لعبة فيديو لفهم دماغ المصابين بالتوحد

اضطراب طيف التوحد يؤثر في طريقة تواصل الشخص وتفاعله مع الآخرين (جامعة ألاباما)
اضطراب طيف التوحد يؤثر في طريقة تواصل الشخص وتفاعله مع الآخرين (جامعة ألاباما)
TT

لعبة فيديو لفهم دماغ المصابين بالتوحد

اضطراب طيف التوحد يؤثر في طريقة تواصل الشخص وتفاعله مع الآخرين (جامعة ألاباما)
اضطراب طيف التوحد يؤثر في طريقة تواصل الشخص وتفاعله مع الآخرين (جامعة ألاباما)

طوَّر باحثون في جامعة بوسطن الأميركية لعبة فيديو قد تساعد على فهم الطريقة التي يدرك بها الأشخاص المصابون باضطراب طيف التوحد المعلومات الحسية ويتخذون بها القرارات، بمن فيهم من يعانون أعراضاً شديدة أو صعوبات كبيرة في التواصل، وكذلك غير الناطقين.

ويأمل الباحثون أن تتيح اللعبة، التي أطلقوا عليها اسم «جيود» (Geode)، فهماً أعمق للآليات الدماغية المرتبطة بالاختلافات الإدراكية لدى المصابين بالتوحد، وأن تسهم مستقبلاً في تطوير أدوية وعلاجات جديدة واختبارها. وقد نُشرت نتائج الدراسة، الجمعة، في دورية «ساينس أدفانسز» (Science Advances).

واضطراب طيف التوحد حالة تؤثر في طريقة تواصل الشخص وتفاعله مع الآخرين، وكذلك في أنماط سلوكه واهتماماته. ويُسمى «طيفاً» لأن خصائصه وشدة تأثيره تختلفان بدرجة كبيرة من شخص إلى آخر؛ فقد يواجه بعض المصابين به صعوبات واضحة في التواصل الاجتماعي، في حين يتمتع آخرون بقدرات لغوية ومعرفية متقدمة، مع استمرار وجود تحديات في التفاعل الاجتماعي أو أنماط متكررة من السلوك والاهتمامات. وتظهر سمات التوحد عادة في مرحلة الطفولة المبكرة، وقد تستمر طوال الحياة، مع اختلاف احتياجات الدعم من شخص إلى آخر.

واختبر الباحثون اللعبة على أكثر من 300 مراهق تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاماً، كان من بينهم أكثر من 200 مصاب بالتوحد، يمثلون نطاقاً واسعاً من حيث شدة الأعراض، إلى جانب أشقاء غير مصابين به.

وصُممت «جيود» على هيئة لعبة للبحث عن الجواهر؛ إذ يختار اللاعب شخصية، ويتبع خريطة للكنز لجمع أكبر عدد ممكن منها. وخلال اللعب، تظهر ومضات ضوئية عند حافتي الشاشة، ويشير الجانب الذي يظهر فيه عدد أكبر من الومضات إلى وجود الجواهر. ولا يتلقى اللاعبون تعليمات مسبقة، بل يتعين عليهم اكتشاف قواعد اللعبة وطريقة ممارستها تدريجياً من خلال التجربة والتعلم، مما يتيح مشاركة أشخاص تتفاوت قدراتهم على التواصل.

وخلال المهمة، يقيس الباحثون قدرة المشاركين على اكتشاف الومضات الضوئية، التي تختلف من حيث عددها ومدتها وتوقيت ظهورها، مما يوفر بيانات تفصيلية عن كيفية إدراك الشخص للمعلومات واتخاذه القرارات وتعلّمه.

وأظهرت التجربة أن معظم المشاركين، بمن فيهم المصابون بأعراض شديدة للغاية من التوحد، تمكنوا سريعاً من فهم قواعد اللعبة والتكيف مع ازدياد مستوى صعوبتها. لكن مسار التعلم اختلف بوضوح بين المشاركين المصابين بالتوحد وغير المصابين به.

وعندما غيّر الباحثون بعض عناصر اللعبة، مثل توقيت الومضات الضوئية، واجه المشاركون المصابون بالتوحد صعوبة أكبر في الاستفادة من مجمل المعلومات الحسية المتاحة لهم. وبوجه عام، استغرق المراهقون المصابون بالتوحد وقتاً أطول لتعلّم اللعبة، وسجلوا مستوى أقل من الدقة مقارنة بالمشاركين الذين لا يعانون من اضطراب نمائي عصبي.

