«لولو وبلو» لرزان جمّال: المختلفون يعثرون على ما يجمعهم

الممثلة اللبنانية تُسائل معنى الانتماء بإعادة النظر في الفوارق

ما الذي يصنع الصداقة؟ هل الشبه؟ أم القبول غير المشروط؟ (رزان جمّال)
ما الذي يصنع الصداقة؟ هل الشبه؟ أم القبول غير المشروط؟ (رزان جمّال)
TT

«لولو وبلو» لرزان جمّال: المختلفون يعثرون على ما يجمعهم

ما الذي يصنع الصداقة؟ هل الشبه؟ أم القبول غير المشروط؟ (رزان جمّال)
ما الذي يصنع الصداقة؟ هل الشبه؟ أم القبول غير المشروط؟ (رزان جمّال)

تكتب الممثلة اللبنانية رزان جمّال حكاية عن الصداقة وسط عالم يميل إلى فرض التماثُل ويضيق أحياناً بمَن لا يشبهه. اعتادت الكتابة لفَهْم الحياة وإدراك الذات. «أكتب دائماً، وهذا الجانب لا يعرفه كثيرون عني»، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أكتبُ أغنيات، شعراً، أفلاماً قصيرة وحتى فيلماً طويلاً. أشعر بطاقة تدفعني إلى الخَلق، وجاء هذا الكتاب ليُعبّر عنها».

أنجزت نصَّ «لولو وبلو» خلال فترة ابتعاد عن الهاتف وضجيج اليوميّات، في فسحة نقاهة تحوّلت إلى مساحة إلهام. كتبت القصة أولاً لنفسها، بلا تخطيط مسبق. ثم أرسلتها إلى صديق نصحها بتحويلها إلى كتاب للأطفال. لم تتردّد. «لمستني الفكرة، فقرّرتُ المباشرة بها»، تُتابع.

حكاية عن الصداقة وسط عالم يميل إلى فرض التماثُل (غلاف الكتاب)

ما بدأ مسوّدة خاصة، تحوّل لاحقاً إلى عمل مطبوع باللغة الإنجليزية، مزوّد برسوم ملوَّنة للرسّامة اللبنانية ساشا حداد، وقد نقلته إلى العربية كاتبة أدب الأطفال فاطمة شرف الدين. تطلَّعت رزان جمّال إلى «لولو وبلو» فلم تلمح به مشروعاً عابراً. منذ اكتماله وهي تدرك أنه تجربة تتطلَّب منها الصَّقْل بعناية. زارت سفاري لتُطابِق صحة معلوماتها عن الحيوانات، وراجعت كتابتها الإنجليزية في أكاديمية بلندن «لأتأكّد من أنّ اللغة متقَنة وتُلائم خيالات الطفولة»، كما تقول. ثم جاءت المكافأة الأجمل: رسائل من أطفال قرأوا القصة وتأثّروا بها، وأخبروها أنهم فهموا الحكاية وشعروا بقربها منهم. «كان يوماً سعيداً في حياتي»، تصف تفاعلهم ببساطة.

أنجزت نصَّ «لولو وبلو» خلال فترة ابتعاد عن الهاتف وضجيج اليوميّات (رزان جمّال)

تدور القصة حول «لولو»، لبؤة صغيرة تعيش في السافانا، لكنها لا تشبه جماعتها. لا تحبّ الصيد، ولا تشتهي اللحم، بل تُفضّل ملاحقة الفراشات وتأمُّل الغيوم. وفي مقابلها «بلو»، سمكة زرقاء صغيرة تعيش في بركة، خجولة، ولطيفة، ووحيدة. رغم أنَّ عالمَيْهما لا يتقاطعان، فإنّ لقاءهما يُثمر صداقة نادرة تنمو على أرض الفروقات. «اخترتُ شخصيات تُحاكي الطفولة»، تقول رزان، «(لولو) شجاعة ونارية، تبدو من الخارج كأنها تملك كلّ شيء. أما (بلو)، فهو حساس، ورقيق، ومتروك في عالمه. أردتُ القول إنه يمكن لعالمَيْن مختلفَيْن أن يلتقيا ويحافظا على ما يجمعهما. إنها القيم المشتركة؛ وهي ما أبحث عنه».

هنا تكمن قوة القصة: فهي لا تُقدّم درساً مباشراً أو وعظاً سطحيّاً، وإنما تفتح للقراء من مختلف الأعمار نافذة على أسئلة عميقة. ما الذي يصنع الصداقة؟ هل الشبه؟ أم القبول غير المشروط؟ كيف نحافظ على ذواتنا من دون أن نخسر الآخر؟ وما معنى أن نجد جمالاً في مكان لا يُشبهنا؟

اعتادت الكتابة لفَهْم الحياة وإدراك الذات (رزان جمّال)

بهذه الأسئلة، تمنح القصة الصغار حافزاً لتأمُّل العالم بعيون أكثر انفتاحاً، وتوقظ في الكبار إحساساً قديماً بأنَّ الاختلاف ليس عبئاً، فهو طريق لفَهْم الذات على نحو أصدق.

