جوان زيبق لـ«الشرق الأوسط»: إطلالة الممثل في الأغنية المصوَّرة تُضفي أبعاداً درامية

تُشارك في فيديو كليب «هدية» لناصيف زيتون

تصف ناصيف زيتون بأنه يمتلك حضوراً تمثيلياً لافتاً (جوان زيبق)
تصف ناصيف زيتون بأنه يمتلك حضوراً تمثيلياً لافتاً (جوان زيبق)
TT

جوان زيبق لـ«الشرق الأوسط»: إطلالة الممثل في الأغنية المصوَّرة تُضفي أبعاداً درامية

تصف ناصيف زيتون بأنه يمتلك حضوراً تمثيلياً لافتاً (جوان زيبق)
تصف ناصيف زيتون بأنه يمتلك حضوراً تمثيلياً لافتاً (جوان زيبق)

بعد غياب عن الساحة الدرامية، تعود الممثلة جوان زيبق عبر كليب أغنية «هدية» للفنان ناصيف زيتون، لتنضمّ إلى مجموعة من الممثلات الشابات اللواتي خضن تجارب مماثلة في الأعمال الغنائية المصوّرة، من بينهن جينا أبو زيد وجنيفر عازار.

وترى زيبق، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنّ مشاركة الممثلين في الفيديو كليب تُضيف إليه بُعداً درامياً، وتمنح الجمهور فرصة لاكتشافهم بصورة مختلفة. وتقول: «ثمة فرق كبير بين حضور ممثلة وحضور عارضة أزياء في هذه الأعمال. فالممثلة تمتلك أدوات وتقنيات تساعدها على بناء شخصية وإيصال إحساس معين، فتصبح جزءاً من الحكاية، بينما تبقى العارضة، في غالبية الأحيان، عنصراً بصرياً يُكمِل صورة الأغنية». وتوضح أنها تلقَّت خلال المرحلة الماضية عروضاً للمشاركة في كليبات غنائية، لكنها فضَّلت التريُّث حتى العثور على عمل يحمّسها، فوافقت على عرض مخرج كليب «هدية» لما وجدته فيه من مساحة تمثيلية مختلفة. وتُضيف: «عندما اتصل بي المخرج محمد الدايخ ليُخبرني بمشروعه مع ناصيف زيتون، أعجبتُ بالفكرة فوراً. فأنا من المعجبين به، كما أرى في ناصيف نموذجاً ناجحاً للفنان الشاب».

وتتابع: «شعرت براحة كبيرة خلال التعاون معه، فهو لا يترك أي تفصيل من دون متابعة. فعينه ثاقبة، ويتمتّع بحسّ فني مميز. يهتم بكل شيء، من الماكياج وتسريحة الشعر إلى الأزياء والأداء التمثيلي».

ولا تستبعد زيبق خوض تجربة جديدة في عالم الفيديو كليب إذا وجدت عملاً ينسجم مع تطلعاتها. وعن الفنان الذي تتمنّى التعاون معه، تقول: «فضل شاكر، لكنني لا أعرف ما إذا كان فارق العمر سيشكل عائقاً أمام تجسيد قصة رومانسية. وربما يكون الأمر أسهل إذا أدّى شاكر الأغنية، فيما يجسد ممثلان قصتها. وهو أسلوب اعتمده عدد من الفنانين لتقديم فكرة مختلفة والابتعاد عن المَشاهد التقليدية».

أما عن تعاونها مع ناصيف زيتون وطبيعة شخصيته، فتصفه بأنه «خفيف الظلّ وعفوي في تعامله مع فريق العمل»، مضيفةً: «لفتتني أيضاً قدرته على التمثيل، فهو يؤدّي مشاهده بطبيعية وإحساس كبيرين».

لا تستبعد خوض تجربة جديدة في عالم الفيديو كليب (جوان زيبق)

ويلحظ متابعو الكليب حضور مَشاهد بدت وكأنها ارتجالية. فهل كانت جزءاً من النصّ أم وليدة اللحظة؟ تُجيب: «لمحمد الدايخ أسلوب يعتمده في أفلامه وبرامجه التلفزيونية. كان يشرح لنا المشهد وحيثياته، ثم يترك لنا مساحة للتصرف بحرّية، وهو ما منح العمل عفويته وقربه من الناس».

