«لا مَخْرج» و«الشقيقة»... جحيمان على المسرح

تجربتان طلابيتان تضعان وجوهاً شابة أمام رهانات مسرحية صعبة

انتهت الحياة... لكن ما فعلوه فيها لم ينتهِ (الشرق الأوسط)
انتهت الحياة... لكن ما فعلوه فيها لم ينتهِ (الشرق الأوسط)
TT

«لا مَخْرج» و«الشقيقة»... جحيمان على المسرح

انتهت الحياة... لكن ما فعلوه فيها لم ينتهِ (الشرق الأوسط)
انتهت الحياة... لكن ما فعلوه فيها لم ينتهِ (الشرق الأوسط)

تَمنح العروض الطلابية المسرح سبباً إضافياً للاستمرار لفَتْحها الخشبة أمام وجوه جديدة وتجارب لا تزال في طور اكتشاف أدواتها وحدودها. ومن هذه الزاوية، تكتسب مسرحيتا «لا مَخْرج» و«الشقيقة»، اللتان عُرضتا في أمسية واحدة على مسرح «دوار الشمس» في الطيونة ببيروت، أهميتهما. فأبطالهما شباب يختبرون المسرح من داخله ويتعاملون مع نصوص وموضوعات ليست سهلة ولا قليلة المجازفة.

في «لا مَخْرج» المقتبسة من جان بول سارتر بإخراج ريس شعيب، وأداء جاد حرب ولين بواب ونور زرزور ويارا كرم، كان التحدّي مضاعفاً. فنصّ سارتر ليس مادة مسرحية يسهل الاحتماء بحكايتها. إنه نصّ يقوم أساساً على الفكرة، وعلى مواجهة الإنسان بنفسه من خلال نظرة الآخرين إليه.

كتب سارتر «لا مَخْرج» واضعاً 3 شخصيات ميتة في غرفة مُغلقة، من دون أدوات التعذيب التي قد يتوقّعها المرء من الجحيم. العقوبة هي الآخر. أن يُرغَم الإنسان على البقاء إلى الأبد أمام عين تراه كما هو، وربما كما يخشى أن يكون. من هنا تأتي العبارة الأشهر المرتبطة بالنصّ: «الجحيم هو الآخرون، ليس بمعنى أنّ كل علاقة إنسانية جحيم، وإنما لأنّ نظرة الآخر قد تتحوَّل سجناً حين تصبح صورتنا عن أنفسنا مُعلّقة بحكمه علينا».

لا عقارب تتحرّك هنا... فالندم لا يحتاج إلى وقت (الشرق الأوسط)

التقط العرض شيئاً أساسياً من هذا الاختناق. الساعات المتوقّفة في الديكور تُنذر بالزمن الذي انتهى. لا صباح سيأتي ولا ليلة تنقضي ولا غد يسمح بإصلاح شيء. المصعد وحده يوحي بالحركة، مع أنه لا يقود الشخصيات إلى خلاص. إنه حركة داخل عالم توقّفت فيه إمكانية التغيير.

بهذه العناصر تشكَّل مناخ يضع الشخصيات بين الأرض والجحيم. العقاب ينزل ببطء، مع كلّ اعتراف وكلّ مواجهة. غارسان وإستيل وإينيز لا يدخلون الغرفة أبرياء ينتظرون معرفة سبب وجودهم هناك. كلّ منهم يحمل معه فعلاً ثقيلاً من حياته السابقة، ويحاول بدايةً أن يروي ماضيه على نحو يُخفّف من وطأة الحقيقة.

وحين تجلس كلّ شخصية على كرسي الاعتراف، تسقط المسافات الأخلاقية التي حاول كلّ واحد أن يُقيمها بين نفسه والآخرين. الخطايا مختلفة، لكن الاعتراف يُجرّد أصحابها من امتياز الحُكم بعضهم على بعض. يصير الجميع مكشوفين، ويغدو الجحيم مكاناً لا يمكن فيه الكذب إلى الأبد، لأنّ الآخرين موجودون دائماً لتذكيرك بما تحاول الهرب منه.

