تمارين العضلات تؤخّر الشيخوخة... الأبحاث والمدرّبون وحتى المشاهير يؤكدون ذلك

تمارين القوة مفتاح أساسي للحفاظ على الشباب الدائم (بكسلز)
تمارين القوة مفتاح أساسي للحفاظ على الشباب الدائم (بكسلز)
TT

تمارين العضلات تؤخّر الشيخوخة... الأبحاث والمدرّبون وحتى المشاهير يؤكدون ذلك

تمارين القوة مفتاح أساسي للحفاظ على الشباب الدائم (بكسلز)
تمارين القوة مفتاح أساسي للحفاظ على الشباب الدائم (بكسلز)

في مقابلة تلفزيونية أجرتها مؤخراً، صرّحت النجمة العالمية جنيفر لوبيز (56 سنة)، بأنها في هذه المرحلة من حياتها باتت تتمرن بشكلٍ أذكى وليس أصعب. بالذكاء، تعني المغنية والممثلة الأميركية، التقليل من تمارين القلب (كارديو) مقابل التركيز على بناء العضلات. «أرفع أوزاناً ثقيلة الآن لأننا كلما تقدمنا في السن، خسرنا من العضل الذي يجب أن يكون قوياً للحفاظ على إطلالة شابة».

صدقتْ «جي لو». فكل الأبحاث التي أُجريت خلال السنوات الماضية أثبتت أن رفع الأوزان وتمارين القوة (strength and resistance training) ليست حكراً على أبطال كمال الأجسام والرياضيين المحترفين، بل هي الحصانة الأقوى لصحة البشر جميعاً مع تقدّمهم في السن.

«الشرق الأوسط» استوضحت المدرّب الرياضي رونالد حدّاد حول تلك المعلومة وهو أكّدها. وفق حداد، فإن «تمارين القوة باستخدام الأوزان تقلل من نسبة الإصابة بأمراض القلب والسكري والسرطان». وبمجرّد أنها تضاعف الكتلة العضليّة، فهي تسهم في كثافة العظام وحمايتها من الهشاشة والترقق. ويشير حداد إلى أن هذه التمارين مفيدة كذلك لكبار السن، فهي تعزز التوازن لديهم وتَقيهم أخطار السقوط.

تمارين القوة مفيدة لكبار السن ويمكن ممارستها حتى في الـ90 (بكسلز)

ما هو تمرين القوة؟

ليس المقصود حتماً بتمارين القوة، رفع الأوزان الثقيلة بهدَف الحصول على زنود منتفخة وتقطيع عضلات المعدة. فتمرين القوة يمكن أن يكون من خلال استخدام الأوزان الخفيفة (الدمبل)، أو الأشرطة المطاطية، أو الحركات التي تستند إلى وزن الجسم فحسب، كتمرين السواعد (push-ups) والقرفصاء (squats). «كل واحد من تلك الأساليب، إضافةً إلى التمارين بواسطة الآلات، يدفع بالعضلات إلى المقاومة ويجبرها على العمل بقوة أكبر»، يشرح حدّاد.

الأمر ليس معقّداً ولا مكلفاً ولا يستهلك الكثير من الوقت. فحتى إن لم يكن الذهاب إلى النادي الرياضي متاحاً، من الممكن الانطلاق في المنزل بواسطة أوزان خفيفة وتمارين بسيطة.

تمرين القوة يمكن أن يكون من خلال استخدام الأشرطة المطاطية (بكسلز)

حركات وتمارين تبني العضلات

يقدّم المدرّب حداد مجموعة من الأمثلة عن تمارين القوة التي تعمل على بناء العضلات وترميمها وتحصينها. من بينها تمرين ضغط الصدر (bench press) أي الاستلقاء على مقعد مسطّح وتثبيت القدمَين أرضاً، ثم إنزال الدمبل من الجانبَين على مستوى الصدر. تليها عضلات اليدين التي يمكن تقويتها بواسطة تمرين ثني الذراعين باستخدام الدمبل (biceps curls). أما لتقوية عضلات الظهر، فيمكن القيام بتمرين الرفعة الميتة (deadlift). يُضاف إلى ذلك تمرين الاندفاع (lunges) لتقوية عضلات الجزء السفلي من الجسد أي الفخذين والأرداف.

هذه أمثلة قليلة عن مجموعة كبيرة ومنوّعة من التمارين التي تسهم في تحصين العضلات كافةً، من الظهر والكتفَين والذراعَين، مروراً بالصدر والمعدة، وصولاً إلى الفخذَين. وينصح حداد هنا «بالتنويع ما بين تلك التمارين، لأن في ذلك نمواً أفضل للعضلات كافةً، وللمفاصل والعظام أيضاً».