وترى أن أي دور تمثيلي يحتاج إلى تحضير، لكن طبيعة هذا التحضير تختلف باختلاف مساحة الدور: «الظهور في فيديو كليب يشبه التمثيل في فيلم قصير، لكنه لا يُقارن بالعمل في مسلسل درامي يمتد على حلقات طويلة».

وتؤكد أنّ مشاركتها في كليب «هدية» حقّقت لها انتشاراً واسعاً لم تكن تتوقّعه، وتقول: «جاءت ردود الفعل سريعة وعفوية. فالأغنية المصوّرة، بسبب تكرار عرضها أكثر من مرة يومياً، تُحقّق انتشاراً واسعاً خلال وقت قصير، وهو أمر يختلف عن الأعمال الدرامية التي يحتاج انتشارها إلى وقت أطول».

ومؤخراً، تابعت زيبق مسلسل «ممكن» من إنتاج شركة «الصبّاح»، بطولة نادين نسيب نجيم وظافر العابدين. وتبدي إعجابها بمخرج العمل أمين درة، كما تُثني على أداء أنجو ريحان ورلى حمادة. وتقول: «لفتني أداء أنجو ريحان كثيراً، فقد أثبتت أنها ممثلة مبدعة تمتلك طاقة تمثيلية صقلها المسرح. فهي تعرف متى وكيف تستخدم أدواتها لتلامس المُشاهد. فالمسرح يمنح الممثل نضجاً وخبرة ينعكسان على أدائه. كما أعجبت كثيراً بأداء رلى حمادة، التي أعدّها أيقونة في التمثيل اللبناني، وتعرف دائماً كيف تكسب ثقة الجمهور».

وعما إذا كانت تفكر في دخول عالم المسرح، تختم: «لا أزال بعيدة عن الخشبة، لكنني أتطلّع إلى الوقوف عليها قريباً. فالمسرح له متعته الخاصة التي أتمنّى أن أعيشها».


مقالات ذات صلة

وليد توفيق لـ«الشرق الأوسط»: الغناء يجب أن ينبع من الإحساس

يوميات الشرق يحضّر لميني ألبوم يطلقه بداية العام المقبل (وليد توفيق)

وليد توفيق لـ«الشرق الأوسط»: الغناء يجب أن ينبع من الإحساس

عاصر الفنان اللبناني وليد توفيق عمالقة الزمن الجميل وأصغى إلى نصائحهم وخبراتهم وحفظ جيداً لغة سعيهم واجتهادهم. ولعل هذه التجربة أسهمت في صقل مسيرته والارتقاء

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ندى الكامل (حسابها على موقع إنستغرام)

قضايا «مخدرات المشاهير» تعود للواجهة بعد توقيف «كردي» وطليقة الفيشاوي

عادت وقائع «مخدرات المشاهير» للواجهة مجدداً في مصر بعد توقيف مغني الراب حسين أبو المعاطي، الشهير بلقب «مستر كردي» وبصحبته ندى الكامل طليقة الفنان أحمد الفيشاوي.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق تحيي الفنانة السورية أصالة نصري حفلها الأول في دمشق بعد غياب 16 عاماً (صفحتها على فيسبوك)

«أمّ شام» تعود إلى الديار

أخذت الأيام والشهور والسنوات أصالة فعلاً. أبعدتها عن مسقط رأسِها وقلبها وصوتِها قسراً خلال الأعوام الـ16 الماضية. وعندما حان موعد الرجوع إلى دمشق،

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق مصطفى كامل في حفل بالساحل (صفحته على «فيسبوك»)

«الصحفيين» المصرية لفض الاشتباك بين طارق الشناوي ومصطفى كامل

أعلنت «نقابة الصحفيين» بمصر محاولتها «فض الاشتباك» وإنهاء السجال الدائر على وسائط «سوشيالية» و«إعلامية» منذ أيام بين الناقد الفني طارق الشناوي ونقيب الموسيقيين.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق تحيي الفنانة السورية أصالة نصري حفلها الأول في دمشق بعد غياب 16 عاماً (صفحتها على فيسبوك) p-circle 01:33

