«بالدم»... مخاطرةٌ رابحة مع ملاحظات ضرورية

المسلسل اللبناني نافس بثقة وكسب مكانة بين الأفضل

العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)
العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)
TT

«بالدم»... مخاطرةٌ رابحة مع ملاحظات ضرورية

العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)
العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)

نجح مسلسل «بالدم» في ألا يُخيّب مَن راهنوا على حضور الدراما اللبنانية. ظلَّ إيقاعه يتصاعد حتى الجنريك الأخير، وقلَّما ارتطم باللحظة المملّة. فجمهوره تعلَّق، على الأقل، بشخصية من شخصياته وأفسح لها المجال لتسكُن أفكاره. استطاع إثبات أنه أكثر من مُشاهَدة، حين حرَّك أسئلةً عن الروابط الأُسرية وأعاد تعريف معنى الانتماء. كان تأكيداً على أنّ «المخاطرة» ليست طوال الوقت خاسرةً، ومغادرة مساحات الراحة عبورٌ نحو الأفضل.

تتجرأ «إيغل فيلمز» وتُحرّض على الجرأة. فالظنُّ بأفول عصر الدراما اللبنانية من النوعية الجيدة، أتى ما يؤكد عكسه. والعمل لم ينل التنويه لمجرّد عواطف وطنية، فذلك مُعرَّض لأنْ تفضحه ثغر ويدحضه افتعال. أهليته للإشادة به مردُّها أنه أقنع بكثير من أحداثه، ومنح شخصيات قدرة تأثير، وهو وعد بما ليس مُتوقَّعاً ووفى بوعوده، مُشعلاً الرغبة في انتظار حلقاته وعدم تفويت أي مشهد.

جناح فاخوي أطلَّت بحضور مُتقَن (لقطة مع ماغي بوغصن في المسلسل)

الموضوع المُعالَج مهم، وطرحُه ليس مُستهلكاً. مسألة الدم أبعد من ظنّها تحصيلاً حاصلاً لمجرّد أن نولَد في عائلة. هي روابط ومفاهيم وعلاقات إنسانية. كتبت نادين جابر حكاية بُنيَ جزء منها على معاناة وليدة الواقع اللبناني، وفرَّعتها إلى ما لا بدَّ أن يلامس المتلقّي. فالعمل يُشبه مراجعة يُجريها المرء مع نفسه في محاولة للإجابة عن أسئلة شاقّة: هل يحدّد الدمُ مَن نحن؟ ما العائلة؛ أسماء على هوية أم إحساس؟ حملت الشخصيات أكثر من جواب.

يكمُن المأخذ في أنّ مزيداً من العمق تراءى مفقوداً. شيءٌ من «الاستسهال» في كشف الحقائق فرض ظلاله حتى المَشاهد الأخيرة، فسلَّم منطق الأحداث إلى بعض التضعضع. عند هذا الحدّ شعرنا بأنه «مسلسل». والمسلسل يعني فورة المصادفات وغلبة «الدراما» (تجلَّت في الحلقة النهائية). كأنَّ الهَمّ تشويقيّ أكثر مما هو واقعي رغم الأرضية الواقعية، مما أبقى على الظنّ بأننا نشاهد مسلسلاً، قبل أي شيء آخر.

جيسي عبدو ورلى بقسماتي منحتا دورَيْهما الأفضل (لقطة من المسلسل)

عزَّز الشعور بـ«المسلسل» تشابُه الحوار بين جميع الشخصيات تقريباً. «عدلا» (سنتيا كرم بأداء متفوّق) شكَّلت الاستثناء الوحيد. وبينما أسلوب صوغ الجُمل يبدو نفسه بين «غالية» (ماغي بوغصن) و«تمارة» (جيسي عبدو) و«جانيت» (جوليا قصار)، وصولاً إلى «إكرام» (سمارة نهرا)، و«حنين» (ماريلين نعمان)، و«آدم» (سعيد سرحان)، ووو... بما يُبيّن أنّ الكاتبة تتكلَّم، لا الشخصية؛ تخرج «عدلا» بالمختلف، في النطق والصمت، والمظهر والداخل، لتبلغ بالأداء والمعاني بين سطور الدور ذروة فنّية.

بلغت سنتيا كرم بالأداء والمعاني بين سطور الدور ذروة فنّية (لقطة من المسلسل)

نادين جابر خلّاقة، تُسافر في الخيال وتعود بالحدث المُفاجئ. عند هذا الحدّ، تتصدَّر الترتيب. مسلسلاتها تضمن النتيجة: لا ملل، وغالباً لا تطويل ولا برودة. هنا تُصيب وهنا تتفوّق. لكنها لا تنجو دائماً من أن تكون هي شخصياتها وألسنتهم ومشاعرهم. على الشخصية أن تكون الشخصية. لا الكاتب ولا الممثل ولا المخرج. المكتوب جميل، ومعظم الأحيان على الوتر، توعوي، مُحرِّض على التفكير. النَفَس الواحد لا يصلح لجميع الأرواح. وليس بالضرورة أن تتعمَّد الشخصية إثبات عمقها، فذلك ينبغي أن يجري مثل مياه صافية دون أن يشعر به أحد.

