جونية ركضت قصصها... 10 آلاف مُشارك صنعوا نهاراً استعاد فيه اللبنانيون أنفسهم

مي الخليل لـ«الشرق الأوسط»: النساء يرسمن بخطواتهن خريطة وجود لا تُنتَزع

خطى لا تنظر إلا إلى الأمام (بيروت ماراثون)
خطى لا تنظر إلا إلى الأمام (بيروت ماراثون)
TT

جونية ركضت قصصها... 10 آلاف مُشارك صنعوا نهاراً استعاد فيه اللبنانيون أنفسهم

خطى لا تنظر إلا إلى الأمام (بيروت ماراثون)
خطى لا تنظر إلا إلى الأمام (بيروت ماراثون)

اعتاد صباح مدينة جونية أن يستقبل أمواج البحر، فاستقبل يوم الأحد آلاف الخطوات التي جاءت من أنحاء لبنان، نساء، ورجالاً، وأطفالاً، ليملأوا شوارعها بحركة تُشبه إعلاناً جماعياً عن القدرة على النهوض. بدا النهار لحظة مشتركة يتقاطع فيها الجهد الفردي مع الطاقة الجماعية، لتستعيد النساء تحديداً مساحة لطالما انكمشت تحت ثقل الأزمات.

مي الخليل... امرأة تمشي وسط خطوات صنعت رؤيتها (بيروت ماراثون)

كان الركض طريقة لإعادة قراءة الذات في ذلك الصباح، ومع الزينة الميلادية التي تتدلَّى فوق الطرقات. راحت جونية تُهندس نبضها عبر وَقْع الأقدام. نساء ارتدين الزهريّ، وعدّاؤون بلباس أسود يختزل جدّيتهم، وآخرون بالأبيض لون السلام، وألوان تُشبه القصص التي يحملها كلّ شخص إلى الطريق... جميعهم صنعوا مشهداً يختلط فيه الرياضي بالإنساني. كان الركض نوعاً من الإجابة المُشتركة عن سؤال كيف نستعيد أنفسنا في بلد من دون أمان؟ هذا الاستفهام الصعب الذي لا يكفُّ اللبنانيون على التهرُّب من صياغته.

نساء يرفعن لافتة ويرفعن معها معنى القوة (بيروت ماراثون)

نحو 10 آلاف مُشارك التحقوا بـ«سباق السيدات» الذي تنظّمه جمعية «بيروت ماراثون»، في نسخة جمعت النساء، والرجال، والأولاد، من السباق الرسمي للسيدات، إلى سباق الرجال، مروراً بسباق الكيلومتر للأطفال، و«سباق المرح» المفتوح لمَن يشاء.

جونية سلَّمت نبضها لوَقْع الأقدام (بيروت ماراثون)

شكَّلت كلّ خطوة اختباراً لقدرة الروح على أن تتقدَّم رغم التعب، وتجد لنفسها مَخرجاً من حلقات الخوف، والإعياء. وفي العيون التي تُحيط بالمشهد، وفي أطفال يركضون بحماسة، إلى فرق تشجيع تُلوّح بالأصفر، والذهبي، إلى موسيقيين يعزفون على وَقْع أقدام العدّائين، كان ثمة شيء يُشبه لحظة ولادة صغيرة لكلّ روح تحاول أن تتذكر نفسها.

الصليب الأحمر يحرس الطريق ويمدّ السباق بثقله الإنساني (بيروت ماراثون)

ارتفع هدير الحشود في لحظة الانطلاق ليصبح الركض لغة بديلة حين تعجز الكلمات. نساء تقدَّمن بثقة، بعضهن رفعن أيديهن بفرح، وأخريات حملن ما مرَّ بهن، وما ينتظرنه. كلّ واحدة منهنّ أعادت كتابة حكايتها الخاصة على تلك الطرقات. فكما تقول مؤسِّسة ورئيسة جمعية «بيروت ماراثون»، مي الخليل: «ما رأيناه تجاوز الصورة الرياضية إلى لحظة استعادة للصوت، وللمساحة، وللحق بأن تكون المرأة حاضرة بقوة وكرامة في وطنها».

