الرقة تُرمّم ذاكرتها... سور المدينة ينهض من ركام الحرب

جهود لإحياء المعالم الأثرية باستخدام تقنيات البناء التقليدي

سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا (الشرق الأوسط)
سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا (الشرق الأوسط)
TT

الرقة تُرمّم ذاكرتها... سور المدينة ينهض من ركام الحرب

سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا (الشرق الأوسط)
سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا (الشرق الأوسط)

بعد سنوات من الصراع والحرب، تشهد مدينة الرقة شمالي سوريا جهوداً محلّية متزايدة لإعادة ترميم سورها التاريخي، وتأهيل آثارها التي تضرَّرت، بهدف الحفاظ على التراث الثقافي وإحيائه، وتمكين السكان من استعادة المعالم التاريخية.

وتقع مدينة الرقة، أو «الرافقة» كما تُعرف تاريخياً، على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتبلغ مساحتها نحو 27 ألف كيلومتر مربع. غير أنّ عناصر تنظيم «داعش» أحكموا قبضتهم عليها نهاية عام 2013، قبل أن يُطردوا على يد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.

جهود محلّية متزايدة لإعادة ترميم سور الرقة التاريخي (الشرق الأوسط)

وبدأت عمليات ترميم السور الأثري في الرقة، العائد تاريخه إلى الحقبة العباسية (772 ميلاديا)، بعد تعرّضه لأضرار جسيمة نتيجة العمليات العسكرية والظروف المناخية. كما عمد عناصر ومسلحو تنظيم «داعش» الإرهابي، خلال سيطرتهم على هذه المنطقة الحضرية بين عامَي 2014 و2017، إلى حفر قسم من المواقع الأثرية بهدف سرقتها من جهة، وتحويل أقسام أخرى إلى نقاط عسكرية وسجون وأنفاق قتالية من جهة ثانية.

ويجري ترميم السور بجهود محلّية وتمويل من «مجلس الرقة المدني» وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، لحماية التراث الثقافي في مناطق النزاع. ووفق القائمين على عمليات الترميم، يهدف المشروع إلى إصلاح الأجزاء المتضرّرة من السور، بما في ذلك الأبراج والمداخل والطريق القديمة، باستخدام مواد بناء تقليدية مثل طوب اللبن، وقصبات القش، والقرميد الأحمر، والجصّ لربط الحلقات والفواصل.

هدف الترميم الحفاظ على التراث الثقافي وإحياؤه (الشرق الأوسط)

تقول رئيسة هيئة الثقافة في «الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا»، سرفراز شريف، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ المجلس التنفيذي، وبالتعاون مع «مجلس الرقة المدني» ومنظمات محلّية، يعمل منذ أشهر على ترميم مواقع أثرية عدّة في الرقة، من أبرزها سور المدينة وقصر البنات وباب بغداد والمتحف، وذلك ضمن خطة لترميم جميع المواقع الأثرية في إطار الحفاظ على تاريخها الحضاري.

ووفق سرفراز، يتألّف الفريق المُشرف على عمليات ترميم المتحف من مهندسين وعمال ومتخصّصين في الآثار، وتتابع: «أطلقنا المرحلة الرابعة من مشروع ترميم (سور الرقة الأثري)، التي تشمل ترميم البدنة رقم (6)، ومداخل السور، وبوابة شارع (المنصور)، ومدخل جامع (المنصوري)، وشارع 23 شباط، ومدخل المنطقة الصناعية»، مشيرة إلى أنّ كمية الآجر المُستخدم تُقدّر بنحو 110 أمتار مكعبة، و330 متراً مكعباً من اللبن الطيني، ومن المقرَّر أن يستمر المشروع مدّة 120 يوماً من تاريخ انطلاقه في 15 من الشهر الحالي.