مفاتيح أبواب دمشق في يد أصالة... عودة «أمّ شام» إلى الديار

تستعد الفنانة أصالة لإحياء حفلها الأول في وطنها الأم سوريا بعد 16 سنة غياب. خرجت أصالة من دمشق ولم تَعُد بسبب معارضتها للنظام السابق، فهل تستقرّ الآن في الشام؟

كريستين حبيب (بيروت)

غورفيندر سينغ: «رحمة» يتحدى سرديات الانتقام والكراهية

ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)
ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)
TT

غورفيندر سينغ: «رحمة» يتحدى سرديات الانتقام والكراهية

ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)
ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)

قال المخرج الهندي غورفيندر سينغ إن اختياره الرحمة، بدلاً من الانتقام، لتكون القوة العاطفية المحركة لفيلمه «رحمة» (Rehmat)، جاء رغبة في تحدي السرديات التي تقدمها أفلام كثيرة تتناول الانتقام وتغلفه بالأفكار القومية والدينية، مشيراً إلى أن الرحمة تمثل بالنسبة إليه طريقة لمواجهة هذه السرديات وإعادة الاعتبار لقيم إنسانية قديمة.

وأوضح سينغ في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أن إقليم «البنجاب» كان دائماً جزءاً من ثقافة توفيقية تعايشت فيها الديانات، مشيراً إلى أن الحكم الاستعماري البريطاني الذي أدَّى إلى تقسيم المنطقة عام 1947 على أسس دينية غيَّر ذلك الواقع بصورة جذرية، لكن آثار الماضي المتسامح لا تزال حاضرة، مؤكداً أن استقبال الغرباء يمثل جزءاً من هذا الإرث.

وتدور أحداث «رحمة» في «البنجاب» بالهند، من خلال ثلاث حكايات مترابطة؛ الأولى عن امرأة تخفي رجلاً غريباً مصاباً داخل منزلها، بينما تواجه عائلته الحزن واختيارات صعبة، والثانية عن أسرة تعيش تحت وطأة اختفاء أحد أفرادها، أما الحكاية الثالثة فتدور حول رجل مسن غامض، وشهد الفيلم عرضه العالمي الأول في المسابقة الدولية الرئيسية للدورة الـ79 من مهرجان «لوكارنو السينمائي» في نسخته الماضية.

وظَّف المخرج الموسيقي التصويرية بشكل مختلف في الأحداث (الشركة المنتجة)

وقال سينغ إنه يتعمد عدم تقسيم شخصياته إلى أبطال وأشرار، ويرفض رؤية العالم باعتباره أبيض وأسود قدر الإمكان، خصوصاً في ظل الآيديولوجيات القائمة على الانقسام والكراهية، مشيراً إلى أن «صعود التعصب في الهند وأجزاء أخرى من العالم يمثل نتيجة لهذه الحالة، لأن الإنسان يعيش دائماً في حالة من الالتباس بشأن ما هو صواب وما هو خطأ، وهذا الالتباس يرتبط أيضاً بالتعاطف»، على حد تعبيره.

المخرج الهندي غورفيندر سينغ (الشركة المنتجة)

وأضاف المخرج أن مهمته لا تتمثل في تقديم إجابات أخلاقية جاهزة للجمهور، بل في وضع الشخصيات داخل مواقف تضطرها إلى اتخاذ قرارات قد تبدو محيرة له وللمشاهد معاً، موضحاً أن «المشكلة في الأخلاق تقسم العالم إلى الصواب والخطأ، والخير والشر، والطيب والشرير، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً من هذه الثنائية، ومن ثم لا يفرض الفيلم أحكاماً أخلاقية على الشخصيات وأفعالها».

وقال سينغ إن «رحمة» يتحدث عن الفقد، لكنه لا يتخلى عن الأمل، لأن الأمل هو ما يساعد الناس على الاستمرار مهما كانت قسوة حياتهم، لافتاً إلى أن «تقديم المشاعر، سواء كانت الخسارة أو الأمل، بصورة عاطفية مبالغ فيها يمثل مشكلة، لأنه يمنع المشاهد من الوصول بنفسه إلى إحساسه تجاه الحدث، ووضع الأشياء والمشاعر في حالة من المقابلة يساعد على استحضار المشاعر بصورة أكثر صدقاً»، على حد تعبيره.

