تجارب سينمائية عربية تبحث عن الدعم في «مالمو»

ضمن «أيام الصناعة» بالمهرجان السويدي

قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)
قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)
TT

تجارب سينمائية عربية تبحث عن الدعم في «مالمو»

قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)
قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)

عكست مشاريع الأفلام الروائية الطويلة في مرحلة التطوير التي قدمت ضمن «أيام مالمو لصناعة السينما» ملامح موجة سينمائية عربية تنشغل بما هو أبعد من الحكاية التقليدية، لتتقاطع الأسئلة الوجودية مع التحولات الاجتماعية والسياسية، وتتحول القصص الشخصية إلى مرايا لواقع أوسع، ورغم اختلاف البيئات والخلفيات، فإن المشاريع التي عرضها مخرجوها التقت عند نقطة جوهرية للإنسان الذي يحاول فهم موقعه من التغيرات المحيطة وسط ضغوط الحياة.

وأقيمت النسخة الثانية عشرة من «أيام مالمو لصناعة السينما» ضمن فعاليات الدورة الحالية من المهرجان، وهي المنصة التي تهدف لدعم صناع الأفلام في دول شمال أوروبا، لتعزيز التعاون المشترك بمجال السينما. وعلى مدى 4 أيام جرت مناقشات لتطوير المشاريع السينمائية للأفلام القصيرة والروائية على حد سواء، فيما ضمت المشاريع التي عرضت على لجنة التحكيم 5 أفلام قصيرة و6 مشاريع أفلام روائية طويلة مشتركة الإنتاج بين صناع أفلام عرب وسويديين تم اختيارها من بين 52 طلب مشاركة قدمت من أكثر من 20 دولة.

تنافست الأفلام على منح الدعم التي يقدمها مهرجان مالمو (إدارة المهرجان)

قصص إنسانية متنوعة

في الفيلم السوداني «مكة ليلى» للمخرجة مروة زين، تُستدعى الذاكرة بوصفها مساحة مواجهة مع الذات. البطلة، التي تجد نفسها مجبرة على مغادرة حياتها في المنفى، وتتداخل التجارب الأولى مع القيود الاجتماعية والدينية.

أما الفيلم المصري «عرب المعادي» للمخرجة أيتن أمين، فيبني إيقاعه من داخل الحياة اليومية، حيث يبدو كل شيء عادياً في الظاهر، بينما تتراكم الشكوك تحت السطح، فاختفاء فتاة شابة يتحول إلى شرارة تكشف هشاشة العلاقات داخل الحي، إذ تنتشر الشائعات بسرعة، وتتحول إلى حقيقة بديلة يصدقها الجميع، ومع تصاعد الأحداث، لا يعود السؤال «ماذا حدث؟»، بقدر ما يصبح «من نصدق؟»، في مجتمع يتآكل فيه اليقين لصالح الخوف.

وفي فيلم «في انتظار الجنة» للمخرج المصري محمد صيام، يتخذ السرد مساراً تأملياً، حيث تتراجع الأحداث لصالح الحالة الشعورية، فالشخصيات لا تتحرك بقدر ما تعيش حالة انتظار ممتدة، تتأرجح بين الأمل والانكسار، في واقع لا يمنحها ما تتمناه. أما الفيلم السوداني «عن الحب وقوانين سبتمبر» للمخرج محمد كردفاني، فيأخذ منحى أكثر مباشرة في اشتباكه مع التاريخ، لكن من زاوية إنسانية حميمة، ففي ظل واقع سياسي مشحون، تتشكل العلاقات العاطفية باعتبارها مساحة مقاومة، حيث يحاول الأفراد الحفاظ على إنسانيتهم في مواجهة منظومة قمعية، فالحب بالفيلم ليس مجرد شعور، بل موقف، ومحاولة للتمسك بالحياة.

ويذهب الفيلم الأردني «رقم غير واضح» للمخرج يحيى العبد الله نحو مساحة أكثر تجريداً، حيث يصبح الغموض جزءاً من بنية العالم نفسه، فلا يقدم الفيلم واقعاً يمكن الإمساك به بسهولة، بل يضع شخصياته داخل شبكة من الالتباسات، وتتداخل الحقيقة مع الوهم، وتصبح التفاصيل اليومية محملة بإشارات مقلقة، ليتحول البحث عن اليقين إلى رحلة داخلية، لا تقل تعقيداً عن العالم الخارجي.

