وسط التحولات المتسارعة التي تشهدها سوق العمل بفعل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، لم يعد الالتزام بالحد الأدنى من المتطلبات المهنية كافياً لضمان التميز أو حتى البقاء في دائرة المنافسة. فقد باتت الشركات تبحث عن سمات إنسانية عميقة يصعب على الآلات محاكاتها، وتُشكل، في الوقت نفسه، قيمة مضافة حقيقية في بيئات العمل الحديثة.
في هذا السياق، تؤكد جيني روجرسون، رئيسة قسم الموارد البشرية بشركة «كانفا»، أن هناك سمتين أساسيتين تحرص على توافرهما في جميع المرشحين، بغضّ النظر عن طبيعة أدوارهم أو أقسامهم.
وخلال حديثها في قمة «تشارتر» للعلامات التجارية الجديدة لأصحاب العمل، التي عُقدت في مدينة نيويورك، أوضحت روجرسون أن هاتين السمتين أصبحتا ضروريتين للعاملين في عصر الذكاء الاصطناعي، وفقاً لما نقلته شبكة «سي إن بي سي». وقالت: «الفضول هو الأساس. في عالم سريع التغير كهذا، ومع هذا الكمّ من التحولات، لا بد من التحلي بالفضول».
وبيّنت روجرسون أن الفضول لا يقتصر على متابعة المستجدات التقنية، مثل الذكاء الاصطناعي، بل يمتد ليشمل التساؤل حول «أسباب اتخاذ القرارات من الأساس». وتوضح أن هذا النوع من الفضول يعني «فهم ما سبق، وتقدير أصوله، واستيعاب الفلسفات التي قامت عليه، ثم البناء عليها بشكل أكثر قوة وعمقاً».

ولقياس مدى توافر هذه السمة لدى المرشحين، قد تلجأ روجرسون إلى طرح أسئلة، خلال مقابلات العمل من قبيل «ما الذي تعلمته خارج نطاق تخصصك الأساسي، ثم طبّقته عملياً لتحقيق تأثير ملموس؟». فعلى سبيل المثال، قد يكون أحد المرشحين تعلّم تقنية «البرمجة التفاعلية» من تلقاء نفسه، ثم وظّفها بطريقة مبتكرة لدفع مشروع معين إلى الأمام داخل بيئة العمل.
وعلى الرغم من أهمية الفضول، تؤكد روجرسون أن هذه السمة وحدها لا تكفي، ما لم تُترجَم إلى أفعال ملموسة، فهي تشدد على ضرورة أن يبادر الموظفون إلى تطبيق ما يتعلمونه، وأن يسهموا بفاعلية خارج نطاق مهامّهم المباشرة. وتقول، في هذا السياق: «نحن نرغب في بناء ثقافة قائمة على العطاء»، حيث يشعر الأفراد «بمسؤوليتهم تجاه هذه الثقافة»، وبأنهم «شركاء حقيقيون فيها، يسهمون في تشكيلها بقدر ما يستفيدون منها».
ومن هذا المنطلق، تبحث روجرسون عن مرشحين لا يكتفون بأداء واجباتهم الأساسية، بل يسعون إلى تقديم ما يتجاوز المطلوب في مجال تخصصهم. وقد يتجلى ذلك في مبادرات متنوعة، مثل تأسيس نادٍ داخل الشركة، أو طرح أفكار جديدة، أو ملاحظة خلل معين والمساهمة في معالجته.
ولتقييم قدرة المرشح على تطوير ذاته والإسهام في الفريق، قد تطرح سؤالاً مثل: «ما الذي قمت به خارج نطاق مهامّك الأساسية وأسهم في تطوير المنتج، أو إطلاق منتجات مميزة للمستخدمين، أو إثراء ثقافة الفريق؟».
أهمية بذل جهد إضافي
ويُلاحظ أن كثيراً من القادة التنفيذيين يشددون، اليوم، على أهمية بذل جهد إضافي، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. ففي عام 2025، صرّح غريغ هارت، الرئيس التنفيذي لشركة «كورسيرا»، بأن الحفاظ على القدرة التنافسية يتطلب من الموظفين المبادرة إلى تطوير مهاراتهم، سواء من خلال إكمال الشهادات المهنية أم الحصول على شهادات مصغّرة.
كما أشارت فيبي جافين، مدربة التطوير المهني، إلى أن بناء علاقات قوية مع الزملاء والشركاء من مختلف الأقسام يساعد المهنيين الناجحين على أن يكونوا أكثر استباقية وفاعلية.
أما الفضول فيُعد من المهارات الإنسانية الخمس التي لا غنى عنها في عصر الذكاء الاصطناعي، وفق ريان روسلانسكي، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لينكد إن».
في السياق نفسه، صرّح دارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبر»، بأنه يدين بجزء كبير من نجاحه المهني لكونه «منفتحاً للغاية على كل شيء».
في المحصّلة، لم يعد التميز المهني مرهوناً بالمهارات التقنية وحدها، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الإنسان على التساؤل، والتعلّم المستمر، والمبادرة إلى إحداث أثر حقيقي داخل بيئة العمل.