ويرى الباحثون أن أحد التفسيرات المحتملة يكمن في عملية تُسمى «التكامل الإدراكي»، وهي الطريقة التي يجمع بها الدماغ المعلومات الواردة عبر الزمن لتكوين صورة أكثر تعقيداً عن العالم. ففي الحياة اليومية، يتطلب فهم كلام شخص آخر، مثلاً، دمج معلومات متعددة، بدءاً من الكلمات والجمل، وصولاً إلى الإشارات البصرية الصادرة عن المتحدث، لاستخلاص المعنى الكامل.

وحسب الباحثين، قد تصل كل معلومة إلى الشخص المصاب بالتوحد مصحوبة بقدر إضافي من التشويش أو «الضوضاء». ومع زيادة كمية المعلومات التي يتعين على الدماغ دمجها، قد يتراكم هذا التشويش ويؤثر في عملية الإدراك. ويرتبط ذلك بما يُعرف بظاهرة «دمج الأدلة المشوشة»، التي تصف الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات الحسية ويجمعها لاتخاذ قرار أو تكوين تصور عن البيئة المحيطة.

ويؤكد الباحثون أن «جيود» ليست أداة لتشخيص التوحد؛ فهي تقيس كيفية إدراك الأشخاص للعالم وتعلّمهم، لكنها لا تستطيع تحديد ما إذا كان الشخص مصاباً بالتوحد أم باضطراب نفسي أو نمائي عصبي آخر.

ويرى الفريق أن اللعبة يمكن تطويرها مستقبلاً للمساعدة في تحديد سمات أو صعوبات إدراكية بعينها، والتمييز بينها عبر اضطرابات مختلفة، أو حتى تقييم شدة بعض الأعراض.


مقالات ذات صلة

روبوت بشري يتجاوز التقليد إلى تركيب حركات جديدة بالذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا شملت التجارب الركض والرقص والقفز والركلات والعجلات الهوائية مع نقل عدد من المهارات من المحاكاة إلى روبوت حقيقي (الجامعة)

روبوت بشري يتجاوز التقليد إلى تركيب حركات جديدة بالذكاء الاصطناعي

درّب باحثون روبوتاً بشرياً على حركات معقدة باستخدام بيانات بشرية محدودة ما أتاح له مزج المهارات وتنفيذ مهام جديدة بمرونة.

نسيم رمضان (لندن)
صحتك ربطت دراسة حديثة بين النشاط البدني المنتظم خلال منتصف العمر وتباطؤ التراجع المعرفي مع التقدم في السن (بيكسلز)

عادتان في منتصف العمر قد تبطئان التراجع المعرفي

كشفت دراسة حديثة أن الحفاظ على مستويات صحية لسكر الدم وممارسة النشاط البدني بانتظام خلال منتصف العمر قد يرتبطان بإبطاء التراجع المعرفي مع التقدم في السن.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك سعت الدراسة لاستكشاف العلاقة بين موجات الدماغ وتدفق السائل الدماغي الشوكي بشكل أعمق (إم آي تي)

«الضوضاء الوردية» تعزز صحة الدماغ خلال النوم

أظهرت دراسة جديدة أجراها فريق من الباحثين بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بالولايات المتحدة، أن دفعة من «الضوضاء الوردية» تعزز صحة الدماغ خلال النوم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أوروبا شارك في الدراسة التي أُجريت عبر الإنترنت بين 9 يونيو و6 يوليو 2026 ما مجموعه 2095 طفلاً ومراهقاً يعيشون بألمانيا تتراوح أعمارهم بين 8 و17 عاماً (رويترز)

دراسة: خُمس أطفال ومراهقي ألمانيا تعرّضوا لاستدراج جنسي على الإنترنت

أظهرت دراسة أن نحو خُمس الأطفال والمراهقين بألمانيا تعرّضوا، في وقت ما، للاستدراج الجنسي عبر الإنترنت، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

«الشرق الأوسط» (برلين)
صحتك حبات القرنفل المجففة تحتوي على مركب الأوجينول الذي قد يسبب آثاراً جانبية عند تناوله بكميات مرتفعة (بيكسلز)