وعن اختيار عنوان «رحمة» بدلاً من إطلاق اسم إحدى الشخصيات على الفيلم، قال غورفيندر سينغ إن «العمل لا يدور حول شخصية واحدة، وأفلامي عموماً لا تتمحور حول فرد واحد، فلا أستطيع تقديم الصورة الكاملة من منظور شخص واحد، والحكاية في (رحمة) تتوزع بين شخصيات وتجارب وذكريات تتقاطع مع بعضها البعض».

وأرجع اختياره سرد ثلاث حكايات مترابطة بدلاً من متابعة بطل واحد إلى رغبته في التخلص من فكرة الخطية التقليدية للحبكة لأن مجموعات مختلفة من الشخصيات تصبح مهمة في أوقات مختلفة من الفيلم، تاركة وراءها ذكرياتها وآثارها التي تتداخل مع الحاضر.

عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان لوكارنو (الشركة المنتجة)

وحول حضور الماضي بشكل مستمر داخل الحاضر في «رحمة»، قال المخرج إن «الماضي هو الحدث السابق في أي حكاية، لكنه يظل يترك آثاره وانطباعاته على الحاضر، والأماكن التي يعيش فيها الأشخاص تستحضر قرابة قرن ونصف القرن من تاريخ البنجاب، ولذلك لم يتعامل مع العمارة باعتبارها مجرد خلفية للأحداث، وإنما جعلها سرداً موازياً لما يحدث أمام الكاميرا، بحيث تحمل الجدران والأبنية ذاكرة المكان مثلما تحملها الشخصيات».

وأوضح سينغ أن «الفيلم ينتقل بين طبقات معمارية وزمنية مختلفة، بدءاً من منزل حضري معاصر للطبقة الوسطى، مروراً بمنزل ريفي في البنجاب يعود إلى مرحلة ما بعد التقسيم، ثم منزل يعود إلى ما قبل التقسيم، وصولاً إلى مبنى مدرسة من القرن التاسع عشر بناه المستعمرون، معتبراً أن هذه الطبقات تنكشف واحدة تلو الأخرى، وأن الأماكن تسكن الفيلم مثل الشخصيات، وتحكي قصتها الخاصة».

تناول الفيلم جوانب إنسانية في حياة أبطاله (الشركة المنتجة)

وعن عودة رشيد علي إلى المكان الذي ولد فيه، وما إذا كان الوطن يتحول في لحظة ما من مكان إلى ذاكرة، قال سينغ إن «الإجابة صعبة بالنسبة إليه لأنه لم يعش تجربة التهجير شخصياً، وهي تجربة عاشها جيل أجداده»، مشيراً إلى أن الوطن الذي تركه أجداده، في الجزء الغربي من «البنجاب» الذي أصبح الآن في باكستان، كان بالنسبة لهم ماضياً مريراً، لطخته ذكريات المجازر الطائفية التي شهدوها عام 1947، ولذلك لم يكن استحضاره مرتبطاً بالحنين أو تمجيد الماضي.

وكشف سينغ أن اختيار اسم «رحمة» جاء نتيجة مصادفة غريبة أثناء التصوير، عندما غنت مجموعة من النساء في الفيلم أغنية دينية، لم يكُنَّ يعرفن مسبقاً ماذا سيغنين، موضحاً أن الأغنية كانت تتحدث عن الرحمة والأمل، فوجد نفسه أمام العنوان الذي كان يبحث عنه من دون أن يدرك ذلك، وحدث ذلك في منتصف التصوير.

وعن عدم اعتماده على موسيقى تصويرية تقليدية، قال سينغ إن موسيقى الخلفية تمثل عنصراً خارجياً يُستخدم عادة للتأكيد على الصوت والصورة أو تعزيز تأثيرهما، ولذلك لا يعتبرها جزءاً أصيلاً من فن السينما.

