مسلسل «البطل» السوري... الحرب بائسة وأقدارها بلا رحمة

دراما الواقع تؤكد تألُّق ثلاثية النصّ والإخراج والأداء

تؤكد شخصية بسام كوسا أنّ الدنيا لا تزال بخير (مشهد من المسلسل)
تؤكد شخصية بسام كوسا أنّ الدنيا لا تزال بخير (مشهد من المسلسل)
TT

مسلسل «البطل» السوري... الحرب بائسة وأقدارها بلا رحمة

تؤكد شخصية بسام كوسا أنّ الدنيا لا تزال بخير (مشهد من المسلسل)
تؤكد شخصية بسام كوسا أنّ الدنيا لا تزال بخير (مشهد من المسلسل)

يُحقّق مسلسل «البطل» تصدُّراً لافتاً بين الأعمال. حكايته من لؤم الواقع وشخوصه أحياء في بعضٍ منا؛ نلمحهم في ذاكرةٍ ما. نُشاهد ويلات الحرب وهي تُعمِّق الفجوة بين الموت والحياة، ونتابع مسار الأحداث في تصاعُدها نحو إعلان عبثيتها. العمل يُمسك تفاصيل العيش البائس ويرويها بما يحلو انتظاره.

النصّ لرامي كوسا والإخراج لليث حجو المتألّق بالكاميرا والنظرة إلى الأشياء. المكان القروي، وأغصان الأشجار العارية تحت السماء المُلبَّدة بغيم يُنذر بالهطول، وأحياناً يؤجّله، أو يستغني عنه، أو يُبقيه حبيس اللحظة، يتيحان للصورة علاقة خاصة مع ألوانها وبُعدها العاطفي. ذلك يمنح المخرج دورَ بطولةٍ آخر، فيحضُر بما لا يقلّ على حضور الآخرين.

يُحقّق مسلسل «البطل» تصدُّراً لافتاً بين الأعمال (البوستر الرسمي)

هذه سوريا تحت الوجع. تحت النار. في عروق الأوتار المقطوعة. نسمع القصف وهو يؤرق فاقدي الأمان في الليالي الطويلة. ونتعايش مع أهواله على شكل عوزٍ بشريّ، وتهجير، واحتكار، ورفع أسعار، وانسداد أفق. فمن خلال الشخصيات، تُستعاد الأعوام السورية الصعبة وارتكاباتها الفظيعة. تلك المُطلَّة بشبحها كلما ظنَّ الناجون أنهم نجوا، والحائمة مثل غراب جائع يُطلق عويلاً رهيباً فوق أحمال الذاكرة وصورها التي لا تُمحَى.

البطولة لبسام كوسا بشخصية «الأستاذ يوسف» الاستثنائية. مبهر في إفساح المجال للخير فيتقدّم ويَبرُز ثم يسطع ويلمع وسط الشرور كلّها. تركيبة الدور ترفض صَبْغ جميع البشر بلون واحد. وهو غالباً السواد العميم. فمن خلال «يوسف» يتجلّى حُسن النية واقتران القول بالفعل والاستعداد للعطاء رغم الجيوب الفارغة. تخرُج الشخصية من عمق الخراب لتقول إنّ الدنيا لا تزال بخير، وإذا كان البغض مُحرَّك الإنسان، ومُشعِلَ حروبه، وراسم أقداره البائسة، فإنّ الحبَّ يتيح تسلُّل الضوء فيجعل الحياة تُحتَمل.

ضياع «مريم» قدرٌ جماعي (لقطة لنور علي من المسلسل)

نشهد على صراع العائلة من أجل النجاة وبقايا الأحلام. الجميع في وضعية تخبُّط، مثل مراكب عائمة على موج غاضب: «مريم» (أداء لافت لنور علي) بإسكاتها دموعها وتيهها الكبير. ابنةُ «يوسف» والزوجة المستقبلية لـ«مروان» (خالد شباط)، واقعة بين الرجلين، لا تقوى على تفضيل أحدهما على الآخر. إنه الهَمّ وهو يسكُن الأبناء على مصائر الآباء المتروكين في عرائهم. والأرض عراء حين تُشتِّت مَن عليها. والوطن عراء بإرساله السقوف الآمنة إلى حتفها. ضياع «مريم» قدرٌ جماعي، فتلتهم الحيرة رأس ضحيتها وتَصعبُ القرارات حدّ التطرُّف في اتّخاذ بعضها، فنجد الخطيبَيْن بوضعية حميمية لا يأبهان بالقصف خارج الغرفة.

