ما المهارة التي يحتاجها الأطفال فعلاً في عصر الذكاء الاصطناعي؟

الأطفال يتعلمون كيفية التعامل مع الإحباط في المقام الأول من خلال علاقاتهم اليومية (بيكسلز)
الأطفال يتعلمون كيفية التعامل مع الإحباط في المقام الأول من خلال علاقاتهم اليومية (بيكسلز)
TT

ما المهارة التي يحتاجها الأطفال فعلاً في عصر الذكاء الاصطناعي؟

الأطفال يتعلمون كيفية التعامل مع الإحباط في المقام الأول من خلال علاقاتهم اليومية (بيكسلز)
الأطفال يتعلمون كيفية التعامل مع الإحباط في المقام الأول من خلال علاقاتهم اليومية (بيكسلز)

في وقتٍ أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على إنجاز مهام كانت تتطلب سنوات من التعلم والخبرة البشرية، يزداد قلق الآباء بشأن المهارات التي ينبغي لأطفالهم اكتسابها ليظلوا قادرين على التميز والنجاح في المستقبل. وبينما تتطور التقنيات بوتيرة متسارعة، يبرز سؤال جوهري: ما المهارة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محلها، والتي تستحق أن نغرسها في أطفالنا منذ سنواتهم الأولى؟

ترى الطبيبة دانا سوسكيند، جراحة الأطفال والباحثة في مجال الطفولة المبكرة، والأم لثمانية أبناء أصبحوا اليوم بالغين، أن الإجابة تكمن في مهارة واحدة تبدو بسيطة، لكنها تُعد من أهم أسس النجاح في المستقبل، وهي القدرة على تحمّل الإحباط. فقد أمضت سوسكيند أكثر من عشرين عاماً في دراسة كيفية نمو أدمغة الأطفال، وتؤكد أنه لو أتيحت لها فرصة تربية طفل صغير في هذا العصر، لجعلت تنمية هذه المهارة على رأس أولوياتها، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

ورغم أن معظم الآباء يسعون بطبيعتهم إلى تجنيب أطفالهم المشقة والإحباط، فإن الحقيقة التي تؤكدها الدراسات هي أن النمو الحقيقي نادراً ما يحدث في لحظات الراحة، بل يتشكل عندما يواجه الطفل التحديات ويتعلم كيفية تجاوزها.

وتقول سوسكيند: «مع أنني لا أستطيع التنبؤ بشكل المستقبل الذي سيصنعه الذكاء الاصطناعي، فإنني أستطيع أن أؤكد أن النجاح سيكون من نصيب الأشخاص المثابرين، والقادرين على التكيف، والذين يعرفون كيف يتعاملون مع الغموض وعدم اليقين».

وفيما يلي أربع طرق تجعل القدرة على تحمّل الإحباط أساساً لنجاح الأطفال في المستقبل:

أولاً: الإحباط يبني المثابرة

عندما يواجه الأطفال قدراً من الإحباط يمكن السيطرة عليه، ويتمكنون من تجاوزه بمساندة هادئة ولطيفة من الوالدين أو مقدمي الرعاية، فإنهم يطورون مع الوقت صفتي المثابرة والإصرار.

ولا يتمثل دور الوالدين في إنجاز المهام نيابة عن الطفل أو إزالة جميع العقبات من طريقه، بل في تقديم الدعم المناسب. وقد يكون هذا الدعم من خلال طرح أسئلة تساعده على التفكير، أو الإشادة بمحاولاته المتكررة، أو حتى الاعتراف بأن المهمة التي يقوم بها صعبة بالفعل.

ومن خلال هذا النوع من التشجيع، يدرك الأطفال أن المهام الصعبة تصبح أسهل مع الممارسة، وأن الشعور بالحيرة ليس علامة على الفشل، بل خطوة طبيعية في طريق التعلم، وأن العقبات ليست عائقاً أمام النمو، وإنما جزء أساسي منه.

ثانياً: الإحباط يجعل الطفل يقدّر رحلة التعلم أكثر من النتيجة

من أبرز المخاطر التي قد تفرضها أدوات الذكاء الاصطناعي أن يعتمد الأطفال عليها للحصول على الإجابات السريعة، دون أن يطوروا القدرة على تحمّل المشقة اللازمة للتعلم، أو الإبداع، أو حل المشكلات بصورة مستقلة.

فلماذا يبذل الطفل جهداً في كتابة المسودة الأولى لمقال، بينما يستطيع برنامج دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي إنتاجها خلال ثوانٍ؟ ولماذا يكافح في حل مسائل الجبر إذا كان مساعد الذكاء الاصطناعي قادراً على تقديم الإجابة فوراً؟

لكن التعلم الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى الإجابة فحسب، بل في الطريق المؤدي إليها. لذلك فإن مساعدة الأطفال على تجربة الإحباط وتحمله تمنحهم فرصة للاستمتاع بعملية البحث والاستكشاف، وفهم المشكلات بعمق، بدلاً من الاكتفاء بالشعور بالرضا عند إنجاز المهمة.

