مصر: افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما في البر الغربي بالأقصر

ترجعان لأمنحتب «رابويا» وابنه ساموت بجبانة طيبة القديمة

افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)
افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما في البر الغربي بالأقصر

افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)
افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية افتتاح مقبرتي أمنحتب المدعو «رابويا» (TT416) وابنه «ساموت» (TT417)، بمنطقة الخوخة بالبر الغربي بمحافظة الأقصر، الخميس، عقب الانتهاء من أعمال الترميم ورفع كفاءة الموقع المحيط بهما، تمهيداً لفتحهما أمام حركة الزيارة.

وتعود المقبرتان إلى عصر الدولة الحديثة؛ فمقبرة «رابويا» ترجع إلى عصر الملك تحتمس الثالث، أما مقبرة «ساموت» فترجع إلى عصر الملك تحتمس الرابع، وتتبعان الطراز المعماري على شكل حرف «T»، وهو النمط الشائع لمقابر الأشراف في الأسرة الثامنة عشرة.

وتضم المقبرتان مجموعة متميزة من المناظر التي تعكس الحياة اليومية (الزراعة والحصاد، والصناعات)، وصناعة الخبز والفخار والنبيذ، وصيد الأسماك والطيور، بالإضافة إلى مناظر المآدب والاحتفالات داخل الصالة المستعرضة.

كما تحتوي الصالة الطولية على مناظر جنائزية لصاحب المقبرة، من بينها سحب التابوت على زلاجة، ونقل الأثاث الجنائزي إلى المقبرة في حضرة أوزير وحتحور، ومناظر طقس «فتح الفم»، فضلاً عن منظر فريد للإلهة رننوتت وهي تُرضع طفلاً ملكياً، إلى جانب مناظر الباب الوهمي وتكريم الأسلاف.

وأعرب وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن اعتزازه بافتتاح المقبرتين بعد الانتهاء من أعمال ترميمهما، ومشدداً على أن «صون الآثار والحفاظ عليها يأتي في مقدمة أولويات الوزارة، بما يضمن استدامتها للأجيال القادمة».

ووصف مشروع ترميم المقبرتين بأنه «رحلة عمل ممتدة» بدأت منذ عام 2015 وتكللت بالنجاح في عام 2026، موجهاً الشكر إلى محافظ الأقصر على ما تشهده أوجه التعاون المشترك من تنسيق مثمر ودعم كامل من المحافظة لجهود الوزارة.

وأشار فتحي في بيان لـ«السياحة والآثار» إلى أن «رؤية الوزارة ترتكز على ترسيخ مكانة مصر بوصفها وجهة عالمية رائدة لدارسي علم المصريات، بما يتناسب مع ما تمتلكه من ثراء حضاري فريد»، مؤكداً أن مصر ستظل مركزاً رئيسياً للاكتشافات الأثرية على مستوى العالم.

وزير السياحة خلال افتتاح المقبرتين (وزارة السياحة والآثار)

وشدد على «أهمية تعزيز التعاون مع القطاع الخاص لتشغيل الخدمات بالمواقع الأثرية والمتاحف لتحسين التجربة السياحية على أن يتم في إطار من الضوابط والمعايير الواضحة التي تضمن تحديد الأدوار والمسؤوليات». لافتاً إلى أن استراتيجية الوزارة، تحت شعار «تنوع لا يُضاهى»، تعكس المقومات المتفردة للمقصد السياحي المصري، مؤكداً على أن تحقيق مستهدف 30 مليون سائح يتطلب مواصلة العمل على تطوير قطاعي الفندقة والطيران، وهو ما يجري تنفيذه حالياً.

