاء المبنى تتويجاً لمجموعة أعمالها التي أتاح لها التطور التقني فيها تحويل منشأة معمارية فائقة الحداثة إلى ما يشبه تشكيلاً محيطياً نحته الفنان «برانكوزي». ففي العقد الأخير من مسيرتها، سعت حديد إلى تحقيق ما أطلقت عليه اسم «الحركة والانسيابية المطلقة». لقد كانت التقنيات الرقمية تمنح الحرية لحديد - وهي أول امرأة تفوز بجائزة «بريتزكر» للهندسة المعمارية - ولزميلها المقرب في المكتب الهندسي، باتريك شوماخر؛ إذ حررتهما من قيود الهندسة التقليدية ومن جمود المباني التي تبدو كأنها آلات صماء من الفولاذ والزجاج.

في عام 2010، دعا الملك محمد السادس ملك المغرب شخصياً المهندسة المعمارية زها حديد إلى مقر شركتها في لندن لتصميم مسرح في العاصمة. بعد أن خاب أمله لخسارة تصميمها الجريء لمسرح في الدار البيضاء أمام المهندس المعماري الفرنسي كريستيان دي بورتزامبارك، أراد الملك من حديد تنفيذ تصميمها الأصلي في الرباط. أقنعت حديد الملك بالبدء من جديد بتصميم مبنى يتناسب مع الموقع الجديد، وهو وادٍ نهري بين العاصمة ومدينة سلا.

المصممة المعمارية زها حديد (غيتي)

البداية

بالنسبة لحديد، جاءت الدعوة بمثابة تذكرة بحدث غير سار؛ فقبل 20 عاماً في ويلز، لم تحظَ بالترحيب في مشروع كان من شأنه أن يُغيّر مسيرتها المهنية، فازت المهندسة المعمارية البالغة من العمر 45 عاماً، ثم خسرت، ثم فازت وخسرت مرة أخرى في جولة أخرى، في مسابقة تصميم دار أوبرا كارديف. أثارت هذه الدراما التي تصدرت عناوين الصحف تساؤلات حول الأسلوب والتحيز. عدَّت حديد الرفض مسألةً شخصية، مُشيرةً إلى «المقاومة والتحيز». توقف هاتفها عن الرنين. فكرت في مغادرة البلاد.

«كانت قصة خليج كارديف إحدى أكبر الصدمات في مسيرتها المهنية، ويمكن اعتبار هذا المبنى الذي شُيّد بعد وفاتها في الرباط بمثابة تبريرٍ مُنتصر»، كما قال ديان سودجيك، المدير السابق لمتحف التصميم في لندن. في الرباط، استطاعت زها أن تنظر إلى الماضي بشماتة.

في الثاني والعشرين من أبريل، افتتحت لالة خديجة، ابنة الملك، وشقيقتاه لالة مريم ولالة حسناء، المبنى بحضور السيدة الأولى الفرنسية، بريجيت ماكرون. وقدّم برنامجٌ موسيقيٌّ حافلٌ بأعمال تشايكوفسكي وفيردي وأغانٍ عربية أندلسية، بالإضافة إلى عزفٍ منفردٍ لعازف العود الماهر إدريس الملومي، مُبرزاً بذلك قدرة القاعة على استيعاب الصوت، ومؤكداً على سياسة المسرح في عرض التقاليد الموسيقية المغربية إلى جانب ذخيرةٍ عالمية.

انطباعات

يخضع نهر أبي رقراق، الذي يصب في المحيط الأطلسي، لظاهرة المد والجزر؛ ما يؤدي إلى انعكاس اتجاه تدفقه. وفي الطرف الجنوبي الشرقي للمسرح الملكي، تنشأ موجة رقيقة من منطقة كانت في الأصل أرضاً سبخية، ثم تتسع وتنتفخ وتتفرع. وتصل الموجة الرئيسية ذروتها فوق قاعة العرض التي تتسع لـ 1800 مقعد وبرج المسرح (منطقة تعليق الديكورات)، قبل أن تنحسر باتجاه المدخل الرئيسي، حيث تلتقي بموجة أخرى؛ فيمر الجمهور عبر هذا المشهد المفعم بالحركة والاضطراب لدخول المبنى. ويقول نيلس فيشر، مدير المشروع: «تُظهر الرسومات الأولية لزها كيف أثرت حركة المياه المحيطة بالمبنى في تشكيله». وتقول آنا غلاس، المديرة التنفيذية لفرقة «رقص مسرح هارلم» (Dance Theater of Harlem)، واصفةً انطباعها عند رؤية المبنى في حفل الافتتاح: «لقد ذُهلت تماماً؛ فالمبنى يخطف الأنفاس، ويمنحك شعوراً بالإثارة يحبس الأنفاس، يشبه ذلك الشعور الذي ينتابك عند ركوب الأفعوانية (قطار الملاهي) لأول مرة، ثم يجذبك الفضول لاستكشافه».