سرفراز شريف تقول إنّ فريق الترميم يتألف من متخصّصين في الآثار (الشرق الأوسط)

مكان تاريخي يتحوّل لتصنيع السيارات المفخَّخة

وذكرت المسؤولة الكردية أنّ كمية القرميد التي فُكِّكت في القسم الجنوبي من السور منذ بدء عمليات الترميم، تُقدَّر بنحو 65 متراً مكعباً. ولفتت شريف إلى أنّ «القرميد القابل للاستخدام فُرز وجُمع لإعادة استخدامه، ثم فُكِّكت الحشوة التي قُدرت كمية الأجزاء التالفة والمتهالكة منها بأكثر من 40 متراً مكعباً»، وجرى ترحيل المخلّفات على مراحل، وتنظيف الموقع من الركام المحيط به.

وبعد الانتهاء من أعمال تفكيك القشرة القرميدية والحشوة، أُعيد تأسيس الحشوة الداخلية والقشرة القرميدية. وأضافت سرفراز: «بعدها أُحضِرت المواد اللازمة، وهي 50 متراً مكعباً من اللبن الطيني، و40 متراً مكعباً من القرميد لتلبيس الحشوة الداخلية»، بالإضافة إلى تأسيس جدران قرميدية محشوة بالجصّ بعرض 45 سنتيمتراً، مع التركيز على اختبار جودة الجص ليكون مطابقاً للمواصفات، «وترك فاصل بعمق 5 سنتيمترات بين الجدران القرميدية والحشوة الداخلية، وإنشاء فتحات تهوية تسمح بدخول التيار الهوائي لمنع الرطوبة الداخلية، وإنشاء دعائم كل 4 أمتار على امتداد الجدار القرميدي».

كمية القرميد التي فُكِّكت في القسم الجنوبي من السور تُقدَّر بنحو 65 متراً مكعباً (الشرق الأوسط)

ويحيط هذا السور التاريخي بالمدينة القديمة بنحو 5 كيلومترات، ويبلغ ارتفاعه 6 أمتار، وقد تعرَّض لأضرار بالغة خلال السنوات الماضية، إذ دمَّر عناصر التنظيم جزءاً منه عبر فتح فوهات وممرات لربط الأحياء القديمة بمركز المدينة خلال المعارك القتالية، ما خلّف أضراراً جسيمة في جسم السور وأبراجه وسراديبه القديمة.

ونقل سكان من الرقة يعيشون في محيط السور أنّ عناصر «داعش» حوّلوا هذا المَعْلم التاريخي إلى مكبّ للسيارات المحترقة ومكان لرمي النفايات، إضافة إلى استخدامه موقعاً لإعادة تصنيع السيارات المفخَّخة. كما كانت تُباع على جانبيه آنذاك «غنائم الحرب».

وأوضحت شريف أنه أُعيد بناء الجملون، أحد أبرز معالم السور، من اللبن الطيني التقليدي، بطريقة مطابقة لبنائه القديم، بعد تخمير التربة وخلطها تحت إشراف خبراء ومتخصّصين محلّيين. وعن الكميات المستخدمة في هذه المرحلة، ذكرت أنها «بلغت أكثر من 10 أمتار مكعبة من اللبن، و120 متراً مكعباً من الطين، وبعد ذلك، طُليت الفواصل المتآكلة بين القرميد بسبب الرطوبة».

ويُعدّ سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا، لكونه الجزء المتبقي من سور المدينة القديمة. ويربط هذا السور باب بغداد، الذي يقع شرق المدينة، بباقي الأبواب القديمة، وصولاً إلى ساحة الساعة ومركز المدينة وشوارعها العتيقة وأسواقها التاريخية النابضة بالحياة منذ سنوات.