راحت كلماتها تعكس ما ظهر في وجوه المُشاركات. فـ«اركضي قصتكِ»، الشعار الذي شكَّل هوية الحدث، بدا أبعد من دعوة رياضية. تقول الخليل: «هذا الشعار دعوة لكلّ امرأة لأن تأتي بحقيقتها إلى الطريق، وبخوفها، وقوتها، وخساراتها، وأحلامها. النساء اليوم لا يركضن من أجل الرياضة وحدها. يركضن من أجل الأمان، والاستقلال، واستعادة القدرة على الحلم».

يحوّلون الخطوات إلى احتفال (بيروت ماراثون)

وبالفعل، تغيَّرت قصة الركض عند النساء عبر السنوات، كما تضيف: «كانت قصة تحدٍّ في البداية، ثم صارت مسألة وجود. اليوم هي قصة نجاة، وحرّية. كلّ امرأة تركض لئلا يُكسَر صوتها، وإرادتها».

خطوات تتجاوز الحدود وفرحٌ يعلو فوق كلّ تعب (بيروت ماراثون)

ترجم مشهد جونية هذه الجملة بصرياً. مجموعات نسائية ارتدت الزهريّ هتفت، وابتسمت. عدّاءات قفزن في الهواء ببهجة. صغار عبروا بين الكبار على المزاليج، فشقّوا الطريق بفضولهم، وإيقاعهم. موسيقيون وقفوا عند الزوايا يعزفون للخطوات، وفرق تشجيع رفعت الألوان الذهبية، الصليب الأحمر حضر بثقله الإنساني، ومتطوّعون وزَّعوا المياه كأنهم يُوزّعون معنى المُشاركة.

كلّ خطوة شكَّلت اختباراً لقدرة الروح على أن تتقدَّم رغم التعب (بيروت ماراثون)

وعندما تسأل «الشرق الأوسط» مي الخليل عن قدرة الرياضة على إعادة الثقة بين الإنسان وبلده، تُجيب: «ما رأيناه في جونية يُعيد تذكيرنا بلبنان الذي نعرفه. لبنان الذي ينهض من تحت الأنقاض مرّة بعد مرّة. طاقة اللبنانيين لا تموت. والرياضة تمنحنا لحظة نرى فيها الوطن كما نتمنّاه، آمناً، ومُنظّماً، ومفتوحاً للركض، والفرح».

صغار يصنعون إيقاع المدينة بضحكاتهم (بيروت ماراثون)

نُعيدها إلى التحوُّل الذي شهدته علاقة النساء بالرياضة، فتؤكد أنّ التغيير صار جذرياً: «النساء لم يعدن يركضن لأجل اللياقة فقط، فالركض أصبح مساحة للتعبير، والتمرُّد، وإعادة كتابة مكانتهن في المجتمع. اليوم تركض المرأة كي تصنع هواءها الخاص، وتتجاوز الحدود التي فُرِضت عليها، وكي تؤكد لنفسها أنّ حياتها لها، وليست لمَن يشاء أن يرسم خطوتها».

عند خطّ النهاية يضع كلّ مشارك حكايته الصغيرة في مكانها الصحيح (بيروت ماراثون)

مي الخليل، التي تخطَّت تجربة الموت عبر الركض، ترى في الحركة معنى أعمق من كونها رياضة: «الركض أعاد كتابتي. كان الجسر الذي عبرتُ عليه من الألم إلى الحياة. حين يتحرَّك الجسد، تتحرَّك معه الروح. ينكسر الخوف، والجمود، ويستعيد الإنسان قدرته على النهوض. أؤمن بأنّ الركض يشفي كلّ مَن يمنح نفسه فرصة الانطلاق نحو النور».

موسيقى تعزف للخطوات وتمنح الطريق نبضه (بيروت ماراثون)

انتهى نهار جونية بصورة تُشبه خلاصة كلّ جهد بُذل لإنجاحه. الشوارع ضجَّت بالحياة، والوجوه توهَّجت بتعب جميل، والخطوات خلَّفت وراءها شعوراً بأنّ الإنسان، مهما اشتدَّت عليه الظروف، قادر على أن يضع قدماً أمام الأخرى، ويصنع لحظة انتصار صغيرة تخصّه وحده. كان يوم الأحد طاقة مشتركة أعادت إلى اللبنانيين ثقتهم بالقدرة على الاستمرار، ولو بخطوات متواضعة، لكنها دائماً ثابتة.