«فرج» من الشخصيات الملوَّعة بقدرها (لقطة لمحمود نصر من المسلسل)

و«فرج» (أداء متألق لمحمود نصر) من الشخصيات الملوَّعة بقدرها. هذا الدور غير مفهوم تماماً. يحتمل أكثر من تفسير. لا ندري أهو خير أو شرٌّ قد تأجَّل. وحدها ظروفه الواضحة. يرث الندوب ويُكمل طريقه محاولاً تخطّيها، لكنها لا ترحم. كما لم يرحم المجتمع مهنة والدته (تغسيل الموتى) وماضيها الشاق. تؤدّي جيانا عيد دوراً يُظهِر الثمن المدفوع بالعملة الصعبة. أحياناً الأبناء مجرّد ضحايا. الويل من قسوة الآخرين واللعنات المحمولة على ظهور مكسورة.

تؤدّي جيانا عيد دوراً يُظهِر الثمن المدفوع بالعملة الصعبة (لقطة من المسلسل)

وجوه الشخصيات تُشبه التلبُّد غير المُنذِر بانفراجٍ آتٍ. الجميع تقريباً يجرُّ جرحاً. نانسي خوري بشخصية «سلافة» المتروكة لوحدتها بعد خذلان حتى الأقربين، فتجد في «مجد» (وسام رضا) فسحة طمأنينة. ورغم حالتها الاجتماعية وفارق السنّ، يتعلّق بها. كلاهما شيّعا الأمان إلى مثواه الأخير ولم يبقَ أمامهما سوى العاطفة القليلة.

في موازاتهما، لم نرَ ابتسامة «راما» (رسل الحسين) سوى مرة واحدة حين خانتها خشبة السرير الزوجي فارتطمت و«فرج» على الأرض. ضحكتهما ذكَّرت بالبلسمة المُحتملة، لكنّ كلّ شعور آخر أطلَّ ليُعمِّق الجراح ويُطيل نزيفها.

نُشاهد ويلات الحرب وهي تُعمِّق الفجوة بين الموت والحياة (مشهد من المسلسل)

يكتُب «الأستاذ» لنفسه مفتتحاً الكتابة بعبارة «عزيزي يوسف». يُحاكي دواخله المُحمَّلة بالانتظار والخيبة. وبموازاة السطور، يمرُّ الذلّ على شكل صندوق مساعدات، والقهر على هيئة برد قارس، والتجاوزات من التهريب والتسلُّح إلى الأذى والذكورية وتضاؤل الرحمة.

تحوُّل «يوسف» من السير على أقدام إلى استخدام الكرسي المتحرّك، يضيف إلى فكرة الأقدار المُباغتة سبباً إضافياً لتكون حال المسلسل. ينضمّ إلى اللائحة تعذُّر سفر «مروان»، وجرُّ «رانيا» (هيما إسماعيل بدور مؤثّر لشخصية الأم المتأرجحة بين الانهيار والصلابة) إلى أفخاخ مُعدَّة سلفاً لإيقاعها، وفي الطريق إلى التضييق عليها، ينكشف فساد متجذّر ولا يبقى الابتزاز طوال الوقت خفياً.

ميزة «البطل» في التأثير العميق لمشهدياته (لقطة لخالد شباط في المسلسل)

مشهد نزوح سكان القرية جراء اشتداد القصف موجع وقاسٍ. لقطات من الأسى الإنساني والمُقامرة بالأعمار. ميزة المسلسل في التأثير العميق لمشهدياته. فغصّة «يوسف» لإحساسه باقتراب سفر ابنته تُذكّر آباء هجرهم أحبّتهم بالفراق الصعب. آلام الهجرة منفلشة بأشكالها: مرة بالهروب من أسرةٍ ضاغطة كحالة «راما»، ومرة بالبحث عن فرصة كحالة «مروان»، ومرات بمغادرة المنازل لإنقاذ ما تبقّى من حياة.

مسلسل «البطل» عما تُشوّهه الحروب. كأنه توثيق مرحلة وبوحٌ يناجي الشفاء.


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.