الرقة تُرمّم ذاكرتها... سور المدينة ينهض من ركام الحرب

جهود لإحياء المعالم الأثرية باستخدام تقنيات البناء التقليدي

سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا (الشرق الأوسط)
سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا (الشرق الأوسط)
TT

الرقة تُرمّم ذاكرتها... سور المدينة ينهض من ركام الحرب

سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا (الشرق الأوسط)
سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا (الشرق الأوسط)

بعد سنوات من الصراع والحرب، تشهد مدينة الرقة شمالي سوريا جهوداً محلّية متزايدة لإعادة ترميم سورها التاريخي، وتأهيل آثارها التي تضرَّرت، بهدف الحفاظ على التراث الثقافي وإحيائه، وتمكين السكان من استعادة المعالم التاريخية.

وتقع مدينة الرقة، أو «الرافقة» كما تُعرف تاريخياً، على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتبلغ مساحتها نحو 27 ألف كيلومتر مربع. غير أنّ عناصر تنظيم «داعش» أحكموا قبضتهم عليها نهاية عام 2013، قبل أن يُطردوا على يد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.

جهود محلّية متزايدة لإعادة ترميم سور الرقة التاريخي (الشرق الأوسط)

وبدأت عمليات ترميم السور الأثري في الرقة، العائد تاريخه إلى الحقبة العباسية (772 ميلاديا)، بعد تعرّضه لأضرار جسيمة نتيجة العمليات العسكرية والظروف المناخية. كما عمد عناصر ومسلحو تنظيم «داعش» الإرهابي، خلال سيطرتهم على هذه المنطقة الحضرية بين عامَي 2014 و2017، إلى حفر قسم من المواقع الأثرية بهدف سرقتها من جهة، وتحويل أقسام أخرى إلى نقاط عسكرية وسجون وأنفاق قتالية من جهة ثانية.

ويجري ترميم السور بجهود محلّية وتمويل من «مجلس الرقة المدني» وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، لحماية التراث الثقافي في مناطق النزاع. ووفق القائمين على عمليات الترميم، يهدف المشروع إلى إصلاح الأجزاء المتضرّرة من السور، بما في ذلك الأبراج والمداخل والطريق القديمة، باستخدام مواد بناء تقليدية مثل طوب اللبن، وقصبات القش، والقرميد الأحمر، والجصّ لربط الحلقات والفواصل.

هدف الترميم الحفاظ على التراث الثقافي وإحياؤه (الشرق الأوسط)

تقول رئيسة هيئة الثقافة في «الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا»، سرفراز شريف، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ المجلس التنفيذي، وبالتعاون مع «مجلس الرقة المدني» ومنظمات محلّية، يعمل منذ أشهر على ترميم مواقع أثرية عدّة في الرقة، من أبرزها سور المدينة وقصر البنات وباب بغداد والمتحف، وذلك ضمن خطة لترميم جميع المواقع الأثرية في إطار الحفاظ على تاريخها الحضاري.

ووفق سرفراز، يتألّف الفريق المُشرف على عمليات ترميم المتحف من مهندسين وعمال ومتخصّصين في الآثار، وتتابع: «أطلقنا المرحلة الرابعة من مشروع ترميم (سور الرقة الأثري)، التي تشمل ترميم البدنة رقم (6)، ومداخل السور، وبوابة شارع (المنصور)، ومدخل جامع (المنصوري)، وشارع 23 شباط، ومدخل المنطقة الصناعية»، مشيرة إلى أنّ كمية الآجر المُستخدم تُقدّر بنحو 110 أمتار مكعبة، و330 متراً مكعباً من اللبن الطيني، ومن المقرَّر أن يستمر المشروع مدّة 120 يوماً من تاريخ انطلاقه في 15 من الشهر الحالي.