تمرين الاندفاع lunges لتقوية عضلات الجزء السفلي من الجسد (بكسلز)

كيف يقي تمرين العضلات من الشيخوخة؟

يحارب تمرين العضلات آثار العمر على جبهات عدة. لا تنحصر فوائده بشدّ الجلد ونَحتِ جسدٍ رشيق، بل تنسحب على وظائف حيويّة كثيرة.

* بناء العضلات

بمجرّد بلوغه الثلاثينات من العمر، يبدأ المرء بخسارة 3 إلى 8 في المائة من كتلته العضليّة كل 10 سنوات. ومع مرور العقود، تصبح الخسارة أكبر. لذلك فإنّ اللجوء إلى التمرين، يقي العضلات من هذا التناقص.

كيف يحصل ذلك؟ خلال التمارين، تتعرض ألياف العضلات الدقيقة لتمزّقات بسيطة. لكن أثناء فترات الاستراحة والتغذية السليمة، يقوم الجسم بإصلاح تلك الألياف ما يؤدي إلى زيادة في قوة التحمّل. وهنا، يضيء حداد على أهمية الالتزام بمواعيد التدريب: «الحدّ الأدنى الأسبوعي المطلوب هو ساعتان. وبعد التقدّم قليلاً، يمكن الزيادة إلى 3 أو 4 ساعات، لكن لا يُنصح بأكثر».

كما تُسهم تمارين القوة في تحسين التنسيق العصبي العضلي، ما يؤدي إلى أداء بدني أعلى في الرياضة وفي الحياة اليومية (حمل الأغراض وصعود السلالم).

تسهم تمارين القوة في تحسين التنسيق العصبي العضلي (أ.ف.ب)

* تقوية العظام

لا مكمّلات الكالسيوم ولا أشعّة الشمس تحافظ على صحة العظام كما تفعل تمارين القوة. فعندما تتعرض العظام لضغط ميكانيكي متكرر، تحفَّز الخلايا العظميّة على بناء نسيج جديد ما يجعل العظام أكثر صلابةً. وتشير الأبحاث إلى أنّ الأشخاص الذين يمرّنون عضلاتهم بانتظام، لديهم معدّلات أقل لهشاشة العظام مقارنةً مع مَن لا يمارسون الرياضة.

أما النساء فهنّ أكثر المستفيدات من تمرين العضل، بما أنهن الأكثر عرضةً لترقق العظام، لا سيما بعد انقطاع الطمث وتناقص هرمون الاستروجين.

النساء أكثر المستفيدات من تمرين العضل لأنهن الأكثر عرضةً لترقق العظام (أ.ف.ب)

* الحفاظ على سلامة القلب

صحيح أن تمارين العضلات مختلفة عن تمارين «الكارديو»، إلا أنها تلعب دوراً أساسياً في تعزيز صحة القلب والأوعية الدموية. يحصل ذلك لأن تلك التمارين تساعد في خفض ضغط الدم وتحسّن من مستويات الكوليسترول الجيد (HDL) وتخفّض الضار (LDL). كما أنها تقلل الالتهاب المزمن وتحفّز القلب على ضخ الدم بفاعلية.

* مزيد من الفوائد الصحية

من المنافع الصحية الإضافية لتمارين القوة، أنها تقي من الإصابة بألزهايمر وسائر أمراض الدماغ المرتبطة بالعمر. وقد أظهرت بعض الدراسات أن كبار السن الذين يمارسون تلك الرياضة بانتظام يحافظون على ذاكرة أفضل وقدرات إدراكية أعلى، مقارنةً مع مَن لا يمارسونها.

تُعدّ تمارين العضل كذلك وسيلة ناجعة للوقاية من السكّري، ولخفض مستويات الدهون في الجسم، ولتعزيز التوازن.

من المنافع الصحية لتمارين القوة أنها تقي من الإصابة بألزهايمر (بكسلز)

نصائح للمبتدئين

ينصح المدرّب رونالد حداد المبتدئين في مجال تمرين القوة بانطلاقة بطيئة وبحركات بسيطة. يشدد على أن الأولوية هي للتركيز على التقنية الصحيحة وليس على الأوزان الثقيلة. ويضيف: «من المهم جداً، خصوصاً في البدايات، أن يأخذوا يوم استراحة بين الجلسة والأخرى. والأهم من ذلك كله، عدم التدريب من دون تحمية في البداية وتمديد العضلات في النهاية».


