مها الملوح: حين نتبادل القصص مع العالم نتبادل إنسانيتنا أيضاً

الحائزة على الجائزة الثقافية الوطنية لـ«الشرق الأوسط»: أحب أن تبقى ذاكرتي كجسر يربط بين الأصالة والحداثة

«أبواب 2012»
«أبواب 2012»
TT

مها الملوح: حين نتبادل القصص مع العالم نتبادل إنسانيتنا أيضاً

«أبواب 2012»
«أبواب 2012»

حين تلقّت الفنانة مها الملوح خبر فوزها بالجائزة الثقافية الوطنية، ضمن فئة الفنون البصرية لهذا العام، كانت خارج أرض الوطن، وبالتحديد في فيينا، حيث أقامت معرضها الشخصي «القصص تُهم». حين تلقت الخبر همست لنفسها: «يا الله لك الحمد والمنة، دام عزّ وطني».

لم تختر الملوح الفن، بل هو الذي اختارها، فاتخذت منه مساحة حرة للتعبير، ووسيلة للوجود والتواصل مع العالم، وأصبحت تقدم مع كل عمل فني، جزءاً من حياتها. واحتفالاً بالجائزة وبالمسيرة الحافلة كان لـ«الشرق الأوسط» لقاء مع الفنانة مها الملوح، عرجنا فيه على عدة محطات من مشوارها الفني واختياراتها الفنية وعن معرضها الأخير.

عن البدايات

في لحظات الإنجاز والاحتفاء بالذات، تتسابق إلى الذاكرة مشاهد البدايات، وهذا دعانا إلى سؤال الملوح؛ ما الذي اختلف بين الفنانة الطموحة في أول معرض فني لها، وبين الفنانة التي استحقت هذه الجائزة المرموقة؟ تجيب: «كنت ما أزال طالبة في المدرسة، أحمل في داخلي الشغف والرغبة بإثبات الذات. كان ذلك في عام 1976، شاركت بأعمالي مع كبار الفنانين العرب المقيمين في السعودية، وحظيت بتشجيع كبير كوني الفنانة السعودية الوحيدة، حيث بيعت جميع أعمالي. ما تبقى معي اليوم من تلك الفنانة هو الإصرار والصدق في التعبير الفني والإيمان العميق بأن الفن رسالة، قبل أن يكون إنجازاً شخصياً، أما ما اختلف فهو النضج والقدرة على قراءة العمل الفني بعمق أكبر، إضافة إلى الخبرة التي منحتني رؤية أوضح للتحديات والفرص، وجعلتني أكثر ثقة بقدرتي على المساهمة في المشهد الفني محلياً وعالمياً».

مواكبة المشهد

ظلّت الفنانة الملوح محتفظة بوجودها المميز على المستوى المحلي والعالمي، برغم طول مسيرتها الفنية واختلاف المشهد الفني. فكيف استطاعت مواكبة هذه المتغيرات؟ تجيب: «يستطيع الفنان المحافظة على تجدد عطائه، من خلال الاستمرار في البحث والتجريب والانفتاح على التقنيات والوسائط الحديثة، مع المحافظة في الوقت ذاته على خصوصية أسلوبه الفني وقيمه الجمالية. كما أن التفاعل مع الأجيال الجديدة من الفنانين، والاطلاع على الحوارات الثقافية والمعارض الدولية، يمنحان الفنان أفقاً أوسع يثري تجربته، ويمكنه من تقديم أعمال تعكس روح العصر وتحتفظ بهويتها الأصيلة».

من أعمال مها الملوح «رحلة العمر تكريم لليدي إفيلين كوبولد» (الفنانة)

النجاح عالمياً

إضافة إلى مشاركاتها العالمية، أصبحت أعمال الملوح جزءاً من مقتنيات العديد من المتاحف العالمية والمجموعات الخاصة. ومنها المتحف البريطاني، ومتحف اللوفر في باريس، ومتحف ماك في فيينا، ومتحف سان فرانسسكو للفن الحديث. من واقع تجربتها، ترى الملوح أن قدرة الفنان السعودي على النجاح عالمياً تقترن بإتقان ما يقدمه في المقام الأول، وتطوير أسلوب مميز. يتحقق ذلك من خلال محاولة فهم اللغة التي يتحدث بها الفن العالمي، وكذلك التجريب والتعاون مع فنانين من مختلف الثقافات، تضيف: «العالم اليوم يقدر الأصالة، لكنه في الوقت نفسه يبحث عن الإبداع الذي يعكس التفاعل مع الحاضر والمستقبل، ومن هنا تأتي أهمية أن يكون الفنان صادقاً مع ذاته، معبراً عن قضاياه الخاصة التي تحمل في جوهرها بعداً إنسانياً مشتركاً يفهمه الجميع».