مقالات ذات صلة

رسائل ابنة الـ11 عاماً تتحوَّل جدارية فنّية في مدينة إنجليزية

يوميات الشرق كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)

رسائل ابنة الـ11 عاماً تتحوَّل جدارية فنّية في مدينة إنجليزية

حوَّلت السلطات المحلّية في مدينة وولفرهامبتون الإنجليزية رسائل إيجابية خطَّتها فتاة في الحادية عشرة من عمرها إلى جدارية فنّية دائمة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق الطلاء المبتكر ينظف الأقمشة بالماء فقط (الجمعية الكيميائية الأميركية)

تقنية مبتكرة لغسل الملابس دون منظفات

طوّر فريق بحثي صيني طلاء مبتكراً للأقمشة قادراً على تنظيف الملابس باستخدام الماء فقط، دون الحاجة لأي منظفات كيميائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق عرقتنجي سبق أن أخرج أفلام وثائقية عدّة (فيليب عرقتنجي)

«لبنان… أسرار مملكة بيبلوس» يُعرض في متحف اللوفر

فتحنا نعوشاً تعود إلى 4 آلاف عام، في مدينة تُعدّ من أقدم مدن العالم، تكشف كل طبقة فيها تاريخاً إنسانياً عريقاً.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


أدلة حديثة تُعيد رسم تاريخ وصول البشر إلى الأميركتين

ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)
ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)
TT

أدلة حديثة تُعيد رسم تاريخ وصول البشر إلى الأميركتين

ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)
ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)

لعقود، ظلَّ موقع في تشيلي يُدعى مونتي فيردي يمثّل الدليل الأقوى على أقدم استيطان بشري في الأميركتين.

وكان العلماء قد وجدوا سابقاً آثاراً لوجود بشري يعود تاريخها إلى نحو 14 ألفاً و500 عام مضت، بما في ذلك آثار أقدام قديمة، وأدوات خشبية، وأساسات لهيكل، وبقايا حفرة نار قديمة، مع وجود رواسب ومقتنيات من الموقع تدعم هذا الإطار الزمني باستمرار.

وتتحدَّى دراسة جديدة نقلتها «الإندبندنت»، عمر هذا الموقع المهم، مشيرة إلى أنّ مونتي فيردي قد يكون أحدث بكثير مما يعتقده العلماء. ولكن لا يتفق الجميع مع هذه النتائج.

باشر العلماء أخذ عيّنات وتأريخ الرواسب من 9 مناطق على طول مجرى جدول تشينتشيهوابي المُتاخم للموقع، وحلَّلوا كيف تغيَّرت الطبيعة الجغرافية عبر آلاف السنوات. وكشفوا عن طبقة من الرماد البركاني ناتجة من ثوران يعود تاريخه إلى نحو 11 ألف عام مضت.

ووفقاً للمؤلف المشارك في الدراسة، كلاوديو لاتوري، فإن أي شيء فوق تلك الطبقة، وفي هذه الحالة، أخشاب ومقتنيات مونتي فيردي، يجب أن يكون أحدث عهداً.

وقال لاتوري، الذي يعمل في الجامعة البابوية الكاثوليكية في تشيلي: «أعدنا تفسير جيولوجيا الموقع بشكل أساسي. وتوصَّلنا إلى استنتاج مفاده أنّ موقع مونتي فيردي لا يمكن أن يكون أقدم من 8200 عام قبل الوقت الحاضر».

ويعتقد الباحثون أنّ التغيّرات التي طرأت على الطبيعة الجغرافية، بما في ذلك مجرى مائي أدّى إلى تآكل الصخور، ربما تسبَّبت في اختلاط الطبقات القديمة بالحديثة؛ مّا جعل الباحثين يؤرّخون أخشاباً قديمة على أنها جزء من موقع مونتي فيردي.

التاريخ ليس ثابتاً (أ.ب)

نُشرت النتائج، الخميس، في مجلة «ساينس». ويعترض علماء، بمن فيهم أولئك الذين شاركوا في التنقيبات الأصلية، عليها.

وقال مايكل ووترز من جامعة تكساس إيه آند إم، الذي لم يشارك في أيّ من الدراستين: «قدموا، في أفضل الأحوال، فرضية عمل لا تدعمها البيانات التي عرضوها».

