جونية ركضت قصصها... 10 آلاف مُشارك صنعوا نهاراً استعاد فيه اللبنانيون أنفسهم

مي الخليل لـ«الشرق الأوسط»: النساء يرسمن بخطواتهن خريطة وجود لا تُنتَزع

خطى لا تنظر إلا إلى الأمام (بيروت ماراثون)
خطى لا تنظر إلا إلى الأمام (بيروت ماراثون)
TT

جونية ركضت قصصها... 10 آلاف مُشارك صنعوا نهاراً استعاد فيه اللبنانيون أنفسهم

خطى لا تنظر إلا إلى الأمام (بيروت ماراثون)
خطى لا تنظر إلا إلى الأمام (بيروت ماراثون)

اعتاد صباح مدينة جونية أن يستقبل أمواج البحر، فاستقبل يوم الأحد آلاف الخطوات التي جاءت من أنحاء لبنان، نساء، ورجالاً، وأطفالاً، ليملأوا شوارعها بحركة تُشبه إعلاناً جماعياً عن القدرة على النهوض. بدا النهار لحظة مشتركة يتقاطع فيها الجهد الفردي مع الطاقة الجماعية، لتستعيد النساء تحديداً مساحة لطالما انكمشت تحت ثقل الأزمات.

مي الخليل... امرأة تمشي وسط خطوات صنعت رؤيتها (بيروت ماراثون)

كان الركض طريقة لإعادة قراءة الذات في ذلك الصباح، ومع الزينة الميلادية التي تتدلَّى فوق الطرقات. راحت جونية تُهندس نبضها عبر وَقْع الأقدام. نساء ارتدين الزهريّ، وعدّاؤون بلباس أسود يختزل جدّيتهم، وآخرون بالأبيض لون السلام، وألوان تُشبه القصص التي يحملها كلّ شخص إلى الطريق... جميعهم صنعوا مشهداً يختلط فيه الرياضي بالإنساني. كان الركض نوعاً من الإجابة المُشتركة عن سؤال كيف نستعيد أنفسنا في بلد من دون أمان؟ هذا الاستفهام الصعب الذي لا يكفُّ اللبنانيون على التهرُّب من صياغته.

نساء يرفعن لافتة ويرفعن معها معنى القوة (بيروت ماراثون)

نحو 10 آلاف مُشارك التحقوا بـ«سباق السيدات» الذي تنظّمه جمعية «بيروت ماراثون»، في نسخة جمعت النساء، والرجال، والأولاد، من السباق الرسمي للسيدات، إلى سباق الرجال، مروراً بسباق الكيلومتر للأطفال، و«سباق المرح» المفتوح لمَن يشاء.

جونية سلَّمت نبضها لوَقْع الأقدام (بيروت ماراثون)

شكَّلت كلّ خطوة اختباراً لقدرة الروح على أن تتقدَّم رغم التعب، وتجد لنفسها مَخرجاً من حلقات الخوف، والإعياء. وفي العيون التي تُحيط بالمشهد، وفي أطفال يركضون بحماسة، إلى فرق تشجيع تُلوّح بالأصفر، والذهبي، إلى موسيقيين يعزفون على وَقْع أقدام العدّائين، كان ثمة شيء يُشبه لحظة ولادة صغيرة لكلّ روح تحاول أن تتذكر نفسها.

الصليب الأحمر يحرس الطريق ويمدّ السباق بثقله الإنساني (بيروت ماراثون)

ارتفع هدير الحشود في لحظة الانطلاق ليصبح الركض لغة بديلة حين تعجز الكلمات. نساء تقدَّمن بثقة، بعضهن رفعن أيديهن بفرح، وأخريات حملن ما مرَّ بهن، وما ينتظرنه. كلّ واحدة منهنّ أعادت كتابة حكايتها الخاصة على تلك الطرقات. فكما تقول مؤسِّسة ورئيسة جمعية «بيروت ماراثون»، مي الخليل: «ما رأيناه تجاوز الصورة الرياضية إلى لحظة استعادة للصوت، وللمساحة، وللحق بأن تكون المرأة حاضرة بقوة وكرامة في وطنها».

راحت كلماتها تعكس ما ظهر في وجوه المُشاركات. فـ«اركضي قصتكِ»، الشعار الذي شكَّل هوية الحدث، بدا أبعد من دعوة رياضية. تقول الخليل: «هذا الشعار دعوة لكلّ امرأة لأن تأتي بحقيقتها إلى الطريق، وبخوفها، وقوتها، وخساراتها، وأحلامها. النساء اليوم لا يركضن من أجل الرياضة وحدها. يركضن من أجل الأمان، والاستقلال، واستعادة القدرة على الحلم».

يحوّلون الخطوات إلى احتفال (بيروت ماراثون)

وبالفعل، تغيَّرت قصة الركض عند النساء عبر السنوات، كما تضيف: «كانت قصة تحدٍّ في البداية، ثم صارت مسألة وجود. اليوم هي قصة نجاة، وحرّية. كلّ امرأة تركض لئلا يُكسَر صوتها، وإرادتها».

