الحياة الفطرية لـ«الشرق الأوسط»: «رأس حاطبة» موئل بحري مهم و35 جزيرة في «الثقوب الزرقاء»

أكّد رصد كثير من المشاهدات للكائنات الرئيسية في المحميّتين

ارتفاع نسبة المناطق البحرية المحمية في السعودية (الحياة الفطرية)
ارتفاع نسبة المناطق البحرية المحمية في السعودية (الحياة الفطرية)
TT

الحياة الفطرية لـ«الشرق الأوسط»: «رأس حاطبة» موئل بحري مهم و35 جزيرة في «الثقوب الزرقاء»

ارتفاع نسبة المناطق البحرية المحمية في السعودية (الحياة الفطرية)
ارتفاع نسبة المناطق البحرية المحمية في السعودية (الحياة الفطرية)

أكّد «المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية» في السعودية أن محمية «رأس حاطبة» تحتضن 8 جزر بحرية، معظمها رملية، وتُضفي قيمة بيئية عالية من خلال دعم النظم البيئية البرية والبحرية، وتعمل بوصفها أماكن تعشيش للطيور البحرية والسلاحف البحرية، ما يزيد من تكامل وظائفها الإيكولوجية، مشيراً إلى أن محمية «الثقوب الزرقاء» تضم 35 جزيرة بحرية، معظمها رملية، وتُعد إضافة حيوية للمنظومة البيئية من خلال دعم تكامل النظم البرية والبحرية، عبر توفير موائل تعشيش للطيور البحرية والسلاحف، وتُعزز من التفاعل الإيكولوجي بين البيئات المختلفة.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أعقب موافقة مجلس الوزراء السعودي، الثلاثاء، على إدراج محميتَي «الثقوب الزرقاء»، و«رأس حاطبة» البحريتين ضمن قائمة المحميات الوطنية، قال عبد الناصر قطب، المدير العام لإدارة المحافظة على البيئة البحرية والساحلية في «المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية»، إن محمية «رأس حاطبة» تضم تشكيلات متنوعة من الشعاب المرجانية، تشمل الشعاب الحاجزية، ومئات الشعاب البُقعية، التي تمثل بدورها بنية أساسية لأنظمة الحياة البحرية، إذ توفر مواقع للتغذية، والتكاثر، والحضانة لعدد كبير من الكائنات البحرية، لافتاً إلى أن وجود هذا التباين في الأنماط المرجانية يعزز من مرونة النظام البيئي وقدرته على مواجهة الضغوط الطبيعية والبشرية، علاوة على كونها إحدى أهم المحميات البحرية في البلاد نظير الثراء البيئي الفريد والموائل البحرية بالغة الحساسية، ما يجعلها مركزاً رئيسياً لدعم التنوع الأحيائي وصون النظم البيئية.

وكشف قطب أن الدراسات الميدانية الحديثة أظهرت أن المؤشر الصحي للشعاب المرجانية والأسماك في حالة جيدة، ما يعكس استقراراً بيئياً ومرونة عالية للنظام البيئي البحري في مواجهة التغيرات.

تلتزم السعودية بتوسيع شبكة المحميات الوطنية لتتجاوز الـ100 (الحياة الفطرية)

وعن مميّزات المحميّة، بيَّن قطب أنها تتميز بانتشار مروج الحشائش البحرية، التي تُعد ركيزة أساسية في السلسلة الغذائية البحرية، وتوفر مناطق تغذية وحضانة للأسماك والسلاحف البحرية، إضافة إلى دورها البيئي، حيث تمثل هذه المروج أحد أهم مخازن الكربون الأزرق، علاوة على انتشار «أشجار المانغروف» التي تُشكل خط الدفاع الأول للسواحل من خلال الحدّ من التآكل وحماية الشواطئ من الأمواج والعواصف، معداً أن الغابات الساحلية توفّر موائل بالغة الأهمية، بوصفها مناطق حضانة طبيعية لصغار الأسماك واللافقاريات، وبيئة تعشيش للطيور الساحلية والبحرية.