منقوع أم مطحون؟ ما أفضل طريقة لتناول القرنفل؟

مع انتشار وصفات تعتمد على نقع القرنفل في الماء أو تناوله مطحوناً، يبرز السؤال حول الطريقة الأفضل للاستفادة منه.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مصر تعوّل على المعارض الأثرية بالخارج في جذب السائحين

جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)
جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تعوّل على المعارض الأثرية بالخارج في جذب السائحين

جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)
جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)

تعوِّل مصر على المعارض الأثرية المؤقتة في الخارج لجذب السائحين، بوصفها سفيرةً للحضارة المصرية في العالم ووسيلةً من وسائل القوة الناعمة، وفق وصف مراقبين وتصريحات رسمية لمسؤولي وزارة السياحة والآثار.

وخلال الاجتماع الأحدث للمجلس الأعلى للآثار، برئاسة وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، استُعرضت نتائج معارض الآثار المصرية المؤقتة المقامة في الخارج؛ إذ استقبل معرض «رمسيس وذهب الفراعنة»، المقام في العاصمة البريطانية لندن، نحو 140 ألف زائر منذ افتتاحه في فبراير (شباط) الماضي، في حين استقبل معرض «كنوز الفراعنة»، منذ افتتاحه في أغسطس (آب) الماضي في متحف دي يونغ بمدينة سان فرنسيسكو في الولايات المتحدة الأميركية، نحو 42 ألف زائر.

وأشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى النجاح الكبير الذي شهده معرض «مصر القديمة تكشف عن نفسها: كنوز من المتاحف المصرية» خلال رحلته في متحف قصر هونغ كونغ؛ إذ تخطى عدد زواره 600 ألف زائر خلال مدة عرضه، وجرى الاحتفاء بالنجاح الباهر الذي حققه، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

وحقَّقت معارض مصر الخارجية أرقاماً قياسية في دول عدَّة، من بينها معرض «قمة الهرم: حضارة مصر القديمة»، الذي اجتذب نحو 2.77 مليون زائر خلال عرضه على مدى 13 شهراً في شنغهاي بالصين العام الماضي، وفق ما نشرته وكالة الأنباء الصينية، ومعرض «توت عنخ آمون»، الذي أُقيم في باريس عام 2019 وزاره 1.3 مليون زائر.

معرض «قمة الهرم» شهد حضوراً لافتاً في شنغهاي (شينخوا)

وفي السنوات الأخيرة، استقبل معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» نحو 420 ألف زائر في مدينة طوكيو، كما استقبل المعرض نفسه 500 ألف زائر في أستراليا.

وخلال الاجتماع، وافق المجلس الأعلى للآثار على تمديد مدة إقامة معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» بقاعة «Neon Battersea Power Station» في لندن 4 أشهر إضافية، لينتهي في 3 يناير (كانون الثاني) 2027، بدلاً من الموعد الذي كان مقرراً له في 30 أغسطس 2026، وكذلك على إقامة معرض «كنوز الفراعنة» في متحف غرب أستراليا بولا بارديب، بالمركز الثقافي الأسترالي في مدينة بيرث، وذلك عقب انتهاء مدة عرضه في متحف كيمبل للفنون بمدينة فورت وورث في الولايات المتحدة.

وتمثل المعارض الأثرية المصرية، التي تجوب عواصم العالم ومدنه، إحدى أهم أدوات الترويج الحضاري والسياحي لمصر، خصوصاً مع الأرقام القياسية التي باتت تحققها من حيث أعداد الزائرين، وفق تصريحات المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح معرض (كنوز الفراعنة) في روما، والإقبال الكبير على المعارض المصرية في آسيا، يؤكدان أن الحضارة المصرية القديمة ما زالت تمتلك قدرة استثنائية على جذب الجمهور العالمي».

وأشارت إلى أن «القيمة الحقيقية لهذه المعارض تتجاوز عرض القطع الأثرية؛ فهي تقدم للزائر صورة حية عن مصر، وتعيد تشكيل رغبته في الانتقال من مشاهدة الحضارة في الخارج إلى اكتشافها في موطنها الأصلي. وهذا ما يجعل المعارض الخارجية أداة فاعلة في التسويق السياحي، وليست مجرد نشاط ثقافي مؤقت».