استكشاف التراث النجدي

تصف الملوح أعمالها بأنها تستكشف الرموز الثقافية للحضارة السعودية. من هنا يتبادر السؤال عن استلهامها التراث النجدي في أعمالها، تقول: «حين شعرت بتغيّر الحياة سريعاً من حولي. زرت بيوت الطين القديمة. وجدت فيها صدق الانتماء، فأيقنت بضرورة المحافظة على تراثنا، كي يبقى نابضاً في الحاضر والمستقبل». تحيلنا كلماتها للتفكير في نظرة الأجيال الجديدة لأهمية حفظ التراث والذاكرة في الأعمال الفنية، ترى الملوح أن الفن يملك القدرة على ترجمة الذاكرة إلى لغة جمالية، يفهمها ويشعر بها الجيل الجديد: «العمل الفني ليس مجرد توثيق، بل هو جسر يربط بين التجربة الإنسانية القديمة وحساسية المتلقي المعاصر، فيتذوق الماضي وكأنه حاضر. ومن دون هذا الجسر، نفقد القدرة على إدراك عمق ما تغير، وكيف وصلنا لما نحن عليه اليوم».

من معرض مها الملوح في فيينا «القصص تهم» (الفنانة)

القيمة الجمالية للمعتاد

تترك تركيبات الملوح الفنية الناظر بنظرة جديدة تجاه ما كان يبدو اعتيادياً، حيث تستعين بمواد مثل المكيفات والحقائب والطناجر والبراميل، مانحة إياها أبعاداً جديدة. تتذكر الملوح أن وعياً تدريجياً نشأ بينها وبين بيئتها والأشياء اليومية البسيطة التي تحيطها، عندما بدأت تتفحصها بعيني الفنانة. حينها تولد داخلها إيمان بالقيمة الجمالية التي تتجاوز التكوينات المادية، توضح: «المواد التي قد تبدو عادية، تحمل في طياتها إمكانات تعبيرية هائلة متى ما وظّفت في سياق فني جديد. أتعامل مع هذه المواد بوصفها لغة صامتة، أحاول أن أستخرج منها معاني ورموزاً ترتبط بتجربتي الشخصية وبالمحيط الذي أنتمي إليه». يبدو تكرار العناصر باعتباره ميزة جلية في أعمالها، تفسر الملوح بأنه يدل على الاستهلاك من ناحية، لكنه أيضاً يحمل في ثناياه تجربة بصرية تثير مشاعر متباينة لدى المتلقي.

من معرض «القصص تهم» (الفنانة)

مما لا شك فيه أن اسم مها الملوح سيبقى في ذاكرة الفن السعودي، لكن كيف تحب أن يتذكرها؟ تقول: «أحب أن تبقى ذاكرتي كجسر يربط بين الأصالة والحداثة وبين المحلي والعالمي، وأن يذكرني الناس كفنانة ساهمت في وضع السعودية على خريطة الفنون العالمية من خلال المعارض والمشاركات الدولية، ويذكر دوري في ربط الأجيال الشابة بذاكرتهم الثقافية، وأن يحفظ اسمي كواحدة من الفنانات اللاتي جسّدن هوية السعودية في قالب عالمي معاصر».

«القصص تُهم»

يقام حالياً في غاليري «كرينزنجر»، في فيينا، معرض الملوح الشخصي «القصص تُهم»، الذي يستمر حتى 23 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. جاء المعرض تلبيةً لدعوةِ تنسيقِ معرض يتناول الحوار بين الشعوب.

مها الملوح: ركّزت على القصص التي شكّلت حياتنا وتاريخنا (الفنانة)

اختارت له مجموعة من الأعمال الفنية الجديدة: «ركزت فيها على القصص التي شكّلت حياتنا وتاريخنا، قدّمتها برؤية شخصية، تعبر عن مشاعري وتجربتي». ترى الملوح في القصص وسيلة فاعلة للتواصل بين الشعوب، وباستخدام أساليب فنية مختلفة يمكن لهذه القصص أن تجاوز عقبة اختلاف اللغات: «تجمع القصص الشعبية والأساطير والحكايات التاريخية تجارب أجيال متعاقبة، مكونة هوية جماعية، يرى فيها الآخر قيماً إنسانية مشتركة». وتضيف: «حين نتبادل القصص، نتبادل إنسانيتنا أيضاً، وهذا يفتح باباً للتسامح والفهم، وربما التعاون بين الأمم والشعوب».


