كشفت دراسة أميركية أنّ تدريباً يستهدف تنظيم المشاعر يمكن أن يساعد طلاب الجامعات على التعامل بصورة أفضل مع الأحداث السلبية، ويخفّف الضيق النفسي المرتبط بها، كما يُحدث تغيرات في طريقة تواصل مناطق الدماغ بعضها بعضاً.
وأوضح باحثون من جامعة إلينوي في إربانا - شامبين أن برنامجاً قصيراً لتنظيم المشاعر ساعد الطلاب على التعامل بمرونة أكبر مع المواقف والذكريات السلبية، بدلاً من الاستجابة لها تلقائياً بالقلق أو التوتّر أو التركيز المفرط على جوانبها المزعجة. ونُشرت النتائج، الثلاثاء، في دورية «ساينتفك ريبورتس».
والضيق النفسي حالة من التوتّر والانزعاج العاطفي قد تنشأ استجابةً لمواقف صعبة أو ضغوط الحياة، وتظهر في صورة القلق والحزن والخوف والتوتّر وصعوبة التعامل مع الأحداث المزعجة. وقد يكون مؤقتاً وطبيعياً عند مواجهة ظروف ضاغطة، لكنه قد يصبح أكثر شدة إذا تراكمت الضغوط أو بدأ يؤثر في الحياة اليومية.
وخضع المشاركون للتدريب مرتين أسبوعياً مدة 5 أسابيع، مع تشجيعهم على تطبيق التقنيات التي تعلموها في حياتهم اليومية. وركز البرنامج على استراتيجيتين أساسيتين لتنظيم المشاعر.
الأولى هي توجيه الانتباه، وفيها يتعلّم الشخص تحويل تركيزه بعيداً عن العناصر الأكثر إثارة للمشاعر السلبية نحو تفاصيل محايدة في الموقف. فعند مشاهدة صورة لحادث مروري، مثلاً، يمكن توجيه الانتباه إلى الأشجار أو السيارات السليمة أو السماء، بدلاً من التركيز على الحادث نفسه. وتستند هذه الاستراتيجية إلى أنّ ما نختار التركيز عليه يمكن أن يؤثّر في شدة استجابتنا العاطفية.
أما الثانية فهي إعادة التقييم المعرفي، وتعني إعادة تفسير الموقف أو الذكرى المزعجة من زاوية مختلفة قد تجعلها أقل إثارة للضيق، من خلال البحث عن جوانب أخرى للموقف أو النظر إليه بطريقة أقل تهديداً.
وقبل التدريب وبعده، أجاب الطلاب عن استبانات لقياس المزاج والقلق المفرط وبعض العوارض المرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة. كما خضع معظم أفراد مجموعة التدريب للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي خلال الراحة، لقياس ما يُعرف بـ«الاتصال الوظيفي في حالة الراحة»، وهو مؤشر على كيفية تواصل مناطق الدماغ تلقائياً بعضها بعضاً.
وأظهرت النتائج، إلى جانب بيانات تتبع حركة العين، أنّ المشاركين أصبحوا أكثر اعتماداً على توجيه الانتباه، بينما تراجع اعتمادهم على إعادة التقييم المعرفي. وبعد انتهاء التدريب، أبلغ الطلاب عن مستويات أقل من الضيق النفسي عند مشاهدة صور سلبية أو استحضار أحداث صعبة من حياتهم، مقارنةً بما كانوا يشعرون به قبل التدريب وبالمشاركين في مجموعة المراقبة.
وأظهرت بيانات تتبع العين أيضاً أنّ الطلاب أمضوا وقتاً أقل في النظر إلى المناطق المشحونة عاطفياً في الصور، حتى عندما لم يُطلب منهم توجيه انتباههم بعيداً عنها.
كما أظهرت فحوص الدماغ تغيّرات في طريقة تواصل شبكات مختلفة، مع زيادة الاعتماد على ما يُعرف بـ«المعالجة من أعلى إلى أسفل»، التي تساعد الإنسان على توجيه انتباهه واستجاباته بصورة مقصودة وفقاً لأهدافه، مقارنة بـ«المعالجة من أسفل إلى أعلى».
ووفق الباحثين، تشير النتائج إلى أنّ المرونة النفسية ليست بالضرورة سمة ثابتة، بل يمكن تطويرها من خلال التدريب، إذ ظهرت آثاره على مستوى السلوك وطريقة عمل الدماغ.
ولا تعني المرونة النفسية تجنّب المشاعر السلبية أو محاولة الشعور بالإيجابية طوال الوقت، وإنما تطوير القدرة على الاستجابة للمشاعر بطرق أكثر مرونة تتناسب مع الموقف.