وأضافت أن انتقال «كنوز الفراعنة» إلى أستراليا يفتح مجالاً مهماً للوصول إلى جمهور بعيد جغرافياً عن مصر، ولا سيما أن التجارب السابقة للمعارض المصرية في أستراليا أثبتت وجود اهتمام جماهيري واضح بالحضارة المصرية.

جانب من معرض «كنوز الفراعنة» (وزارة السياحة والآثار)

وأكدت أن «تعظيم العائد السياحي من هذه المعارض يتطلب ربطها بحملات ترويجية متكاملة تقدم للسائح المحتمل رحلة تبدأ بالمعرض وتنتهي في مصر؛ لزيارة المتاحف والمواقع الأثرية واكتشاف الحضارة في سياقها الأصلي. وهنا تتحول الآثار إلى قوة ناعمة ودبلوماسية ثقافية، وإلى جسر مباشر بين التعريف بمصر وزيارتها».

وتنظّم مصر معارضها الأثرية المؤقتة في الخارج، التي تضم مقتنيات من المتاحف والمواقع الأثرية وقطعاً من الاكتشافات الحديثة؛ لتقديم صورة بانورامية عن الحضارة المصرية القديمة، بما تتضمنه من فنون وعادات وتقاليد وصور شخصية وتماثيل وتوابيت وغيرها من القطع الأثرية.

ويرى الخبير السياحي المصري محمد كارم أن «المعارض الأثرية المصرية المؤقتة في الخارج جزء من القوة الناعمة لمصر، وتسهم في جذب السائحين إليها؛ لأنها تفتح نافذة مباشرة أمام الجمهور العالمي للتعرف على الحضارة المصرية». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه المعارض قادرة على تقديم صورة جاذبة عن الحضارة المصرية وما تمثله من عناصر فريدة على مختلف المستويات».

ولفت كارم إلى أن «هذه المعارض تقدم لمحة عن الحضارة المصرية إلى جمهور الدول المختلفة في أوروبا وأستراليا وآسيا وأميركا، انطلاقاً من التقدير العلمي للحضارة المصرية، وفي الوقت نفسه تثير فضول أفراد الجمهور والسائحين الذين يتطلعون إلى معرفة المزيد عن هذه الحضارة بزيارتها في موطنها الأصلي».

ويرى أن «أثر هذه المعارض يجب ألا ينتهي بانتهائها، وإنما ينبغي أن يمتد من خلال حملة سياحية متكاملة للترويج لمصر، ويمكن الاستفادة من كل معرض في تقديم تجارب سياحية متكاملة عبر التسويق السياحي من خلال هذه المعارض».


إلهام إحساس: «رائد الفضاء المنسي» محاولة لاستعادة ما محاه الزمن

لم يجرِ المخرج أي تصحيحات على الصور للاحتفاظ بتأثير الزمن (الشركة المنتجة)
لم يجرِ المخرج أي تصحيحات على الصور للاحتفاظ بتأثير الزمن (الشركة المنتجة)
TT

إلهام إحساس: «رائد الفضاء المنسي» محاولة لاستعادة ما محاه الزمن

لم يجرِ المخرج أي تصحيحات على الصور للاحتفاظ بتأثير الزمن (الشركة المنتجة)
لم يجرِ المخرج أي تصحيحات على الصور للاحتفاظ بتأثير الزمن (الشركة المنتجة)

قال المخرج الأفغاني-البريطاني إلهام إحساس إن فكرة فيلمه الوثائقي القصير «رائد الفضاء المنسي» انطلقت من دهشته حين اكتشف أن رائداً أفغانياً وصل إلى الفضاء عام 1988، في حين لم يكن يعرف هذه القصة من قبل، شأنه شأن كثيرين. ودفعه ذلك إلى التساؤل عن القصص الأخرى التي غابت عن الذاكرة رغم أهميتها، مشيراً إلى أن رحلة رائد الفضاء عبد الأحد مومند شكّلت بالنسبة إليه مدخلاً لطرح أسئلة أوسع حول ما تحتفظ به ذاكرة الشعوب وما يُمحى من تاريخها.