برع العمل في ألا يكون قصة واحدة، رافعاً شأن جميع حكاياته. ومع ذلك، اصطدم أحياناً بزحمة أمكن الاستغناء عنها لتفادي التشتُّت المُضرّ. صحيح أن حكاية «ديانا» (نتاشا خضرو) حملت رسالة عن قسوة الاستغناء منذ الطفولة، لكنّها بدت «مُقحَمة» لزيادة الأحداث. ولولا مَنْح «تمارة» شخصية إضافية، لظلّت قصّتها مرتبكة. نتفهَّم أنَّ موضوعاً مهماً هو تجميد البويضات قد طُرِح من خلالها، لكنّها بدت كمَن قال كلّ شيء منذ أن عرفنا ذلك. مدُّها بشخصية «جميلة» أنصف دورها الفعلي.

مدُّ جيسي عبدو بشخصية «جميلة» أنصف دورها الفعلي (حساب الممثلة في «إكس»)

بجانب الحضور المستَهلك لثنائية ماغي بوغصن وبديع أبو شقرا، لم يأتِ الأخير بلمعة مُنقِذة. شكَّل مُساندة يمكن لأيّ كان تأديتها، وهذه ليست إضافة فنّية. على العكس، اختزلت ثنائية «حنين» و«آدم» الدفء الإنساني والعوض بعد شقاء. من خلالهما، مرَّر العمل بقيادة كاميرا فيليب أسمر، معانيَ بديعة عن النجاة والتحمُّل، فلم نشعر بأنّ الحديث عن السرطان أو الفشل الكلوي أو التبرّع بالأعضاء مُقحَم، وإنما ظلَّ خلفية «أنيقة»، تتقدّم بإنسانية ورقيّ من دون إزعاج القضايا الأخرى أو التشويش عليها.

ماريلين نعمان حضور دافئ وأداء حقيقي (لقطة من المسلسل)

والخطّ الأصدق تقريباً، والقريب من معظم المنازل، مثَّلته رلى بقسماتي بشخصية «ليان». أداء مُتقَن في سياق منطقي. عند هذا الدور، تشكَّلت مرايا أمكن لنساء كثيرات رؤية انعكساتهنَّ فيها. مهمٌ طَرْح المسلسل إشكالية الأمومة المبتورة والضغط الاجتماعي، ذاهباً بالمعالجة إلى المواجهة بعد إذعان. هنا المرأة التي لا تُنجب تنتفض على النظرة المُجحفة حيال أنوثتها وجسدها، وترفض وسمها بالنقص وهزَّ ثقتها بنفسها. البداية من جديد نورٌ يهزم النفق.

دعَّم دورها باسم مغنية بشخصية «طارق». وإذا كانت والدة الأخير، «فدوى» (أداء مميز لنوال كامل)، قد مثَّلت التحيُّز الاجتماعي حيال الذَكَر، وربط مكانة المرأة بقدرتها على الإنجاب، فإنّ «طارق» ظلَّ على مسافة شَعرة من أن يكون عبرة للرجال المُنصفين، ممَّن يرون المرأة أبعد من رحم، لولا أنْ جرَّه النَّصّ إلى خارج هذا النُبل.

لم يبخل المسلسل بالمتعة واللحظة المُبهرة. أبطاله تقريباً في أدوارهم، قدَّموا العطاء اللافت. ماغي بوغصن كانت وفية لـ«غالية»، بدهائها وهشاشتها. تُبيّن أنّ الاجتهاد مسؤولية كبرى. الملاحظة في أنّ النصّ يُحمّلها دائماً طاقات «استثنائية». صحيح أنّ مهنة المحاماة تُبرّر الدهاء وبُعد النظرة، لكنّ يُفضَّل تفادي تكرار امتلاكها قوة «مبهرة» في جميع أدوارها.

جناح فاخوري وكارول عبود أدّتا الدورَيْن بمهارة (لقطة من المسلسل)

الموت في النهاية مُتوقَّع؛ مهَّد له السيناريو. وفساتين الزفاف طَقْس جميع النهايات تقريباً. كشفُ ابن «جانيت» بسؤال على المطار، بدا «مسلسلاتياً». عموماً، العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل.


مقالات ذات صلة

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)
الخليج من عملية رصد هلال شهر شوال في المرصد الفلكي بحوطة سدير (جامعة المجمعة)

السعودية ودول عربية: الجمعة أول أيام عيد الفطر

أعلنت السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والعراق واليمن، أن يوم الخميس هو المتمم لشهر رمضان، والجمعة أول أيام عيد الفطر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.