من جانبه، رحب محافظ الأقصر بالحضور في «جبانة طيبة القديمة»، مشيراً إلى أن الأقصر لا تزال تحتفظ بالكثير من أسرارها الأثرية، حيث تشهد باستمرار اكتشافات جديدة بفضل جهود وزارة السياحة والآثار والبعثات الأثرية المصرية والأجنبية.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن افتتاح المقبرتين يمثل إضافة مهمة للمزارات الأثرية؛ نظراً لما تتمتعان به من قيمة تاريخية وأثرية متميزة، وأشار إلى أن ذلك يعكس أهمية مقابر طيبة ويُخلّد ذكرى أصحابها ودورهم في الحضارة المصرية القديمة.

وأوضح عبر بيان الوزارة أن «الأعمال لم تقتصر على الترميم الأثري فحسب، بل شملت أيضاً تطوير الخدمات المقدمة للزائرين».

وترى الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا أن «افتتاح مقبرتي أمنحتب الملقب بـ(رابويا) وابنه ساموت في جبانة طيبة بالبر الغربي بالأقصر خطوة مهمة في مسار الحفاظ على التراث المصري وإعادة تقديمه بصورة علمية وسياحية متوازنة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه المشروعات لا تقتصر على البعد الاحتفالي أو السياحي فقط، وإنما تعكس تطوراً في فلسفة الترميم الأثري الحديثة التي تقوم على صون العناصر الأصلية للمقبرة والحفاظ على قيمتها التاريخية والفنية في آن واحد».

وتابعت أن «المقبرتين تكتسبان أهمية خاصة لارتباطهما بفئة كبار الموظفين في الحضارة المصرية القديمة، وهي الفئة التي تمثل مصدراً أساسياً لفهم البنية الإدارية والاجتماعية والدينية في عصر الدولة الحديثة. كما أن إعادة فتح المقابر بعد أعمال الترميم تتيح للباحثين والزائرين فرصة قراءة التفاصيل الفنية والنقوش الجنائزية بصورة أوضح، بما يسهم في تعزيز الدراسات الخاصة بجبانة طيبة وتطور طقوس الدفن ومكانة النخبة الإدارية آنذاك».

ومن الناحية الأثرية، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، فإن «أي مشروع ترميم داخل جبانة طيبة يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من مسؤولية أكبر تتعلق بحماية واحد من أهم المواقع التراثية في العالم، خصوصاً في ظل التحديات البيئية والزمنية التي تؤثر على النقوش والألوان والطبقات الجصية. لذلك فإن نجاح عملية الترميم لا يقاس فقط بجمال النتيجة النهائية، بل بمدى الالتزام بالمعايير العلمية الدقيقة واحترام الأثر بوصفه وثيقة تاريخية غير قابلة للتعويض».

أما على المستويين الثقافي والسياحي، فإن «افتتاح مثل هذه المقابر يساهم في تنشيط الحركة الثقافية بالأقصر وإعادة تسليط الضوء على المقابر الأثرية، وهو توجه مهم لتخفيف الضغط عن بعض المواقع الأثرية وتوسيع خريطة الزيارة داخل البر الغربي»، على حد تعبيرها.

جانب من المقبرة المفتتحة بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)

وتضمنت أعمال الترميم رفع الرديم والكشف عن لقى أثرية هامة، وتدعيم الأسقف والجدران، وترميم دقيق للنقوش والمناظر، وتنظيف الألوان الأصلية بعناية، وتركيب أنظمة إضاءة حديثة، وتطوير منظومة الأمن والمراقبة، وفق مؤمن عثمان رئيس قطاع الترميم ومشروعات الآثار والمتاحف بالمجلس الأعلى للآثار.

ووفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع، فقد «تم الكشف عن المقبرتين خلال أعمال حفائر قام بها مركز البحوث الأميركي في مصر في مارس (آذار) 2015، أثناء البحث عن مدخل مقبرة جحوتي (TT110). وكانت المقبرتان مغطاتين بالأنقاض وتعرضتا لأضرار كبيرة، كما استخدمتا للدفن الجماعي خلال فترات لاحقة حتى العصر البيزنطي».