سرفراز شريف تقول إنّ فريق الترميم يتألف من متخصّصين في الآثار (الشرق الأوسط)

مكان تاريخي يتحوّل لتصنيع السيارات المفخَّخة

وذكرت المسؤولة الكردية أنّ كمية القرميد التي فُكِّكت في القسم الجنوبي من السور منذ بدء عمليات الترميم، تُقدَّر بنحو 65 متراً مكعباً. ولفتت شريف إلى أنّ «القرميد القابل للاستخدام فُرز وجُمع لإعادة استخدامه، ثم فُكِّكت الحشوة التي قُدرت كمية الأجزاء التالفة والمتهالكة منها بأكثر من 40 متراً مكعباً»، وجرى ترحيل المخلّفات على مراحل، وتنظيف الموقع من الركام المحيط به.

وبعد الانتهاء من أعمال تفكيك القشرة القرميدية والحشوة، أُعيد تأسيس الحشوة الداخلية والقشرة القرميدية. وأضافت سرفراز: «بعدها أُحضِرت المواد اللازمة، وهي 50 متراً مكعباً من اللبن الطيني، و40 متراً مكعباً من القرميد لتلبيس الحشوة الداخلية»، بالإضافة إلى تأسيس جدران قرميدية محشوة بالجصّ بعرض 45 سنتيمتراً، مع التركيز على اختبار جودة الجص ليكون مطابقاً للمواصفات، «وترك فاصل بعمق 5 سنتيمترات بين الجدران القرميدية والحشوة الداخلية، وإنشاء فتحات تهوية تسمح بدخول التيار الهوائي لمنع الرطوبة الداخلية، وإنشاء دعائم كل 4 أمتار على امتداد الجدار القرميدي».

كمية القرميد التي فُكِّكت في القسم الجنوبي من السور تُقدَّر بنحو 65 متراً مكعباً (الشرق الأوسط)

ويحيط هذا السور التاريخي بالمدينة القديمة بنحو 5 كيلومترات، ويبلغ ارتفاعه 6 أمتار، وقد تعرَّض لأضرار بالغة خلال السنوات الماضية، إذ دمَّر عناصر التنظيم جزءاً منه عبر فتح فوهات وممرات لربط الأحياء القديمة بمركز المدينة خلال المعارك القتالية، ما خلّف أضراراً جسيمة في جسم السور وأبراجه وسراديبه القديمة.

ونقل سكان من الرقة يعيشون في محيط السور أنّ عناصر «داعش» حوّلوا هذا المَعْلم التاريخي إلى مكبّ للسيارات المحترقة ومكان لرمي النفايات، إضافة إلى استخدامه موقعاً لإعادة تصنيع السيارات المفخَّخة. كما كانت تُباع على جانبيه آنذاك «غنائم الحرب».

وأوضحت شريف أنه أُعيد بناء الجملون، أحد أبرز معالم السور، من اللبن الطيني التقليدي، بطريقة مطابقة لبنائه القديم، بعد تخمير التربة وخلطها تحت إشراف خبراء ومتخصّصين محلّيين. وعن الكميات المستخدمة في هذه المرحلة، ذكرت أنها «بلغت أكثر من 10 أمتار مكعبة من اللبن، و120 متراً مكعباً من الطين، وبعد ذلك، طُليت الفواصل المتآكلة بين القرميد بسبب الرطوبة».

ويُعدّ سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا، لكونه الجزء المتبقي من سور المدينة القديمة. ويربط هذا السور باب بغداد، الذي يقع شرق المدينة، بباقي الأبواب القديمة، وصولاً إلى ساحة الساعة ومركز المدينة وشوارعها العتيقة وأسواقها التاريخية النابضة بالحياة منذ سنوات.

يحيط هذا السور التاريخي بالمدينة القديمة بنحو 5 كيلومترات (الشرق الأوسط)

يُذكر أنَّ المؤرّخ وعالم الآثار الراحل الدكتور محمد العزو، المتحدّر من مدينة الرقة، أصدر كتيباً بعنوان «الرقة ماضياً وحاضراً» عام 2021، تحدَّث فيه عن سور الرقة، مشيراً إلى أنه يأخذ شكل «نعل الفرس»، وأنه مبني على نمط سور مدينة بغداد، عاصمة الدولة العباسية. وقد بُني هذا السور في عهد أبي جعفر المنصور «القرن الثاني الهجري - القرن الثامن الميلادي». وأشارت الدراسات الأثرية إلى أنّ سور الرافقة شُيّد فيما مضى بشكل مضاعف، إذ كان ثمة سور داخلي وآخر خارجي، يفصل بينهما «ممر فصل»، وهو الجزء الذي يسمح بتحرّك الجنود لحماية الأسوار عبر أبراجها ومناراتها الشاهقة.