ولهذا، عندما يواجه طفلك صعوبة في قراءة كلمة جديدة، أو يتعثر في ارتداء سترته، امنحه الوقت الكافي ليحاول بنفسه حتى يصل إلى أفضل نتيجة ممكنة. وبعد ذلك، امدح جهوده والطريقة التي اتبعها في المحاولة، وليس النتيجة وحدها.

ثالثاً: الإحباط يغذي الإبداع

قد تبدو الحلول السريعة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي جذابة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التجارب الإنسانية التي يولد منها الإبداع. فالرسم غير المتقن، والمحاولة الفاشلة، والخلاف مع صديق، كلها مواقف تخلق فرصاً للتعلم والنمو. فلا يمكن للإنسان أن يبتكر دون أن يمر بإخفاقات متكررة، ولا أن يطور التفكير النقدي دون أن يواجه الغموض وعدم اليقين.

وعندما يعمل طفلك على مشروع إبداعي، شجعه على النظر إلى الأخطاء باعتبارها فرصاً لاكتشاف أفكار جديدة. فإذا كان ينوي تلوين الماء باللون الأزرق، لكنه خرج باللون الأخضر، فقد يتحول المشهد إلى مستنقع غامض بدلاً من بحيرة صافية. وإذا كانت قلعة «ليغو» تفتقد أحد الأبراج، فقد تصبح حصناً مختلفاً يناسب قصة جديدة.

كما أن توفير أدوات إضافية أو خامات متنوعة يساعد الطفل على إدراك أن محاولته الأولى ليست الأخيرة، وأن بإمكانه دائماً التطوير والتحسين. ولا تتردد في أن تدعه يراك ترتكب أخطاءً ثم تصححها، فذلك يعلمه عملياً أن الإحباط ليس نهاية الطريق، بل بداية التقدم.

رابعاً: الإحباط يقوّي العلاقات ويعزز نمو الدماغ

يتعلم الأطفال كيفية التعامل مع الإحباط في المقام الأول من خلال علاقاتهم اليومية مع الوالدين، والأجداد، والمعلمين، والإخوة، والأصدقاء. وهذه العلاقات تشكل البيئة التي تُبنى فيها المهارات الذهنية والعاطفية التي تجعل التعلم ممكناً.

ويظهر ذلك عندما يساعد الوالدان الطفل على تسمية مشاعره وفهمها، دون الإسراع إلى إنقاذه من كل تحدٍ يواجهه. كما يظهر عندما يمنح المعلم طلابه فرصة للكفاح البنّاء والتوصل إلى الحلول بأنفسهم، وعندما يُشجَّع الأطفال على الحوار المفتوح، والنظر إلى الخلافات باعتبارها جزءاً طبيعياً من الحياة والتعامل مع الآخرين.

وتسهم هذه الممارسات مجتمعة في بناء أدمغة أكثر قدرة على التنظيم الذاتي، وأكثر مرونة في مواجهة التحديات، كما تعزز مهارات القراءة والكتابة، وتنمي التعاطف، وهي جميعها مهارات سيظل الإنسان بحاجة إليها مهما بلغ تطور الذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

هل تشم روائح كريهة من دون مصدر؟ تعرّف على «الهلوسة الشمية»

يوميات الشرق  الروائح تؤثر بدرجة كبيرة في الحالة المزاجية (بيكسلز)

هل تشم روائح كريهة من دون مصدر؟ تعرّف على «الهلوسة الشمية»

إذا كنت تشم باستمرار روائح لا يستطيع الأشخاص من حولك شمّها، فقد تكون مصاباً بحالة تُعرف باسم «الهلوسة الشمية» (Phantosmia).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق شريك الحياة عادة ما يكون على دراية بما يمر به الطرف الآخر فعلياً أسبوعاً بعد آخر في العلاقات السعيدة (بيكسلز)

سرّ الأزواج الأكثر سعادة... ما الذي يفعلونه خلال أول دقيقتين بعد العودة إلى المنزل؟

هناك دقيقتان حاسمتان كل مساء يمكن للزوجين خلالهما إما تعزيز الروابط بينهما، وإما إضعافها دون قصد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا علم الاتحاد الأوروبي وشعار «تيك توك» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز - أرشيفية)