و«تكمن القيمة العلمية الكبرى في التكامل بين مشاهد الحياتين الدنيوية والأخروية في مقبرة الأب (رابويا) التي تعود لعصر الملك تحتمس الثالث، فهنا نجد تركيزاً على مشاهد الزراعة والحصاد وصناعة الخبز والفخار، وهي توثيق بصري مهم للاقتصاد الزراعي والمعيشي في طيبة خلال فترة ازدهار الدولة الحديثة»؛ وفق تصريحات المتخصص في تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم، الدكتور عمر المعتز بالله، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «أما مقبرة الابن (ساموت) من عصر الملك تحتمس الرابع، فتعكس تحولاً واضحاً في البرنامج الجنائزي ليشمل مشاهد أكثر طقوسية مثل طقس (فتح الفم) ومشاهد نقل الأثاث الجنائزي بحضور سيد العالم الآخر أوزير. وهذا التطور قد يشير إلى تغير في مفهوم (الخدمة الجنائزية) من تأكيد على الكفاح اليومي إلى تركيز على فعالية الطقس الكهنوتي».

وعَدّ المعتز بالله «افتتاح المقبرتين أمام الزائرين يخدم الأغراض التعليمية والمعرفية إلى حد كبير، ولكنه يحمل أيضاً تحديات مثل عوامل المناخ المتغيرة»، على حد تعبيره.


مقالات ذات صلة

مصر تحتفل بالعيد القومي لـ«مدينة المتاحف»

يوميات الشرق المتحف المصري بالتحرير من معالم القاهرة المميزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تحتفل بالعيد القومي لـ«مدينة المتاحف»

شهدت العاصمة المصرية القاهرة فعاليات احتفالية متنوعة أبرزت جماليات العاصمة التاريخية في عيدها القومي رقم 1057.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله في زيارة دولة إلى مطار دمشق الدولي في دمشق... 6 يوليو 2026 (سانا)

ماكرون في دمشق... أول زيارة لرئيس غربي منذ فرار الأسد

سيدعو ماكرون، وفق ما أفاد قصر الإليزيه للصحافيين، إلى «سوريا حرة وتعددية تحترم جميع مكوناتها»، وتضطلع بـ«دور في تهدئة التوترات» في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق جانب من المقابر المكتشفة (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشاف 18 مقبرة أثرية في مارينا العلمين

أعلنت البعثة الأثرية المصرية العاملة بمدينة مارينا العلمين الأثرية بالساحل الشمالي الغربي عن اكتشاف 18 مقبرة أثرية.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق المدينة السكنية المكتشفة في واحة الداخلة (وزارة السياحة والآثار)

الكشف عن مدينة سكنية بيزنطية بواحة الداخلة المصرية

كشفت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، عن مدينة سكنية متكاملة تعود إلى العصر البيزنطي، شُيدت جميع مبانيها من الطوب اللبن.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مصر تستهدف تحويل محيط مسجد السلطان حسن إلى متحف مفتوح (الشرق الأوسط)

مصر لتحسين الهوية البصرية لمحيط مسجد السلطان حسن

لتحسين الهوية البصرية بحي الخليفة، خصوصاً محيط مسجد السلطان حسن، وهو أحد أكبر الجوامع الأثرية في مصر والعالم، تواصل السلطات المصرية تطوير القاهرة التاريخية

حمدي عابدين (القاهرة)

بمبادرة سعودية... قرار أممي يعتمد «تمكين المرأة في الأمن السيبراني»

قطاع الأمن السيبراني في السعودية شهد تطوراً مستمراً (الشرق الأوسط)
قطاع الأمن السيبراني في السعودية شهد تطوراً مستمراً (الشرق الأوسط)
TT

بمبادرة سعودية... قرار أممي يعتمد «تمكين المرأة في الأمن السيبراني»

قطاع الأمن السيبراني في السعودية شهد تطوراً مستمراً (الشرق الأوسط)
قطاع الأمن السيبراني في السعودية شهد تطوراً مستمراً (الشرق الأوسط)

اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، الثلاثاء، قرار تمكين «المرأة في مجال الأمن السيبراني» في ضوء أهداف المبادرة العالمية التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، لتمكين المرأة في القطاع من خلال إطار أممي متعدد الأطراف قائم على التعاون والمساعدة التقنية وبناء القدرات لدعم الدول وفقاً لأولوياتها الوطنية.