مقالات ذات صلة

مصر لتوثيق وإحياء تراث حي المعادي الهادئ

يوميات الشرق الضاحية جسدت فكرة الحي الحدائقي (الشرق الأوسط)

مصر لتوثيق وإحياء تراث حي المعادي الهادئ

تتمتع ضاحية المعادي (جنوب القاهرة) بجاذبية خاصة فهي تقدم مزيجاً متناغماً من الهدوء والجمال والشوارع المزدانة بالأشجار الكثيفة.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
شمال افريقيا واجهة متحف السودان القومي ومدخله (الشرق الأوسط)

آثار سودانية تعود من قلب الحرب

تستعد الحكومة السودانية لفتح صندوق ظل مغلقاً طوال الحرب... حكاية آثار غابت أو «نُهبت» ثم ظهرت.

أحمد يونس (كامبالا)
يوميات الشرق جهود سعودية متواصلة لحماية الأصول وتوثيقها وتسجيلها (هيئة التراث)

السعودية تحقق مستهدف تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني

حقَّقت هيئة التراث السعودية مستهدفها المعتمد بالوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني على مستوى البلاد، وذلك ضمن مستهدفات خطتها في بداية عام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق وُجدت جميع الأحافير بوضعية مقلوبة رأساً على عقب (واس)

اكتشاف أحافير نادرة تعود إلى 465 مليون سنة في العلا

أعلنت الهيئة الملكية لمحافظة العُلا توثيق ونشر اكتشاف لأحافير نادرة لسرطان حدوة الحصان تعود إلى نحو 465 مليون سنة، وذلك ضمن دراسة علمية محكمة.

«الشرق الأوسط» (العلا)
يوميات الشرق آثار متنوعة وجدتها البعثة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشاف بقايا مجمع سكني من العصر البيزنطي

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الثلاثاء، الكشف عن بقايا مجمع سكني متكامل للرهبان يرجع تاريخه للعصر البيزنطي، خلال أعمال الحفائر.

فتحية الدخاخني (القاهرة )

فردوس عبد الحميد: «المسرح القومي» جزء من هويتي الفنية

فردوس عبد الحميد (مهرجان المسرح العربي)
فردوس عبد الحميد (مهرجان المسرح العربي)
TT

فردوس عبد الحميد: «المسرح القومي» جزء من هويتي الفنية

فردوس عبد الحميد (مهرجان المسرح العربي)
فردوس عبد الحميد (مهرجان المسرح العربي)

أعربت الممثلة المصرية فردوس عبد الحميد عن سعادتها الكبيرة بتكريمها في النسخة الحالية من مهرجان المسرح العربي في القاهرة، مؤكدة أن هذا التكريم يحمل لها معنى خاصاً؛ لأن المسرح هو بيتها الأول وبدايتها الحقيقية، منذ دراستها في أكاديمية الفنون، وكان بوابة دخولها إلى السينما والدراما.

وقالت فردوس عبد الحميد لـ«الشرق الأوسط» إنها تعتز بمسيرتها المسرحية التي تركزت على خشبة «المسرح القومي» مع تقديمها كثيراً من الأعمال المهمة، على غرار «الجنس الثالث» للكاتب الراحل يوسف إدريس، و«الإسكافية العجيبة»، بالإضافة إلى «متلوف»، وكذلك «أنتيجون» التي اعتبرتها من التجارب الفارقة في مسيرتها: «حيث سافر العرض إلى فرنسا بدعوة رسمية، لتقديمه على المسرح الفرنسي، بعد أن شاهد الفرنسيون نسخة بلُغتهم، وأرادوا الاطلاع على الاختلاف في الرؤية والأداء»، على حد تعبيرها. وهو ما أسعدها كثيراً؛ خصوصاً مع الإشادة النقدية التي حظيت بها وقتها.