الاتحاد الأوروبي يعدّ «تيك توك» خطراً على الصحة النفسية

خلصت نتائج أولية للمفوضية الأوروبية أن تطبيق «تيك توك» يخالف قوانين الاتحاد الأوروبي عن طريق تعريض مستخدميه بشكل متواصل لمحتوى قد يضر بسلامتهم وصحتهم النفسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)

سرّ نجاح الأطفال المتفوقين... قناعة ينبغي غرسها فيهم منذ الصغر

مع عودة الطلاب إلى المدارس هذا الخريف، يشعر كثير من الآباء برغبة في تقديم المزيد لأبنائهم، سواء من خلال الاستعانة بمعلم خصوصي، أو إضافة حصة أخرى في الرياضيات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك احتمالية اكتساب الوزن ترتفع لدى الأشخاص الذين يعانون من الوحدة (بيكسلز)

ماذا تفعل الوحدة بجسمك؟ 9 تأثيرات قد تفاجئك

لا تعني الوحدة بالضرورة أن تكون بمفردك، فهناك أشخاص يشعرون بالسعادة والراحة عند قضاء الوقت وحدهم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الأسطورة «شوشو»... أضحك جمهوره ومات حزيناً عن 36 عاماً

مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)
مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)
TT

الأسطورة «شوشو»... أضحك جمهوره ومات حزيناً عن 36 عاماً

مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)
مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)

نحن في بيروت، يوم كانت مركزاً عربياً للكتاب والمال والحرية، وتعيش أوج ازدهارها، في مطلع ستينات القرن الماضي. في تلك الحقبة، وفي وسط العاصمة التجاري الذي يُعرَف بـ«نص البلد»، نشأ «المسرح الوطني»، على بعد أمتار من ساحة الشهداء. في هذه الظروف المؤاتية أنجب لبنان النجم الكوميدي الكبير شوشو، الذي سيصبح بمثابة أسطورة. هو حسن علاء الدين، الذي رهن حياته للمسرح، وواجه المصاعب، وقدَّم تضحيات جساماً، وتوفي في قمة عطائه، وهو في الـ36 عاماً، بعدما شكَّل علامةً فارقةً في تاريخ المسرح اللبناني.

غلاف الكتاب

بعد 50 عاماً من ذلك الغياب، يطلُّ فارس يواكيم، الموهوب الذي لازم شوشو 10 سنوات وكتب له أشهر مسرحياته، بكتاب «شوشو في الذاكرة»، الصادر عن «دار الفرات». يوثِّق يواكيم المرحلة، ويصحِّح معلومات خاطئة شابت بعض ما كُتب عن سيرة الفنان، ويقدِّم شهادةً حيةً. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب.

كان شوشو بحاجة إلى بيئة حاضنة ليعلن مولده، وكانت المدينة بحاجة إلى موهبة فنية بارزة تدعم ازدهارها. هكذا استمرَّ «المسرح الوطني» في تقديم عروضه على مدى عقد، بفضل فرقته الثابتة، ليصبح ظاهرةً لم تشهد بيروت مثيلاً لها.

البداية المبشّرة

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965، ارتفعت الستارة للمرة الأولى في «المسرح الوطني» عن مسرحية «شوشو بك في صور»، التي أعدَّها وأخرجها نزار ميقاتي، مقتبسة من «رحلة السيد بريشون» للفرنسي أوجين لابيش. يصف الكتاب العرض بأنه كان «أنيقاً، سخياً، بهر جمهور بيروت»، واستمرَّ 21 أسبوعاً. وكرت السبحة بعد ذلك بكوميديات شعبية، خاطبت الجمهور العريض بالمحكية اللبنانية، في قاعة تتسع لـ450 متفرجاً، وتعمل طوال السنة باستثناء شهرَي الصيف، حين كانت المسرحيات تجول المناطق. كانت أعمالاً مبهجةً وطريفةً، لكن المسرح تحوَّل، مع مرور الوقت، إلى منبر يعبِّر عن الرأي العام والمطالب الشعبية، فازداد تعلق الجمهور به.

شوشو الذي سرقه المسرح حتى الموت (الشرق الأوسط)

شوشو، المولود في بيروت عام 1939، والده خضر الجوني من الشوف، ووالدته نوّار حيدر من بعلبك، أما زوجته فهي فاطمة، ابنة الفنان محمد شامل، الذي تسبب زواجه منها بقطيعة بينه وبين والدها، صاحب الفضل عليه في إدخاله إلى الإذاعة والتلفزيون.

يتيم الأب منذ كان في السابعة، ربَّته أمه حتى اشتدَّ عوده. عشق التمثيل منذ صغره، واتَّخذ لنفسه اسماً فنياً هو «مبروك». شارك في مشاهد هزلية، وقلَّد شخصيات، وغنى للأطفال، متنقلاً بين فرق الهواة، ومشاركاً في حفلات نظَّمتها جمعيات كشفية.