وانطلاقاً من المبادرة العالمية التي أطلقها ولي العهد السعودي، طرحت بعثة المملكة لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف، مشروع قرار أممي يُعزز أهداف هذه المبادرة المهمة على المستوى الدولي، ويترجم رؤيتها إلى خطوات عملية من خلال تعزيز مشاركة المرأة في قطاع الأمن السيبراني، وتنمية مهاراتها، ودعم المسارات المهنية لها في هذا المجال، والإسهام في معالجة الفجوة العالمية في المواهب والمهارات السيبرانية؛ بما يعزز الصمود السيبراني على المستوى العالمي.

وحظي القرار بإجماع دولي باعتماده بتوافق الآراء ودون تصويت في مجلس حقوق الإنسان خلال دورته الثانية والستين، ويعكس هذا الموقف الدولي أهمية هذه المبادرة وأثرها الإيجابي على تعزيز الصمود السيبراني على المستوى الدولي.

شهد برنامج «آمن» للتوعية الذي أطلقته الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في السعودية استقطاب آلاف المهتمين (واس)

وأكد السفير عبد المحسن خثيلة المندوب الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بجنيف في كلمته أمام المجلس، أن المبادرة تجسد حرص المملكة على تعزيز التعاون الدولي والمساعدة التقنية وبناء القدرات لتمكين المرأة في مجال الأمن السيبراني، بما يراعي الأولويات الوطنية للدول.

وأوضح أن مشروع القرار يعكس على المستوى الأممي الرؤية التي تتبناها مبادرة ولي العهد السعودي لتمكين المرأة في مجال الأمن السيبراني، وزيادة الكفاءات النسائية في هذا المجال ودعم المسار المهني للمرأة نحو مناصب قيادية عليا.

ويبرز القرار، الذي حظي بتأييد واسع واعتمد بتوافق الآراء، حرص المملكة على دعم جهود الدول في تمكين المرأة في مجال الأمن السيبراني، انطلاقاً من مكانتها الريادية ومبادراتها النوعية في هذا المجال.

يشار إلى أن «مؤسسة المنتدى الدولي للأمن السيبراني» تتولى الإشراف على مشروعات تنفيذ المبادرتين العالميتين اللتين أطلقهما ولي العهد السعودي؛ «حماية الطفل في الفضاء السيبراني»، و«تمكين المرأة في مجال الأمن السيبراني»، وذلك بالعمل والتعاون مع عدد من المنظمات والشركاء الدوليين؛ بما في ذلك مختلف الوكالات المتخصصة في الأمم المتحدة.


«عِش بشاعرية»... وصفة الفيلسوف المعمر إدغار موران للحياة السعيدة

الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (الشرق الأوسط)
الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (الشرق الأوسط)
TT

«عِش بشاعرية»... وصفة الفيلسوف المعمر إدغار موران للحياة السعيدة

الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (الشرق الأوسط)
الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (الشرق الأوسط)

«أن تحيا الحياة بشاعرية قدر الإمكان

أن تحيا في ظل الفضول والحب

ألا تتخلى عن العقل حين تغلبك العاطفة وألا تترك عاطفتك حين تركن إلى عقلك.

أن تحتفظ بالإحساس الغامض إزاء ما هو ملغز.