تفاصيل داخلية في المسرح الملكي بالرباط (موقع المسرح)

تصميم القاعات

تتمثل وظيفة قاعات الحفلات الموسيقية ودور الأوبرا في احتواء الموسيقى داخل حيز عازل للصوت، إلا أن حديد لم تكتفِ ببناء مجرد وعاء للصوت، بل أبدعت عرضاً معمارياً في حد ذاته؛ إذ يدخل الزوار من تحت موجة متكسرة، تماماً كما يفعل راكبو الأمواج حين يندفعون عبر نفق مائي. ويمتد ممر نهري عبر المساحات الداخلية، بدءاً من المدخل ومروراً بمنحدرات مائية مصممة بعناية بين جدران شاهقة تشبه الأخاديد الطبيعية، وصولاً إلى مسرح مفتوح يتسع لـ 7000 متفرج، ويقع بمحاذاة النهر.

صُممت القاعة -التي تتخذ شكل حدوة حصان، وتتساوى أبعاد عرضها وعمقها تقريباً- لتصنع شعوراً بالألفة والقرب. يقول غلاس، الذي ستقدم فرقته عروضاً خلال الموسم الكامل الأول للمسرح هذا الخريف: «عندما تقف على خشبة المسرح، يمنحك ترتيب المقاعد على شكل حدوة حصان شعوراً بأن الجمهور يحيط بك من كل جانب، وكأنهم يعانقونك. وأتوقع أن يبدع راقصونا في استعراض مهاراتهم، رغبةً منهم في رد المشاعر التي يشعرون بأنهم يتلقونها من الجمهور».

بصمة زها الأصيلة

كانت حديد، برفقة شوماخر وفيشر، قد عاينت الموقع لأول مرة في عام 2010، وبدأ العمل في البناء عام 2014. واكتملت أعمال التشييد في عام 2021، أي بعد 5 سنوات من وفاتها. ورغم أن المبنى أُنجز بعد رحيلها، فإنه -كما يقول سودجيك- «يحمل بلا شك بصمة زها الأصيلة، ويُعد تذكيراً بمدى براعة وقوة هذه المعمارية».

تم اختيار موقع المبنى، الذي تبلغ مساحته 290 ألف قدم مربع وتكلفته 170 مليون دولار، بعناية فائقة. وقال فيشر: «يمثل المسرح حلقة وصل بين ضفتي الوادي اللتين كانت مدينتاهما تاريخياً منفصلتين تماماً». وفي إطار رؤية الملك محمد السادس، «يعكس المسرح الملكي بالرباط التزام المغرب الراسخ بالثقافة والصناعات الإبداعية كمحرك للتنمية، مع تعزيز التبادل الثقافي مع أفريقيا والعالم»، كما صرّح مديره الفني ونائب مديره العام، إبراهيم المزند. ويسعى المسرح إلى ترسيخ مكانته كمنصة دولية للموسيقى والرقص والمسرح المغربي والعربي والأفريقي، بالإضافة إلى موسيقى البوب ​​الغربية (حيث سيستضيف عرض «هذا هو مايكل»، وهو عرض حيّ تكريمي لمايكل جاكسون، في 29 أكتوبر / تشرين الأول). في إطار هذه المبادرة الأوسع، يجري الآن بناء مركز ثقافي أفريقي رئيسي، وهو متحف القارة، في وسط مدينة الرباط.