التعامل مع مادة فلسفية من هذا النوع ليس خياراً آمناً لممثلين في بداية الطريق. ومع ذلك، وصل النصّ إلى الخشبة بقدر من التماسُك حال دون تحوّله إلى محاضرة وجودية ثقيلة. وهذه نقطة مهمة في تجربة طلاب وممثلين في طور التكوين، إذ إنّ المحافظة على علاقات القوة المتبدّلة بين شخصيات سارتر تتطلَّب أكثر من حفظ الحوار. تحتاج إلى إدراك أنّ المعركة الحقيقية تجري تحت الكلمات، بين الخوف والرغبة والحاجة إلى التصديق.

حين يطول الصمت يخترع السجين مَن يتحدّث إليه (الشرق الأوسط)

أما «الشقيقة»، المُقتبسة من غسان الجباعي بإخراج إيفا الجباعي، فيؤدّي فيها كريس حداد شخصية عفيف، الذي يظهر في العرض باسم «أبو ديب»، إلى جانب مارلين جرماني في دور زهية، ونور ملك في دور الشمس. هنا تنتقل الأمسية من جحيم فلسفي مغلق إلى جحيم له مرجعه التاريخي والسياسي الملموس. إلى السجون السورية وأقبية الاعتقال وعتمتها.

تشتغل المسرحية في أفضل لحظاتها على الذاكرة الصوَرية أكثر مما تشتغل على المشهد المُكتمل. لا تحتاج الخشبة إلى قضبان فعلية حتى نستشعر السجن. يكفي أن نرى «أبو ديب» محاصَراً في مساحة لا يستطيع مغادرتها، يتحدَّث إلى نفسه وإلى كائنات قد تكون حقيقية في وعيه، وقد تكون اختراعاً صنعته العزلة لكي يسمع صوتاً غير صوته. ولا نعرف تماماً إن كانت هذه الكائنات تُبدّد وحدته أم تمنحها شكلاً، أم أنها الأثر النفسي لوحدة طال أمدها حتى صار الخيال فيها وسيلة للبقاء.

تملك فكرة الجرّة والقهقهات بُعداً رمزياً يتيح للمتفرّج أن يبني صورته الخاصة، وهنا تقترب «الشقيقة» من قدرة المسرح على الإيحاء بما لا يُرى. وإنما العرض لا يثق دائماً بهذه القدرة. ففي مواضع عدة، ينتقل من الصورة والرمز إلى الشرح والحوار المباشر، فيقول ما كان يمكن للمشهد أن يتركه يتكوَّن داخل المتلقي.

لا قضبان في المشهد ومع ذلك لا نجد منفذاً (الشرق الأوسط)

حاول كريس حداد في هيئة رجل أكبر من سنّه أن يحمل عبء الموضوع في صوته وحركته وحضوره، فيما سعى العرض إلى كسر الاختناق باستعارات وصور متفرّقة. وكان يمكن لهذه المساحات أن تتمدَّد أكثر وتترك للمتفرّج حرية اكتشاف ما يحدث خلف جدران السجن، من دون أن يقوده الحوار دائماً إلى المعنى.

وبين غرفة سارتر المغلقة وقبو «الشقيقة»، وجدت الأمسية نفسها أمام سجن يصنعه الآخر وسجن تصنعه السلطة. وبينهما شباب يختبرون كيف يمكن للمسرح أن يقترب من أسئلة أكبر من أعمارهم وتجاربهم. وهذا سبب كافٍ لأن تبقى مثل هذه المحاولات تحت الضوء، لا خارج النقد، وإنما في قلبه.


مقالات ذات صلة

ماريا الدويهي: أتوق إلى السينما وأحلم بدور مسرحي جريء

يوميات الشرق مع زميلتها جوليا قصار خلال تسلمها جائزة «مونو» لأفضل ممثلة مسرحية (ماريا الدويهي)

ماريا الدويهي: أتوق إلى السينما وأحلم بدور مسرحي جريء

تستعد الممثلة والكاتبة والمخرجة والأستاذة الجامعية ماريا الدويهي لعمل مسرحي جديد مع المخرج والكاتب يحيى جابر، سيكون امتداداً لمسرحية «القرنة البيضا».