شاهده محمد شامل في أحد العروض وأُعجب بأدائه، وأسند إليه دوراً في برنامج للأطفال في «تلفزيون لبنان والمشرق». كانت تلك بداية خطواته نحو الاحتراف. وشامل هو الذي أطلق عليه اسم «شوشو»، وأعطاه أدواراً في مسلسلات تلفزيونية وإذاعية، مثل «يا مدير»، و«شارع العز»، و«يا صبر أيوب». لكن ارتباط شوشو بابنة شامل، من دون موافقته، أغضب الأخير، فاستغنى عن خدماته، وكانت تلك ضربةً قاسيةً له.

ولادة مشروع

أصبح شوشو عاطلاً عن العمل، يسير على غير هدى، إلى أن وقع على سينما «شهرزاد» وأقنع صاحبها بتأجيرها. ورغم الصعوبات المالية فإنه استطاع، بالتعاون مع المخرج نزار ميقاتي، إطلاق مشروع «المسرح الوطني» الذي يقدِّم عروضاً يومية.

بعد 3 سنوات على افتتاح المسرح، تعرَّف فارس يواكيم إلى شوشو، الذي حضر إلى المسرح ليكتب مقالة نقدية، بعد عودته حديث التَّخرُّج من مصر. لكن العلاقة بينهما امتدت لـ10 سنوات. فقد تابع شوشو بصفته ناقداً، وعاشره وصادقه وجالسه، والأهم أنه كتب له نصوصاً مسرحية وسينمائية وإذاعية. كانت المعايشة يومية ومهنية، واستمرَّت حتى آخر عرض قدَّمه شوشو في أواخر يونيو (حزيران) 1975.

عرفت بيروت «فرقة منير أبو دبس» وفرقة «ملتقى»، إلى جانب مسرحيات متفرقة ذات طابع تجريبي جاد، لكن لم يتشكَّل جمهور مسرحي مواظب بالمعنى الحقيقي للكلمة إلا بعد افتتاح مسرح شوشو.

صار المسرح شغل نزار ميقاتي الشاغل؛ يدرِّب الممثلين، وينحت المواهب، ويتابع العمل. قدَّم مع شوشو 12 مسرحية، منها «مريض الوهم» و«البخيل» لموليير، و«توباز» لمارسيل بانيول، و9 مسرحيات من نوع الفودفيل، مقتبسة من أعمال لكتاب معروفين. وبعد 5 سنوات، فُضّت الشراكة، وباع ميقاتي حصته في «المسرح الوطني» إلى محمد الطوخي.

شوشو في السينما

لم يكن شوشو حبيس المسرح، فقد أطلَّ في 8 أفلام، بدأها عام 1962 بفيلم «شوشو والمليون» مع محمد شامل، وبعده بعام قدَّم «يا سلام ع الحب». وبعد أن لمع نجمه على الخشبة، شارك في فيلم «مغامرات شوشو» وغيره.

كان يريد من السينما أن تكون نافذته إلى شهرة عربية واسعة، على غرار نجيب الريحاني وإسماعيل ياسين وفؤاد المهندس. لهذا لجأ إلى أفلام مشتركة لبنانية - مصرية. وكان آخر أفلامه «سيدتي الجميلة»، الذي كتب فارس يواكيم السيناريو والحوار له، من بطولة نيللي ومحمود ياسين. وعُرض في مصر بعنوان «النشّالة»، وأنتجه شوشو لتأمين بعض الإيرادات والتخفيف من ديونه. وقد حقَّق إيرادات بالفعل، لكن شوشو كان قد رحل قبل بدء عرضه.

مزاج صعب... وظروف أصعب

يحكي الكتاب بإسهاب عن الصعوبات المالية التي واجهها شوشو كي يتمكَّن من تأسيس مسرحه، وعن صعوبة إدارة نفقاته، والديون التي أثقلت كاهله، وكذلك عن شخصيته البوهيمية، وانسياقه وراء هدف واحد هو النجاح على المسرح. ويقول يواكيم إنه كان معجباً بشارلي شابلن، ولا يملُّ من مشاهدة أفلامه ومراقبة حركاته الصامتة وتعابير وجهه، كما كان يتابع أفلام نجيب الريحاني، الذي لم يتسنَّ له أن يراه.

بجسد نحيل، وشارب كثيف، وبنية ضعيفة، وعينين تشعان ذكاء، كان شوشو لا يتوقف عن التدخين وشرب القهوة، ويسهر حتى لا يذهب إلى فراشه قبل طلوع الفجر. كثير الإنصات، قليل الكلام والطعام. في قرارة نفسه، كان رجلاً حزيناً. يأتي إلى المسرح قبل العرض بساعتين؛ فالمسرح بالنسبة إليه الأكسجين، والشفاء من همومه المالية وآلامه المرضية. كان يُضحك الآخرين، لكنه هو نفسه يتألم.