انسيابية التصميم في المسرح الملكي بالرباط (موقع المسرح)

عودة إلى الجذور

بالنسبة لحديد - التي درست الرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، وعاشت حياتها كبالغة في المهجر بعيداً عن العراق، وكانت تقضي عطلاتها غالباً في المغرب - كان هذا المشروع بمثابة عودة ثقافية إلى الجذور، حسبما صرحت في حديث سابق. ورغم الشهرة المبكرة التي نالتها منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فإن الدول العربية لم تبدأ في تكليفها بمشاريع كبرى إلا بعد مطلع الألفية الجديدة، وذلك عقب فوزها بجائزة «بريتزكر» وتنفيذها مشاريع ناجحة في الصين، غير أن أحداث «الربيع العربي» أدت إلى توقف العديد من المشاريع، قبل أن تظهر تكليفات جديدة لاحقاً؛ إذ يجري حالياً تشييد أكثر من 6 مبانٍٍ - أو تم الانتهاء منها بالفعل - استناداً إلى تصاميمها وبعد وفاتها، وذلك تحت إشراف شوماخر وفي مواقع متعددة تمتد عبر شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

تفاصيل داخلية في المسرح الملكي بالرباط (موقع المسرح)

على مر القرون، أضفى المعماريون طابعاً من الجلال والعظمة على الكاتدرائيات والمساجد. وفي هذا الصدد، قالت حديد ذات مرة في مقابلة صحافية: «أعتقد أن الناس كثيراً ما تاقوا إلى ابتكار مثل هذه المساحات؛ فدخول حيّزٍ مكانيٍّ عظيمٍ - حيّزٍ أشبه بالفردوس - يبعث في النفس شعوراً بالارتقاء والسمو». وعلى الرغم من أن «المسرح الملكي» يُعدّ فضاءً مخصصاً للعروض الفنية، فإنه يمتلك القدرة على نقل الجمهور إلى زمان ومكان متخيَّلين؛ فقد تجاوزت حديد حدود خشبة المسرح لتنقل سحر الإبهار إلى أرجاء المبنى بأكمله.

* خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

يوميات الشرق في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

بأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من أبطال المسرحية ميشيل وهبة ولودي الخوري وفادي أبو شعيا (الشرق الأوسط)

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

المسرحية موجّهة إلى جيل الشباب، وتخاطب خصوصاً أبناء جيل «زد» المهتمّين بمتابعة أخبار مواقع التواصل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق التناغم في الأداء كان حاضراً بين دكاش وشبلي (الشرق الأوسط)

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

اختارت للانطلاق في هذا الطريق حكاية ترتكز على ذكريات شخصية ممزوجة بالخيال...

فيفيان حداد (بيروت)
منحنيات أصولية كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)

سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

من خلال مسرحية «درجة تانية»، تروي سمر صالح قصتها الحقيقية ضمن رسالة إنسانية مؤثِّرة، وتضفي على أدائها شيئاً من روحها وشخصيتها الطريفة.

فيفيان حداد (بيروت)

رغيف بـ1800 دولار... عندما يصبح الخبز أغلى من الذهب

ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)
ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)
TT

رغيف بـ1800 دولار... عندما يصبح الخبز أغلى من الذهب

ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)
ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)

هو أوّل الطعام، وأساسُه، وأقلُّه تكلفةً. الخبزُ أكلُ الفقراء الذين إن لم يجدوا ما يقتاتون به، يكتفون برغيفٍ منه. لكن حتى الخبز يتنكّر أحياناً للبسطاء الذين جعلوا منه وجبتهم الأساسية. إنه زمن الـ«ساوردو» (sourdough) والـ«شيباتا» (ciabatta) والـ«بيغل» (bagel)، ومزيدٍ من الابتكارات التي أخذت الخبز من شكله الكلاسيكي وجعلت منه وجبة رفاهية، بعضُها معجونٌ بالذهب.