وأكدت أنها طوال حياتها تحب المسرح، وترى أن من يبدأ فناناً على خشبة المسرح يصبح فناناً حقيقياً؛ لأن الوقوف أمام الجمهور مباشرة يمنح الممثل ثقة كبيرة، مستعيدة ذكريات البدايات حين لم تكن الميكروفونات مستخدمة، وكان على صوت الممثل أن يصل إلى آخر مقعد في الصالة، وهو ما علَّمهم الكثير من الانضباط والالتزام وقوة الأداء.

وشددت على أنها لم تبتعد عن المسرح بإرادتها، موضحة: «طلبت العودة أكثر من مرة من إدارات (المسرح القومي) المتعاقبة في السنوات الماضية؛ لكني لم أجد استجابة، وما زلت متحمسة لتقديم مزيد من الأعمال المسرحية الجادة، إذا ما أتيحت الفرصة المناسبة».

واعتبرَتْ أن التجارب التي يقدمها المسرح الخاص -حتى مع تطوره- لا تناسبها بشكل كبير، باعتبار أن «غالبيتها تركز على الكوميديا، بجانب الارتجال في بعض المشاهد، على العكس من المدرسة المسرحية التي نشأتُ عليها في (المسرح القومي) المعتمدة على الانضباط والالتزام بالنص والرؤية الفنية»، وفق قولها.

وأشارت إلى أن النظرة السائدة باستمرار هي أن فناني مسارح الدولة لا يناسبون القطاع الخاص، بسبب اختلاف المنظور والأسلوب، وهو أمر استمر تاريخياً حتى الآن.

وتحدثت فردوس عبد الحميد عن وجود عدد كبير من العروض المسرحية المصورة التي لم تُعرض على الشاشات حتى الآن، مؤكدة أن هناك أيضاً تراثاً مسرحياً ضخماً جرى تصويره بالفعل لكثير من العروض التي شاركت فيها، ولكن النسخ المصورة لم تعد تُعرض على الشاشات؛ لأن معظمها أصبح بحاجة إلى ترميم؛ معربة عن أملها في أن يكون هناك اتجاه لترميمها، على غرار ما يحدث حالياً مع الأفلام القديمة.

خلال تسلُّم التكريم على خشبة المسرح (مهرجان المسرح العربي)

وأضافت فردوس عبد الحميد أن «الأعمال المصورة قُدمت على المسرح بشكل احترافي، وبجودة كبيرة، وبنجوم لهم تاريخ كبير، وإذا أتيح عرضها اليوم على المنصات أو الشاشات فستلقى ردود فعل إيجابية من الجمهور؛ الأمر الذي يتطلب نظرة من المسؤولين عن هذا الملف، لخروج هذه التجارب التي لا تزال يعاد تقديم بعضها من حين لآخر».

واستعادت الممثلة المصرية ذكريات عدة جمعتها مع نجوم المسرح المصري، منهم السيدة أمينة رزق؛ حيث تذكرت فردوس عبد الحميد المرة الأولى التي وقفت فيها إلى جوارها في عرض مسرحي، وشاهدتها قبل دخولها المسرح وهي ترتعش من شدة الرهبة، رغم أنها كانت فنانة كبيرة، ولكنها ما إن تصعد إلى الخشبة حتى تتحول إلى طاقة هائلة من العطاء، ويعلو صوتها في الصالة بشكل مبهر، لدرجة أن فردوس عبد الحميد كانت تنسى دورها أحياناً، وتجلس لتشاهدها من شدة الإعجاب؛ حسب تعبيرها.

وأوضحت فردوس عبد الحميد أن «الالتزام في المسرح يبدأ منذ لحظة الاستعداد للعرض؛ حيث كان الفنانون يحضرون قبل رفع الستار بثلاث ساعات على الأقل، للتحضير النفسي للدور؛ لأن الأداء على المسرح يتطلب انضباطاً صارماً»، مشيرة إلى أنهم تعلموا من كبار الفنانين أهمية الحفظ الدقيق للنص، وعدم السماح بالخطأ؛ لأن الفن بالنسبة لهم لم يكن مجرد مهنة؛ بل كان حياة كاملة.