مع عصام رجي في و«صلت لـ99» (من الكتاب)

ساعدته بنيته النحيلة على تأدية الأدوار الكوميدية والإيمائية. وكان موهوباً في تلوين صوته والارتجال السريع وتوزيع النكات. لهذا لم يبلغ نجاحه في السينما والتلفزيون الذروة التي بلغها على المسرح لمهارته الاستثنائية في التفاعل المباشر مع الجمهور. قال عنه المخرج المسرحي روجيه عساف، بمناسبة عرض مسرحية «أخ يا بلدنا»: «إنه صاحب الفرقة اللبنانية الوحيدة التي لها جمهور. فالوصول إلى 70 ألف مشاهد إنجاز كبير. إنه فريد في لبنان بمسيرته».

كان شوشو فناناً متعدد المواهب بالفعل. وإلى جانب السينما والتلفزيون، شارك في المهرجانات الصيفية الكبرى، مثل «مهرجانات بعلبك» و«مهرجانات الأرز». كما أسَّس مسرحاً للأطفال، رغبة في زيادة دخله وتأهيل جيل يتذوق المسرح.

تراكمت الديون على شوشو، رغم أن صالته لم تكن تهدأ، والجمهور لا يكلّ من حضور عروضه. ويشرح الكتاب أنه تورَّط في الديون عند تأسيس المسرح، لأنه لم يتمكَّن من الاستدانة من المصارف، واضطر إلى اللجوء إلى المرابين، الذين فرضوا عليه فوائد خيالية. وأخذت الديون تكبر مثل كرة ثلج، حتى أصبحت أحد أسباب تدهور صحته. وكانت ميرنا البستاني قد وعدته بتسديد ديونه من خلال «بنك الصناعة والعمل»، الذي كانت تملك حصةً وازنة فيهً، ليصبح مديناً للمصرف بفائدة أقل بكثير. لكن الحرب الأهلية اشتعلت، وأطاحت بالوعد والمسرح وشوشو.

وفاة شوشو

كان الدكتور روبير خوري يحضر مسرحية «آخ يا بلدنا»، حين لاحظ أن ملامح وجه شوشو المرهقة قد تشير إلى مشكلة في القلب، فاستدعاه إلى عيادته. وبعد الكشف، تبيَّن وجود خلل في القلب، وطلب منه التخفيف من التدخين وأخذ قسط من الراحة.

لكنه لم ينفِّذ شيئاً من ذلك. وبعد سنة، تعرَّض لنوبة قلبية حادة، ونُقل على عجل إلى مستشفى البربير. خرج بعدها من المستشفى وبدأ التحضير لموسم 1976. وبما أن الحرب كانت قد بدأت، لم يكن ممكناً افتتاح موسمه البيروتي. فسافر لتقديم مسرحيتين في الأردن، وحضر العرض الأول العاهل الأردني يومها الملك حسين، وأبدى إعجابه به.

شوشو في مسرحية «اللعب عالحبلين» (من الكتاب)

عاد شوشو مع الفرقة من عمّان، وكان يقود سيارته بنفسه. كان الإجهاد كبيراً، خصوصاً أنه أُرهق بالعروض المتوالية والهموم النفسية وتراكم الديون، إلى جانب عجزه عن فتح أبواب مسرحه. وفي الثاني من نوفمبر 1975، توقف قلبه عن النبض.

«مات البطل، واحترق المسرح، وانهارت المدينة»، يقول يواكيم في كتابه: «مات النجم مع مسرحه الذي أحبه، لكنه بقي أسطورة في تاريخ المسرح اللبناني».

تكمن أهمية الكتاب في أنه يؤرخ لحقبة مهمة من حياة شوشو ويوثِّقها، ويحاول الإحاطة حتى بفترات لم يعايشها الكاتب أو يشهدها، متى توافرت المعلومات الموثوقة. وفيه تفاصيل تهم كلَّ مَن يرغب في دراسة هذه الظاهرة الفنية، وهو مزوَّد بفهرس لأسماء المسرحيات والأعمال السينمائية، وكذلك أسماء الصحافيِّين الذين كتبوا عن شوشو. ومن الطرائف التي يتضمَّنها الكتاب فهرس للأخطاء التي تمكَّن يواكيم من جمعها فيما يخص شوشو، في كتاب محمد كريم «كما عرفتهم».