وأكَّد أن «رحمة» كان مختلفاً منذ مرحلة الكتابة، لأنه كان مقتنعاً منذ البداية بأنه لن يعتمد على موسيقى تصويرية في الخلفية، بحيث لا تأتي الأغاني من خارج التجربة السينمائية، وإنما تصبح جزءاً من الدراما وشخصياتها وحياتها اليومية.


ذاكرة الماء... نساء يُعِدن تشكيل وجه «البندقية»

تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)
تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)
TT

ذاكرة الماء... نساء يُعِدن تشكيل وجه «البندقية»

تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)
تعمل بياتريس (28 عاماً) في قيادة قوارب «الجندول» منذ عام (دانييلا سالا)

تبدو البندقية، تلك المدينة المعلقة فوق الماء، للوهلة الأولى كأنها عصية على التغيير. مدينة تنتمي إلى الماضي بقدر ما تنتمي إلى الحاضر، وتواصل تغذية خيال ملايين الزوار القادمين إليها من مختلف أنحاء العالم. غير أن المدينة التي تبدو ثابتة خارج الزمن تتغير في الواقع باستمرار، وإن كان تغيرها يجري ببطء وتحت السطح، مثل المياه التي تحملها، حسب صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لطالما ارتبط اسم البندقية بفكرة الخلود والثبات. مدينة لا تتغير، أو هكذا تبدو، لكن خلف هذه الصورة الحالمة تواجه البندقية واقعاً أكثر هشاشة وتعقيداً. فارتفاع مستوى سطح البحر، وتقلبات المد والجزر التي أصبحت أكثر صعوبة في التنبؤ بها، يُعيدان تشكيل البحيرة، ويهددان التوازن الدقيق الذي تقوم عليه المدينة.

وفي الداخل، تضغط السياحة الجماعية على نسيج الحياة اليومية. منازل تتحول إلى مساكن للإيجار قصير الأجل، ومتاجر وخدمات محلية تفسح المجال أمام أنشطة موجهة إلى الزوّار، فيما يواصل السكان مغادرة المركز التاريخي للمدينة. ومع رحيلهم، تشغل السياحة المساحات التي يتركونها وراءهم، لتصبح فينيسيا أمام مفارقة واضحة: السياحة نتيجة التحول الذي تشهده المدينة، وسبب له في الوقت نفسه.

لكن بعيداً عن قصتي السياحة المفرطة والتغير المناخي، تجري في البندقية عملية تحول أكثر هدوءاً، تتعلق بمن يملك الحق في استخدام فضائها العام، ومن يحق له أن يكون جزءاً من هويتها.

حين يكون الماء هو الشارع

تقوم البندقية على شبكة من نحو 150 قناة صالحة للملاحة، وهي ليست مجرد ممرات مائية خلابة، بل شوارع المدينة الفعلية، فعبرها ينتقل السكان، وتتحرك الأعمال، وتدور تفاصيل الحياة اليومية.

وعلى مدى قرون، كان هذا الفضاء تحكمه قواعد واضحة، وأعراف غير مكتوبة، أبقت النساء إلى حد كبير بعيداً عنه.

فكما تعرضت النساء في مدن كثيرة للتهميش داخل الفضاء العام والشوارع، واجهن في البندقية شكلاً مشابهاً من الإقصاء، لكن في الماء هذه المرة.

لم يكن حضورهن مألوفاً في قيادة القوارب، أو في مهن مثل قيادة الجندول والقوارب التقليدية، أو في صناعة القوارب، ولا في مسابقات التجديف.

غير أن هذا الواقع بدأ يتغير.

وتروي القصص التي يجمعها هذا المشروع كيف تستعيد نساء البندقية هذا الفضاء من خلال التقاليد نفسها، فهن لا يقطعن صلتهن بالماضي، بل يستندن إليه؛ يحملن مهارات ومهناً شكلت جزءاً من هوية المدينة لقرون، ثم يعِدن تقديمها من منظور جديد.

أول امرأة تقود الجندول

في عام 2010، أصبحت جورجيا بوسكولو أول امرأة تحصل على رخصة لقيادة الجندول في البندقية، منهية بذلك حاجزاً مهنياً استمر قروناً، وممهدة الطريق أمام نساء أخريات.

