غيّب الموت، العالم الآثاري المصري الدكتور محمد عبد المقصود، الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، وفق ما أعلنه نجله، السبت، بعد رحلة حافلة بالعطاء في المجال الآثاري، حيث كان من أبرز مكتشفي «طريق حورس الحربي» والقلاع الحربية بسيناء، وقدم العديد من الدراسات والأبحاث والمحاضرات حول القلاع الحربية المصرية القديمة ودورها في حماية الدولة المصرية عبر العصور.
ونعى العالم الراحل عدد كبير من الآثاريين المصريين، كما نعاه وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وقال إن العالم الراحل وافته المنية بعد مسيرة علمية ومهنية حافلة بالعطاء والإخلاص في خدمة الآثار المصرية.
مضيفاً أن الفقيد «كانت له إسهاماته الكبيرة في مجال العمل الأثري، حيث ارتبط اسمه بعدد من الاكتشافات الأثرية في سيناء، والكشف عن مجموعة من المواقع الأثرية التي تُعمق فهم تاريخ العسكرية المصرية منذ آلاف السنين، كما أسس المركز العلمي بالقنطرة شرق».
ونعاه وزير الآثار الأسبق العالم الآثاري الدكتور زاهي حواس، قائلاً إن الدكتور محمد عبد المقصود مدير فرع مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث بقطاع القنال وسيناء رحل عن دنيانا بعد مسيرة حافلة بالإنجاز والتضحية في خدمة تراث مصر الحضاري.
ووصف حواس العالم الراحل بأنه «كان فارساً نبيلاً كرّس حياته للكشف عن تاريخ مصر، وقاد بعزيمة وطنية صلبة أعمال الحفائر، وحماية الآثار في أرض سيناء وبوابتها الشرقية، مقدماً للعالم اكتشافات أثرية خالدة ستظل شاهدة على عبقريته وإخلاصه لوطنه».
وكانت مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث أعلنت في أبريل (نيسان) الماضي عن تعيين الدكتور محمد عبد المقصود عبد الرحيم، مديراً لفرع المؤسسة بقطاع القنال وسيناء، في خطوة استراتيجية تستهدف تعزيز حماية التراث ونشر الوعي الأثري في هذا الإقليم الحيوي.

وجاء في حيثيات القرار أن اختيار عبد المقصود باعتباره أحد أبرز رموز المدرسة الأثرية الميدانية، وهو المكتشف لـ«قلعة ثارو» بمنطقة تل حبوة شرق قناة السويس، والتي تُعرف تاريخياً بأنها «بوابة مصر الشرقية» وأهم القلاع العسكرية على طريق حورس الحربي القديم، حيث كانت نقطة انطلاق الجيوش المصرية العظيمة لتأمين الإمبراطورية في عصور الدولة الحديثة.
وحصل الدكتور محمد عبد المقصود على الدكتوراه بامتياز من جامعة ليل الفرنسية عن «القلاع المصرية القديمة»، وتقلد مناصب رفيعة، وكان له دور في استعادة آثار سيناء من الخارج، وتمثيل مصر في لجنة التراث العالمي باليونيسكو.
ويحكي الخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمي بجنوب سيناء سابقاً، وأحد المقربين من العالم الراحل في مسيرته العملية والعلمية، عن دور عبد المقصود في إعادة كتابة التاريخ الأثري بسيناء، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن من ضمن إنجازات العالم الراحل ما قدمه بمشروع «ترعة السلام وتنمية شمال سيناء من أعمال المسح والإنقاذ الأثري التي واكبت شق الترعة وأبرزها اكتشاف قلعة ثارو (تل حبوة)، طريق حورس الحربي، وبقايا القلاع والحصون الـ11 على البوابة الشرقية لمصر»، عادّا الدكتور محمد عبد المقصود «المكتشف الأبرز لبوابة مصر الشرقية وأكبر حصن عسكري على طريق حورس الحربي والتي كانت نقطة انطلاق الجيوش المصرية في عصور الدولة الحديثة»، وفق قوله.
ولفت ريحان إلى أن هذه الاكتشافات ساهمت في توثيق وإحياء مسار الطريق التاريخي القديم الذي يربط مصر بفلسطين والذي تجسده نقوش الملك سيتي الأول بمعبد الكرنك، كما شملت أعمال الحفائر مواقع مثل «تل حبوة 1 و2 و3»، و«تل الكدوة»، و«تل البرج»، و«تل الحير»، و«تل أبو صيفي»، وجميعها مواقع ترصد تاريخ العمارة العسكرية وتأمين الحدود عبر العصور.
وبناءً على هذه الاكتشافات حسب ريحان «تم تحويل مسار أعمال حفر ترعة السلام لكونه ثاني أكبر مشروع لإنقاذ الآثار في تاريخ مصر بعد مشروع إنقاذ آثار النوبة مما أدى لحفظ وتوثيق مئات المواقع الأثرية في سيناء».

وأشار ريحان الذي يتولى مسؤولية المكتب الإعلامي لاتحاد الآثاريين العرب، إلى أن «الدكتور محمد عبد المقصود كان يعمل في الشهور الأخيرة على موسوعة سيناء لتسجيل كل إنجازات جيل الرواد، والتي أعادت كتابة تاريخ سيناء وكاد ينتهي منها، وفق ما أخبرني الراحل في حوارات بيننا» على حد تعبيره. لافتاً إلى أنه سيعرض على اتحاد الآثاريين العرب إمكانية استكمال هذه الموسوعة.
ونعى المجلس العربي لاتحاد الآثاريين العرب، برئاسة الدكتور محمد الكحلاوي، العالم الراحل محمد عبد المقصود، كما نعاه عدد كبير من الآثاريين من بينهم الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف مكتبة الإسكندرية، والدكتور خالد سعد، المتخصص في آثار ما قبل التاريخ. كما كتبت الخبيرة الآثارية الدكتورة مونيكا حنا في رثائه، أن الدكتور محمد عبد المقصود «قدم مسيرة حافلة بالعطاء في خدمة تراث مصر الحضاري، خصوصاً تراث سيناء، وأفنى عمره في صون تاريخ هذا الوطن وحماية هويته التاريخية».