بعد 50 عاماً على وفاة الفنان المسرحي الكبير شوشو، قرَّر كاتب أشهر مسرحياته، فارس يواكيم، أن يصدر كتاباً يسجِّل فيه ما شهده وعرفه من حقائق عايشها بصحبته، أو سمعها عنه، أو تقصّاها، اعترافاً بفضله الكبير، ولأنه فتح له باب الشهرة في المسرح اللبناني.


هل تتعرض مصر لسيول عنيفة في الشتاء؟

بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)
بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)
TT

هل تتعرض مصر لسيول عنيفة في الشتاء؟

بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)
بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)

شهدت مناطق في سيناء وأخرى بمحافظة البحر الأحمر، (جنوب شرقي مصر)، خلال فصل الخريف، موجات من الأمطار الغزيرة التي تسببت في تشكل السيول، وأدت إلى جرف المياه في بعض المناطق، وسط تحذيرات متكررة من تداعيات التقلبات الجوية الحادة. وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن احتمالات تعرض مصر لموجات أكثر شدة من السيول خلال فصل الشتاء، ومدى ارتباط ذلك بالتغيرات المناخية التي يشهدها العالم.

وقبل أسبوع، شهدت محافظتا جنوب سيناء والبحر الأحمر، موجة من التقلبات الجوية الحادة والأمطار الغزيرة التي تسببت في سيول جارفة، وسط امتداد تأثير منخفض البحر الأحمر الموسمي.

وتسببت التدفقات المفاجئة للمياه في وادي وتير، التابع لمدينة نويبع بجنوب سيناء، في جرف سيارة «خلاطة أسمنت» كان على متنها ثلاثة أشخاص، ما أسفر عن وفاة أحدهم وإصابة آخر، ما يثير تساؤلات بشأن احتمالات تكرارها أو اشتداد حدتها خلال فصل الشتاء في ظل التغيرات المناخية.

وفي هذا السياق، قال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق ونائب رئيس هيئة الأرصاد الجوية السابق، إن فصل الخريف يتسم عادة بالتقلبات الجوية الحادة والسريعة، ويشهد حالات من عدم الاستقرار في الطقس، خصوصاً في محافظات جنوب مصر والبحر الأحمر وسيناء، حيث تزداد فرص سقوط الأمطار التي قد تتحول إلى سيول بفعل الطبيعة الجغرافية لهذه المناطق.

وأوضح قطب لـ«الشرق الأوسط» أن «المناطق الجبلية والمرتفعة تشهد أحياناً هطول أمطار تتجمع مياهها وتندفع بفعل الجاذبية نحو الأودية والمناطق المنخفضة، مما يؤدي إلى تشكل السيول التي قد تكون سريعة وقوية، حتى في المناطق التي لا تشهد سقوط أمطار مباشرة. وحدث ذلك خلال موجات الأمطار الأخيرة في سيناء، إذ اندفعت مياه السيول باتجاه مناطق في شرق سيناء، ومنها محيط خليج العقبة ونويبع، ما أسفر عن خسائر بشرية».

لقطة جوية لأحد أودية سيناء عقب هطول الأمطار (تصوير: عبد الفتاح فرج)

في المقابل، تختلف طبيعة المخاطر في المناطق الساحلية والمستوية، مثل الإسكندرية والساحل الشمالي ومطروح، حسب قطب، إذ قد تشهد هذه المناطق أمطاراً غزيرة، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى سيول جارفة مثل التي تحدث في المناطق الجبلية ذات التضاريس الوعرة والأودية والمنحدرات. وتتمثل الخطورة هناك بصورة أكبر في تجمع مياه الأمطار أو تراكمها في الشوارع والمناطق المنخفضة، لا في اندفاع كميات كبيرة من المياه عبر الأودية من مناطق مرتفعة إلى أخرى منخفضة.

هل تزداد فرص السيول خلال الشتاء؟

وعن احتمالات تعرض مصر لموجات أشد من السيول خلال فصل الشتاء، قال قطب إن التغيرات المناخية أسهمت في زيادة تطرف بعض الظواهر الجوية، سواء في صورة موجات حر شديدة أو انخفاضات حادة في درجات الحرارة، إلى جانب الأمطار الغزيرة التي قد تتسبب في حدوث السيول.

وأضاف قطب أن البلاد تشهد خلال الفترة الحالية انخفاضاً في درجات الحرارة، لتصبح أقل من معدلاتها الطبيعية في بعض المناطق خلال هذا الوقت من العام، بالتزامن مع نشاط الرياح الذي يزيد الإحساس ببرودة الطقس، فضلاً عن اضطراب حركة الملاحة البحرية في البحر المتوسط وخليج السويس، واستمرار فرص سقوط الأمطار على السواحل الشمالية وشمال سيناء.