من إسبانيا إلى نيويورك، مروراً بلندن وباريس، تتعدّد أشكال الخُبز وترتفع أسعاره لتُجاور الـ2000 دولار مقابل الرغيف الواحد أحياناً. فما هي أغلى أنواع الخبز حول العالم، ولماذا قد يتجاوز ثمنُ رغيف راتبَ فرد؟

الابتكارات في أنواع الخبز وأشكاله تُعدّ بالآلاف حول العالم (بكسلز)

خبز مشغول بالذهب

في قريةٍ صغيرة جنوب إسبانيا، مخبزٌ لا يشبه سواه في العالم فمنه يخرج أغلى خبز على الإطلاق. ينتمي مُنتَج «بان بينيا» إلى فصيلة الساوردو، وهو مصنوعٌ من أجوَد أنواع الطحين والخميرة، إضافةً إلى الملح والمياه. إلّا أنّ ما يرفع سعره إلى 1800 دولار مقابل الرغيف الواحد (400 غرام)، هي كمية صغيرة من الذهب الصالح للطعام والخالي من النكهة، التي تدخل في صناعة العجينة وتزيينها على هيئة أوراق رقيقة.

ابتكر الخبّاز خوان مانويل مورينو خبزه المذهّب ذاك، لاجتذاب السيّاح الأثرياء الذين يزورون منتجعات منطقة كوستا ديل سول المجاورة لمخبزه الصغير في بلدة ألغاتوسين الإسبانية.

خبز الساوردو الإسباني المصنوع من الذهب وهو الأغلى عالمياً (إنستغرام)

الخبز الذي شغل نيويورك

قبل 7 سنوات على ولادة الساوردو الإسباني المذهّب، برزَ اسمُ الشيف كريغ ريد لابتكاره خبز البيغل المغطّى بأوراق الذهب القابل للأكل. كان المعدن الثمين حينها لا يزال أرخص سعراً، فاقتصر ثمن الرغيف منه على 1000 دولار. والبيغل الذي كان يُباع حصراً لنزلاء فندق «وستن» في نيويورك، كان يُحشى بجبنة كريميّة بالكمأة البيضاء من صنف «ألبا»، وهو من بين الأغلى، الممزوجة بجبنة ماسكاربوني، إضافةً إلى هلام نبيذ «الريسلينغ» المنكّه بتوت «الغوجي»، مع شرائح رقيقة من الكمأة البيضاء الإيطالية؛ الأمر الذي ضاعف من سعره.

أوراق الذهب تزيّن خبز البيغل وحشوة الجبنة والكمأة (موقع فندق وستن نيويورك)

خبز الزعفران بـ200 دولار

يوم زار سلطان بروناي اسكوتلندا عام 1997، قرّر المخبز المحلّي في مدينة أبردين أن يكّرمه بخبزٍ يحمل بعضاً من نكهة جذوره. إلى خلطة الطحين والحليب والزبدة والسكّر والخميرة والملح، أضاف المخبز كمية سخيّة من الزعفران مانحاً الرغيف لونه الأصفر. وبما أنّ الزعفران هو من أغلى الأعشاب ومطيّبات الطعام، صار الرغيف يُباع إلى العامّة مقابل 200 دولار. فلم تقتصر متعة تَناولِه على سلطان بروناي.

خبز الزعفران الإنجليزي (إنستغرام)

رغيف بالشمبانيا والذهب

ليس بعيداً من اسكوتلندا، ابتكرت ويلز خبزاً خاصاً بها يُباع الرغيف منه مقابل 100 دولار. أما ميزة هذا الخبز فتكمن في أنّ عجينتَه تُمزَج مع مشروب الشمبانيا الفاخر وليس مع الماء. أما اللمسة الختاميّة فتزيينٌ بأوراق الذهب القابل للأكل.

يُغيّر استخدام الشمبانيا كبديلٍ عن الماء طبيعة العجين، إذ يضفي عليه لمسةً خفيفةً تذكّر برائحة الخميرة وتوحي بأجواء الاحتفال، وهي سمةٌ يعجز الماء العادي عن توفيرها. أما رقائق الذهب فليس الهدف منها تعزيز النكهة، بقَدرِ ما أنها تضفي إلى الخبز طابعاً فاخراً مناسباً للاحتفالات الخاصة، وليس للاستهلاك اليومي.

الخبز الذي يُعجن بالشمبانيا كبديل عن الماء (فيسبوك)

خبز بخميرة معمّرة

أحدثُ ابتكارات الخبز الباهظ ضجّت به نيويورك في صيف 2026. تحوّل الساوردو المصنوع من دقيق الجاودار النمساوي إلى ترند على وسائل التواصل الاجتماعي وإلى رمزٍ للرفاهية. يُباع هذا الخبز حصراً في مخبز الشيف مارتن آور في مانهاتن مقابل 60 دولاراً للرغيف الواحد، الذي يبلغ وزنه كيلوغراماً ونصف الكيلو.