مقالات ذات صلة

دُرة لـ«الشرق الأوسط»: أحلم بتجسيد «شجرة الدر»

يوميات الشرق الفنانة التونسية درة تستعد لأعمال في السينما والدراما (صفحتها على «فيسبوك»)

دُرة لـ«الشرق الأوسط»: أحلم بتجسيد «شجرة الدر»

قالت الفنانة التونسية درة إنها شعرت بالخوف من شخصية «ميادة الديناري» التى جسدتها في مسلسل «علي كلاي» الذي عُرض خلال موسم دراما رمضان الماضي.

مصطفى ياسين (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان شريف منير قدم أدواراً متعددة في الدراما (الشرق الأوسط)

شريف منير: الهجوم على «رأس الأفعى» يؤكد قوة تأثيره

أكد الفنان المصري، شريف منير، أنه لم يلجأ لتقليد شخصية الإرهابي محمود عزت التي أداها بمسلسل «رأس الأفعى»، بل أخذ روح وتفاصيل الشخصية وعمل عليها طويلاً.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان محمد رجب تحدث عن مشروعاته المقبلة (صفحته على «فيسبوك»)

محمد رجب: سعيت لتغيير جلدي الفني في «قطر صغنطوط»

قال الممثل المصري محمد رجب إنَّه يستعدُّ للعودة إلى السينما خلال الفترة المقبلة من خلال فيلمَين جديدَين سيقدمهما مع المنتج أحمد السبكي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق هبة مجدي شاركت في «المداح» و«نون النسوة» (صفحتها على «فيسبوك»)

هبة مجدي: «المدّاح» محطة مهمة بمشواري الفني

قالت الممثلة المصرية، هبة مجدي، إن حماسها للجزء السادس من مسلسل «المداح» كان كبيراً منذ البداية، موضحة أن هذا الموسم يحمل اختلافاً واضحاً عن الأجزاء السابقة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق روجينا قدَّمت مسلسل «حد أقصى» في رمضان (صفحتها في «فيسبوك»)

روجينا: الدراما يمكن أن تكون صوتاً للمرأة المظلومة

أدَّت الفنانة المصرية روجينا في المسلسل الرمضاني «حد أقصى» شخصية «صباح»، وهي امرأة تتعرَّض للغدر والخيانة وتلاحقها اتهامات باطلة...

انتصار دردير (القاهرة )

5 أطعمة على الإفطار... وقود يومي لتعزيز الذاكرة والتركيز

ما تضعه في طبقك يرافق أفكارك طوال اليوم (موقع هيلث)
ما تضعه في طبقك يرافق أفكارك طوال اليوم (موقع هيلث)
TT

5 أطعمة على الإفطار... وقود يومي لتعزيز الذاكرة والتركيز

ما تضعه في طبقك يرافق أفكارك طوال اليوم (موقع هيلث)
ما تضعه في طبقك يرافق أفكارك طوال اليوم (موقع هيلث)

يشير خبراء التغذية إلى أنّ ما نتناوله في وجبة الإفطار لا يقتصر تأثيره على الشعور بالشبع، وإنما يمتدّ ليؤثّر بشكل مباشر في التركيز والذاكرة والأداء العقلي طوال اليوم.

كما يمكن أن تسهم بعض أطعمة الإفطار الشائعة في تعزيز صحة الدماغ، في حين قد ترتبط الأطعمة فائقة المعالجة أو الغنية بالسكر بتراجع الأداء المعرفي على المدى الطويل، وفق موقع صحي.

وتوضح اختصاصية التغذية الأميركية، سارة غارون، أنّ الدماغ بعد ساعات الصيام الليلي يعتمد بشكل كبير على أول وجبة لتحديد مستوى النشاط الذهني خلال اليوم.