الممثلة المصرية فردوس عبد الحميد التي سبق أن قدمت فيلم «كوكب الشرق» وجسَّدت خلاله شخصية السيدة أم كلثوم، رفضت التعليق على تجربة فيلم «الست» الذي لعبت فيه منى زكي الدور نفسه أخيراً، مؤكدة أنها لا تُبدي رأياً في أعمال قدمها زملاؤها، ولا يمكن أن تنتقد فنانة أخرى، كما ترفض الدخول في أي سجالات أو نقاشات عن زملائها في الوسط الفني.

وكشفت فردوس عبد الحميد أنها اعتذرت عن عدم المشاركة في مسلسلين عُرضا عليها خلال موسم رمضان، مفضلة عدم الوجود إلا في أعمال تحبها، وترى نفسها فيها، وليس من أجل الوجود فحسب.


وداعاً «الشمبانزي العبقرية» التي تعلَّمت العدّ والرسم

نفوق الشمبانزي التي قرأت الأرقام ورسمت العالم (غيتي)
نفوق الشمبانزي التي قرأت الأرقام ورسمت العالم (غيتي)
TT

وداعاً «الشمبانزي العبقرية» التي تعلَّمت العدّ والرسم

نفوق الشمبانزي التي قرأت الأرقام ورسمت العالم (غيتي)
نفوق الشمبانزي التي قرأت الأرقام ورسمت العالم (غيتي)

نفقت أنثى الشمبانزي المولودة في غرب أفريقيا، والتي كانت تستطيع التعرُّف إلى أكثر من 100 رمز صيني، إضافة إلى الأبجدية الإنجليزية، في اليابان عن 49 عاماً.

ووفق «الإندبندنت»، نفقت «آي»، التي تشتهر باسم «الشمبانزي العبقرية»، في 9 يناير (كانون الثاني) الحالي بسبب فشل في أعضاء عدّة نتيجة التقدُّم في العمر، وكان يحيط بها وقت النفوق فريق العمل الذي اعتنى بها طوال عقود، كما ذكر مركز أصول السلوك البشري التطوّري بجامعة كيوتو في بيان.

وأصبحت «آي»، التي وصلت إلى اليابان عام 1977، الشخصية الرئيسية فيما سيُطلق عليه لاحقاً اسم مشروع «آي»، وهو محاولة رائدة لفهم كيف تدرك قردة الشمبانزي وتتذكر وتفسّر العالم، وفق ما ذكره المركز. وبدأت مشاركتها عندما كانت في عمر السنة، وسرعان ما حوّلها فضولها الفطري إلى واحدة من الرئيسيات التي حظيت بأكبر قدر من الدراسة في التاريخ العلمي.

الشمبانزي التي كسرت حدود الذكاء الحيواني (أ.ف.ب)

وزوّد الباحثون «آي» بلوحة مفاتيح خاصة متّصلة بجهاز كمبيوتر عندما كان عمرها 18 شهراً، ممّا سمح لها بتسجيل الاختيارات والاستجابات في الاختبارات الإدراكية. وعندما أصبحت في الخامسة، باتت قدراتها بارزة وعجيبة. وكتب اختصاصي الرئيسيات في مشروع «آي»، تيستورو ماتسوزاوا، في ورقة بحثية عام 1985، أنّ «آي» قد «أجادت تسمية الأعداد من 1 إلى 6، وكانت تستطيع تسمية الأعداد والألوان والأشياء من 300 نوع من العينات».

كانت «آي» المُشاركة الأشهر في بحوث ماتسوزاوا، ويعني اسمها «الحب» في اللغة اليابانية. وبمرور الوقت، ازدادت مهاراتها بشكل كبير. وفي عام 2014 قال ماتسوزاوا إنها كانت تستطيع التعرُّف إلى الأعداد العربية من صفر حتى 9، و11 لوناً مختلفاً، وأكثر من 100 شخصية صينية، فضلاً عن الأبجدية الإنجليزية.