ويقول خبراء لم يشاركوا في البحث إنّ الدراسة تتضمَّن تحليلاً لعيّنات من المنطقة المحيطة بمونتي فيردي، حيث لا يمكن مقارنة آثارها الجيولوجية بجيولوجية الموقع نفسه. ويقولون إنه لا توجد أدلة كافية على أنّ طبقة الرماد البركاني كانت تغطّي كل المنطقة ذات يوم.

ويقولون أيضاً إنّ الدراسة لا تُقدم تفسيراً كافياً للقطع الأثرية التي عُثر عليها في الموقع والتي أُرِّخت مباشرة بـ14 ألفاً و500 عام مضت، بما في ذلك ناب حيوان «الماستودون» الذي شُكِّل على هيئة أداة، ورمح خشبي، وعصا حفر ذات طرف محترق.

وقال عالم الآثار توم ديليهاي من جامعة فاندربيلت، الذي قاد أول عملية تنقيب في الموقع، في رسالة بالبريد الإلكتروني: «هذا التفسير يتجاهل مقداراً واسعاً من الأدلة الثقافية الموثَّقة بدقة».

ويختلف مؤلفو الدراسة الجديدة مع هذه الانتقادات، قائلين إنهم أخذوا عيّنات من داخل الموقع، ومن أعلى المجرى وأسفله. وقال المؤلّف المُشارك تود سوروفيل من جامعة وايومنغ إنه لا توجد أدلة كافية على أن القطع الأثرية المؤرَّخة في الموقع هي حقاً بهذا القِدَم.

ويُعد موقع مونتي فيردي حاسماً لفهم العلماء لكيفية وصول الناس إلى الأميركيتين. فقد اعتاد العلماء الاعتقاد بأن الواصلين الأوائل كانوا مجموعة من الناس قبل 13 ألف عام، صنعوا أدوات حجرية مدبَّبة تُعرف باسم «رؤوس كلوفيس». ويبدو أنّ اكتشاف مونتي فيردي، والذي كان محلَّ جدل في البداية، قد وضع حداً لذلك الاعتقاد.

وليس من الواضح كيف يمكن لتاريخ جديد للموقع أن يؤثّر في القصة البشرية. فمنذ اكتشاف مونتي فيردي، كشف الباحثون عن مواقع في أميركا الشمالية تسبق شعب «كلوفيس»، مثل «كوبرز فيري» في أيداهو، وموقع «ديبرا ل. فريدكين» في تكساس.

ولكن يبقى سؤال مهم، وهو كيف بالضبط وصل الناس إلى الأميركتين من آسيا، متجاوزين جنوب صفيحتين جليديتين هائلتين غطّتا كندا؟ هل وصل البشر في الوقت المناسب لانفصال الصفيحتين؛ ما كشف عن ممر خالٍ من الجليد؟ هل سافروا على طول الساحل في قوارب، أم عبر مزيج من المياه واليابسة؟

وقال سوروفيل إنّ إعادة تحديد تاريخ مونتي فيردي قد تعيد فتح المناقشات حول المسار الأكثر احتمالية للبشر الأوائل. وقد توفّر التحليلات المستقلّة المستقبلية للمواقع البشرية المبكرة الأخرى مزيداً من الوضوح.

وأضاف سوروفيل: «بمنح الوقت الكافي وتوفّر الإمكانات العلمية، فإنّ العلم يُصحح نفسه بنفسه. إنه يصل في النهاية إلى الحقيقة».


رسائل ابنة الـ11 عاماً تتحوَّل جدارية فنّية في مدينة إنجليزية

كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)
كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)
TT

رسائل ابنة الـ11 عاماً تتحوَّل جدارية فنّية في مدينة إنجليزية

كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)
كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)

حوَّلت السلطات المحلّية في مدينة وولفرهامبتون الإنجليزية رسائل إيجابية خطَّتها فتاة في الحادية عشرة من عمرها إلى جدارية فنّية دائمة.

كانت الفتاة نيريا فايث، من مدينة وولفرهامبتون، قد صمَّمت ملصقات يدوية تحمل عبارات تحفيزية مثل «أنتَ تكفي» و«أنتَ أقوى مما تظن»، في محاولة منها لبثّ البهجة في نفوس المارّة ورفع معنوياتهم.

وقد تجسَّدت هذه الكلمات في جدارية فنّية تُزيّن أسوار شارع تشيسترتون المتفرِّع من طريق كانوك في المدينة.