يحيط هذا السور التاريخي بالمدينة القديمة بنحو 5 كيلومترات (الشرق الأوسط)

يُذكر أنَّ المؤرّخ وعالم الآثار الراحل الدكتور محمد العزو، المتحدّر من مدينة الرقة، أصدر كتيباً بعنوان «الرقة ماضياً وحاضراً» عام 2021، تحدَّث فيه عن سور الرقة، مشيراً إلى أنه يأخذ شكل «نعل الفرس»، وأنه مبني على نمط سور مدينة بغداد، عاصمة الدولة العباسية. وقد بُني هذا السور في عهد أبي جعفر المنصور «القرن الثاني الهجري - القرن الثامن الميلادي». وأشارت الدراسات الأثرية إلى أنّ سور الرافقة شُيّد فيما مضى بشكل مضاعف، إذ كان ثمة سور داخلي وآخر خارجي، يفصل بينهما «ممر فصل»، وهو الجزء الذي يسمح بتحرّك الجنود لحماية الأسوار عبر أبراجها ومناراتها الشاهقة.


مقالات ذات صلة

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

يوميات الشرق «توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق  اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان.

عصام فضل (القاهرة )
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
يوميات الشرق لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

معرض أثري في برلين يكشف «افتتان الفراعنة» بالأبراج السماوية

تحت عنوان «القدر في النجوم: بدايات الأبراج» افتتح المعرض الأثري بالمتحف المصري في العاصمة الألمانية برلين.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان

مواقع أثرية بمدينة صور اللبنانية تحت رحمة الغارات الإسرائيلية

في موقع البصّ في مدينة صور في جنوب لبنان، تتصدّر علامة «الدرع الأزرق» مدخل المَعلم المُدرج على قائمة التراث العالمي، في محاولة لحمايته من الغارات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.


فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
TT

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين»، القادرة على القضاء على البكتيريا بشكل انتقائي دون الإضرار بخلايا الفم. وأوضح الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوة نوعية قد تُحدث ثورة في مجال العناية بالفم والنظافة الشخصية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Advanced Functional Materials».

وتُعد النظافة في المنتجات التي تلامس الجسم مباشرة، مثل الملابس والكمامات وفرش الأسنان، أمراً بالغ الأهمية، إذ تلعب دوراً مباشراً في منع انتقال البكتيريا والجراثيم. وبما أن هذه المنتجات تُستخدم يومياً وتبقى على تماس دائم مع الجلد أو الفم، فإنها تمثل بيئة محتملة لتراكم الميكروبات إذا لم تكن مصممة بخصائص مضادة للبكتيريا، وهو ما يفسّر الاهتمام المتزايد بتطوير مواد وتقنيات حديثة تعزز مستويات النظافة والسلامة الصحية.

وتمكّن الفريق من تحديد الآلية التي يجعل من خلالها «أكسيد الغرافين» مادة فعالة ضد البكتيريا، مع بقائه آمناً على الخلايا البشرية. وتعتمد الفُرش الجديدة على هذه المادة النانوية المتطورة، وهي طبقة رقيقة من الكربون مرتبطة بذرات أكسجين، تتميز بقدرتها على التفاعل مع البكتيريا بطريقة دقيقة وآمنة.

وأظهرت الدراسة أن الفرش تعمل عبر آلية «استهداف انتقائي»، حيث تلتصق المادة النانوية بأغشية الخلايا البكتيرية فقط، وتقوم بتدميرها، بينما تظل الخلايا البشرية سليمة.

ويعود ذلك إلى قدرة أكسيد الغرافين على التعرف على مكوّن دهني يُعرف باسم (POPG)، يوجد في أغشية البكتيريا ولا يتوافر في خلايا الإنسان، ما يمكّن المادة من تمييز الهدف بدقة عالية.

وبفضل هذه الخاصية، تستطيع الفرش التعرف على «هدف محدد» داخل البكتيريا وتدميره دون أي تأثير جانبي، وهو تقدم كبير في فهم آلية عمل المواد المضادة للبكتيريا على المستوى الجزيئي.

وأكد الباحثون أن هذه الخاصية تجعل فرش الأسنان الجديدة فعالة ضد مجموعة واسعة من البكتيريا، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية.

كما أظهرت التجارب أن المادة لا تقتصر على القضاء على البكتيريا فقط، بل تسهم أيضاً في تعزيز بيئة صحية داخل الفم، دون التسبب في التهابات أو آثار جانبية، مما يعزز أمان استخدامها اليومي.