أما الفيلم اليمني «المدينة 2008» للمخرج يوسف الصباحي، فيلتقط لحظة دقيقة تسبق التحولات الكبرى، حيث يبدو الواقع مستقراً ظاهرياً، لكنه يحمل في داخله بوادر التصدع، ومن خلال شخصية تبحث عن فرصة جديدة، تتكشف طبقات من الوهم المرتبط بالأمل السريع، سواء في الحب أو الثراء أو الهروب.

شهدت أيام الصناعة حضوراً لافتاً من صناع الأفلام (إدارة المهرجان)

تعزيز للشراكات

وأكد مؤسس ورئيس مهرجان «مالمو» محمد قبلاوي أن إطلاق «أيام الصناعة» جاء من قناعة داخل إدارة المهرجان بضرورة تجاوز فكرة عرض الأفلام فقط، والانتقال إلى موقع أكثر فاعلية في دعم صناعة الأفلام نفسها، فالفكرة انطلقت من الرغبة في أن يكون المهرجان شريكاً حقيقياً في تطوير المشاريع السينمائية، وليس مجرد منصة لعرضها. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «أيام الصناعة» تطورت مع الوقت لتصبح مساحة متكاملة تجمع بين الدعم المالي والتأهيل المهني وبناء العلاقات، بما يسهم في خلق بيئة حقيقية تساعد على إنتاج أفلام عربية قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع.

وقالت مديرة «أيام مالمو لصناعة السينما»، باتول عردات لـ«الشرق الأوسط» إن «نسخة هذا العام جاءت متنوعة في محاولة لتقديم منصة حقيقية تدعم صناع الأفلام وتفتح المجال أمام أصوات وتجارب مختلفة من العالم العربي»، وأضافت أن «البرنامج يقوم على محورين رئيسيين: الأول صندوق الدعم، الذي تم تخصيصه هذا العام لفئتين: الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة؛ والثاني يتمثل في المنتدى، الذي يشمل مجموعة من الندوات والجلسات الحوارية ودراسات الحالة، التي تتيح للمشاركين التعرف على تجارب سابقة لمشاريع انطلقت من المنصة نفسها ونجحت في الوصول إلى الجمهور»، لافتة إلى أن لجنة التحكيم تضم نخبة من المتخصصين في مجالات الإنتاج والتطوير والكتابة، بما يضمن تقييماً متوازناً يجمع بين الرؤية الفنية والخبرة العملية، ويسهم في دعم المشاريع المختارة خلال مراحل تطورها المختلفة.


مقالات ذات صلة

«عودة كابتن كابونجا» يوثق أحلام وخيبات «أقوى رجل في العالم»

يوميات الشرق «كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

«عودة كابتن كابونجا» يوثق أحلام وخيبات «أقوى رجل في العالم»

يوثِّق فيلم «عودة كابتن كابونجا» أحلام وخيبات المصارع المصري أشرف محروس، الملقب بـ«أقوى رجل في العالم».

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق الفيلم يعرض ضمن فعاليات مهرجان الجونة (الشركة المنتجة للفيلم)

داميلولا أوريموغونجي: «عزيزي أجاي» يبرز الروابط العائلية المُعقدة بواقعية

قال المخرج النيجيري داميلولا أوريموغونجي إنه استمد شخصيات فيلمه «عزيزي أجاي» من حياة أشخاص يعرفهم.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق الفيلم السوري «حلفاء في المنفى» (إدارة مهرجان الجونة)

المشاهد الإنسانية في أفلام اللاجئين تلفت الأنظار في «الجونة السينمائي»

تُتيح المبادرة لصنّاع الأفلام المتأثرين بالنزوح فرصاً لتطوير مشروعاتهم وعرضها أمام مختصين في صناعة السينما.

انتصار دردير (الجونة)
يوميات الشرق الممثل اللبناني في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

غسان سعد: دوري في «قساطل» قريب من حياتي

قال الفنان اللبناني غسان سعد إن دوره في فيلم «قساطل» قريب من حياته، ومن علاقته بالعمل وأسرته وأهل قريته.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق تكريم منى زكي (إدارة المهرجان)

«الجونة» يفتتح دورته التاسعة بتكريم منى زكي وسط تباين الآراء حول الحفل

تشهد هذه الدورة من «الجونة» إطلاق فعاليات جديدة، بينها منصة «سيني جونة مسلسلات».

