في وقت يستعد فيه العالم للاحتفال باليوم الدولي للشباب، غداً 12 أغسطس (آب)، تبدو تطلعات أكثر من 1.3 مليار شاب وشابة متشابهة، رغم اختلاف البيئات والظروف التي يعيشون فيها. فالبحث عن فرصة عمل، وتعليم أفضل، وحياة أكثر أمناً واستدامة، يجمع هذا الجيل في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية والمناخية والتكنولوجية.
«ظروف مختلفة، تطلعات مشتركة»
ومع الاحتفاء باليوم الدولي للشباب لعام 2026، الذي اختارت له الأمم المتحدة شعار «ظروف مختلفة، تطلعات مشتركة»، تتصدر قضايا الشباب جدول الاهتمام العالمي، في ظل تحديات متزايدة تجعل هذا الجيل يقف في الصف الأول لمواجهة آثار البطالة، والتغير المناخي، والتحول الرقمي، والصحة النفسية.
ولعل القول المأثور «ولذة الدنيا وإن كانت تسر/ فإن الشباب منها أطيب الطيب»، يكتسب اليوم دلالة جديدة، في عالم يمتلك أكبر كتلة شبابية في تاريخه، لكنه لا يزال عاجزاً عن استثمار هذه الثروة البشرية على النحو الأمثل.
ويبلغ عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً نحو 1.3 مليار شاب وشابة، أي ما يقارب 16 في المائة من سكان العالم، إلا أن هذا الجيل لا يعيش واقعاً واحداً. ففي حين يحظى الشباب في الدول المتقدمة بفرص واسعة في الابتكار والتكنولوجيا والتواصل، يواجه أقرانهم في أقل البلدان نمواً، والدول النامية غير الساحلية، والدول الجزرية الصغيرة النامية، تحديات هيكلية تعيق فرصهم في التعليم والعمل والتنمية.
وتكشف أحدث بيانات منظمة العمل الدولية لعام 2026 عن صورة مقلقة لسوق العمل العالمي. فعلى الرغم من استقرار معدل البطالة العالمي عند 4.9 في المائة، تصل بطالة الشباب إلى 12.4 في المائة، أي أكثر من ضعف المعدل العام. كما تشير البيانات إلى أن 27.9 في المائة من الشباب في الدول منخفضة الدخل لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون أي تدريب مهني، وهو مؤشر يعكس اتساع فجوة الفرص أمام هذه الفئة.
المنطقة العربية
وفي المنطقة العربية، تبدو الأزمة أكثر حدة؛ إذ ما تزال معدلات بطالة الشباب من بين الأعلى عالمياً، بمتوسط يبلغ نحو 28 في المائة، وهو ما يضع قضية التشغيل في مقدمة التحديات التنموية التي تواجه الحكومات العربية.
ولا تقف الفجوة عند حدود سوق العمل، بل تمتد إلى التعليم؛ إذ لا تتجاوز نسبة الالتحاق بالتعليم العالي في أقل البلدان نمواً 11 في المائة، وهو مستوى يحد من قدرة الشباب على الاندماج في اقتصاد المعرفة والاستفادة من التحولات الرقمية المتسارعة.
وفي موازاة الضغوط الاقتصادية، تبرز الصحة النفسية باعتبارها أحد أكبر تحديات جيل 2026. فقد أظهر تقرير الأمم المتحدة حول «الشباب والصحة النفسية والرفاهية» وجود ارتباط وثيق بين البطالة، وانعدام الأمن المعيشي، والقلق المرتبط بتغير المناخ، وبين تدهور الصحة النفسية لدى الشباب.

ويؤكد التقرير أن الرفاه النفسي لم يعد قضية فردية فحسب، بل أصبح انعكاساً مباشراً للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الشباب. فعدم اليقين بشأن المستقبل المهني، أو العيش في مناطق مهددة بالتغير المناخي، يفرض ضغوطاً نفسية متزايدة تستدعي تبني سياسات اجتماعية وقائية وشاملة.
ويكتسب اليوم الدولي للشباب هذا العام أهمية إضافية مع دخول أسواق العمل مرحلة جديدة تقودها الأتمتة وتقنيات الذكاء الاصطناعي. ووفق تقرير مشترك صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) ومنظمة العمل الدولية، فإن الذكاء الاصطناعي مرشح لإحداث تحولات جذرية في سوق العمل بالمنطقة العربية، وقد يؤدي إلى زيادة بطالة الشباب بنحو 10 في المائة خلال الفترة بين عامي 2025 و2030 إذا لم تُعالج فجوة المهارات الرقمية.
اقتصاد ما بعد الذكاء الاصطناعي
ويحذر التقرير من أن هذا التحول مرشح لتوسيع الفجوة بين الشباب المؤهلين رقمياً وبين أولئك الذين لم يحصلوا على التدريب والتأهيل المناسبين، ما يفرض على الحكومات الاستثمار بصورة عاجلة في التعليم التقني، وإعادة تأهيل القوى العاملة الشابة بما يتناسب مع اقتصاد ما بعد الذكاء الاصطناعي.
ورغم هذه التحديات، يبرز الشباب بوصفهم قوة فاعلة في صناعة الحلول، لا مجرد متلقين للأزمات. ففي الدول الجزرية الصغيرة النامية، التي يهددها تغير المناخ بشكل مباشر، يقود الشباب مبادرات للتكيف المناخي، ويطورون حلولاً مبتكرة تشمل الزراعة المستدامة، وحماية السواحل، وريادة الأعمال الخضراء، في نموذج يعكس قدرتهم على تحويل التحديات إلى فرص.