ومع ذلك، لا تزال النساء العاملات في هذه المهنة قلة. ووفقاً لزملائهن من سائقي الجندول، يمكن عدّ العاملات فعلياً في المهنة على أصابع اليدين، رغم أن عدداً أكبر من النساء اجتزن اختبارات التأهيل خلال السنوات الأخيرة.

وتضم البندقية نحو 440 سائق جندول مرخصاً، إضافة إلى نحو 200 سائق بديل؛ وهم أشخاص مؤهلون اجتازوا الاختبارات المطلوبة، لكنهم لم يحصلوا بعد على رخصتهم الخاصة.

امرأة وحيدة بين «الساندوليستي»

ولا تقتصر عودة النساء إلى مياه البندقية على الجندول، فهناك أيضاً مهنة «الساندوليستا»، وهي قيادة قارب «ساندولو»، أحد القوارب الفينيسية التقليدية ذات القاع المسطح، والذي كان يستخدم على نطاق واسع في الماضي للتنقل اليومي عبر البحيرة.

واليوم، لم يتبقَّ من العاملين في هذه المهنة سوى نحو 20 شخصاً، بينهم امرأة واحدة فقط: كيارا كورتو.

أما في أحواض بناء القوارب التقليدية المتبقية في المدينة، والمعروفة باسم «سكويري»، فتتولى سيلفيا سكاراموتسا دوراً نادراً للغاية؛ فهي المرأة الوحيدة التي تحمل لقب «مايسترا داسيا»، أي خبيرة صناعة القوارب الخشبية وبنائها وإصلاحها.

«فتيات بأقصى سرعة»

وفي الوقت الذي تدخل فيه بعض النساء إلى المهن التقليدية، تعمل أخريات على فتح أبواب جديدة.

في عام 2020، أسست مارتا كانينو مبادرة «Fie a Manetta»، وهو اسم يمكن ترجمته تقريباً إلى «فتيات بأقصى سرعة»، في إشارة إلى النساء اللاتي يتولين قيادة القوارب.

وتُعد المبادرة أول مدرسة، ولا تزال الوحيدة، لتعليم قيادة القوارب ذات المحركات في البندقية، تديرها نساء وتفتح أبوابها أمام الجميع.

ولدت الفكرة من إدراك كانينو أن عالم الملاحة لا يزال إلى حد كبير مجالاً يُهيمن عليه الرجال.

وتقول كانينو: «يا فتيات، علينا أن نبدأ التعرف بعضنا إلى بعض، ومنح دورنا في هذه المدينة قيمة اجتماعية ووزناً سياسياً».

إعادة تعريف المدينة من الماء

لا تدخل النساء إلى مياه البندقية عبر شعارات كبيرة أو حملات صاخبة. يحدث الأمر في كثير من الأحيان بهدوء، من خلال العمل والممارسة اليومية.

امرأة تقود جندولاً، وأخرى تجدّف بقارب تقليدي، وثالثة تبني القوارب، وأخريات يتعلمن قيادة القوارب ذات المحركات.

قد تبدو هذه الممارسات، كل واحدة منها على حدة، مجرد استثناءات محدودة في مدينة عريقة تحكمها تقاليد راسخة، لكنها، مجتمعة، تكشف عن تحول أعمق.

فالنساء لا يكتفين بدخول فضاء كان مغلقاً أمامهن طويلاً؛ إنهن يشاركن في إعادة تعريف هذا الفضاء نفسه.

وفي مدينة يكون فيها الماء شارعاً، يصبح وجود النساء على الماء أكثر من مجرد ممارسة لمهنة أو مهارة؛ إنه استعادة لجزء من المجال العام، وإعادة رسم لعلاقة المدينة بسكانها، ولصورة البندقية التي يحملها العالم عنها.

وهكذا، في حين تتغير البندقية بفعل ارتفاع المياه والسياحة وضغوط العصر، تتغير أيضاً من الداخل بفضل نساء يخضن مياهها، ويحملن تقاليدها إلى مستقبل مختلف.