انتصار دردير (الجونة (مصر))

الدماغ يقرأ مشاعر الآخرين من الوجوه والأصوات

فهم مشاعر الآخرين يساعد على تحسين التواصل والتفاعل الاجتماعي (جامعة شيكاغو)
فهم مشاعر الآخرين يساعد على تحسين التواصل والتفاعل الاجتماعي (جامعة شيكاغو)
TT

الدماغ يقرأ مشاعر الآخرين من الوجوه والأصوات

فهم مشاعر الآخرين يساعد على تحسين التواصل والتفاعل الاجتماعي (جامعة شيكاغو)
فهم مشاعر الآخرين يساعد على تحسين التواصل والتفاعل الاجتماعي (جامعة شيكاغو)

كشفت دراسة بلجيكية عن أن مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة الوجوه والأصوات تتفاعل فيما بينها لفهم مشاعر الآخرين، وأن بعض هذه المناطق تستطيع تمثيل المشاعر بطريقة متشابهة، سواء تعرّف إليها الإنسان من خلال الرؤية أو السمع.

وأوضح باحثون من الجامعة الكاثوليكية في لوفان، أن الجمع بين رؤية تعابير الوجه وسماع نبرة الصوت يغيّر طريقة معالجة الدماغ للمعلومات العاطفية وتقييمها، مقارنةً بالاعتماد على الوجه أو الصوت كلٌّ على حدة، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية (JNeurosci).

ويساعد فهم مشاعر الآخرين على تحسين التواصل والتفاعل الاجتماعي، إذ يمكّن الإنسان من تفسير ردود أفعال من حوله وفهم احتياجاتهم ومقاصدهم، والاستجابة للمواقف على نحو أكثر ملاءمة. ولا يعتمد هذا الفهم على الكلمات وحدها، بل يستند أيضاً إلى إشارات غير لفظية، مثل تعابير الوجه ونبرة الصوت، التي قد تكشف عن مشاعر كالفرح والحزن والغضب والقلق. ويساعد دمج هذه الإشارات على تكوين تصور أدق عن الحالة العاطفية للآخرين، بما قد يعزز التعاطف ويدعم بناء علاقات اجتماعية أكثر فاعلية.

ولفهم كيفية معالجة الدماغ للمعلومات العاطفية التي تنقلها الوجوه والأصوات، رسم الباحثون خريطة لاستجابات الدماغ لدى المشاركين عند تعرضهم لوجوه وأصوات تعبّر عن مشاعر مختلفة.

وأظهرت النتائج أن مشاهدة الوجوه أو الاستماع إلى الأصوات كلٌّ على حدة يثير أنماطاً مختلفة من النشاط في المناطق الدماغية المعنية بمعالجة الوجوه والأصوات.

لكن دور هذه المناطق لا يقتصر على معالجة المعلومات المرتبطة بحاسة واحدة؛ إذ رصد الباحثون معلومات عن المشاعر التي تنقلها الأصوات في بعض المناطق المتخصصة في معالجة الوجوه، في حين عالجت مناطق متخصصة في الأصوات معلومات عاطفية مستمدة من الوجوه.

ووجد الباحثون أن بعض مناطق الدماغ مثّلت المشاعر بطريقة متشابهة، سواء تعرّف إليها المشاركون من خلال ما يرونه أو ما يسمعونه. وتشير هذه النتيجة إلى وجود تداخل بين آليات معالجة المعلومات العاطفية الواردة عبر الحواس المختلفة.

وعندما شاهد المشاركون الوجوه وسمعوا الأصوات في الوقت نفسه، أدت المعلومات البصرية والسمعية مجتمعةً إلى تغيير استجابة الدماغ وطريقة معالجته للمشاعر وتقييمها، مقارنةً بما يحدث عند عرض الوجوه أو الأصوات بصورة منفصلة.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تكشف عن تفاعل بين الأنظمة الدماغية المسؤولة عن معالجة الوجوه والأصوات، وأن بعض مناطق الدماغ قد تستخدم تمثيلات متشابهة للمشاعر، بصرف النظر عن الحاسة التي تنقلها.

وقد تساعد هذه الآليات الإنسان على تكوين تصور سريع عن الحالة العاطفية للآخرين من خلال الجمع بين تعابير وجوههم ونبرة أصواتهم، بدلاً من الاعتماد على إشارة واحدة فقط، حسب الفريق.

وأشار الباحثون إلى أن النتائج قد تمهّد الطريق أمام دراسات مستقبلية تبحث في مدى تأثر هذه الآليات لدى الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في دمج الإشارات الاجتماعية المختلفة، مثل تعابير الوجه ونبرة الصوت، لفهم مشاعر الآخرين.