وسلَّط الموقع الضوء على 5 أطعمة يُنصح بتناولها صباحاً لدعم صحة الدماغ وتحسين وظائفه:

الجوز (عين الجمل)

يُعد الجوز من أبرز الأطعمة المفيدة للدماغ، إذ أظهرت بحوث حديثة أن تناول إفطار غني بالجوز لدى البالغين الشباب يسهم في تحسين سرعة ردّ الفعل وتعزيز الذاكرة خلال اليوم.

وتؤكد اختصاصية التغذية الأميركية، ويندي بازيليان، أنّ هذه النتائج مهمة، لأنها تشير إلى أنّ إدخال الجوز في وجبة الإفطار قد يُحقّق تأثيرات معرفية قصيرة المدى قابلة للقياس لدى الأصحاء.

التوت الأزرق

يُعد التوت الأزرق من أبرز الأطعمة الداعمة لصحة الدماغ، إذ تصفه خبيرة التغذية الأميركية، ماغي مون، بأنه «وجبة صباحية ذكية لتعزيز الذاكرة لجميع الأعمار».

وقد دعمت الدراسات هذا التوجُّه، حيث أظهرت نتائج سريرية تحسُّناً في ذاكرة الأطفال في اليوم نفسه لمدّة تصل إلى 6 ساعات بعد تناوله. كما بيّنت بحوث أخرى أنّ كبار السن الذين يعانون ضعفاً إدراكياً خفيفاً أو تراجعاً في الذاكرة قد سجَّلوا تحسّناً ملحوظاً في الذاكرة العرضية عند تناوله بانتظام.

البيض

يُعد البيض من أكثر خيارات الإفطار شيوعاً، وهو مصدر غني بمادة «الكولين» الضرورية لصحة الدماغ.

وتوضح بازيليان أنّ الكولين يلعب دوراً محورياً في إنتاج «الأستيل كولين»، وهو ناقل عصبي يرتبط بشكل مباشر بالتعلُّم والذاكرة. وتشير الأدلة العلمية إلى أنّ تناول الكولين المستخلص من البيض بجرعات يومية منتظمة قد يُسهم في تحسين الذاكرة اللفظية، كما أنّ تناول بيضة واحدة يومياً قد يدعم الطلاقة اللفظية وسرعة معالجة المعلومات.

ويحتوي البيض أيضاً على عناصر غذائية مهمة لنمو الدماغ، مثل اللوتين والبروتين ومجموعة من الفيتامينات والمعادن، ممّا يجعله غذاءً متكاملاً لدعم القدرات الذهنية.

الفطر

يُعد الفطر خياراً صباحياً غير تقليدي لكنه فعّال، إذ تشير البحوث إلى أنه قد يساعد على استقرار المزاج وتقليل الإرهاق الذهني لمدة تصل إلى 6 ساعات، مما يحدّ من التراجع المعرفي خلال فترة ما بعد الظهر.

وقد أظهرت دراسة حديثة تحسّناً في هذه المؤشرات لدى مَن تناولوا ما يعادل كوباً من الفطر الطازج، فيما تشير دراسات طويلة الأمد إلى أنّ الاستهلاك المرتفع للفطر يرتبط بأداء إدراكي أفضل.

الأفوكادو

يتمتّع الأفوكادو بمكانة مميزة بين الأطعمة الداعمة لصحة الدماغ، بفضل احتوائه على مادة «اللوتين» المضادة للأكسدة، المرتبطة بتحسين الذاكرة وحلّ المشكلات.

وتشير الدراسات إلى أن تناول الأفوكادو يومياً قد يرفع مستويات اللوتين في الجسم، مع تحسُّن في الذاكرة العاملة وكفاءة الانتباه المستمر.

وتضيف بازيليان أنّ الأفوكادو غني بالدهون الأحادية غير المشبَّعة والألياف، ممّا يساعد على تحسين تدفُّق الدم وتنظيم مستويات السكر، وهو ما ينعكس إيجاباً على صفاء الذهن واستقرار الطاقة خلال اليوم، لا سيما في ساعات الصباح.


تقنية جديدة تثبت فعاليتها في علاج الاكتئاب

الاكتئاب يؤثر في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل (جامعة غرب اسكوتلندا)
الاكتئاب يؤثر في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل (جامعة غرب اسكوتلندا)
TT

تقنية جديدة تثبت فعاليتها في علاج الاكتئاب

الاكتئاب يؤثر في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل (جامعة غرب اسكوتلندا)
الاكتئاب يؤثر في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل (جامعة غرب اسكوتلندا)

أثبتت تقنية علاجية جديدة فعالية قوية في علاج حالات الاكتئاب الشديد المقاوم للعلاج، مع مستوى أمان معرفي أعلى مقارنة بالعلاج التقليدي بالصدمات الكهربائية، وفق تجربة سريرية دولية.