ونقلت «بي بي سي» عن نيريا فايث قولها: «هذه الرسائل قد تمدّ يد العون لكثيرين ممَّن يشعرون بالإحباط. فبعض الناس يحتاجون فقط إلى كلمات بسيطة تسندهم».

من جانبه، أشاد رئيس مجلس مدينة وولفرهامبتون، ستيفن سيمكينز، بالمبادرة، قائلاً: «رسائل نيريا بسيطة وصادقة وتفيض بالمشاعر.

هذه اللوحات تذكّرنا بأنّ الأفعال الطيبة الصغيرة يمكنها إحداث فارق كبير، ونحن فخورون بالإسهام في نشر هذه الرسالة في أرجاء المدينة».

وظهرت الجدارية على السور الخارجي لحديقة يملكها أحد سكان الحيّ يُدعى جيف، الذي أعرب عن سعادته الغامرة بهذه الخطوة، قائلاً: «كنا نعاني كثرة الكتابات العشوائية على هذا السور، وكان المجلس يرسل فرق التنظيف باستمرار لإزالتها، وبعضها لم يكن لائقاً».

وأضاف: «إنه لأمر رائع أن يكون لديك شيء يستحق القراءة ويُضفي إشراقة على يومك».

أما دان، والد نيريا، فقد أشار إلى التطوّر الملحوظ في ثقة ابنته بنفسها منذ بدأت هذه المبادرة، موضحاً: «لقد بدأت في كتابة توكيدات إيجابية من تلقاء نفسها على قصاصات ورقية وشرعت في توزيعها.

كانت تقف عند الباب وتقدّمها للمارّة، وقد رأيت ملامح السعادة على وجوه الناس، وكيف بدأت ثقتها بنفسها تزداد لرؤيتها ردود الفعل، لأنّ الناس كانوا سعداء بذلك».


علماء يبحثون عن الصداقة في عالم القروش

سمكة قرش (بيكساباي)
سمكة قرش (بيكساباي)
TT

علماء يبحثون عن الصداقة في عالم القروش

سمكة قرش (بيكساباي)
سمكة قرش (بيكساباي)

اكتسبت القروش البحرية من فصيلة «قرش الثور» سمعة سيئة؛ حيث تنسب إليها مسؤولية مائة هجوم غير مستفز على الأقل ضد البشر، من بينهم 27 ضحية فارقوا الحياة جراء تلك الهجمات، بل وربما تكون مسؤولة عن عدد أكبر من الهجمات التي لم يتم تسجيلها، ولعل الحوادث التي ارتكبتها تلك الفصيلة كانت وراء فكرة الفيلم الشهير «الفك المفترس».

ولكن دراسة أوردتها الدورية العلمية «Animal Behavior» المعنية بدراسة سلوكيات الحيوان وجدت أن هذه القروش، التي يصل طول الواحد منها إلى 12 قدماً، وعادة ما تبدو كما لو كانت تفضل حياة الوحدة، تحرص على تكوين ما يشبه «الصداقة» مع بعض أقرانها، وأنها تختار القروش الأخرى التي تقضي الوقت بصحبتها، بدلاً من مخالطة غيرها بشكل عشوائي.

وتقول ناتاشا ماروسي رئيسة فريق الدراسة مؤسسة مختبر فيجي لدراسة القروش البحرية في بيان: «إننا كبشر نقوم بتكوين سلسلة من العلاقات الاجتماعية المتنوعة، التي تختلف ما بين المعارف إلى الأصدقاء المقربين، كما نتجنب في بعض الأحيان أشخاصاً بأعينهم، وهو ما تفعله القروش من فصيلة قرش الثور».

وعلى مدار ست سنوات، قام الفريق البحثي من جامعتي إكستر ولانكستر في بريطانيا ومختبر فيجي بدراسة سلوكيات انتقاء الأصدقاء لدى القروش، في محمية «شارك ريف مارين» بفيجي.

وتوضح ماروسي أن هذه المحمية «تجتمع فيها أعداد كبيرة من القروش كل عام، مما يتيح الفرصة لدراسة نفس القروش بشكل متكرر على مدار فترة من الوقت».