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العرض الألماني «Children of today» (إدارة المهرجان)

«القاهرة للمسرح التجريبي» يراهن على الحرية في تناول القضايا الإنسانية

يشارك في الدورة الجديدة 16 عرضاً تمثل 14 دولة، ضمن برنامج يجمع بين المسرح الدرامي والرقص المعاصر والمسرح الحركي والبصري ومسرح الدمى والعروض متعددة الوسائط

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أمير اليماني يحصد جائزة أفصل مخرج (إدارة المهرجان)

أمير اليماني: «متولي وشفيقة» يُعيد محاكمة بطل الحكاية الشعبية

عدّ أمير اليماني الدورة الـ19 من أصعب دورات «المهرجان القومي للمسرح»، لقوة العروض المتنافسة في المسابقة.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق «الملك لير» في موسمه الجديد يصل إلى 200 ليلة عرض (وزارة الثقافة المصرية)

«الملك لير» يكشف الستار عن إيرادات قياسية بالمسرح المصري

كشف العرض المسرحي «الملك لير» عن إيرادات قياسية في المسرح المصري، بعد إعلان «البيت الفني للمسرح» أن إيرادات العرض تجاوزت 6 ملايين جنيه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق نال «جائزة لجنة التحكيم للشباب» ضمن «جوائز المونو للمسرح» (سامر حنا)

سامر حنا: «جائزة المونو» ستُغيّر تاريخ المسرح في لبنان

يرى سامر حنا أنه منذ عام 2019، تاريخ تخرّجه في أكاديمية الفنون، شَعَرَ أكثر من مرة بالإحباط والخذلان...

فيفيان حداد (بيروت)

«شبح لوكربي» يعود عبر «نتفليكس»

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
TT

«شبح لوكربي» يعود عبر «نتفليكس»

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)

أعاد عرض المسلسل «The Bombing of Pan Am 103» المُنْتَج بالتعاون بين هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ومنصة «نتفليكس»، شبح تفجير طائرة «بان إم» فوق بلدة لوكربي أواخر عام 1988.

وسلّط المسلسل الذي ركَّز على تفاصيل التحقيقات المشتركة بين الاسكوتلنديين والأميركيين، الضوء على فرضية «الخيط الإيراني - الفلسطيني»؛ حيث ظهرت الإشارة إلى مروان خريسات في سياق «العثور على شظايا الراديو المفخخ» ومقارنتها بالقنابل التي صمَّمها خريسات وصودرت في ألمانيا. وأعاد هذا الطرح الجدل القديم إلى نقطة الصفر: هل كان خريسات هو الصانع الحقيقي للقنبلة التي انفجرت فوق اسكوتلندا؟

وظلَّ خريسات، الذي وُصف في أدبيات الاستخبارات الغربية بـ«صانع القنابل البارع» لصالح «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة» بقيادة أحمد جبريل، لغزاً متحركاً لعقود؛ إذ اعتقلته ألمانيا الغربية ثم أطلقت سراحه، وطارده «الموساد» الإسرائيلي، قبل أن ينتهي به المطاف مكفَّناً بأسراره في العاصمة الأردنية، حيث تُوفي عن عمر ناهز الـ70 عاماً. وبعد وفاته، نفت ابنته تورطه في العملية.


«زوبعة» خريطة «إذاعة الأغاني» تؤكد تعلُّق مصريين بنجوم الطرب القدامى

خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
TT

«زوبعة» خريطة «إذاعة الأغاني» تؤكد تعلُّق مصريين بنجوم الطرب القدامى

خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)

تراجعت «إذاعة الأغاني» المصرية عن تعديل بعض فقرات خريطة بثها اليومي بعد انتقادات «سوشيالية»، كان أبرزها تعديل مواعيد الفقرات الغنائية لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وإذاعتها في مواعيد مغايرة لما اعتاده المستمع.

وأكدت «زوبعة» خريطة الإذاعة الجديدة، التي أُعلن عنها قبل أيام، تعلُّق عدد كبير من الجمهور المصري بنجوم الطرب القدامى، مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وشادية ومحمد عبد الوهاب ومحمد فوزي وغيرهم، والرغبة في الاستماع إليهم بشكل منتظم، من دون المساس بفقراتهم الغنائية اليومية، وفق نقاد.

ومن بين الانتقادات التي سلَّطت الضوء على الخريطة الجديدة، التي أثارت الجدل، منشورٌ للكاتب خالد منتصر عبر موقع «إكس» قبل يومين، وصف خلاله تغيير موعد فقرة أم كلثوم بأنه «عكننة» للسمّيعة، متذوقي صوت «الست».