ألا تكف عن الانبهار والنشوة وتتعلق بشدة بكل ما يحققهما: الحب، والانتماء، والشعر، والموسيقى، وعجائب وأحاجيّ الأرض والسماء.

أن تسعى دائماً إلى الفهم، وأن تحاول بوجه أخص فهم الآخر.

أن تتطلع إلى السكينة والحيوية بشكل متزامن.

أن تتعلم درس سيزيف: أن تبدأ من جديد حتى تموت».

تلك هي خلاصة الوصفة التي وضعها الفيلسوف الفرنسي المعمّر إدغار موران الذي وافته المنية قبل أيام عن عمر 105 سنوات، ملخصاً فيها أبعاد تجاربه وخبراته وقراءاته ورؤيته للعالم.

انطلق عالم الاجتماع والفيلسوف إدغار موران، المولود في فرنسا عام 1921 والمتوفى في 29 مايو (أيار) الماضي، في بداياته من أسئلة بسيطة وبديهية حول المعرفة الإنسانية، ماذا نعرف؟ من أين اكتسبنا هذه المعارف؟ ما المسموح لنا والمتاح لكي نعرفه؟ وما الذي يتوجب علينا معرفته حقاً؟

أسئلة بسيطة ولكنها معقدة بمعايير علم الأبستمولوجيا، اتكأ عليها لتشكيل دائرة معارفه الخاصة عبر القراءة النهمة لكل ما يقع تحت يديه من كتب في الفكر والفلسفة والأدب والعلم والتاريخ حتى يطرح سؤالاً كبيراً حول كيفية إصلاح العالم.

من تجربة يُتم في الطفولة، بعد فقدان أمه وشعوره بالخديعة التي تعرض لها في إخفاء الأمر عليه، وتساؤله حول ماهية العالم الآخر، هرع إدغار موران إلى عالم القراءة والمعرفة لمحاولة التوصل لماهية العالم وفهمه والتعامل معه بندّيّة، وما بين ثنائية الإصلاح والثورة دارت أفكاره الأولى، فالإصلاح ربما لا يكون كافيا أو مجدياً أو ملائماً لبعض المجتمعات، والثورة بقدر ما تحمل حلولا قوية وجذرية إلا أنها تترك ندوباً في روح المجتمع يصعب شفاؤها.

من هنا اختار موران أن يقفز فوق تلك الثنائية باختيار «الطريق الثالث» الذي يسمح بتجاوز الديمقراطية وينقذها، ويتخطى الرأسمالية، وهو الطريق الذي سيصلح المجتمع بشكل عميق من خلال أنسنته.

في كتابه «مغامرة المنهج» الصادرة ترجمته عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، والذي كتبه في نهاية حياته بعد أن قضى 35 عاماً في تأليف كتابه المرجعي الموسوعي «المنهج»، يضع موران أمامنا تجربة ثرية حول رؤيته للعالم، ورغبته في توصيل هذه الرؤية للجميع، بل وسعيه لتطبيق هذه الرؤية في المناهج التعليمية لتنشئة الأطفال في منظومة واعية تسمح لهم بفهم طبيعة وجودهم في الكون وتفاعلهم مع كل العوامل المحيطة بهم.

يشرح موران في كتابه الذي ترجمه الدكتور أيمن عبد الهادي، ويقيم له المركز القومي للترجمة في القاهرة احتفالية خاصة لاستعادة أفكار هذا الفيلسوف المتفرد، كيفية تعاطيه مع الأفكار التي تلقاها في بداياته، وتخليه عن الشيوعية الستالينة بعد قراءات موسعة ومعرفة عميقة بخيبات الأمل التي أحاطت بالشيوعيين في عهد ستالين، لينتقل إلى رؤية أخرى وتبني الأفكار الماركسية، باعتبار أن فكر ماركس بمقدوره فهم كل المشاكل الإنسانية والتاريخية والاجتماعية.