وكانت «آي» فنانة؛ إذ كثيراً ما ترسم أو تلوّن من دون تحفيزها بالطعام. وتصدَّرت عناوين الصحف الرئيسية يوماً ما عندما تمكّنت من فتح قفصها بمفتاح والهروب مع قرد آخر. وعام 2000 ولدت ذكراً سُمّي «أيومو» أصبح شهيراً لاحقاً لذاكرته الاستثنائية. وعام 2017 حُوِّلت إحدى لوحات «آي» إلى وشاح قُدِّم إلى جين غودال. ومن أشهر أعمالها الفنّية لوحة تعود إلى عام 2013 على ورقة من ورق الشيكيشي باللونين الأحمر والأسود، وأُهديت إلى الأستاذ كازو أويكي عندما أصبح عميد جامعة كيوتو للفنّ والتصميم.

ووفق مجلة «سميثسونيان»، روى ماتسوزاوا لقاءه الأول بـ«آي» وقال: «عندما نظرت إلى عينَي هذه الشمبانزي نظرتْ إليَّ. وقد أذهلني هذا، فالقردة التي عرفتها وعملت معها لم تنظر إلى عينيَّ أبداً». وتابع: «كنت أعتقد أنّ الشمبانزي قردة سوداء كبيرة، لكنها لم تكن مجرّد قردة، وإنما كائن غامض».


الوضع لا يزال «مقلقاً»... تراجع خسائر الكوارث في 2025 وسط استمرار المخاوف

أطفال يمرون بجوار مبنى منهار في ماندالاي بعد 5 أيام من وقوع زلزال كبير ضرب وسط ميانمار (أ.ف.ب)
أطفال يمرون بجوار مبنى منهار في ماندالاي بعد 5 أيام من وقوع زلزال كبير ضرب وسط ميانمار (أ.ف.ب)
TT

الوضع لا يزال «مقلقاً»... تراجع خسائر الكوارث في 2025 وسط استمرار المخاوف

أطفال يمرون بجوار مبنى منهار في ماندالاي بعد 5 أيام من وقوع زلزال كبير ضرب وسط ميانمار (أ.ف.ب)
أطفال يمرون بجوار مبنى منهار في ماندالاي بعد 5 أيام من وقوع زلزال كبير ضرب وسط ميانمار (أ.ف.ب)

انخفضت خسائر الكوارث الطبيعية في جميع أنحاء العالم بشكل حاد إلى 224 مليار دولار في عام 2025، وفق ما أعلنت شركة إعادة التأمين «ميونيخ ري» التي حذَّرت مع ذلك من استمرار التوقعات «المقلقة» المرتبطة بالظواهر الجوية المتطرفة الناجمة -على الأرجح- عن تغير المناخ.

وتعكس هذه الأرقام انخفاضاً بنسبة 40 في المائة تقريباً مقارنة بالعام السابق، ويعود ذلك جزئياً إلى عدم تعرض الولايات المتحدة لأي إعصار لأول مرة منذ سنوات.

مع ذلك، أشارت «ميونيخ ري» -وهي شركة ألمانية متخصصة في قطاع التأمين- إلى أن «الصورة العامة لا تزال مقلقة فيما يتعلق بالفيضانات والعواصف الشديدة وحرائق الغابات في عام 2025».

وذكرت «ميونيخ ري» في تقريرها السنوي عن الكوارث، أن حرائق لوس أنجليس في يناير (كانون الثاني) كانت الكارثة الأكثر تكلفة في العام؛ إذ بلغت الخسائر الإجمالية 53 مليار دولار، منها نحو 40 مليار دولار من الخسائر التي تغطِّيها شركات التأمين.

أطفال يلعبون في شارع غمرته المياه بجاكرتا (د.ب.أ)

وتوقفت الشركة عند عدد من الظواهر المتطرفة التي يُرجَّح أن يكون تغير المناخ قد أثر فيها عام 2025، مشيرة إلى أن إفلات العالم من خسائر أكبر كان من قبيل الصدفة البحتة.

وقال كبير علماء المناخ في شركة «ميونيخ ري» توبياس غريم لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يعاني كوكبنا من ارتفاع حاد في درجات الحرارة، ونتيجة لذلك نشهد سلسلة من الظواهر الجوية القاسية والعنيفة».

وفي الشهر الماضي، أعلنت «سويس ري»، وهي شركة رائدة أخرى في قطاع إعادة التأمين، عن انخفاض كبير في خسائرها عام 2025؛ إذ بلغت في المجمل 220 مليار دولار.