وجرى اختبار التقنية الجديدة بقيادة مركز الإدمان والصحة النفسية في تورونتو وجامعة كاليفورنيا الأميركية، بمشاركة عدد من المراكز البحثية في الولايات المتحدة وكندا، ونُشرت النتائج، الأربعاء، بدورية «The Lancet Psychiatry».

يُذكر أن الاكتئاب الشديد المقاوم للعلاج هو شكل حاد من الاضطراب الاكتئابي لا يستجيب للعلاجات التقليدية، مثل مضادات الاكتئاب أو العلاج النفسي، رغم استخدامها بالشكل الكافي ولفترات مناسبة. ويعاني المصابون به من أعراض مستمرة وشديدة، تشمل الحزن العميق، وفقدان الاهتمام، واضطرابات النوم، وانخفاض الطاقة، وصعوبة أداء الأنشطة اليومية.

ويُعد هذا النوع من الاكتئاب من أكثر الحالات تعقيداً في الطب النفسي، إذ قد يستمر لسنوات طويلة ويؤثر بشكل كبير في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل. وفي بعض الحالات، يتم اللجوء إلى علاجات متقدمة، مثل التحفيز الدماغي أو العلاج بالصدمات الكهربائية، نظراً لعدم استجابة الحالة للعلاجات الدوائية المعتادة.

واختبر الباحثون فعالية التقنية العلاجية الجديدة، المعروفة باسم «العلاج بالنوبات المغناطيسية» (Magnetic Seizure Therapy - MST)، وهي إحدى طرق التحفيز الدماغي الحديثة المستخدمة لعلاج حالات الاكتئاب الشديد. وتُعد هذه التقنية تطويراً للعلاج بالصدمات الكهربائية، لكنها تعتمد على أسلوب أكثر دقة وأقل تأثيراً على الوظائف المعرفية، لا سيما الذاكرة.

وتعمل هذه التقنية عبر استخدام مجالات مغناطيسية مركّزة تُوجَّه إلى مناطق محددة بدقة من الدماغ، وذلك لإحداث نوبة علاجية مضبوطة، تشبه تلك الناتجة عن العلاج بالصدمات الكهربائية، ولكن بطريقة أكثر تحكماً وانتقائية، لتجنب المناطق المرتبطة بالذاكرة.

ويهدف هذا التحفيز إلى إعادة تنظيم النشاط الكهربائي في الدماغ وتحسين التواصل بين الشبكات العصبية المرتبطة بالمزاج.

وشملت الدراسة السريرية نحو 300 مريض يعانون من اكتئاب شديد لا يستجيب للعلاجات الدوائية أو النفسية، حيث جرى توزيعهم لتلقي إما «العلاج بالنوبات المغناطيسية» أو العلاج بالصدمات الكهربائية التقليدية.

وأظهرت النتائج أن نحو 48 في المائة من المرضى في كلتا المجموعتين حققوا تحسناً ملحوظاً في أعراض الاكتئاب، ما يشير إلى أن تقنية «العلاج بالنوبات المغناطيسية» تحقق فعالية علاجية مماثلة للعلاج القياسي الحالي.

لكن الدراسة كشفت عن فارق مهم في الآثار الجانبية، إذ تبين أن العلاج بالصرع المغناطيسي يتميز بتقليل واضح في مشكلات الذاكرة بعد العلاج، وانخفاض التأثيرات المعرفية مقارنة بالعلاج الكهربائي، إضافة إلى تحسن القدرة على التعافي دون اضطرابات إدراكية ملحوظة.

وقال الباحثون إن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل أكثر أماناً للعلاجات الدماغية، خصوصاً للمرضى الذين يعانون من الاكتئاب المقاوم للعلاج، وهي الفئة التي تشكل نحو ثلث الحالات تقريباً.

وأضافوا أن هذا التقدم قد يمهد لمرحلة جديدة في علاج الاضطرابات النفسية، تجمع بين الفعالية العالية وتقليل الأضرار الجانبية على الذاكرة والوظائف العقلية.


كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)
بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)
TT

كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)
بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)

يتّجه كويكب، يُلقَّب بـ«إله الفوضى»، نحو الأرض، في حدث فلكيّ نادر، وإنما المخاوف من خطر وشيك تبدو غير مبرَّرة في الوقت الحالي.

وأفادت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بأن الجرم السماوي يقترب ضمن إطار مرور استثنائي، وليس ضِمن سيناريو كارثي. ورغم أنّ موعد هذا اللقاء لا يزال بعد بضع سنوات، فإنّ أهميته تكمن في مدى قربه اللافت، إذ سيكون مرئياً بالعين المجرَّدة دون الحاجة إلى تلسكوبات.

ونقلت «الإندبندنت» أنّ الكويكب يُعرف باسم «99942 أبوفيس»، وهو جرم يُتوقّع أن «يمر بأمان» على مسافة 20 ألف ميل من الأرض في عام 2029، في واحد من أقرب الاقترابات المُسجَّلة على الإطلاق لجسم سماوي بهذا الحجم.

وقال علماء الفلك في «ناسا»: «رغم أن (أبوفيس) لا يشكّل خطراً مباشراً على الأرض، فإنّ اقتراب جرم بهذا الحجم إلى هذا الحدّ من كوكبنا يُعدّ حدثاً نادراً واستثنائياً». وأضافوا أنّ المجتمع العلمي حول العالم يترقَّب هذه اللحظة، ويتطلَّع إليها على أنها فرصة فريدة لدراسة الكويكب واستكشاف خصائصه بشكل مفصّل.

ويبلغ عرض الكويكب نحو 1115 قدماً، وسيقترب من الأرض أكثر من الأقمار الاصطناعية التي تدور في المدار المُتزامن مع الأرض، وفق «ناسا».

وذكرت وكالة الفضاء الأوروبية أنّ هذا سيكون أقرب اقتراب لكويكب بهذا الحجم كان البشر على عِلْم به مسبقاً.

وقد أثار توقيت هذا التحليق النادر، الذي يصادف الجمعة 13 أبريل (نيسان) في كثير من مناطق العالم، تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي بين الحماسة والقلق.

وسُمّي الكويكب تيمّناً بإله الشر والدمار في مصر القديمة، إذ اقترح هذا الاسم مكتشفوه، وهم علماء الفلك روي تاكر، وديفيد ثولين، وفابريتسيو برناردي، من مرصد كيت بيك الوطني بولاية أريزونا؛ لكون «أبوفيس» هو الاسم اليوناني للإله المصري «أبيب».

وتفيد «ناسا» بأن كويكباً بهذا الحجم يمرّ بهذه المسافة القريبة من الأرض مرة واحدة فقط كلّ بضعة آلاف من السنوات في المتوسّط، ممّا يجعل الحدث نادراً في التاريخ البشري المُسجّل.

وعند اكتشافه للمرّة الأولى عام 2004، صُنِّف على أنه تهديد مُحتمل بالاصطدام بالأرض في أعوام 2029 أو 2036 أو 2068، وإنما «ناسا» استبعدت منذ ذلك الحين حدوث أي تصادم لمدّة لا تقل على 100 عام، بعد تتبُّع مداره باستخدام التلسكوبات البصرية والرادارات الأرضية.

وسيتمكّن سكان نصف الكرة الشرقي من رصده بالعين المجرَّدة، إذا سمحت الأحوال الجوّية، دون الحاجة إلى مُعدّات خاصة. وخلال مروره، يُتوقَّع أن تؤدّي جاذبية الأرض إلى «سحب الكويكب ولفّه وتمديده»، ممّا قد يتسبب في تغيّرات على سطحه ومداره.

ويُعد «أبوفيس» كويكباً صخرياً يتكوَّن من مواد سيليكاتية ومزيج من النيكل والحديد، وهو من بقايا النظام الشمسي المبكر التي تشكّلت قبل نحو 4.6 مليار سنة.

وقد أعادت «ناسا» توجيه مركبتها الفضائية «أوسايرس-أبيكس» للالتقاء بالكويكب بعد مروره؛ لدراسة تأثير جاذبية الأرض عليه، في حين تعتزم «وكالة الفضاء الأوروبية» إطلاق مهمة «رمسِس»؛ لمرافقته خلال أقرب نقطة اقتراب.

وتهدف هذه المهمّات إلى دراسة بنيته الداخلية وخصائصه الفيزيائية، بما يعزّز فهم الأجرام القريبة من الأرض بشكل أعمق.