كتاب «مغامرة المنهج» تضمن سيرة ذاتية فكرية (الشرق الأوسط)

ويرى مترجم الكتاب أيمن عبد الهادي أن هذا الكتاب لا يعد سيرة ذاتية بقدر ما يمكن وصفه بالمغامرة الفكرية على حد تعبير موران نفسه.

ويضيف عبد الهادي لـ«الشرق الأوسط»: «الكتاب يتناول كيفية بناء موران لمشروعه الفكري الضخم وهو كتاب (المنهج) الصادر في 6 أجزاء والذي يدعو خلاله لإعمال الفكر المركب في التعاطي مع القضايا الإنسانية بشكل عام».

في خضم الحرب العالمية الثانية واحتلال ألمانيا لفرنسا (1940 -1944) تبلوت الأفكار الأولى في عقل موران، مع اندماجه في عالم السياسة وانخراطه في المقاومة لفترة، وحديثه عن حكومة فيشي الموالية لألمانيا، وصوت المقاومة المتمثل في الجنرال شارل ديجول.

ربط موران بين الرؤى الهيغيلة والماركسية في فهم الطبيعة البشرية وعلاقتها بحركة المجتمع والتاريخ، مستنداً إلى توسيع معارفه في علم البيولوجي وقراءته كتاب «الصدفة والضرورة» ومفارقة الجينات القادرة على إنتاج الكائن الحي بشكل متماثل، لكنها تستطيع من دون تخطيط أن تنتج كائناً حياً جديداً بسبب التغير الذي يحدث في المعلومات الوراثية الحيوية، وفق الكتاب.

أثرت نظرية الأنساق المعرفية والسيبرنطيقا في تشكيل الهوية الفكرية لموران عبر 4 محاور رئيسية هي العالم الفيزيائي متضمناً جدلية النظام والفوضى، والعالم الحي الذي يربط فيه بين المجال البيولوجي للإنسان والمجال الثقافي. والمعارف العابرة للتخصصات، والمعرفة.

ووفق المترجم «انطلق موران في مغامرة المنهج من أسئلة بديهية في الطفولة ليخوض مغامرة تحمل مخاطرة، وليست عملاً فكرياً أو علمياً صارماً، يسعى من خلالها لإعلاء قيمة الإنسانية واستخدامها في تحقيق السلام للمجتمع».

صمم الفيلسوف الفرنسي كتابه «المنهج» بمعنى الطريق في البداية ليكون كتاباً واحداً من 4 أقسام هي «طبيعة الطبيعة» و«حياة الحياة» و«معرفة المعرفة» و«مستقبل المستقبل»، إلا أنه مع الوقت أصدر كل كتاب وحده، مع كتب بينية كان لها أثر كبير في تشكيل فكرته عن العالم مثل كتاب «نقد ذاتي».

يلخص إدغار موران منهجه وطريقه في البحث عن وسيلة لإصلاح العالم في عبارة بكتابه «إنسانية الإنسانية» يقول فيها: «هل من الممكن إقصاء الوحشية وتحقيق تحضر البشر؟ هل من الممكن مواصلة تطور الكائن البشري تأسيساً على إنسانيته؟ هل بالوسع إنقاذ البشرية بتحقيق إنسانيتها؟».

ويمكن النظر لكتاب «مغامرة المنهج» على أنه محاولة لفهم كيفية تطوير الأفكار، وفق عبد الهادي، موضحاً أن «الفيلسوف الفرنسي قدم العديد من الأفكار الصالحة للتطبيق عملياً، وأراد إنتاج معرفة موسوعية تؤصل للظاهرة الإنسانية بوصفها ظاهرة معقدة ضد الاختزال وضد التبسيط».

ويشير موران في «مغامرة المنهج» إلى الارتباط الوثيق بين التقنية والاقتصاد الذي يعيشه الكوكب وما يرافقه من زيادة في حالة الانقسام، ويقول إن «الصراعات الإثنية والآيديولوجية والدينية مزقت الأرض... ويرافق التقدم في نمط حياة الرفاهية المادية ارتفاع حالات الشقاء الروحي».