وحسب تقرير «ميونيخ ري»؛ بلغت الخسائر المؤمَّن عليها لعام 2025 نحو 108 مليارات دولار، في انخفاض حاد أيضاً مقارنة بالعام السابق.

منازل متفحمة وسيارات محترقة وسط أنقاض مبنى سكن دمره الحريق في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

وأشار التقرير إلى أن نحو 17 ألف شخص ومائتين لقوا حتفهم جراء الكوارث الطبيعية حول العالم، وهو رقم أعلى بكثير من الرقم المسجل عام 2024 الذي ناهز 11 ألفاً، ولكنه أقل من المتوسط السنوي للعشر سنوات الماضية البالغ 17 ألفاً و800.

وقال غريم إن عام 2025 كان عاماً «ذا وجهين»، مضيفاً: «كان النصف الأول من العام هو الأكثر تكلفة في تاريخ قطاع التأمين من حيث الخسائر»، بينما شهد النصف الثاني أدنى الخسائر خلال عقد.

حرائق وزلازل

تُعدُّ التكاليف التراكمية للكوارث الصغيرة، كالفيضانات المحلية وحرائق الغابات، الأكثر تأثيراً حالياً.

وبلغت الخسائر الناجمة عن هذه الكوارث 166 مليار دولار العام الماضي، وفق «ميونيخ ري».

وبعد حرائق لوس أنجليس، كانت الكارثة الأكثر تكلفة هذا العام هي الزلزال المدمر الذي ضرب ميانمار في مارس (آذار)، والذي يُقدَّر أنه تسبب في خسائر بلغت 12 مليار دولار، لم يُغطَّ منها سوى جزء ضئيل.

وتسببت الأعاصير المدارية في خسائر تُقدَّر بنحو 37 مليار دولار.

وتعرضت جامايكا للإعصار «ميليسا»، أحد أقوى الأعاصير التي ضربت اليابسة على الإطلاق، مُخلِّفاً خسائر تُقدَّر بنحو 9.8 مليار دولار.

صورة جوية تُظهر المباني المتضررة في أعقاب إعصار ميليسا بمنطقة ميدل كوارترز بجامايكا (أ.ف.ب)

وبلغت الخسائر الإجمالية في الولايات المتحدة، على مستوى المناطق، 118 مليار دولار، منها 88 مليار دولار مُغطَّاة بالتأمين، في مبلغ قريب من تقديرات منظمة «كلايمت سنترال» الأميركية غير الربحية للخسائر الإجمالية البالغة 115 مليار دولار.

وبلغت خسائر منطقة آسيا والمحيط الهادئ نحو 73 مليار دولار، ولكن لم يُغطَّ منها سوى 9 مليارات دولار، وفق التقرير.

رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق مبنى سكني في منطقة ألتادينا بمقاطعة لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

وشهدت أستراليا ثاني أسوأ الأعوام من حيث إجمالي الخسائر الناجمة عن الكوارث الطبيعية منذ عام 1980، وذلك بسبب سلسلة من العواصف الشديدة والفيضانات.

وبلغت خسائر أوروبا 11 مليار دولار. أما الكوارث الطبيعية في أفريقيا فقد تسببت في خسائر بقيمة 3 مليارات دولار، لم يُغطَّ منها سوى أقل من خُمسها.

لقطة عامة لمنطقة غمرتها الفيضانات في مقاطعة كلونكوري شمال غربي كوينزلاند بأستراليا (أ.ف.ب)

ويأتي هذا التقرير في وقت يزداد به التشكيك في السياسات البيئية، ولا سيما منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى السلطة، والذي يصف مخاطر التغير المناخي بأنها «خدعة».

لكن غريم حذَّر من أن الأرض «لا تزال تشهد ارتفاعاً في درجة حرارتها».

وأشار إلى أن «ارتفاع درجة الحرارة يعني زيادة الرطوبة، وهطول أمطار غزيرة، وسرعة رياح أعلى، فالتغير المناخي يُسهم بالفعل في الظواهر الجوية المتطرفة».