مقالات ذات صلة

لذاكرة أفضل... 6 عادات يومية طبيعية قد تساعدك على تعزيزها

صحتك ممارسة التمارين الرياضية بانتظام خلال منتصف العمر ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف (بيكسلز)

لذاكرة أفضل... 6 عادات يومية طبيعية قد تساعدك على تعزيزها

الذاكرة من أهم القدرات التي يعتمد عليها الإنسان في حياته اليومية، فهي لا تقتصر على تذكّر المعلومات والبيانات، بل تدخل في تفاصيل كثيرة نمارسها بصورة تلقائية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك بذور الشيا تحتوي على مجموعة من العناصر الغذائية التي قد يكون لها دور في دعم أداء الجسم خلال ممارسة التمارين (بيكسلز)

بذور الشيا قبل التمرين... هل تمنحك طاقة أكبر وقدرة أفضل على التحمل؟

عندما يتعلق الأمر بالاستعداد لممارسة التمارين الرياضية، لا يقتصر الأمر على اختيار نوع التمرين ومدته، بل تلعب الوجبة التي تسبق النشاط البدني دوراً مهماً أيضاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مرضى السرطان الذين يدمجون نشاطاً بدنياً منظماً في برامجهم العلاجية المعتادة قد يعيشون لفترة أطول (بيكسلز)

تمارين تطيل حياة مرضى السرطان وتقلل خطر عودته

تشير أبحاث جديدة إلى أن ممارسة التمارين الرياضية بصورة منتظمة، إلى جانب العلاج المعتاد، قد ترتبط بتحسين فرص البقاء على قيد الحياة، وتقليل احتمالية عودة السرطان.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
صحتك زوجان مسنان يعبران شارعاً في بلدة بجنوب السويد (أ.ف.ب)

كم خطوة يومياً يحتاج إليها الجسم بعد سن الستين؟

لطالما ارتبط المشي بالحفاظ على الصحة والوقاية من مشكلات صحية وأصبح هدف المشي 10 آلاف خطوة يومياً شائعاً لدى الراغبين في الحفاظ على نشاطهم البدني

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك بعض العادات والتمارين اليومية يمكن أن تساعد في الحفاظ على قوة العضلات (رويترز)

أسباب فقدان عضلاتك قوتها بعد سن الأربعين وكيف توقف ذلك

مع التقدم في العمر، لا تقتصر التغييرات التي يمر بها الجسم على ظهور التجاعيد أو تباطؤ عملية الأيض، بل تمتد إلى العضلات التي تبدأ تدريجياً في فقدان كتلتها وقوتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».


في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
TT

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

لا تزال الآلات تدور في مصنع «كاتبه» للنسيج بمنطقة الحدث، والخيوط تعبُر مراحل الإنتاج، والأيدي تعرف طريقها إلى القماش. على مساحة ألفَي متر مربّع، تستمر صناعة تراجعت في لبنان حتى غدت مصانعها العاملة استثناءً. وفي هذا المكان الذي احتفظ بصوت الآلات وحركة العمّال، اختارت منصة «فراغمنتا» الثقافية أن تبدأ حكاية «قميص»، مشروعها الثاني الذي يتّخذ من قطعة نرتديها يومياً مدخلاً إلى تاريخ صناعة النسيج في لبنان، وما تختزنه من معارف وحِرف وذاكرة إنسانية.

ألوان ونقوش تحفظ شيئاً من تاريخ النسيج اللبناني (الشرق الأوسط)

تحت رعاية وزارة الثقافة، جمع لقاء «خيوط المعرفة» شخصيات من الأوساط الثقافية والصناعية والنسيجية داخل مصنع «كاتبه»، تمهيداً لمعرض «قميص... شذرات من اللباس» المُرتقب في نوفمبر (تشرين الثاني). وجاء اختيار المصنع من صميم فكرة المشروع الذي تنطلق فيه مؤسِّستا «فراغمنتا» نور نجم وغيلين إلياس من الأشياء المألوفة للبحث في المعارف الإنسانية والتقنية والتاريخية التي تقف وراءها.

القميص في نظرهما قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية، بالليونة والبناء الهندسي. وراءه، رحلة طويلة تبدأ بالألياف والخيوط، وتمرّ بالنسيج والآلات والخياطة، وصولاً إلى الأيدي التي تمنحه شكله النهائي. ومن هذه الرحلة يتفرَّع مشروع «قميص» إلى 5 فصول مترابطة تتناول أصول المواد والبناء والتفسيرات المعاصرة، والحوار مع الصنّاع والذاكرة والأرشيف.