وبالإضافة إلى ذلك، تُعد المحمية موئلاً مهماً لكثير من الكائنات البحرية الكبرى، مثل القروش، والدلافين، والسلاحف، والحيتان، وقرش الحوت، وهي أنواع ذات قيمة إيكولوجية عالية، وبعضها مصنّف عالمياً أنواعاً مهددة بالانقراض، ما يبرز الأهمية الاستثنائية للمحمية بوصفها موقعاً حيوياً لدعم بقاء هذه الأنواع والحفاظ على توازن المنظومة البحرية، وفقاً لمدير عام إدارة المحافظة على البيئة البحرية والساحلية.

ونوّه قطب بكثير من المشاهدات، التي تضمّنت مشاهدات للدلفين الشائع «قاروري الأنف»، وهو من الأنواع الرئيسية التي تعكس صحة النظام البيئي البحري نظراً لاعتماده على السلسلة الغذائية المتكاملة، والقروش، بما يُبرز الدور الحيوي لهذه المفترسات العليا في حفظ التوازن البيئي وتنظيم تجمعات الأسماك، و«أسماك الراي» التي تُعد جزءاً مهماً من الشبكة الغذائية البحرية، وتسهم في ديناميكية الرواسب القاعية، ومشاهدة واحدة للحوت البريدي، وهو من الثدييات البحرية الكبيرة ذات القيمة العالمية، حيث يؤكد وجوده أهمية المنطقة موئلاً للهجرة والتغذية، إلى جانب مشاهدتان لقرش الحوت، وهو أكبر الأسماك في العالم المُدرج على قائمة الأنواع المهددة بالانقراض، ومشاهدتان للسلاحف الخضراء، وهي من الأنواع المهددة بالانقراض عالمياً، وتعتمد في غذائها على مروج الحشائش البحرية، ما يعكس سلامة هذه البيئات في المنطقة.

تتميَّز محميتا «الثقوب الزرقاء» و«رأس حاطبة» بتنوع بيئي فريد (الحياة الفطرية)

وعن المراقبة، شدّد قطب أنه تتم مراقبة صحة النظم البيئية المتعلقة بالشعاب المرجانية ووفرة الأسماك وكتلتها الحيوية مرتين سنوياً، إلى جانب مسح سنوي لمروج الحشائش البحرية والتنوع الأحيائي المرتبط بها، مع تحديد المهددات البيئية وإدارتها بفاعلية، إلى جانب التزام المحمية بالرقابة البيئية من خلال التفتيش الدوري لضمان الامتثال للوائح حماية الحياة الفطرية، إضافة إلى حظر أنشطة الصيد بشباك الجرّ داخل المواطن البحرية الحساسة، وأردف أن العمل القريب من نطاقها يشمل تقييم الأنواع غير المحلية وإعداد خطة أمن حيوي للحدّ من تأثيرها على النظام البيئي.

وعن محمية «الثقوب الزرقاء»، كشف قطب أنها تضم شعاباً مرجانية تشمل الحاجزية منها، والحلقية، والبُقعية، ما يوفر بيئات معقدة وغنية، من شأنها تنويع الموائل البحرية وتوفير أماكن للتكاثر والتغذية والحضانة لعدد كبير من الكائنات، وتعزيز مرونة النظام البيئي وقدرته على مواجهة الضغوط الطبيعية والبشرية، وعرّج على كونها أحد المواقع البحرية والجيولوجية الأكثر تفرّداً في البحر الأحمر، إذ اكتُشفت حديثاً عام 2022 من خلال رحلة العقد العالمية لاستكشاف البحر الأحمر بمشاركة سفينة الأبحاث «OceanXplorer» وسفينة «العزيزي» التابعة لجامعة الملك عبد العزيز، عادّاً هذا الاكتشاف قيمة علمية ومعرفية استثنائية، نظراً لاحتضان المحمية لتكوينات طبيعية نادرة من الثقوب الزرقاء التي تمثل نظماً بيئية بحرية ذات أهمية كبرى لفهم تطور النظم المرجانية و«الجيومورفولوجية» في المنطقة.

تطوير منظومة وطنية شاملة للمناطق المحمية وفق معايير عالمية (الحياة الفطرية)

وعلى الرغم من أن المؤشر الصحي للشعاب المرجانية والأسماك في حالة مقبولة، فإن ذلك يُبرز الحاجة الملحة إلى مواصلة جهود الإدارة البيئية للحفاظ على هذا التنوع الفريد وتعزيزه، حسبما أجاب قطب على سؤال لـ«الشرق الأوسط».