وأوضح قطب أن فرص هطول الأمطار على مناطق من الصعيد والبحر الأحمر وسيناء تظل قائمة خلال ما تبقى من فصل الخريف وخلال الشتاء، وقد تتسبب في حدوث سيول، مشيراً إلى أن فصل الخريف يظل من الفترات التي تستدعي قدراً أكبر من الحذر، نظراً إلى التقلبات السريعة في الأحوال الجوية والتحولات بين الموجات الدافئة والباردة.

وربط قطب هذه التقلبات بتفاقم الظواهر المناخية، مشيراً إلى ظاهرة «النينيو» وتأثيراتها في أنماط الطقس العالمية، وما قد يصاحبها من تغيرات في درجات الحرارة ومعدلات الأمطار في مناطق مختلفة من العالم.

آثار سلبية خلفتها مياه السيول في مصر (وزارة الري المصرية)

وتُعد «النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تحدث نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح المياه في أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي عن معدلاتها المعتادة، وتؤثر في أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة على نطاق واسع من العالم. وتختلف تأثيراتها من منطقة إلى أخرى حسب قوة الظاهرة وتوقيتها وتفاعلها مع أنظمة المناخ الأخرى، ولا تعني بالضرورة زيادة الأمطار أو حدوث السيول في جميع المناطق.

وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع انطلاق فعاليات مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ «كوب 31» (COP31)، في مدينة أنطاليا التركية، خلال الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، بمشاركة ممثلي الدول والمنظمات الدولية والخبراء المعنيين بقضايا المناخ.

ووفق أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق فإن «عدداً من دول العالم، بينها الولايات المتحدة والصين واليابان وتايوان، تواجه ظواهر جوية عنيفة، من بينها الأعاصير والعواصف، في مناطق مختلفة من المحيطين الهادئ والأطلسي، بما يعكس اتساع نطاق التأثيرات المناخية».

وأكد قطب أن مصر ليست بمنأى عن هذه التغيرات، إذ تتأثر بدورها بالتحولات التي يشهدها النظام المناخي العالمي، وتظهر انعكاساتها في صورة تقلبات حادة في درجات الحرارة، بين الارتفاع والانخفاض.


ترحيب في مصر بمبادرة مقاطعة «لقاءات التشهير»

الفنانة المصرية إلهام شاهين (حسابها على «فيسبوك»)
الفنانة المصرية إلهام شاهين (حسابها على «فيسبوك»)
TT

ترحيب في مصر بمبادرة مقاطعة «لقاءات التشهير»

الفنانة المصرية إلهام شاهين (حسابها على «فيسبوك»)
الفنانة المصرية إلهام شاهين (حسابها على «فيسبوك»)

لاقت دعوة نقيب الصحافيِّين المصريِّين لمقاطعة «لقاءات التشهير وانتهاك الأعراض»، التي يقوم بها بعض الأفراد، ترحيباً في الوسطَين الفني والصحافي، وتبنى عدد من الصحافيِّين قرارات المقاطعة، وأشادت بها الفنانة إلهام شاهين.

ودعا نقيب الصحافيِّين المصريِّين خالد البلشي (الجمعة) إلى مقاطعة المؤتمرات واللقاءات التي تتضمَّن تشهيراً بالأفراد وخوضاً في حياتهم الخاصة، متطرقاً إلى مسؤولية المواقع الإلكترونية عن تداول الإساءات، وحدود التغطية الصحافية للنزاعات الشخصية.

وطالب البلشي الصحافيِّين وإدارات التحرير بالامتناع عن تغطية هذه اللقاءات، وعدم منح مروجي خطابات السب والقذف مساحات إعلامية تسهم في توسيع انتشارها، مبدياً قلقه من اتجاه بعض المواقع الإلكترونية إلى تغطية مؤتمرات ولقاءات، خصوصاً لأطراف في نزاعات قضائية ومجتمعية، تتناول قضايا منظورة أمام القضاء وتخوض في العلاقات الشخصية.

وانتقد ملاحقة أخبار أشخاص يتعمدون إثارة الخصومات والمعارك الجانبية، لكون تضخيم هذه الممارسات يصرف الاهتمام عن القضايا الأساسية للمجتمع، مشدداً على أن نقل الشتائم والعبارات المسيئة تحت مبرر التغطية الصحافية لا يعفي المؤسسات من مسؤوليتها المهنية.

وحذر البلشي من تحوُّل النشر إلى وسيلة لتوسيع نطاق الإساءة وتصفية الحسابات لأن النقد الجاد يركز على كشف مَواطن الخلل، ويحترم حقوق الأفراد، داعياً إلى التَّوقُّف عن ملاحقة مروجي هذه الخطابات أو منحهم منابر إعلامية تحت شعار متابعة الموضوعات الرائجة.