ويحمل شعار اليوم الدولي للشباب لعام 2026، «ظروف مختلفة، تطلعات مشتركة»، رسالة تتجاوز الاحتفاء الرمزي؛ إذ يدعو الحكومات والمجتمع الدولي إلى إعادة النظر في السياسات الموجهة للشباب، بعيداً عن القوالب النمطية.
فالاختلاف في الظروف لا يقتصر على الفوارق بين الدول، بل يمتد داخل الإقليم الواحد. فالشاب الذي يعيش في منطقة تعاني النزاعات يتطلع، كما نظيره في دولة تشهد مشاريع تنموية كبرى مثل «رؤية السعودية 2030»، إلى فرصة عادلة، وتعليم نوعي، وصوت مسموع، ومستقبل أكثر استقراراً.
ضرورة عالمية
وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2050 سيعيش نحو 69 في المائة من شباب العالم في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وهو ما يجعل الاستثمار في هذه الفئة ضرورة اقتصادية وأمنية عالمية، وليس مجرد خيار تنموي. فإهمال هذه الكتلة الديمغرافية الضخمة قد ينعكس على استقرار العالم بأسره، بينما يمثل الاستثمار فيها فرصة لبناء مرحلة جديدة من النمو والازدهار المشترك.
ورغم اختلاف البيئات والظروف التي يولد فيها الشباب، تبقى تطلعاتهم نحو العدالة والكرامة والاستدامة العامل الجامع بينهم، والقوة القادرة على توحيدهم في مواجهة تحديات المستقبل.
التضامن التعليمي الرقمي... استثمار في المستقبل
وفي ضوء التفاوت الكبير في فرص الحصول على التعليم المتقدم بين الدول الغنية والفقيرة، تبرز دعوات متزايدة إلى تبني نموذج جديد يقوم على التضامن التعليمي الرقمي، باعتباره أحد أكثر الحلول واقعية لمواجهة فجوة التعليم والمهارات.
نطاق الاستفادة
وتستند هذه الرؤية إلى حقيقة أن التعليم الجامعي والمهني، ولا سيما في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، أصبح متاحاً عبر المنصات الرقمية بتكاليف أقل كثيراً من التعليم التقليدي، ما يتيح للدول المتقدمة ومؤسساتها الأكاديمية توسيع نطاق الاستفادة منه عالمياً.
ويقترح هذا التوجه العمل عبر مسارين رئيسيين، أولهما إطلاق منح دراسية رقمية تتيح للطلاب المتفوقين في الدول النامية الالتحاق ببرامج أكاديمية ومهنية عن بُعد مجاناً أو بدعم كامل، وثانيهما إقامة شراكات لنقل المعرفة تتيح للجامعات في الدول النامية استخدام المناهج والتراخيص الأكاديمية للجامعات العالمية، إلى جانب تدريب أعضاء هيئة التدريس.
استقطاب الكفاءات
ويرى مختصون أن لهذه المقاربة فوائد تتجاوز الجانب التعليمي؛ إذ تسهم في بناء اقتصادات أكثر قوة داخل الدول النامية، والحد من الهجرة غير النظامية والصراعات المرتبطة بالفقر، كما تمنح الدول المتقدمة فرصة لاستقطاب الكفاءات المؤهلة لسد النقص في أسواق العمل التي تعاني الشيخوخة السكانية، فضلاً عن تعزيز القوة الناعمة وبناء علاقات طويلة الأمد مع الأجيال الجديدة.
وتستند هذه الرؤية إلى تجارب دولية قائمة، من بينها برنامج منح الكومنولث للتعليم عن بُعد في المملكة المتحدة، الذي أتاح لطلاب من الدول النامية الحصول على درجات الماجستير من جامعات بريطانية دون مغادرة بلدانهم، إضافة إلى مبادرات أطلقتها مؤسسة ماستركارد بالشراكة مع جامعات عالمية لتوسيع فرص التعليم الإلكتروني أمام الطلاب في أفريقيا.
كما تدرس الأمم المتحدة إطلاق منصة جامعية إلكترونية مخصصة لتوفير التعليم في مجالات العلوم والتكنولوجيا لأقل البلدان نمواً، في محاولة لمعالجة تدني معدلات الالتحاق بالتعليم العالي التي لا تزال تقف عند حدود 11 في المائة في تلك الدول.
الطاقات الشبابية
وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، لم يعد توفير التعليم المتقدم عبر الحدود يُنظر إليه باعتباره مبادرة خيرية، بل أصبح استثماراً استراتيجياً في مستقبل الاقتصاد العالمي، وخطوة قادرة على تحويل الطاقات الشبابية في الدول النامية من تحدٍّ ديمغرافي إلى محرك رئيسي للنمو والابتكار.
وكما احتفى الأقدمون بالشباب قبل قرون بوصفه «أطيب الطيب»، فإن التحدي اليوم لا يكمن في الإقرار بقيمة الشباب فحسب، بل في ترجمة هذه القناعة إلى سياسات وفرص حقيقية تضمن أن تتحول طاقات هذا الجيل إلى محرك للنمو والابتكار، لا إلى أزمة عالمية جديدة.