ذاكرة النسيج مطويّة بين صفحات من قماش (الشرق الأوسط)

ويحمل مصنع «كاتبه» جانباً من تاريخ الصناعة اللبنانية التي أدّت حتى سبعينات القرن الماضي دوراً أساسياً في الاقتصاد المحلّي. ففي عام 1974، شكَّلت الصناعات التحويلية نحو 18 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، وكانت صناعة النسيج من القطاعات الراسخة آنذاك. ثم جاءت الحرب والتحوّلات الاقتصادية وتبدُّل الأسواق، وتراكمت الأزمات التي أضعفت هذا الإنتاج.

وسط التراجع، بقي المصنع الذي تُديره اليوم العائلة في جيلها الرابع، ممثَّلاً بطوني كاتبه، شاهداً على استمرارية المعرفة الصناعية. فهو ينتج الأقمشة البسيطة النسج والمناشف القطنية، وتَشغَل أقمشة القمصان نحو 40 في المائة من إنتاجه الحالي، فيما تتوزَّع النسبة المتبقّية على منتجات أخرى.

تبدأ العملية بخيوط تُستورَد من مورّدين مُعتَمدين، ثم تُلفّ وتُنسَج وتُغسَل وتُستَكمل مراحل تجهيزها داخل المصنع، حيث تتعاقب الآلات والعمل اليدوي حتى يتحوّل الخيط إلى قماش.

خيوط تنتظر أن تمنحها الآلات شكلاً وحياة (الشرق الأوسط)

بالنسبة إلى طوني كاتبه، يرتبط الحفاظ على المصنع بمسؤولية إنسانية واجتماعية. فالمشروع الذي بدأ مع جدّه وانتقل بين أجيال العائلة، لا يزال يؤمّن للعاملين فيه مصدر رزق واستقراراً لعائلاتهم، ويحفظ خبرات مَن أمضوا أعمارهم في هذه المهنة، لتُنقل حكاية الصناعة على ألسنة الذين عاشوها وأسهموا في بقائها.

ومن هذه الحكاية التي يرويها المصنع بأهله وآلاته، تنطلق «فراغمنتا» للبحث عمّا بقي من صناعة النسيج اللبنانية، وما يمكن أن تقدّمه خبراتها للمستقبل. فنور نجم وغيلين إلياس تريان في المهارات والمعارف التي صمدت رغم تراجع القطاع مادةً يمكن البناء عليها وإعادة إدخالها في ممارسات التصميم والإنتاج المعاصرة، بما يمنح هذه الذاكرة فرصة للتجدُّد والانتقال إلى أجيال مقبلة.

وتسعى «فراغمنتا» إلى نقل هذه المعارف بين الحرفيين والمصمّمين والباحثين، وإيجاد مساحات يلتقي فيها أصحاب الخبرة الصناعية بالممارسات الفنّية والتصميمية الحديثة. وتقوم مشاريعها على البحث في المواد والأشياء التي تحمل شيئاً من تاريخ المنطقة وثقافتها، وما تكشف عن علاقة الإنسان بالصناعة والحرفة. وقد اختارت في دورتها الثانية القميص، بما يختزنه من ذاكرة صناعة النسيج اللبنانية والعاملين فيها.

صفحات من قماش تختزن سنوات من الحرفة وتحوّلاتها (الشرق الأوسط)

وفي احتضان «كاتبه» إطلاق المشروع، تأكيدٌ على أهمية العودة إلى الأماكن التي احتفظت بمعارفها الصناعية، وإلى الأشخاص الذين توارثوا هذه الخبرات وحافظوا عليها رغم التحوّلات التي شهدها لبنان. فالمصنع الذي لا يزال ينتج حتى اليوم، يضع أمام «قميص» تاريخاً يمكن قراءته من خلال العمل، وأيضاً العاملين الذين يعرفون أسرار هذه المهنة.

يُفتتح المعرض أمام الجمهور في 28 نوفمبر المقبل، ويستمر حتى 5 يناير (كانون الثاني) 2027، في معمل تكرير السكّر المهجور بمنطقة الزلقا شمال بيروت؛ ليُعيد «قميص» إلى الأشياء التي نرتديها وجوهَ الذين صنعوها، وإلى الأيدي التي أمضت أعمارها في هذه المهنة شيئاً من حقّها في الذاكرة. فالقماش الذي يُرافقنا من دون أن نفكّر في حكايته، مرَّ يوماً بين أصابع تعرف أسرار الخيط والآلة، وحمل معه شيئاً من أعمار أصحابها. وللخيط عمرٌ آخر حين يُغادر المصنع؛ يواصل حياةً بدأها آخرون، ويصير بعض أقرب الأشياء إلينا، فيما تبقى أيديهم بعيدة عن العيون.