مع ازدياد موجات الحر في أوروبا... لماذا يندر استخدام مكيفات الهواء؟

سياح يحمون أنفسهم من الشمس بالمظلات في البندقية بإيطاليا (أ.ف.ب)
سياح يحمون أنفسهم من الشمس بالمظلات في البندقية بإيطاليا (أ.ف.ب)
TT

مع ازدياد موجات الحر في أوروبا... لماذا يندر استخدام مكيفات الهواء؟

سياح يحمون أنفسهم من الشمس بالمظلات في البندقية بإيطاليا (أ.ف.ب)
سياح يحمون أنفسهم من الشمس بالمظلات في البندقية بإيطاليا (أ.ف.ب)

تجتاح موجة حرّ قاسية أجزاءً كثيرة من أوروبا، تاركةً ملايين الناس يكافحون للتكيّف مع درجات حرارة مرتفعة ومُحطِّمة للأرقام القياسية. يستمر الحرّ حتى في الليل، حيث لا تنخفض درجات الحرارة في بعض الأماكن كثيراً عن 90 درجة فهرنهايت (32 درجة مئوية)، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

لا يوجد سوى قليل من الراحة. يُعدّ تكييف الهواء نادراً جداً في المنازل الأوروبية. يُجبَر كثيرٌ من السكان على تحمّل الحرّ الشديد بمساعدة المراوح الكهربائية، وأكياس الثلج، والاستحمام بالماء البارد.

امرأة تقف بجوار نافورة ترش الماء في يوم حار وسط دريسدن بألمانيا (إ.ب.أ)

لكن أوروبا لم تتعامل مع الحرّ بالطريقة نفسها للولايات المتحدة الأكثر حرارةً تاريخياً. فبينما تحتوي نحو 90 في المائة من المنازل الأميركية على تكييف هواء، فإن النسبة في أوروبا تبلغ نحو 20 في المائة، وبعض الدول لديها معدلات أقل بكثير. في المملكة المتحدة، تحتوي نحو 5 في المائة فقط من المنازل على أنظمة تبريد، وكثير منها وحدات تكييف محمولة. في ألمانيا، تبلغ النسبة 3 في المائة.

مع ازدياد موجات الحرّ الشديدة والممتدة بفعل تغيّر المناخ، يتساءل البعض عن سبب تردد الدول الأوروبية الغنية في اعتماد تكييف الهواء، لا سيما مع ازدياد الوفيات بسبب الحرّ.

يعود جزء كبير من السبب إلى أن كثيراً من الدول الأوروبية لم تكن تاريخياً بحاجة كبيرة للتبريد، خصوصاً في الشمال. لطالما حدثت موجات حر، لكنها نادراً ما وصلت إلى درجات الحرارة المرتفعة المطولة التي تشهدها أوروبا حالياً بانتظام.

قال برايان ماذرواي، رئيس مكتب كفاءة الطاقة والتحولات الشاملة في وكالة الطاقة الدولية: «في أوروبا... ببساطة، ليست لدينا تقاليد تكييف الهواء؛ لأنه حتى وقت قريب نسبياً، لم تكن هناك حاجة ماسة إليه».

عامل يرش الماء لتبريد الطريق بسبب الطقس الحار في أمستردام بهولندا (إ.ب.أ)

هذا يعني أن تكييف الهواء كان يُنظَر إليه تقليدياً على أنه ترف وليس ضرورة، خصوصاً أن تركيبه وتشغيله قد يكونان مكلفَين. تكاليف الطاقة في كثير من الدول الأوروبية أعلى منها في الولايات المتحدة.

ارتفعت أسعار الطاقة بشكل أكبر منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، حيث يتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات للتخلص التدريجي من اعتماده على النفط والغاز الروسيَّين. وعلى الرغم من استقرار الأسعار منذ أزمة الطاقة الأولية عام 2022، فإن تكلفة تشغيل وحدة تكييف الهواء قد لا تزال بعيدة المنال بالنسبة لكثير من الأوروبيين.

ثم هناك الهندسة المعمارية.

بُنيت بعض المباني في دول جنوب أوروبا الأكثر حرارةً بطريقة مدروسة. تتميز بجدران سميكة ونوافذ صغيرة تمنع أشعة الشمس من الدخول، وهي مصممة لزيادة تدفق الهواء إلى أقصى حد. وقد ساعد ذلك في الحفاظ على برودة المباني، وتقليل الحاجة للتبريد الاصطناعي.

في أجزاء أخرى من أوروبا، لم تُصمَّم المنازل مع مراعاة الحرّ.

قال ماذرواي: «لم نكن معتادين على التفكير في كيفية الحفاظ على برودة الجو في الصيف. إنها ظاهرة حديثة نسبياً».

تميل المباني في القارة الأوروبية إلى أن تكون أقدم، حيث بُنيت قبل انتشار تقنية تكييف الهواء. في إنجلترا، التي شهدت أخيراً أشد درجات حرارة بشهر يونيو (حزيران) على الإطلاق، بُني 1 من 6 منازل قبل عام 1900.

وأضاف ماذرواي: «قد يكون تجهيز المنازل القديمة بأنظمة تبريد مركزية أصعب، وإن لم يكن مستحيلاً».

من جانبه، أوضح ريتشارد سالمون، مدير شركة لتكييف الهواء في المملكة المتحدة، أن البيروقراطية هي المشكلة الأكبر أحياناً.