«مهرجان رمّان»... دعوة إلى تخيّل مدننا من زاوية جديدة

طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)
طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)
TT

«مهرجان رمّان»... دعوة إلى تخيّل مدننا من زاوية جديدة

طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)
طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)

يومان من الموسيقى الشبابية أنعشا القلوب في طرابلس (شمال لبنان). فِرَق من لبنان وسوريا وفلسطين والأردن ومصر أحيت أمسيتين حافلتين ضمن النسخة الخامسة من «مهرجان رمَّان» السنوي. ورش عمل وعروض ولقاءات وموسيقى وغناء؛ فالترفيه ليس هدفاً وحيداً، إذ سعى المهرجان، منذ انطلاقته، إلى دعم الفنانين الصاعدين في المقام الأول، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعريف بإبداعاتهم، إلى جانب استضافة فرق معروفة في مدينة تضيق فيها المساحات المتاحة للموسيقى المستقلة.

من فيلم «فأر أسود» حيث يظهر جانب من معرض رشيد كرامي (الشرق الأوسط)

افتُتحت دورة السنة الحالية، في 4 سبتمبر (أيلول)، بعرض سينمائي موسيقي بعنوان «فأر أسود»، تختلط فيه الصورة بصوت السوبرانو منى حلَّاب، التي رافقت شريطاً شبه وثائقي من كتابة أحمد النابلسي وإخراجه. ويواكب الشريط راكب دراجة يجوب شوارع طرابلس، فيما تلتقطه الكاميرا من علوّ، في مشاهد تتيح رؤية المدينة من زوايا قد لا تخطر في البال. أما الموسيقى الجنائزية المصاحبة للشريط، فتتسم بطابع درامي يوحي بشرّ مستطير. ويصعب فصل هذه الأصوات الصاخبة عن العنف المحيط بنا، من حروب ودمار؛ فكلٌّ يعبِّر بطريقته عن بؤس بات يتجاوز قدرة العقول على الاحتمال.

عُرض الفيلم على أحد أوجه صندوق كبير غُطِّيت جوانبه بقماش أبيض، وهو مكعّب كبير يذكّر بفكرة صندوق الفرجة، أطلقت السوبرانو منى حلَّاب، من داخله، العنان لصوتها، مرافقة جزءاً من العرض بالغناء والكلام.

لا يكتفي الفيلم بالتجوال في المدينة، آخذاً المُشاهد إلى بحرها وجسورها وشوارعها الضيقة وقطارها المهمل، بل يدخل به إلى واحد من أبرز معالمها المتروكة، مسلّطاً الضوء على معرض رشيد كرامي الدولي، الذي صممه المهندس البرازيلي الشهير أوسكار نيماير، ليكون واحداً من أغنى المعالم الحديثة في المدينة. ومع ذلك، لا يزال غارقاً في سكون الموت. ويصوّر الفيلم كل مبنى وزاوية في المعرض بأساليب مختلفة، بحيث يبدو غياب البشر عن هذا المكان الجميل كأنه اغتيال له وطعنة لحيويته المفترضة.

المخرج أحمد النابلسي يأخذنا في رحلة على دراجة (الشرق الأوسط)

ويخبرنا مخرج العمل، أحمد النابلسي، أن الفيلم عُرض بصيغته الوثائقية الأولى في أكثر من 30 بلداً، قبل أن تُدخل عليه تعديلات أخرجته من وظيفته الأصلية. وكان الفيلم قد صُوّر عقب الانتفاضة اللبنانية، وصدر عام 2022. أما في نسخته المجددة التي قدّمها «مهرجان رمّان»، فتحوّل من فيلم قصير إلى عرض حي وتجربة سمعية بصرية تتداخل فيها الموسيقى والصوت والإضاءة والذاكرة، في محاولة لإعادة التفكير في أمكنة أُقصيت ووُضعت على هامش حياة المدينة، على الرغم من أهميتها.

وبالتعاون مع السوبرانو اللبنانية منى حلّاب، والمنتج الموسيقي جوي مغني، والسينوغراف فراس الحلاق، يطرح الفيلم على متلقّيه أسئلة متداخلة، من بينها حرمان المواطن من نعمة المساحات العامة وإمكان استعادتها، وما إذا كان فهم المدينة بطريقة مختلفة قد يساعدنا في العثور على إجابات غابت عن البال.

