هل يخدعنا صمت المرأة حين تصمت طويلاً وهي محاطة بسلسلة لا تنتهي من عوامل القهر والاضطهاد فنظن أنها ارتضت بالأمر الواقع ولن يصدر عنها أي رد فعل مطلقاً، فنستمرئ تلك الحالة ونظن أنها سوف تدوم إلى الأبد، ونمعن بالتالي في ممارسة المزيد من الضغوط عليها؟
يجيب صناع مسرحية «سما»، التي تُعرض حالياً في قاعة «الهناجر» بدار الأوبرا المصرية ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري، عن هذا التساؤل بشكل درامي مأساوي، فيؤكدون أن قهر المجتمع الذكوري للنساء قد يصل بالواحدة منهن إلى محاولة إنهاء حياتها بطريقة بشعة حين تواجه، بكامل إرادتها، قطاراً مسرعاً ليدهسها، كما حدث مع البطلة في المشهد الافتتاحي للعمل.
وحول كيفية استلهام فكرة العمل، تشير مؤلفة المسرحية الكاتبة اللبنانية سونيا بوماد إلى أنها خلال عملها بإحدى منظمات الإغاثة الدولية في مناطق الصراعات، اشتبكت مع العديد من الكوارث التي كان معظم ضحاياها من النساء وكان عليها أن تتعامل مع أوجاع المنكوبين بحرفية المساعد الاجتماعي الذي يمد يده ويغمض عينيه لكي لا يكلف متلقي المساعدة عبء الإحساس بالانكسار.

وأضافت سونيا بوماد لـ«الشرق الأوسط»: «شعرت بالمسؤولية تجاه نقل معاناة هؤلاء من خلال كتاباتي ونصوصي المسرحية، لإبراز تلك المآسي لشريحة أوسع من الناس، باعتباره واجباً أخلاقياً يفرضه ضميري الإبداعي».
تنتمي المسرحية إلى نوعية «المونودراما»، أي العمل الذي يقوم على ممثل / ممثلة واحدة تقع عليها عبء تجسيد الأزمة الإنسانية والانفعالات المتناقضة التي تشعر بها دون وجود شخصيات أخرى يجمع بينها حوار ثنائي أو جماعي.
وهكذا تواجه الجمهور الفنانة مروة عبد المنعم، بطلة العمل، في «مونولوج» أو حوار ممتد مع الذات، لتروي ما مرت به من تجارب مؤلمة عاشتها مع مجتمع ذكوري ينكر عليها الكثير من الحقوق الطبيعية الإنسانية لمجرد أنها وُلدت أنثى ويمارس بحقها الكثير من ألوان الاضطهاد منذ أن كانت طفلة في قرية نائية بسيطة.
وجاء إخراج أيمن مصطفى للعمل، مع ديكور فادي فوكيه وإضاءة أبو بكر الشريف ضمن عناصر تتكامل وتتناغم في نسيج بصري ونفسي واحد، لتبرز حجم المأساة التي تتعرض لها إنسانة بريئة، تارة بشكل مباشر وتارة أخرى بشكل غير مباشر، لكن تلك العناصر الفنية نجحت في كل الأحوال في إبقاء المشاهدين في حالة من اليقظة الشديدة والانتباه والتعاطف.
وترفض سونيا بوماد اتهامها بأنها تنحاز لقضايا بنات جنسها من النساء على حساب الرجال، مؤكدة أن «قصة سما هي قصة الإنسان عموماً والمرأة المنكسرة بشكل خاص، ما جعل المتلقي يشعر بثقل ألمها وهذا ما شعرت به أيضاً خلال كتابة العمل، فألم الشخصية الرئيسية هنا هو ألمنا جميعاً وقد تركزت أمامنا في 50 دقيقة».

وتضيف سونيا بوماد: «ربما بتنا نفضل الهرب ودفن رؤوسنا بالتراب على مواجهة الشمس، ورغم كون (سما) شخصية مرحة وتلقي (الإفيهات) المضحكة طوال الوقت، فإننا لا نستطيع أن ننسى بأنها ضحيتنا جميعاً وأعتقد أن هذا أكثر ما يشعرنا بالضيق».
وحول دلالة اسم «سما» الذي اختارته للبطلة، تقول مؤلفة العمل: «أردت لبطلة قصتي اسماً عابراً للحدود، واسعاً ولا نهائياً يشبهها، فسماء أوروبا تشبه سماء ريف مصر وتشبه سماء لبنان وتشبه تلك القبة الزرقاء التي تظلل رؤوسنا جميعاً، وبالتالي عندما تعاني البطلة من ظلم الأرض وجور سكانها تقرر في النهاية أن تصعد للسماء وتغادر حياتنا الدنيا، لتلتحم مع اسمها الذي يشبه روحها النقية البريئة».