دراسة: شكسبير شارك مارلو في كتابة مسرحية «إدوارد الثالث»

 شكسبير كتب النصيب الأكبر من المسرحية (موقع شكسبير)
شكسبير كتب النصيب الأكبر من المسرحية (موقع شكسبير)
TT

دراسة: شكسبير شارك مارلو في كتابة مسرحية «إدوارد الثالث»

 شكسبير كتب النصيب الأكبر من المسرحية (موقع شكسبير)
شكسبير كتب النصيب الأكبر من المسرحية (موقع شكسبير)

كشفت دراسة بحثية هي الأولى من نوعها، عن أن الكاتب المسرحي الإنجليزي الشهير ويليام شكسبير هو المؤلف الرئيسي لمسرحية «إدوارد الثالث»، التي يُرجَّح أنها كُتبت بالتعاون مع كريستوفر مارلو، أحد أبرز منافسيه في الحقبة الإليزابيثية، حسب صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وظلّ الباحثون الأكاديميون يعتقدون، لسنوات طويلة، أن شكسبير كتب بعض مشاهد المسرحية التاريخية التي نُشرت للمرة الأولى عام 1596 من دون ذكر اسم مؤلفها. غير أن الأدلة الجديدة تشير إلى أن إسهامه كان أكبر بكثير مما كان يُعتقد سابقاً، وأن مارلو شارك بدوره في كتابة أجزاء منها.

وقال روري لوفنان، أحد أبرز المتخصصين المشاركين في إعداد الدراسة، إن التحليل الحاسوبي للنصوص أكد «بما لا يدع مجالاً للشك» أن المسرحية كُتبت بصورة مشتركة بين الكاتبين.

واعتمد الباحثون على تحليل لغوي حاسوبي قسّم نص المسرحية إلى مقاطع، ثم قارنها بأعمال عشرة من كتّاب المسرح المحترفين الذين نشطوا بين أواخر ثمانينات القرن السادس عشر ومنتصف تسعيناته.

ويستند هذا الأسلوب إلى دراسة الخصائص اللغوية للنصوص، بما في ذلك معدلات تكرار كلمات بعينها والمسافات الفاصلة بين الكلمات داخل الجمل، بهدف تحديد السمات الأسلوبية المميزة لكل كاتب. ومن الأمثلة على ذلك كلمة «martial» المرتبطة بالحرب والقتال، التي تظهر عادةً في مسرحيات مارلو، بينما يقل استخدامها لدى كتّاب آخرين.

وخلص التحليل إلى أن شكسبير كتب النصيب الأكبر من المسرحية، إذ نُسب إليه 23 مقطعاً، مقابل تسعة مقاطع لمارلو.

وأكدت النتائج أن شكسبير كتب، من بين أجزاء أخرى، المشاهد المتعلقة بالكونتيسة، في حين ظهرت بصمة مارلو في المشاهد الختامية التي تتناول أَسْر الملك جان والأمير شارل، واستسلام أعداد كبيرة من الفرنسيين في مدينة كاليه.

وقال لوفنان إن هذا الاكتشاف يتيح إعادة النظر في صورة شكسبير الشاب، موضحاً أن شكسبير في أوائل تسعينات القرن السادس عشر لم يكن بعدُ العبقري الأدبي المنفرد الذي رسمته الأجيال اللاحقة، بل كان كاتباً طموحاً يعمل في صناعة مسرحية اتسمت بالتعاون بين المؤلفين.

وتسلّط النتائج الضوء على الطبيعة الجماعية للعمل المسرحي في إنجلترا خلال تلك الفترة، وتدعم اتجاهاً بحثياً يعيد فحص الأعمال المنسوبة إلى شكسبير باستخدام أدوات التحليل اللغوي والتقنيات الحاسوبية الحديثة.


«اللوفر» بين مجوهرات مفقودة ومستقبل مُعلَّق

زوار يصطفُّون خارج متحف اللوفر في باريس (أرشيفية- أ.ب)
زوار يصطفُّون خارج متحف اللوفر في باريس (أرشيفية- أ.ب)
TT

«اللوفر» بين مجوهرات مفقودة ومستقبل مُعلَّق

زوار يصطفُّون خارج متحف اللوفر في باريس (أرشيفية- أ.ب)
زوار يصطفُّون خارج متحف اللوفر في باريس (أرشيفية- أ.ب)

بعد عام على سرقة مجوهرات ملكية نادرة من متحف اللوفر في باريس، لا يزال مصير القطع المسروقة مجهولاً، رغم توقيف عدد من المشتبه بهم. وفي الوقت الذي تتواصل فيه التحقيقات، تزداد الضغوط على إدارة المتحف لمعالجة مشكلات المبنى التاريخي، في ظل مشروع تجديد قد تصل تكلفته إلى مليار يورو.