والكتاب موجَّه للأطفال، لكنه لا يخصّهم وحدهم. بين سطوره، دعوة للكبار أيضاً كي يعيدوا النظر في تمثّلاتهم عن الاختلاف ويتأمّلوا علاقاتهم كما لو أنهم يقرأونها للمرة الأولى. «بإمكاننا إيجاد صداقات في أيّ مكان، مهما كان الاختلاف»، تؤكّد رزان جمّال، «وبإمكاننا إيجاد الجمال أيضاً في أماكن غير متوقَّعة».

رسوم ملوَّنة للرسّامة اللبنانية ساشا حداد (رزان جمّال)

«لولو وبلو» بهذا المعنى، تَعبُر من كونها قصة عن لبؤة وسمكة، إلى كونها محاكاة لكلّ مَن يكسر القالب المفروض عليه ويسعى إلى العيش على طريقته. ولمَن يحمل وحدته طوال الطريق ويرى فيها علامة تميُّز لا عار؛ ومَن يجد في الغريب مرآة تُضيء جوانب خفيّة من ذاته. وحين تظنّ «لولو» أنّ «بلو» قد اختفى، لا تنكسر فقط مثل مَن يفقد صديقاً، وإنما يحدُث «انكسارها» مثل مَن يكتشف أنّ العالم بلا الآخر أشبه بصحراء بائسة لا تُحتَمل. وعندما يعود «بلو»، وقد تغيَّر كلاهما، عندها يتأكدان أنّ أحداً منهما لم يفقد نفسه، وإنما الآن يقتربان أكثر مما كانا عليه في البداية.

تمنح القصة الصغار حافزاً لتأمُّل العالم بعيون أكثر انفتاحاً (رزان جمّال)

تشاء رزان جمّال أن تُقدّم «لولو وبلو» على أنها قصة عن النضج الداخلي؛ فالسمكة الصغيرة التي آمنت بأنّ صوتها يُسمع حتى في أعماق الماء، هي كلٌّ منا.


مقالات ذات صلة

العطلة الصيفية والشاشات... كيف تضع حدوداً صحية لأطفالك؟

يوميات الشرق زيادة الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة تقلّل الوقت الذي يخصصه لاكتساب المهارات اللازمة للتفاعل مع العالم الحقيقي (بيكسلز)

العطلة الصيفية والشاشات... كيف تضع حدوداً صحية لأطفالك؟

مع انتهاء العام الدراسي وبداية العطلة الصيفية، يجد كثير من الأطفال أنفسهم أمام ساعات طويلة من وقت الفراغ؛ مما يدفع بهم إلى قضاء وقت أطول أمام الشاشات...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا لقطة تُظهر المناقشة قبل التصويت على تقرير اللجنة المشتركة (CMP) بشأن مشروع قانون حظر وصول الأطفال دون سن 15 عاماً إلى وسائل التواصل الاجتماعي بالجمعية الوطنية في باريس (رويترز)

سابقة في أوروبا... فرنسا تقر حظر وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال دون 15 عاماً

أقرّ البرلمان الفرنسي نهائياً اليوم الثلاثاء، مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الخامسة عشرة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الحمل النادر نتج عن انقسام بويضة مخصبة واحدة إلى 4 أجنة (بيكسلز)

حالة نادرة تُقدّر بواحدة بين كل 15 مليوناً... ولادة 4 توائم متطابقة في أستراليا

شهدت أستراليا ولادةً استثنائيةً بعد أن أنجبت امرأة 4 فتيات متطابقات إثر حمل نادر للغاية، وصفه الأطباء بأنَّه «من أندر حالات الحمل في العالم».

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)
صحتك الأطفال الذين يُولدون قبل موعدهم الطبيعي أكثر عرضة بكثير لمواجهة صعوبات مالية وعاطفية في الكبر (رويترز)

الأطفال الخدج أكثر عرضة للمشكلات المالية والعاطفية في الكبر

أظهرت دراسة استمرت ثلاثة عقود أن الأطفال الخدج، الذين يُولدون قبل موعدهم الطبيعي، أكثر عرضة لمواجهة صعوبات مالية وعاطفية في الكبر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)

هل يواجه طفلك صعوبة في التركيز؟... إليك 4 حلول مجربة

يشكو كثير من الآباء والمعلمين من صعوبة جذب انتباه الأطفال أو الحفاظ على تركيزهم، وهي مشكلة أصبحت أكثر شيوعاً في ظل انتشار الشاشات الإلكترونية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)