وأعلن حساب «إذاعة الأغاني» على موقع «فيسبوك» مواعيدها الجديدة، التي ستبدأ الخميس، استجابة وتلبية لرغبة عدد كبير من مستمعي الإذاعة. وحسب البيان، فقد تقرر مدُّ فترة أم كلثوم حتى منتصف الليل، على أن تبدأ حفلتها الساعة 11 مساءً، وهو الموعد المحدد الذي اعتاده المستمع طوال السنوات السابقة، إلى جانب وجود فقرات لفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ومحمد فوزي، ستُذاع في مواعيدها السابقة ضمن «فترة أم كلثوم»، التي تبدأ من الساعة الخامسة مساءً.

ويرى الناقد الفني عماد يسري أن تراجع «إذاعة الأغاني» عن تعديل مواعيد فقرات نجوم الطرب القدامى، بعد الانتقادات، دليلٌ على الانتشار الواسع للإذاعة بين الجمهور المصري، الذي يتفاعل معها بشكل بارز؛ لأنها صاحبة أثر، ولأن بينها وبين المستمع ثقةً متبادلةً منذ سنوات طويلة.

«كوكب الشرق» أم كلثوم (إذاعة الأغاني على موقع «فيسبوك»)

وأوضح عماد يسري لـ«الشرق الأوسط» أن «استجابة الإذاعة لطلبات المستمعين تشير إلى أنها تسير وفق رغباتهم، وأنها ما زالت راسخة، ولها دور مؤثر وفعّال في وجدان الناس على اختلاف مراحلهم العمرية»، مضيفاً: «كل شيء عُرضة للتغيير، ولكن لا بد من وضع التفاعل وآراء الناس في الحسبان».

وتعليقاً على المواعيد الجديدة، أكدت تعليقات «سوشيالية» أن أغاني «الزمن الجميل والذكريات» لا يناسبها ضجيج النهار والانشغال بالعمل، بل تتطلب الهدوء. وأشارت تعليقات أخرى إلى أن «عودة بث أغاني أم كلثوم في الخامسة أعادتهم إلى ذكريات سبعينات القرن الماضي».

وأُنشئت «إذاعة الأغاني» مطلع الألفية الجديدة، وتحتفي بشكل خاص بنجوم الطرب القدامى، عبر إذاعة أغانيهم في مواعيد وفقرات محددة يومياً، إلى جانب وجود فترة ثابتة لأغاني أم كلثوم وحفلاتها النادرة.

مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) المصري (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويؤكد الإذاعي شريف عبد الوهاب، وكيل وزارة الإعلام ورئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، أن «إذاعة الأغاني» من أهم المحطات، حتى إنها أصبحت الملاذ الوحيد بعد اختفاء محطة «أم كلثوم» مؤخراً، لافتاً إلى أن تغيير المواعيد صدم الجمهور في بادئ الأمر؛ نظراً إلى ارتباطه بأصوات طربية في مواعيد بعينها.

وكشف شريف عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط» أن تثبيت فترة أغاني أم كلثوم من الساعة الخامسة حتى ما بعد منتصف الليل هو محاولة من «إذاعة الأغاني» لإحياء برنامج «إذاعة أم كلثوم» القديم، حسب الترتيب الذي اعتاده الناس، موضحاً أن «تثبيت البرنامج الغنائي اليومي أمر ضروري؛ لأنها محطة متخصصة، ولا بد أن تكون خريطتها اليومية معروفة مسبقاً للناس».


مروحة صغيرة حول رقبتك قد تُخفّف الحاجة إلى التكييف

قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
TT

مروحة صغيرة حول رقبتك قد تُخفّف الحاجة إلى التكييف

قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة كونكورديا الكندية عن أنّ المراوح الصغيرة القابلة للارتداء، التي تُبرّد الوجه والرقبة، توفر راحة تضاهي تقريباً مراوح المكاتب التقليدية. وإلى جانب صغر حجمها، تستهلك هذه البدائل خفيفة الوزن طاقة أقل، وتتجنّب تيارات الهواء غير المرغوب فيها التي قد تزعج زملاء العمل القريبين.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في دورية «ساينس إنجين»، إلى أنّ التبريد الموجّه لمنطقة التنفُّس يمكن أن يوفر راحة لكامل الجسم تضاهي التبريد الناتج عن المراوح التقليدية، ما يقدّم حلاً عملياً وموفراً للطاقة في المكاتب ذات المساحات المفتوحة من دون التأثير على شاغليها.