وأضاف إلهام إحساس، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم»، أن غياب قصة مومند لم يكن، في نظره، مجرد نتيجة لمرور الزمن، بل يعكس الطريقة التي تُصاغ بها الروايات عن أفغانستان؛ إذ ظلت البلاد حاضرة في الوعي العالمي من خلال الحروب والانهيارات والعناوين السياسية، في حين توارت القصص التي تجسّد إنجازاتها العلمية والثقافية.

المخرج الأفغاني إلهام إحساس (الشرق الأوسط)

ويروي فيلم «رائد الفضاء المنسي» قصة عبد الأحد مومند، أول رائد فضاء أفغاني والوحيد حتى الآن، الذي انطلق عام 1988 إلى محطة «مير» الفضائية، في مهمة شكّلت لحظة استثنائية في تاريخ بلاده. وخلال الرحلة، أعدّ الشاي الأفغاني لطاقم المحطة، كما أصبحت اللغة البشتونية، بحسب الفيلم، رابع لغة تُستخدم في الفضاء، بعدما تحدث بها مومند خلال اتصال بوالدته من المدار.

ويستعيد الفيلم هذه القصة من خلال المزج بين المواد الأرشيفية والذاكرة الشخصية والموسيقى الأفغانية، وعُرض عالمياً للمرة الأولى ضمن فعاليات الدورة الـ79 من مهرجان «لوكارنو السينمائي» في سويسرا.

وأضاف أن «المشروع شهد تحولاً كبيراً خلال مراحل الإعداد، بعدما عثرتُ على صورة فوتوغرافية قديمة لوالدي، الذي كان يعمل صحافياً في كابل، خلال إجرائه مقابلة مع عبد الأحد مومند عقب عودته من رحلته الفضائية». وأوضح أن الفيلم بدأ بوصفه رحلة بحث عن رائد الفضاء، قبل أن تتحول تلك الصورة إلى نقطة الارتكاز الأساسية فيه؛ إذ فتحت الباب أمام قصة أخرى تتعلق بعائلته، وبالعلاقة بين الذاكرة الشخصية والمنفى والتاريخ.

وأكد أن حضور والده في الحكاية غيّر طبيعة الفيلم بالكامل؛ إذ لم تعد القصة تقتصر على البحث عن شخصية تاريخية، بل أصبحت تتناول أيضاً تاريخ عائلته وتجربة اقتلاعها من الوطن، وكيف حملت ذكرياتها معها إلى المنفى. وقال إن «هذا التحول دفعني إلى إعادة بناء الفيلم والتخلي عن أشهر من العمل، بعدما اكتشفت أن المادة نفسها تقودني إلى مسار مختلف وأكثر صدقاً من الفكرة الأولى التي انطلق منها المشروع».

المخرج انطلق من لقاء سابق بين والده ورائد الفضاء الأفغاني (الشركة المنتجة)

وأكد المخرج الأفغاني-البريطاني أنه كثيراً ما تساءل عن الصورة التي كان يمكن أن تبدو عليها أفغانستان لو ظلت رحلة مومند حاضرة في الذاكرة الدولية، معتبراً أن «ارتباط اسم البلاد بإنجاز علمي وإنساني كان سيمنحها حضوراً مختلفاً في مخيلة العالم، وربما أسهم أيضاً في تغيير نظرة الآخرين إلى الأفغان خارج وطنهم، بعيداً عن الصورة النمطية التي تربط بلادهم بالحروب».

وأوضح أن المنفى يحتل مكانة أساسية في الفيلم، انطلاقاً من قناعته بأن الابتعاد عن الوطن قد يجعل العودة إليه أشد استحالة من الوصول إلى الفضاء نفسه. وأضاف: «يستطيع الإنسان أن ينظر إلى السماء كل يوم، لكنه قد يعجز عن العودة إلى المكان الذي وُلد فيه. هذا الشعور يمثّل جوهر تجربة الشتات التي يعيشها ملايين الأشخاص، وليس الأفغان وحدهم».

وأكد المخرج أنه تعمّد الإبقاء على الخدوش والعيوب في المواد الأرشيفية التي استعان بها، لكونها جزءاً من الحكاية وليست عيوباً ينبغي إخفاؤها. ورأى أن إزالة آثار الزمن عن تلك الصور كانت ستفقدها جزءاً من معناها؛ لأن الفيلم يتناول، في جوهره، تأثير الزمن في البشر والأماكن والذاكرة، مشيراً إلى أن ما تحمله اللقطات القديمة من نقص وفراغات يعكس أيضاً الكيفية التي تستقر بها الذكريات داخل الإنسان.

