ارتفاع أسعار «تسالي العيد» يُعكِّر مزاج المصريين

الترمس والحمص والفول السوداني والحلوى على رأسها

الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
TT

ارتفاع أسعار «تسالي العيد» يُعكِّر مزاج المصريين

الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)

أمام زحام أحد محال بيع التسالي (المَقلة)، بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، وفي حين تتراص أجولة الترمس الحلو والمُر بكثرة، وتتطاير روائح تحميص الفول السوداني من آلاته، وقفت المصرية زينب عبد الله تنتقي حبوبها وبعض القطع من الشوكولاته وأصناف الحلوى، المعروضة بكميات كبيرة أمام المحل.

وقالت الستينية، في حين يزن البائع لها 3 أكياس بلاستيكية، قامت بتعبئتها بالحبوب والحلوى: «العيد يعني البسكويت والكعك، وبجواره طبق العيد المكوّن من الترمس والسوداني والحلوى، فلا يوجد بيت مصري يخلو من هذه التسالي، فهي التي تُكمل فرحة العيد ولمّة العائلات».

وبينما يخبرها البائع أن سعر الكيس الواحد بقيمة 500 جنيه (الدولار يساوي 52.29 جنيه مصري)، أضافت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا العام الأسعار مرتفعة مقارنة بالأعوام الماضية، ولكن لا بد من شراء التسالي والحلوى، فهي عادة موسمية، أقوم بتوصيلها لبناتي المتزوجات وأطفالهن قبل العيد لإدخال الفرحة عليهن، لكن الأسعار المرتفعة حوَّلت فرحة استقبال العيد إلى عبء اقتصادي إضافي».

الفول السوداني شهد ارتفاعاً في أسعاره قبل حلول عيد الفطر (الشرق الأوسط)

ويحتفل المصريون بعيد الفطر مثل غيرهم من الشعوب بعدد من التقاليد والعادات المتوارثة منذ عقود طويلة، ولعل من أهم مفرداتها بعد البسكويت والكعك تقديم ضيافة العيد عبر أطباق المسليات، التي تضم الترمس والحمص والفول السوداني، وأصناف الحلوى التقليدية، من قطع الشوكولاته والملبس والبنبون والنوغا والملبن والطوفي المحشو بالكريمة والشوكولاته وجوز الهند، والتي لا تكتمل مائدة العيد إلا بها.

وينتشر بيع تلك الأصناف قبل حلول العيد في العديد من المحال والأسواق، سواء المتخصصة في بيع الحلوى الشرقية والغربية، أو المتخصصة في بيع التسالي والمحمصات، وكذلك متاجر البقالة والمراكز التجارية، والتي تجد جميعها زحاماً للشراء.

وبعد أن رحلت الأم زينب بأكياسها، أخبرنا البائع محمد ربيع، أن سعر كيلو الفول السوداني هذا العام بين 100 و150 جنيهاً، وكيلو الحمص بين 60 و120 جنيهاً حسب الحجم، والترمس المُر 50 جنيهاً، والترمس الحلو 70 جنيهاً، أما أصناف الشوكولاته فتبدأ من 160 جنيهاً للكيلو.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «رغم ارتفاع الأسعار فإن معدلات الإقبال كبيرة مثل كل عام في هذا التوقيت، لكن الاختلاف أن كثيراً من الزبائن اتجهوا إلى تقليل الكميات، والشراء بالغرام وليس بالكيلو كما هو معتاد، حتى لا يحملوا أنفسهم عبئاً مادياً إضافياً».

ارتفاع أسعار تسالي العيد في مصر (الشرق الأوسط)

وحول أسباب ارتفاع الأسعار بأسواق «تسالي العيد»، يوضح محمد عرفة العطار، عضو شعبة العطارة بالغرفة التجارية بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حزمة من العوامل الاقتصادية تضافرت لتؤدي لهذه الزيادة، يأتي على رأسها تذبذب سعر الصرف الذي ألقى بظلاله على تكلفة السلع المستوردة، كما لا يمكننا إغفال تأثير التوتر الإقليمي والحرب على إيران على اضطراب حركة النقل الدولية ورفع أسعار النفط عالمياً».

ويستطرد: «أما محلياً، فقد تأثرت حركة النقل مع ارتفاع أسعار الغاز والسولار، ما رفع تكلفة الشحن الداخلي إلى الأسواق، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سعر البيع النهائي للمستهلك».

ورفعت الحكومة المصرية، الثلاثاء، أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرةً إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي».