وفي الجانب المتعلق ببيئات المحمية البحرية، أوضحت معلومات «الشرق الأوسط» أنها تزخر بتنوع غني من الأسماك واللافقاريات، بما في ذلك نجم البحر، وقنافذ البحر، والمحار العملاق، وخيار البحر، وهي كائنات تُعد مؤشرات حيوية على صحة النظام البيئي البحري، وتنتشر بها مروج الحشائش البحرية التي تُشكّل عنصراً محورياً في السلسلة الغذائية البحرية، وتوفر مناطق تغذية أساسية للسلاحف والكائنات البحرية العاشبة، إضافة إلى دورها في تخزين الكربون الأزرق.

وحسب مدير عام إدارة المحافظة على البيئة البحرية والساحلية، تُعد المحمية موطناً لعدد من الكائنات البحرية الكبرى مثل السلاحف، والقروش، والدلافين والحيتان، بما يعكس مكانتها بوصفها موئلاً طبيعياً للأنواع ذات القيمة «الإيكولوجية» العالية، وبعضها مهدَّد بالانقراض عالمياً، ما يمنح المحمية بُعداً استراتيجياً في صون التنوع الأحيائي على المستويين الإقليمي والعالمي.

محمية «رأس حاطبة» تحتضن 8 جزر بحرية معظمها رملية (الحياة الفطرية)

ونوّه قطب بعدد من المشاهدات في المحميّة، تضمّنت رصد مشاهدات للدلافين، منها الدلفين الدوار، والدلفين الشائع «قاروري الأنف»، ودلفين المحيط الهندي «قاروري الرأس»، والدلفين الاستوائي «المنقّط»، وهي أنواع ذات أهمية إيكولوجية عالية، بالإضافة إلى تسجيل مشاهدات لقرش الحوت، وأسماك الراي، والحوت البريدي، والسلاحف البحرية، الخضراء منها، وصقرية المنقار.

ولفت قطب، من موقعه، إلى أن المسوحات الدورية لمراقبة صحة الشعاب المرجانية ووفرة الأسماك تجري مرتين سنوياً، ومراقبة مروج الحشائش البحرية سنوياً، مع تحديد المهددات البيئية وإدارتها بفاعلية.

كما يجري المركز تفتيشاً بيئياً دورياً داخل المحمية للتأكد من الالتزام باللوائح، إضافة إلى ذلك، يجري العمل على إعداد خطة أمن حيوي في المناطق الساحلية المحيطة للحد من مخاطر الأنواع غير المحلية.


مقالات ذات صلة

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

خاص يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

بعد سنوات من النزاع المُسلح الذي خلّف دماراً كبيراً بالسودان، لم يتأثر به سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم، بل امتد التأثير إلى البيئة بشكل مخيف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

أودت انزلاقات تربة ناجمة عن أمطار غزيرة في جنوب تنزانيا بـ20 شخصاً على الأقل، وفق ما أعلنت السلطات، الخميس، مرجحة ارتفاع عدد الضحايا.

«الشرق الأوسط» (دار السلام)
شمال افريقيا مجموعة من الشباب أثناء إلقاء أكياس معبأة بالمياه من شرفة منزلهم (فيديو متداول للواقعة)

مصر: حادث «أكياس المياه» يكشف خطر الأخبار المضللة على «المنصات»

تحول مشهد لمجموعة من الشباب وهم يلقون من شرفة منزلهم أكياساً معبأة بالمياه على تجمع للمُصلين بعد انتهائهم من صلاة العيد بالقاهرة لمادة متداولة على منصات التواصل

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق شجرة الشعب... قصة مشتركة من التصميم (أ.ب)

ما مستقبل شجرة «سيكامور غاب» التي جرى قطعها؟

طُلب من الجمهور في منطقة «نورثمبرلاند» البريطانية التصويت لاختيار أحد الفنانين الستة المرشحين لإبداع عمل فني من خشب شجرة «سيكامور غاب»، التي تعرضت للقطع.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.