ووفقاً لصحيفة «التايمز»، حذَّر كريستوف ليريبولت، مدير «اللوفر»، من أن المتحف قد يضطر إلى إغلاق أبوابه أمام الجمهور إذا تخلَّت الحكومة الفرنسية المقبلة عن مشروع التجديد الذي أطلق عليه الرئيس إيمانويل ماكرون اسم «النهضة الجديدة». ويرى أن تأجيل الإصلاحات لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلات المرتبطة بتقادم المبنى والتسربات والازدحام.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواجه فيه فرنسا ديوناً عامة تُقدَّر بنحو 3.6 تريليون يورو، ما يثير تساؤلات بشأن قدرتها على تمويل مشروع ارتفعت تكلفته المتوقعة من 600 مليون يورو إلى نحو مليار يورو، مع فترة تنفيذ قد تمتد إلى 15 عاماً.

التاج المتضرر للإمبراطورة أوجيني بعد سقوطه أثناء عملية سطو على معرض أبولو في متحف اللوفر (أ.ف.ب)

مجوهرات غائبة وأسئلة مُعلَّقة

في 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، نجح لصوص في سرقة 8 قطع تاريخية من المجوهرات، بينها مقتنيات مرتبطة بالإمبراطورة أوجيني، زوجة نابليون الثالث، من بينها تاج ودبوس، إلى جانب قطع ملكية وإمبراطورية أخرى.

وكشفت العملية عن ثغرات أمنية في المتحف، شملت نقص كاميرات المراقبة وتقادم بعض أنظمة التحكم. ورداً على ذلك، أعلن «اللوفر» تخصيص 83 مليون يورو لمعالجة أوجه القصور وتحديث المعدات الأمنية.

ورغم توقيف 4 مشتبهين رئيسيين خلال 10 أيام من السرقة، لم يُعلَن عن استعادة المجوهرات، ولا يزال المحققون يسعون إلى تحديد الجهة التي دبَّرت العملية والمسار الذي سلكته القطع بعد خروجها من المتحف.

وتتراوح الفرضيات بين إخفاء المجوهرات في مكان قريب من باريس، وتسليمها إلى وسطاء متخصصين في تصريف المسروقات، ونقلها إلى الخارج. ويحذِّر خبراء من أن إعادة قطع الأحجار الكريمة وصقلها قد تجعل التعرف على مصدرها أكثر صعوبة؛ خصوصاً إذا وصلت إلى شبكات إجرامية منظمة.

ومع ذلك، لا يستبعد المتخصصون استعادة القطع في المستقبل. فقد عادت مقتنيات فنية مسروقة إلى أصحابها بعد سنوات طويلة، أحياناً بفضل معلومات جديدة، أو تعاون أحد المتهمين مع السلطات. ولا تزال المجوهرات مدرجة في قاعدة بيانات «الإنتربول» للأعمال الفنية المسروقة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة أمام لوحة «الموناليزا» للفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي في متحف اللوفر بباريس يوم 28 يناير 2025 (أ.ف.ب)

تجديد ضروري وفاتورة باهظة

لا تقتصر التحديات التي تواجه «اللوفر» على تداعيات السرقة. فالمبنى الذي بدأ تشييده في القرن السادس عشر قصراً ملكياً، قبل أن يتحول إلى متحف، يواجه صعوبات متزايدة في استيعاب ملايين الزوار سنوياً.

وتشمل خطة «النهضة الجديدة» إنشاء مدخل جديد وتخصيص قاعة مستقلة للوحة «الموناليزا» لليوناردو دافنشي، بهدف تخفيف الازدحام وتحسين حركة الزوار. ولكن المشروع يواجه انتقادات من نقابات ترى أن الأولوية يجب أن تكون لإصلاح المرافق وتحديث الأمن، بدلاً من الالتزام بإنفاق ضخم قد يصعب تبريره في ظل الضغوط المالية.

ولتخفيف العبء عن دافعي الضرائب، يسعى المتحف إلى جمع نحو 360 مليون يورو من التبرعات، مع استهداف جهات مانحة في الولايات المتحدة والشرق الأوسط، إلى جانب تقليص بعض النفقات واحتمال زيادة أسعار التذاكر.

وبينما تنتظر التحقيقات خيطاً يقود إلى المجوهرات المفقودة، يبقى مشروع التجديد موضع جدل سياسي ومالي. وسيكون على الإدارة الفرنسية المقبلة أن توازن بين تكلفة الحفاظ على هذا الإرث الثقافي ومتطلبات الإنفاق العام، في قرار سيحدد ملامح المرحلة المقبلة لأحد أبرز المتاحف في العالم.