تلا الفيلم حفل فرقة «شم الهوا»، الآتية من جنوب لبنان، في أول ظهور لها. وهي لم تكن الفرقة الوحيدة المشاركة من الجنوب؛ إذ أُريد لهذه الدورة، التي تنعقد في ظرف أليم يعيشه أهالي الجنوب، أن تكون تحية إليهم من أهل الشمال، من خلال استقبال موسيقييهم وفرقهم.

فرقة «السّلك» والثنائي رومي ملحم وخالد عمران (الشرق الأوسط)

كذلك قدّمت فرقة «السّلك» مجموعة من أغنياتها. وهي ثنائي موسيقي يضم رومي ملحم وخالد عمران، اللذين قدّما مزيجاً من العزف على الكمان والكونترباص والموسيقى الإلكترونية الحيّة، مع كلمات أغنيات من تأليفهما. ويشكّل الثنائي صوتاً متمرداً على السائد، ويمزج في أدائه بين الفلامنكو والإيقاعات الشرقية و«التريب هوب».

واختُتم اليوم الأول مع فرقة «صنم» البيروتية، التي تجمع بين الروك البديل والموسيقى الإلكترونية والفولكلور والارتجال الحر، وتمزج ذلك بالأغنية المصرية التقليدية والشعر العربي الحديث.

وحسب المنظمين، فإن اللقاء هو «دعوة إلى تخيّل مدننا من زاوية جديدة. ما الذي يمكن أن يخبرنا به الجنوب بصوته لو قال كل ما في قلبه؟ وما المستقبل الذي تصنعه طرابلس بعيداً عن كل القصص التي تُحكى عنها؟ وكيف يمكننا أن نستعيد رؤيتنا لمنطقتنا العربية بوصفها مساحة واحدة حيّة، تجمعها الموسيقى وحركة الناس واهتمامنا بعضنا ببعض؟».

طرابلس من علٍ (الشرق الأوسط)

وبهذه الروح، عُقدت ورش عمل عدّة في اليوم الأول، ونظّم المهرجان، نهار اليوم الثاني، في مبنى «مرسح» المجاور، يوماً مفتوحاً للفنانين العاملين في مجال الموسيقى في بلاد الشام، ما أفسح المجال أمام التنسيق والتعارف والتعاون الفني بين المواهب المشاركة.

وعادت الموسيقى مساءً لتضجّ في أنحاء «ستريو كواليس»، المكان الذي كان إحدى دور السينما في منطقة الميناء، قبل أن يمرّ بمخاض ويتحوّل، في النهاية، إلى دارة تستقبل الموسيقيين والفنانين.

وقدّمت الفنانة الفلسطينية - المصرية «ما بين»، برفقة عدد من الموسيقيين، أعمالاً تمزج بين الهيب هوب والجاز والروك البديل والموسيقى الإلكترونية والبوب التجريبي، وتتناول في كلماتها الذاكرة والانتماء والبحث عن المعنى وآفاق المستقبل.

وعبّر مغنّي الراب الطرابلسي بلال، الذي أصبح أحد الأسماء الصاعدة في مشهد الراب اللبناني، عن صوت المدينة بأسلوبه الخاص، من خلال أداء يمزج بين صدق الكلمة والحيوية اللافتة.

وشارك في الأمسية مغنّي راب آخر هو الأردني - الفلسطيني مسلّم، الذي يجمع إلى الغناء الرسمَ والفنَّ السمعي البصري، مستفيداً من خلفيته الأكاديمية في الفنون الجميلة والسيراميك.

كما شارك في الليلة الختامية مغنّي الراب اللبناني جمّول، الذي تختلط في موسيقاه السخرية بالنقد السياسي وقسوة الحياة اليومية.

واختُتمت النسخة الخامسة من «مهرجان رمَّان» الموسيقي وسط تأكيد منظّميها أنها أكثر من مجرد مجموعة حفلات؛ فهي «دعوة إلى استعادة الخيال بوصفه فعلاً جماعياً، وليس وسيلة للهرب من الواقع، بل خطوة أولى نحو إعادة تشكيله». ويريد المنظّمون للمهرجان أن يكون «حواراً مفتوحاً يبدأ من لبنان ويمتد إلى منطقتنا العربية بأسرها».