يتبنى موران فكرة ضرورة التفكير في زيادة مقدار الحياة في الأيام التي نعيشها أكثر من زيادة الأيام التي نعيشها فحسب، فوفق الشاعر الألماني هولدرين «يجب أن يسكن الإنسان الأرض بشاعرية»، فالصفة الشاعرية للحياة أهم من السعادة، وهي شرط لكل سعادة.


جاهزية آلة حفر الأنفاق العملاقة لمشروع امتداد «قطار الرياض»

يبلغ قطر رأس الحفر في الآلة 11.16 متر ويصل طولها الإجمالي إلى 105 أمتار (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)
يبلغ قطر رأس الحفر في الآلة 11.16 متر ويصل طولها الإجمالي إلى 105 أمتار (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)
TT

جاهزية آلة حفر الأنفاق العملاقة لمشروع امتداد «قطار الرياض»

يبلغ قطر رأس الحفر في الآلة 11.16 متر ويصل طولها الإجمالي إلى 105 أمتار (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)
يبلغ قطر رأس الحفر في الآلة 11.16 متر ويصل طولها الإجمالي إلى 105 أمتار (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

تتقدَّم مراحل تنفيذ مشروع امتداد المسار الأحمر لـ«قطار الرياض»، مع اكتمال تصنيع آلة حفر الأنفاق العميقة المخصصة له، واجتيازها الاختبارات المصنعية، تمهيداً لنقلها إلى العاصمة السعودية، وبدء استخدامها في تنفيذ أعمال الأنفاق. ويربط الامتداد بين جامعة الملك سعود ومشروع تطوير «بوابة الدرعية»، وذلك في إطار جهود الهيئة الملكية لمدينة الرياض لتطوير شبكة النقل العام، وتعزيز الترابط بين الوجهات الحيوية في العاصمة. وتعمل الآلة بنظام توازن ضغط التربة، ويبلغ قطر رأس الحفر فيها 11.16 متر، ويصل طولها الإجمالي إلى 105 أمتار. كما زُوِّدت بتقنيات هندسية متقدِّمة تُعزِّز قدرتها على التعامل مع الظروف الجيولوجية المختلفة، بما يسهم في رفع كفاءة تنفيذ أعمال الحفر والإنشاء.

تقنيات هندسية متقدِّمة تُعزِّز قدرة الآلة على التعامل مع الظروف الجيولوجية المختلفة (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

ويمتدُّ المسار الأحمر، أحد المسارات الرئيسة ضمن شبكة «قطار الرياض»، بطول يقارب 8.4 كم، ويربط بين عدة وجهات حيوية، ويشمل تنفيذ 7.1 كيلومتر من الأنفاق العميقة تحت سطح الأرض، و1.3 كيلومتر من المسارات المرتفعة. كما يضمُّ 5 محطات، منها اثنتان بجامعة الملك سعود، حيث تخدم الأولى المدينة الطبية والكليات الصحية، في حين تخدم الثانية بهو الجامعة، إضافة إلى 3 محطات في الدرعية، ستكون إحداها نقطة ربط بالمسار السابع مستقبلاً. ويأتي مشروع الامتداد الجديد لتعزيز تكامل الشبكة وخدمة المناطق والمشروعات التنموية الواقعة على امتداد المسار، بما يواكب النمو العمراني المتسارع، ويُعزِّز خيارات التنقل المستدام في مدينة الرياض. ويُعدُّ استخدام تقنيات الحفر المتقدمة أحد العناصر الرئيسة في تنفيذ مشروعات النقل الكبرى، بما يسهم في إنجاز الأعمال وفق أعلى المعايير الهندسية والتشغيلية، ويدعم مستهدفات الهيئة في تطوير بنية تحتية متكاملة للنقل.