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «لوكارنو» (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «الموسيقى الأفغانية وُظفت بوصفها جزءاً من البناء السردي للعمل؛ إذ اعتمد الفيلم على 3 أغنيات أفغانية قديمة لتقسيمه إلى فصول». ورأى أن الموسيقى تمتلك قدرة على نقل ذاكرة المكان ومشاعره تفوق قدرة الكلمات، كما تستحضر لدى أبناء الشتات إحساساً فورياً بالانتماء؛ لذلك أدت دوراً أساسياً في تشكيل إيقاع الفيلم وبنيته.

وعزا غياب قصص الإنجازات العلمية في الدول التي شهدت حروباً إلى أن هذه الإنجازات تربك الصورة النمطية التي اعتاد العالم أن يرى من خلالها تلك البلدان. وأضاف أن «التركيز على العلماء والمبدعين وصنّاع الثقافة يكشف حجم ما خسرته هذه المجتمعات، ويقدّم صورة أكثر اكتمالاً عنها، بدلاً من اختزالها في مشاهد الصراع وحدها».

وأشار إلى أن أحد أهداف الفيلم يتمثَّل في تعريف الأجيال الأفغانية الجديدة بعبد الأحد مومند، معرباً عن أمله في أن يمنحها العمل شعوراً بالفخر والانتماء، وأن يدفعها إلى إدراك أن تاريخ بلادها لا يقتصر على الحروب، بل يضم أيضاً شخصيات استطاعت تحقيق إنجازات استثنائية، رغم الظروف التي مرّت بها أفغانستان.


فيرا بولياكوفا - ماكي تعيد اكتشاف عالم بوشكين من بوابة الحب الأول

حصد العرض على إشادات نقدية عدة (إدارة المهرجان)
حصد العرض على إشادات نقدية عدة (إدارة المهرجان)
TT

فيرا بولياكوفا - ماكي تعيد اكتشاف عالم بوشكين من بوابة الحب الأول

حصد العرض على إشادات نقدية عدة (إدارة المهرجان)
حصد العرض على إشادات نقدية عدة (إدارة المهرجان)

قالت المخرجة البيلاروسية فيرا ألكساندروفنا بولياكوفا - ماكي، مخرجة العرض «جينيا + تانيا = حب» (Zhenya + Tanya = Love)، الفائز بجائزة أفضل عرض في الدورة الـ33 من مهرجان «القاهرة الدولي للمسرح التجريبي»، إن العمل يقوم على الربط بين ألكسندر بوشكين وعصرنا الراهن، وكذلك بين المتفرج وخشبة المسرح.

وأشارت إلى أن الراوي يمثّل، في جوهره، دليلاً يقود الجمهور عبر مسار الرواية، ويصل بين عالم الرواية وزمننا المعاصر، وبين الممثلين والمتفرجين، ليشكِّل طبقة أساسية ومتعددة المستويات في بنية العرض.

وأضافت بولياكوفا-ماكي، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن رواية «يفغيني أونيجين» الشعرية تمثّل جزءاً من الأدب الروسي الكلاسيكي الذي يدرسه كل طالب تقريباً في الصف التاسع. وأوضحت أنها أرادت ألا تتحول هذه الحكاية إلى مجرد واجب منزلي ممل، بل أن تجد صداها في قلوب الشباب؛ فالجميع يعرف معنى الحب الأول، وما يحمله من مشاعر رقيقة وقوية، وكيف يمكن لهذه التجربة أن تؤثر في تكوين الإنسان، خصوصاً في سنوات شبابه الأولى.

نال العرض الجائزة الكبرى في المهرجان (إدارة المهرجان)

وتدور أحداث العرض في عالم «يفغيني أونيجين» وعلاقاته بالشخصيات المحيطة به، وفي مقدمتها الحب الأول ومشاعر «تاتيانا» تجاهه، إلى جانب علاقته بصديقه «لينسكي»، وما يتصل بها من أحداث تنتهي بالمبارزة.

ويعيد العرض تقديم الحكاية من خلال التمثيل والحركة والموسيقى، مع إسناد دور محوري إلى الراوي، الذي يصبح شاهداً مباشراً على الوقائع قبل أن يختفي، فتنتقل قيادة الحكاية إلى «أونيجين».