خالد البلشي نقيب الصحافيين المصريين (فيسبوك)

جاء ذلك على خلفية مؤتمر صحافي عقده رئيس نادي الزمالك السابق مرتضى منصور أمام مكتبه، الخميس الماضي، تضمَّن ما وُصفت بأنها «تجاوزات» بحق كثير من الشخصيات العامة، من بينهم فنانات وفنانون، في مقدمتهم إلهام شاهين التي اتهمها منصور بالهروب إلى أميركا خوفاً مما سيتحدث به عنها، في وقت كانت موجودة فيه بمدينة نيويورك لحضور مهرجان سينمائي بدعوة من القائمين عليه.

من جانبها، أيَّدت الفنانة إلهام شاهين دعوة البلشي إلى مقاطعة المؤتمرات واللقاءات التي تتضمَّن تشهيراً بالأفراد وانتهاكاً لخصوصيتهم، مؤكدة في بوست نشرته على صفحتها بموقع «فيسبوك» دعمها لما تضمَّنه البيان من مطالبة بالامتناع عن تغطية هذه اللقاءات. وأضافت: «أحترم وأؤيد كل كلمة في البيان... الصحافة المهنية هي التي تبني وتثقف وتحمي الأبرياء وترتقي بالوعي العام، ولا تكون أبداً أداة لنشر البذاءات... كل الاحترام للصحافة المحترمة التي تحافظ على صورة مصر والمصريِّين».

وقدَّمت إلهام شاهين شكوى ضد مرتضى منصور بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على خلفية التجاوزات التي صدرت بحقها في تصريحاته، مطالبة المجلس بإبلاغ النيابة العامة بالنتائج لضمِّها إلى البلاغات التي تقدَّمت بها بالفعل للنيابة العامة، مع مطالبتها بحجب صفحته الموثَّقة على «فيسبوك»، وهي الشكوى التي أُحيلت إلى لجنة الشكاوى لاتخاذ الإجراءات اللازمة فيها بحسب بيان المجلس، السبت.

وقال الناقد الفني محمد عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» إن الترحيب الذي حظيت به دعوة نقيب الصحافيِّين جاء انعكاساً طبيعياً لقيام عدد كبير من وسائل الإعلام في الأساس بمنع بثِّ هذا المحتوى من خلالها سواء عبر البث المباشر أو كتابة محتواه الذي يكون جاذباً في كثير من الأحيان لرواد مواقع التواصل الاجتماعي، عاداً أن تحرُّك النقيب خطوة جادة نحو وقف مثل هذه التصريحات، وأساس يمكن البناء عليه بشكل جيد مستقبلاً.

وأضاف: «هناك بعض الأشخاص اعتادوا الظهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال افتعال خلافات، والإدلاء بتصريحات تحمل سباً وقذفاً تجاه الفنانين، مع عدم التصريح بوضوح تجاه مَن يقصدونه لتجنُّب الملاحقات القضائية»، مؤكداً أهمية ألا تسمح وسائل الإعلام باستغلال هذا الأمر تحت أي مسميات.

ويتفق الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، معتز نادي، مع دعوة البلشي «في ظلِّ أهمية فهم الآليات التي تمنح هذا المحتوى انتشاراً وتضمن استمراره رغم الانتقادات الواسعة الموجَّهة إليه»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الغضب من المحتوى المبتَذل قد يتحوَّل، في بيئة الإعلام الرقمي، إلى وسيلة للترويج له؛ إذ يعيد البعض نشر مقاطع منه للتحذير أو الانتقاد، ثم يتداولها آخرون بدافع السخرية، لينتهي الأمر بمنح صاحبها انتشاراً ربما لم يكن يتوقعه، وتصبح محاولات إدانته جزءاً من دائرة ترويجه».

وأكد نادي أن مسؤولية المؤسسات الإعلامية تتضاعف في هذا السياق، فليس كل ما يتصدَّر قوائم التداول يستحق التغطية، ولا يحمل كل ما يشغل المستخدمين قيمةً إخباريةً، مشيراً إلى «وجود فارق مهني بين مناقشة ظاهرة اجتماعية تستحق الاهتمام، وتحويل تفاصيل الحياة الخاصة والتشهير بالأشخاص إلى مادة لجذب المشاهدات».

وشدَّد على ضرورة الالتزام بالمعايير المهنية، وفي مقدمتها احترام الخصوصية وإتاحة حقِّ الرد، ومراعاة الضوابط التي تصون حقوق جميع الأطراف، بوصفها أسساً لأي عمل يستهدف إخبار الجمهور وإعلامه.