كما أثبتت الألياف المصنوعة من هذه المادة قدرتها على الاحتفاظ بخواصها المضادة للبكتيريا حتى بعد الغسل المتكرر، ما يزيد من احتمالات توظيفها في مجالات صناعية متعددة، مثل الملابس والمنسوجات الطبية.

ووفق الباحثين، لم يعد هذا الابتكار فكرة مخبرية فحسب، فقد تم تطبيقه بالفعل في منتجات تجارية، حيث طُرحت فرش أسنان مضادة للبكتيريا باستخدام هذه التقنية عبر شركة ناشئة منبثقة عن المعهد، وحققت مبيعات تجاوزت 10 ملايين وحدة، في مؤشر واضح على نجاحها التجاري.

ويشير الفريق إلى أن هذه التقنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل آمنة وفعالة للمطهرات الكيميائية والمضادات الحيوية، مع إمكانية توسيع استخدامها لتشمل مجالات مثل الأجهزة القابلة للارتداء.


«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
TT

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)

من المقرر استعانة الحديقة النباتية التابعة للجامعة بمواد دراسية وضعها جون ستيفنز هينسلو، مُعلّم داروين، قبل مائتي عام، ويأتي ذلك بعد استخراج عينات نباتية ومواد تعليمية، ألهمت تشارلز داروين وأهَّلته للعمل بوصفه عالماً مختصاً في علم الطبيعة على متن سفينة «إتش إم إس بيغل»، من أرشيف في كامبريدج. وستجري الاستعانة بها للمرة الأولى، لتعليم الطلاب المعاصرين في مجال علم النبات.

وتعود هذه العينات الهشة، والرسومات بالحبر، والرسومات المائية للنباتات، إلى أستاذ داروين ومُعلِّمه، البروفسور جون ستيفنز هينسلو. وقد جرى حفظها في معشبة جامعة كامبريدج لما يقرب من مائتي عام.

ويُعتقد أن بعض الرسومات المائية والرسومات «النادرة للغاية» التي نُشرت لأول مرة في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تعد أقدم رسوم توضيحية نباتية وضعها هينسلو لتعليم طلابه، بينما تُعدُّ رسومات أخرى عينات من نباتات اطلع عليها داروين بنفسه.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة رافايلا هول، القائمة بأعمال رئيس قسم التعليم بحديقة جامعة كامبريدج النباتية: «عندما وصل داروين إلى كامبريدج، درس علم النبات بشكل رسمي للمرة الأولى. وقد استمتع بدورة هينسلو، لدرجة أنه التحق بها ثلاث سنوات متتالية. وقد عرَّفه هينسلو على مفهوم التباين، ليرسي بذلك الأساس لنظرية التطور التي صاغها داروين لاحقاً».

وتولى هينسلو جمع العينات وتصميم الرسوم التوضيحية، ليتمكن من تقديم دورة سنوية في علم النبات لطلاب كامبريدج الجامعيين عام 1827.

وعندما وصل داروين إلى كامبريدج عام 1828، أصبح من أوائل الطلاب الذين التحقوا بدورة هينسلو الرائدة التي استمرت 5 أسابيع. وكان لدى داروين بالفعل اهتمام بالعالم الطبيعي، وقد ازداد اهتمامه به من خلال مجموعة التاريخ الطبيعي التي انضم إليها خلال دراسته للطب في جامعة إدنبره. إلا أنه ترك دراسة الطب بعد عامين، لإدراكه أنه لا يريد أن يسير على خطى والده ليصبح طبيباً، واتجه بدلاً من ذلك إلى كامبريدج، عاقداً العزم على أن يصبح رجل دين.

واصطحب هينسلو داروين وزملاءه الطلاب في «رحلات استكشافية للنباتات»، إلى مستنقعات كامبريدجشير، وعلمهم كيفية تحديد النباتات وتصنيفها وجمعها، مع مراقبة تكيفات أنواع النباتات المختلفة مع بيئتها في بريطانيا بشكل منهجي.