وقال الأستاذ المشارك في قسم هندسة المباني والهندسة المدنية والبيئية بجامعة كونكورديا، والمشارك في إعداد الدراسة، محمد عوف، في بيان، الأربعاء: «تتيح هذه المراوح تشغيل نظام التكييف المركزي مع استهلاك طاقة أقل. ويُعدّ التبريد الموجَّه مفيداً بشكل خاص في الأماكن التي يشغل فيها عدد قليل من الأشخاص مساحة واسعة، كما هي الحال في الأماكن التي تعتمد أنظمة العمل الهجينة».

تبريد الوجه والرقبة

رغم أنّ الوجه والرقبة لا يمثلان سوى نحو 5.5 في المائة من سطح الجسم، فإنهما شديدا الحساسية لدرجة الحرارة.

وقارن الباحثون نوعين من أجهزة التبريد الشخصية القابلة للارتداء، هما مروحة للوجه وأخرى للرقبة، بمراوح مكتبية ذات شفرات وأخرى من دون شفرات. ووجد الفريق أنّ توجيه تدفق الهواء إلى منطقتَي الوجه والرقبة يحقّق تحسّناً في الراحة الحرارية العامة يضاهي تقريباً ما توفّره مراوح المكتب.

واختبر الباحثون الأجهزة الأربعة في بيئة مكتبية مضبوطة على درجة حرارة 25 درجة مئوية، باستخدام نموذج تشريحي متطور يحاكي كيفية تنظيم الجسم البشري للحرارة.

وقاس النموذج، المكوَّن من 23 جزءاً، التغيرات في درجة حرارة الجلد وفقدان الحرارة والراحة الحرارية العامة، في أثناء تشغيل كلّ مروحة بسرعات مختلفة.

وكما كان متوقَّعاً، وفّرت مروحة المكتب ذات الشفرات أقوى تبريد. لكن مروحتَي الوجه والرقبة القابلتين للارتداء اقتربتا كثيراً من أداء مروحة المكتب من دون شفرات، ووفّرتا راحة مماثلة لما توفره مروحة ذات شفرات تعمل بسرعة منخفضة.

وأنتجت مروحة الوجه أكبر قدر من التبريد الموضعي، إذ زادت فقدان الحرارة من الوجه بما يصل إلى 7 واط، بينما برَّد كلا الجهازين القابلين للارتداء المستخدمين بما يكفي لإعادة الراحة الحرارية إلى النطاق الطبيعي.

ووفق الباحثين، حقَّق جهاز التبريد الأمامي ذو الشفرات غير القابل للارتداء أكبر تحسُّن في الراحة الحرارية، نظراً إلى أنّ تدفق الهواء القوي الناتج عنه يزيد فقدان الحرارة بالحمل الحراري حول منطقة التنفُّس والجذع. ورغم فاعليته عند السرعات المنخفضة، فإنّ مساحة التبريد الواسعة تزيد خطر التبريد الزائد عند السرعات العالية، ما قد يؤدّي إلى انتقال تأثير التبريد إلى محطات العمل المجاورة.

وأضاف الباحثون أنه، في المقابل، يبرّد جهازا التبريد الأمامي والخلفي القابلان للارتداء مساحة أصغر، ومع ذلك كان التحسُّن في الراحة الحرارية مماثلاً لما حققه جهاز التبريد الأمامي غير القابل للارتداء من دون شفرات.

ويتوافق ذلك مع نتائج سابقة تشير إلى أنّ الوجه والرقبة منطقتان شديدتا الحساسية للحرارة، إذ يؤدّي التبريد الموضعي البسيط إلى تحسينات كبيرة في الراحة الحرارية للجسم بأكمله.

وتشير نتائج الدراسة إلى أنّ المراوح القابلة للارتداء قد تصبح أداة عملية لتقليل استهلاك الطاقة المرتبط بتكييف الهواء في مكاتب العمل، خصوصاً عندما يشغل عدد قليل من الأشخاص مساحة كبيرة.