ورغم ذلك، يشير عضو شعبة العطارة إلى أنه على عكس التوقعات التي قد تُشير إلى تراجع القوة الشرائية، لاحظنا أن معدلات الاستهلاك هذا العام مرتفعة مقارنة بالسنة الماضية، فالمواطن المصري متمسك بطقوسه الاحتفالية مهما كانت الظروف، مبيناً أن تسالي العيد التقليدية تجد إقبالاً وبقوة، وتحتفظ بمكانتها على مائدة العيد، والسر هنا يكمن في تفاوت الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع المصري، وذلك رغم المنافسة من المنتجات الجاهزة، مثل المكسرات والمُقرمشات التي فرضت نفسها، وأصبحت لها شريحة واسعة من المستهلكين.

الحلوى الملونة تزين واجهات المتاجر المصرية وأرففها في عيد الفطر (الشرق الأوسط)

ومع بدء العد التنازلي لاستقبال عيد الفطر، تُضيء أوراق الحلوى الملونة واجهات المتاجر وأرففها، ما يبعث على البهجة، إلا أن الأسعار المرتفعة هذا العام انتقصت من هذه الصورة.

داخل أحد متاجر بيع الحلوى والبونبون بالقاهرة، وقف الأربعيني ياسر محمد، الذي يعمل موظفاً إدارياً في إحدى شركات الأدوية، حائراً ومتجولاً بعينيه بين أصناف الشوكولاته المعروضة، في حين يشير طفلاه إلى الأنواع المحببة لهما، والتي يرغبان في شرائها.

ويفسر محمد سبب حيرته، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أقل سعر 200 جنيه للكيلو، وهو سعر مرتفع للغاية. حضرت للبحث عن أنواع اقتصادية، ولكنها لم تعجب أطفالي؛ لذا سأقتصر على شراء كمية قليلة ترضية لهما، والاكتفاء بها مع كعك العيد الذي أعدته زوجتي في المنزل؛ حيث أحاول توفيق الميزانية بشراء كميات أقل».

أصناف الحلوى وتسالي العيد تنتشر في العديد من المحال والأسواق (الشرق الأوسط)

في حين يشير صاحب المتجر، محمود مصطفى، إلى أن الإقبال كبير رغم ارتفاع أسعار المنتجات، لأن الناس تعدّ التسالي ركناً أساسياً على مائدة العيد، فهي «تفتح النفس وتكمل الفرحة»، كما أنها مناسبة للزيارات والهدايا.

ويُضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الغالبية تميل إلى أنواع الحلوى الشعبية، أو الكاندي الملون بنكهاته المختلفة، الذي يجذب الأطفال وسعره مناسب، وأمام ارتفاع الأسعار حاولنا عرض أكبر تشكيلة من الأنواع المختلفة المستوردة والمحلية، بما يناسب كل الميزانيات، ويلبي كل الرغبات».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع...

داليا ماهر (القاهرة)
صحتك النوم في صدارة الأولويات لتحسين الصحة وتعزيز طاقة الجسم (بيكسلز)

بعد رمضان... كيف تستعيدون ساعتكم البيولوجية وتوازنكم اليومي بسهولة؟

الآن وقد انتهى رمضان ومن المقرَّر استئناف وتيرة العمل بعد إجازة عيد الفطر مباشرة إليكم بعض النصائح للعودة إلى أنماط النوم والأكل والعمل المعتادة...

أحمد حسن بلح (القاهرة)
يوميات الشرق في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

وسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي مصلون فلسطينيون مسلمون يؤدون صلاة العيد في القدس على جانب الطريق احتفالاً بعيد الفطر... إذ لا يُسمح لهم بأداء الصلاة في المسجد الأقصى في أعقاب القيود المفروضة على التجمعات الكبيرة وسط الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران... 20 مارس الحالي (رويترز)

عيد فطر «حزين ومؤلم» لمسلمي القدس بعد منعهم من الصلاة في المسجد الأقصى

بقيت فرحة احتفال المسلمين في القدس، الجمعة، بعيد الفطر ناقصة، إذ شابَتها غصّة استحالة الصلاة في المسجد الأقصى الذي ظلّت مداخله مغلقة.

«الشرق الأوسط» (القدس)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى أدائه صلاة عيد الفطر في المسجد الحرام (واس) p-circle 00:23

ولي العهد السعودي يؤدي صلاة عيد الفطر في المسجد الحرام

أدى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مكة المكرمة، صباح الجمعة، صلاة عيد الفطر المبارك مع جموع المصلين الذين اكتظ بهم المسجد الحرام والساحات المحيطة به.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».