خطوات تتجاوز الحدود وفرحٌ يعلو فوق كلّ تعب (بيروت ماراثون)

ترجم مشهد جونية هذه الجملة بصرياً. مجموعات نسائية ارتدت الزهريّ هتفت، وابتسمت. عدّاءات قفزن في الهواء ببهجة. صغار عبروا بين الكبار على المزاليج، فشقّوا الطريق بفضولهم، وإيقاعهم. موسيقيون وقفوا عند الزوايا يعزفون للخطوات، وفرق تشجيع رفعت الألوان الذهبية، الصليب الأحمر حضر بثقله الإنساني، ومتطوّعون وزَّعوا المياه كأنهم يُوزّعون معنى المُشاركة.

كلّ خطوة شكَّلت اختباراً لقدرة الروح على أن تتقدَّم رغم التعب (بيروت ماراثون)

وعندما تسأل «الشرق الأوسط» مي الخليل عن قدرة الرياضة على إعادة الثقة بين الإنسان وبلده، تُجيب: «ما رأيناه في جونية يُعيد تذكيرنا بلبنان الذي نعرفه. لبنان الذي ينهض من تحت الأنقاض مرّة بعد مرّة. طاقة اللبنانيين لا تموت. والرياضة تمنحنا لحظة نرى فيها الوطن كما نتمنّاه، آمناً، ومُنظّماً، ومفتوحاً للركض، والفرح».

صغار يصنعون إيقاع المدينة بضحكاتهم (بيروت ماراثون)

نُعيدها إلى التحوُّل الذي شهدته علاقة النساء بالرياضة، فتؤكد أنّ التغيير صار جذرياً: «النساء لم يعدن يركضن لأجل اللياقة فقط، فالركض أصبح مساحة للتعبير، والتمرُّد، وإعادة كتابة مكانتهن في المجتمع. اليوم تركض المرأة كي تصنع هواءها الخاص، وتتجاوز الحدود التي فُرِضت عليها، وكي تؤكد لنفسها أنّ حياتها لها، وليست لمَن يشاء أن يرسم خطوتها».

عند خطّ النهاية يضع كلّ مشارك حكايته الصغيرة في مكانها الصحيح (بيروت ماراثون)

مي الخليل، التي تخطَّت تجربة الموت عبر الركض، ترى في الحركة معنى أعمق من كونها رياضة: «الركض أعاد كتابتي. كان الجسر الذي عبرتُ عليه من الألم إلى الحياة. حين يتحرَّك الجسد، تتحرَّك معه الروح. ينكسر الخوف، والجمود، ويستعيد الإنسان قدرته على النهوض. أؤمن بأنّ الركض يشفي كلّ مَن يمنح نفسه فرصة الانطلاق نحو النور».

موسيقى تعزف للخطوات وتمنح الطريق نبضه (بيروت ماراثون)

انتهى نهار جونية بصورة تُشبه خلاصة كلّ جهد بُذل لإنجاحه. الشوارع ضجَّت بالحياة، والوجوه توهَّجت بتعب جميل، والخطوات خلَّفت وراءها شعوراً بأنّ الإنسان، مهما اشتدَّت عليه الظروف، قادر على أن يضع قدماً أمام الأخرى، ويصنع لحظة انتصار صغيرة تخصّه وحده. كان يوم الأحد طاقة مشتركة أعادت إلى اللبنانيين ثقتهم بالقدرة على الاستمرار، ولو بخطوات متواضعة، لكنها دائماً ثابتة.


مقالات ذات صلة

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

يوميات الشرق «وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

تنطلق «قمة الإبداع» من 3 إلى 5 أكتوبر 2026 في حي جاكس بالرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من ملصقات الإعلانات في المعرض (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

«تجارة الأحلام»... معرض يوثق فنون الإعلانات في مصر على مدار قرن

قبل عقود طويلة، كان مشروب «مصر كولا» رائجاً على أرفف المتاجر، قبل أن يتوارى من الأسواق، ويُصبح عبوة نادرة يتعقَّبها هواة جمع المقتنيات.

منى أبو النصر (القاهرة)
صحتك قد تساعدنا الدموع على التعامل مع المشاعر القوية بصورة أكثر هدوءاً (بيكسلز)

لماذا نشعر بالراحة بعد البكاء؟

قد تمنحنا الدموع لحظة من الراحة وتساعدنا على التعامل مع المشاعر القوية بصورة أكثر هدوءاً

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول (شركة نو أسولاشن)

بلديات بريطانية توفر آلاف الروبوتات لتمثيل التلاميذ القلِقين داخل الفصول الدراسية

بدأت مجالس محلية بريطانية الاستعانة بروبوتات متطورة تبلغ تكلفة الواحد منها نحو 3500 جنيه إسترليني، لتمثيل أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول الدراسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.


«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.