وراقبت ماروسي وفريق الباحثين 184 قرشاً من فصيلة الثور، في ثلاث فئات عمرية مختلفة، وهي مراحل ما قبل البلوغ ثم البلوغ ثم ما بعد سن التكاثر، مع التركيز على نوعين من السلوكيات، وهي العلاقات واسعة النطاق التي تحافظ فيها القروش على مسافة طول جسم كامل بعضها من بعض، ثم التفاعلات القريبة، حيث يقود أحد القروش مجموعة من القروش خلفه أو عندما تتحرك مجموعة من القروش معاً بشكل متوازٍ.

ووجد الباحثون أن العلاقات الاجتماعية تشيع بين القروش في سن البلوغ، وأن القروش في معظم الأحيان تتفاعل اجتماعياً من أقرانها التي تتماثل معها في الحجم.

ويقول دارين كروفت خبير علم البيئة السلوكي بجامعة إكستر إنه «على خلاف الاعتقاد السائد؛ فقد أظهرت هذه الدراسة أن القروش تعيش حياة اجتماعية ثرية ومركبة، بل إنها تحقق على الأرجح فوائد من خوض حياة اجتماعية مثل اكتساب مهارات جديدة والعثور على موارد الغذاء، وتوسيع فرص التزاوج وتجنب المواجهات مع أقرانها».

واكتشف الفريق البحثي أيضاً أن القروش من الجنسين تفضل مخالطة الإناث على الذكور، وإن كان الذكور أكثر رغبة في التواصل الاجتماعي مقارنة بالإناث في المتوسط. وذكرت ماروسي أن «ذكور قرش الثور تكون أصغر من حيث البنية الجسمانية من الإناث، وبالتالي فمن بين الفوائد التي تحصل عليها من مخالطة الإناث أنها تحمي نفسها من مواجهات مع قروش أخرى أكبر حجما».

أما من حيث الفئات العمرية؛ فقد تبين أن القروش البالغة هي الأكثر حرصاً على إقامة روابط اجتماعية، في حين أن القروش صغيرة السن أو التي تقدَّم بها العمر عادة ما تكون أقل حرصاً على العلاقات الاجتماعية.

وتقول ماروسي في تصريحات للموقع الإلكتروني «بوبيولار ساينس» المتخصص في الأبحاث العلمية إن «القروش الأكبر سناً لديها سنوات طويلة من الخبرة، مما أتاح لها أن تصقل مهاراتها في الصيد والتزاوج وغير ذلك. وبالتالي، فإن المخالطة الاجتماعية بالنسبة لها ليست بنفس القدر من الأهمية من أجل بقائها مقارنةً بالقروش التي ما زالت في ريعان الشباب».

وأشارت الباحثة إلى القروش المتقدمة في السن نادراً ما تتردد على المحمية وتفضل الوجود في مناطق قريبة من الشواطئ. أما القروش صغيرة السن، فهي عادة ما توجَد قرب مصبات الأنهار في فيجي.

ويقول الباحثون إنه في مراحل العمر المبكرة، لا تهتم القروش عادة بتجنب الضواري الأخرى أو التهديدات التي تشكلها قروش الثور البالغة الأكبر حجماً.

وتوضح ماروسي أن القروش اليافعة أحياناً تقيم علاقات اجتماعية مع أقران لها أكبر سناً، وتوضح أن القروش الكبيرة ربما تساعد في تسهيل دخول القرش اليافع في إطار شبكة العلاقات الاجتماعية، وتمهِّد لها الطريق لاكتساب مهارات اجتماعية مختلفة. وبمعنى آخر، فإن القروش الكبيرة في السن تمثل البوابة التي تعبر منها القروش اليافعة إلى شبكات العلاقات الاجتماعية في عالم القروش.

ويرى العلماء أن فهم طريقة تكوين العلاقات والروابط الاجتماعية في عالم القروش ربما يساعد في وضع نظم وسياسات تساهم في الحفاظ على هذه الأنواع.

ويعمل مختبر فيجي للقروش حاليا بالتعاون مع وزارة المصايد البحرية في فيجي للاستفادة من المعلومات التي خلصت إليها هذه الدراسة في جهود حماية القروش.

ويقول الباحثون إنه مثلما تحتاج قروش الثور إلى أصدقاء من أجل البقاء والحفاظ على حياتها في عالم البحار، فإنها ربما تحتاج أيضاً إلى أصدقاء من البشر لحماية المواطن التي تعيش فيها.