وأضاف أن السلطات البريطانية غالباً ما ترفض طلبات تركيب مكيفات الهواء «بناءً على المظهر الخارجي، خصوصاً في المناطق المحمية، أو المباني المدرجة».

وهناك أيضاً جانب سياسي. فقد تعهَّدت أوروبا بأن تصبح «محايدة مناخياً» بحلول عام 2050، وستؤدي الزيادة الحادة في مكيفات الهواء إلى زيادة صعوبة تحقيق الالتزامات المناخية.

لا تستهلك مكيفات الهواء الطاقة فحسب، بل إنها تدفع الحرارة إلى الخارج أيضاً. فقد وجدت دراسة تناولت استخدام مكيفات الهواء في باريس أنها قد تزيد درجة الحرارة الخارجية بما يتراوح بين درجتين و4 درجات مئوية (3.6 إلى 7.2 فهرنهايت). ويزداد هذا التأثير حدةً في المدن الأوروبية ذات الكثافة السكانية العالية عموماً.

وفرضت بعض الدول إجراءات للحد من استخدام مكيفات الهواء. في عام 2022، أصدرت إسبانيا قواعد تنص على ألا تقل درجة حرارة مكيفات الهواء في الأماكن العامة عن 27 درجة مئوية (80 درجة فهرنهايت) لتوفير الطاقة.

الشمس تشرق بجوار برج إيفل في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

مع ذلك، تتغير المواقف والمخاوف بشأن تكييف الهواء في أوروبا، إذ أصبحت القارة بؤرةً مناخيةً ساخنةً، حيث ترتفع درجة حرارتها بمعدل ضعف معدل بقية العالم.

تواجه القارة معضلةً: إما تبني تكييف الهواء الذي يستهلك كمياتٍ كبيرةً من الطاقة، مع ما يترتب على ذلك من آثارٍ مناخية سلبية، أو إيجاد طرقٍ بديلةٍ للتعامل مع مستقبلها الذي يزداد حرارةً باستمرار.

قالت يتوند عبدول، مديرة مجلس المباني الخضراء في المملكة المتحدة: «يجب أن تكون منازلنا قادرة على الصمود ليس فقط في وجه البرد، بل في وجه الحرارة الشديدة المتزايدة».

وهناك بالفعل دلائل واضحة على ازدياد الإقبال على تكييف الهواء في أوروبا، كما هي الحال في أجزاء كثيرة من العالم. وقد خلص تقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية إلى أن عدد وحدات تكييف الهواء في الاتحاد الأوروبي من المرجح أن يرتفع إلى 275 مليون وحدة بحلول عام 2050، أي أكثر من ضعف عددها عام 2019.

وأكد سالمون، من شركة تكييف الهواء، إنه شهد ارتفاعاً هائلاً في الطلب على تكييف الهواء، وأفاد: «على مدى السنوات الـ5 الماضية، ازدادت الاستفسارات السكنية بأكثر من 3 أضعاف. وقد أدت موجة الحر هذه تحديداً إلى ارتفاع كبير في درجات الحرارة، فالناس لا يستطيعون العمل وهم في حالة غليان».

عامل يقوم بتبريد نفسه بالماء خلال يوم صيفي حار في كولونيا بألمانيا (رويترز)

كما يسعى بعض الساسة إلى تطبيق نظام تكييف الهواء على نطاق واسع.

تعهدت السياسية الفرنسية اليمينية، مارين لوبان، بتنفيذ «خطة شاملة للبنية التحتية لتكييف الهواء»، منتقدةً ما أسمتهم «النخب الفرنسية» الذين يشجعون الآخرين على البحث عن طرق تبريد بديلة، بينما «يستمتعون بالطبع بالسيارات والمكاتب المكيفة».


مقالات ذات صلة

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

بيئة سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق أطفال يمرون بجوار مبنى منهار في ماندالاي بعد 5 أيام من وقوع زلزال كبير ضرب وسط ميانمار (أ.ف.ب)

الوضع لا يزال «مقلقاً»... تراجع خسائر الكوارث في 2025 وسط استمرار المخاوف

انخفضت خسائر الكوارث الطبيعية في جميع أنحاء العالم بشكل حاد إلى 224 مليار دولار في عام 2025، وفق ما أعلنت شركة إعادة التأمين «ميونيخ ري».

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج 5 يناير 2026 (رويترز)

موجة صقيع تضرب أوروبا... وتعُطّل حركة السفر ​

اجتاح الطقس المتجمد مساحات شاسعة من أوروبا الثلاثاء وتسببت الثلوج في إلغاء مئات الرحلات الجوية بهولندا ووفاة ​خمسة أشخاص بحوادث طرق في فرنسا.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
شمال افريقيا مغربيان يحتميان من الأمطار الغزيرة التي ضربت مدينة فاس المغربية لأيام متواصلة (رويترز)

بعد وفاة شخصين... طوارئ بقوات الدفاع المدني وتوقيف الدراسة في مدن مغربية

لقي شخصان حتفهما وأُصيب 4 آخرون في انهيار منزل من 3 طوابق بالعاصمة المغربية الرباط، وفق السلطات المغربية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
صحتك فصل الشتاء قد يرتبط بتقلّبات المزاج (جامعة ولاية أوكلاهوما)

أطعمة تبدد كآبة الشتاء

مع بداية فصل الشتاء، قد يشعر كثير من الناس بالخمول وتقلّبات المزاج، ويعود ذلك جزئياً إلى قِصر ساعات النهار وقلة التعرّض لأشعة الشمس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».