أما ما يجعله باهظ الثمن فأوّلاً الدقيق النمساوي، الذي يُضاف إليه الماء والملح، وثانياً الخميرة المُستخدمة في صناعته والبالغة 57 عاماً. وتُترك العجينة 24 ساعة لتختمر قبل أن تُخبَز.

الخبز المصنوع من دقيق الجاودار النمساوي الفاخر والخميرة المعمّرة (إنستغرام)

«رغيف الراعي»

الرغيف الأرخص ثمناً على هذه القائمة يُباع حصراً في منطقة كوتسوولدز وسط إنجلترا. يُعرف بـ«رغيف الراعي» ويبلغ ثمنه 28 دولاراً ووزنه 2 كيلوغرام.

ابتكره الخبّاز توم هربرت في الأساس لصالح فيلم وثائقي من إنتاج «بي بي سي» حول البحث عن الرغيف المثالي. ويتكوّن رغيف الراعي من دقيق «السبلت» العضوي المعجون بمياه الينابيع من منطقة كوتسوولدز وملح البحر من منطقة كورنوال، إضافةً إلى خميرة طبيعية يتراوح عمرها ما بين 55 و64 عاماً، على أن تستمر عملية تخميره يومين.

رغيف الراعي المصنوع من مكوّنات عضويّة وبطريقة تقليدية (فيسبوك)

رغيف دالي أكلَه كلب بيكاسو

من خارج المنافسة وقائمة الخبز الأغلى سعراً، تبرز منحوتة الفنان الإسباني سلفادور دالي. وهي تجسّد الجزء العلوي من جسم امرأة تحمل فوق رأسها رغيف خبز حقيقي وعليه محبرة، كما تتدلّى الذرة من عنقها. ومن المعروف عن دالي وسائر الرسّامين العباقرة أنهم استلهموا الكثير من لوحاتهم من رغيف الخبز.

ووفق «مؤسسة دالي»، فإنّ كلب الرسّام بابلو بيكاسو التهمَ رغيف الخبز بعد عرض المنحوتة في باريس عام 1933.

منحوتة «تمثال نصفي لامرأة» لسلفادور دالي (موقع متحف الفن الحديث في نيويورك)

كيف يتحوّل الخبز إلى سلعة ثمينة؟

في تركيبته وتعريفه، الخبز سلعة رخيصة الثمن؛ فهو يُصنع من الدقيق والماء والخميرة والملح، ويُنتج بسرعة وعلى نطاق واسع بهدف إطعام أكبر عدد ممكن من الناس. في المقابل، يتعمّد الخبز الفاخر كسر كل تلك القواعد، إذ يعتمد غالباً على أنواع الدقيق التراثية أو المتخصصة بدلاً من الأنواع التجارية المتاحة، كما يرتكز على عملية التخمير الطبيعي البطيء بدلاً من أساليب التخمير التجاري السريع.

تلعب عوامل عدّة دوراً في تحوّل الخبز إلى سلعة ثمينة (بكسلز)

تُعزى الأسعار الخياليّة لبعض أرغفة الخبز حول العالم إلى عوامل عدّة:

* مكوّنات نادرة أو فاخرة مثل رقائق الذهب والفضّة والزعفران والكمأة، ما يرفع التكلفة بشكل كبير.

* اليد العاملة الماهرة: تُعَدّ صناعة الخبز الفاخر حرفة لا يتقنها سوى خبّازين ماهرين مستخدمين تقنيات تقليدية وأساليب دقيقة.

* محدودية التوفر: يُنتج العديد من هذه الأنواع بكميات محدودة، ما يعزز طابعها الحصري وجاذبيتها.

* الإبداع الفني في الطهي: لا تُعد بعض أنواع الخبز مجرد مواد غذائية فحسب، بل أعمال فنية في عالم الطهي، فترتفع أسعارها نظراً لجاذبيتها الجمالية وللوقت الذي يستغرقه تحضيرها.


دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.