وأوضحت المخرجة أن الرواية، رغم مرور نحو 200 عام على كتابتها، لا تزال تتحدث عن الإنسان المعاصر وعن كل واحد منا، مشيرة إلى أن مهمتها تمثلت في تكييف الحكاية وتقديمها بلغة بصرية يستطيع جمهور اليوم فهمها. وأضافت أن سرد القصة كان مهماً بالنسبة إليها، لكن الاعتماد على النص نفسه لم يكن ضرورياً دائماً لتحقيق هذا الهدف.

المخرجة البيلاروسية فيرا بولياكوفا-ماكي (إدارة المهرجان)

وقالت بولياكوفا-ماكي إن «العديد من المشاهد الكبيرة في العرض بُنيت باستخدام اللغة البصرية والحركية، وكذلك الموسيقى»، موضحة أن «من أهم العناصر التي لم تكن ترغب في فقدانها المونولوجان الأخيران؛ لأنهما يكشفان عن فكرة العرض ومقصده».

وأضافت أنها حرصت أيضاً على الحفاظ على الشكل الشعري للعمل؛ إذ كُتب النص بالوزن اليَمْبي الرباعي الفريد، وكان من شأن أي تدخل فيه أن يُخل بالقافية والإيقاع والبنية المقطعية. ولفتت إلى أنها أرادت كذلك الاحتفاظ بالمشاهد التي اختارتها من نص بوشكين بأكبر قدر ممكن من الاكتمال، وبالحجم الذي وضعه المؤلف.

وأوضحت أنها، عندما كانت تحذف مشهداً أو تنقله إلى صيغة أخرى، كانت تحرص على ترجمته إلى لغة الحركة والتشكيل الجسدي. وأضافت أن «هذا الأسلوب سمح بالحفاظ على جوهر المادة الأصلية، وفي الوقت نفسه إعادة صياغتها بلغة مسرحية معاصرة لا تعتمد على الكلمة وحدها».

وأشارت المخرجة إلى أن «أحد أصعب الأمور بالنسبة إلى الممثلين كان التمكن من النص الشعري، والقدرة على أدائه بمرونة وطبيعية، كما يتحدثون في حياتهم اليومية». وأكدت أن ذلك كان صعباً بالفعل، خصوصاً أن السرد في نص بوشكين يأتي على لسان راوٍ لا تُحدَّد هويته يُنظر إليه بوصفه صديقاً مقرّباً من بطل الرواية، وهو ما دفعها إلى التفكير في طريقة تجعل السرد أكثر قرباً من الحدث والجمهور.

العرض البيلاروسي يستعيد إحدى روائع بوشكين (إدارة المهرجان)

وأوضحت أن «هذا الراوي، في النسخة المسرحية، لم يعد شخصية بعيدة عن الأحداث، بل أصبح حاضراً داخل الموقف نفسه وشريكاً فيه». وأضافت: «قررت أن أجعله أحد أفراد دائرة الصداقة التي تضم أونيجين ولينسكي، وأن يكون حاضراً بالفعل لحظة المبارزة. فهو شاهد على الحب الأول، وكان موجوداً في الحفل، ويعرف شخصياً ما حدث، وليس لأنه سمع القصة من شخص آخر، وهو ما جعله أكثر التصاقاً بالأحداث».

وقالت إن «عصا التتابع» تنتقل بعد ذلك إلى «أونيجين»، ليتولى قيادة الجزء الأخير من الحكاية، موضحة أن «هذا القرار كان ضرورياً حتى لا يبدو نص بوشكين منفصلاً عن الحدث، أو مجرد مادة وصفية تُروى للجمهور من الخارج».

وأضافت بولياكوفا-ماكي أن اللغة الموسيقية تمثّل بالنسبة إليها وسيلة تعبيرية شديدة القوة؛ لكونها تتمتع بحس سمعي، ولأن الموسيقى تؤثر فيها أحياناً بدرجة أكبر من النص؛ ولذلك خصّت كل شخصية رئيسية في العرض بأغنية تعبّر، من دون الاستعانة بكلمات المؤلف، عما تشعر به الشخصية في تلك اللحظة، معتبرة أن هذا الأسلوب قد يكون أشد قوة وتأثيراً.