ميسا قرعة والغناء مع أندريا بوتشيللي... «لحظة مؤثرة وشخصٌ استثنائي»

الفنانة اللبنانية تطلق «باسمك» وتختار اللغة العربية مفتاحاً إلى قلب الجمهور

الفنانة اللبنانية ميسا قرعة في إطلالة غنائية مع التينور الإيطالي أندريا بوتشيللي (صور قرعة)
الفنانة اللبنانية ميسا قرعة في إطلالة غنائية مع التينور الإيطالي أندريا بوتشيللي (صور قرعة)
TT

ميسا قرعة والغناء مع أندريا بوتشيللي... «لحظة مؤثرة وشخصٌ استثنائي»

الفنانة اللبنانية ميسا قرعة في إطلالة غنائية مع التينور الإيطالي أندريا بوتشيللي (صور قرعة)
الفنانة اللبنانية ميسا قرعة في إطلالة غنائية مع التينور الإيطالي أندريا بوتشيللي (صور قرعة)

يوم قدّمت أغنية افتتاح «إكسبو دبي» عام 2021 مع حسين الجسمي والماس، كانت ميسا قرعة تمدّ جسراً بين الشرق والغرب. لم تعلم حينها أنها كانت تشيّد جسراً آخر بينها وبين أندريا بوتشيللي. حصل تعارفٌ بين التينور الإيطالي والفنانة اللبنانية على هامش الحدث العالمي، من دون أن يجري التطرّق إلى أي تعاون فني.

عبرت سنواتٌ ثلاث لم ينقطع خلالها التواصل بين قرعة وفريق بوتشيللي، في إشارةٍ واضحة إلى أنّ أداءها أثار إعجابهم. رغم ذلك، فهي لم تتوقّع أن تستقبل عام 2025 بهديةٍ لعلّها الأثمن في مسيرتها حتى اليوم. وقفت ميسا قرعة إلى جانب أندريا بوتشيللي فقدّما 3 أغانٍ معاً، وتَشاركا لحظاتٍ مؤثّرة على أحد مسارح أبوظبي.

قدّم بوتشيللي وقرعة 3 أغانٍ معاً ليلة رأس السنة في أبوظبي (صور قرعة)

أندريا أيقظَ طفولة ميساء

هو فخرٌ كبير بالنسبة إلى فنانة عربية أن يجمعها ديو غنائي بأحد أهمّ الأصوات العالمية، غير أنّ استثنائيةَ اللحظة لم تقتصر على قيمتها الفنية. تخبر قرعة «الشرق الأوسط» أن الوقوف إلى جانبه أيقظ فيها ذكرياتٍ من الطفولة، عندما كانت ترافق أمها إلى أنشطة خيريّة تتضمّن الغناء مع أطفالٍ فاقدي البصر. «شعرت بأنّ الموقف ليس غريباً عليّ، وقد انعكس ذلك ارتياحاً خفّف من الرهبة وتجلّى ألفةً وكيمياء بيننا».

شكّلت نسخة قرعة المعرّبة من أغنية The Prayer، والتي جمعت بوتشيللي بسيلين ديون عام 1999، مدخلاً إلى هذا التعاون. إضافةً إليها، غنّيا معاً Can’t Help Falling in Love لإلفيس بريسلي، وإحدى أغاني بوتشيللي بالإيطالية Canto Della Terra. «كنت قلقة لأننا لم نتمرّن على هذه الأغنية، لكنه طمأنني بالقول إنه يثق بي. لن أنسى أبداً عبارته تلك، ولا كلمات التشجيع التي كان يهمسها لي مباشرةً على المسرح فيما كنت أغنّي»، هكذا تتذكّر قرعة رفيق حفل رأس السنة.

تعود كذلك إلى الأوقات الخاطفة التي جمعتهما في الكواليس، والتي كانت كافية للاستنتاج كم أن «بوتشيللي استثنائي بتواضعه ومحبّته ولطفه». أثّر بها كثيراً أن ترى «شخصاً بهذا المستوى من العالمية، وعلى هذا القدر من البساطة».

قرعة وبوتشيللي في كواليس الحفل الذي جمعهما (صور قرعة)

صوت عربي في الـ«غراميز»

شكّل حفل رأس السنة مناسبةً تسترجع فيها قرعة محطاتٍ محوَريّة أخرى في مسيرتها. فإلى جانب غنائها مع بوتشيللي، تفتخر الفنانة اللبنانية بكَونها من بين أول الأصوات العربية التي وصلت إلى ترشيحات جوائز الـ«غراميز» عام 2014.

تتوقّف كذلك عند محطتَي مهرجان أبوظبي عام 2015 و«إكسبو دبي» عام 2021. ومن بين أكثر الإنجازات الفنية التي حفرت في قلبها، المشاركة في مهرجانات بيت الدين صيف 2023: «كانت تلك تجربة استثنائية غنّيت فيها تحت سماء بلدي بعد غياب، ووقفت على مسرحٍ تاريخيّ»، وفق تعبير قرعة.

مهرجانات بيت الدين صيف 2023 (صور قرعة)

بين بيركلي والأغاني

الوقفة أمام الجمهور الواسع تعني كثيراً للمغنية الشابة، وهي تحاول قدر المستطاع عدم الانقطاع عن تلك الإطلالات. لا تنكر في المقابل أنّ عملها الأكاديمي مديرة فنية لكلية بيركلي الموسيقية – فرع أبوظبي يأخذ من مساحة مفكّرتها الفنية وإنتاجها الموسيقي. لكنّ هذا كان «خياراً منطلقاً من إيماني بما تفعل بيركلي لتطوير المجتمع في مجال الموسيقى، ثم إن هذه المسؤولية هي رغبة نشأت معي منذ كنت طالبة في جامعة بيركلي في الولايات المتحدة».

يوم اتُّخذ قرار نقلُ هذا المشروع الأكاديمي المرموق إلى منطقة الشرق الأوسط، تمنّت ميسا قرعة أن تكون جزءاً منه، «رغبةً مني في أن أرى بيركلي في بلادنا، وفي أن أسهمَ بمساعدة طلّاب عرب موهوبين يستحقون الدراسة في صَرح كهذا».

تجمع قرعة بين إنتاجها الموسيقي ومسؤوليتها مديرة فنية لمؤسسة بيركلي في أبوظبي (صور قرعة)

أكثر من أي وقت، وبدَفعٍ ممّا منحَها مطلع السنة الجديدة من طاقة إيجابية، تحاول ميسا قرعة أن توازن قدر المستطاع بين مسؤولياتها المهنية وإنتاجها الموسيقي. تؤكّد أنها تركّز حالياً على إنجاز مجموعة من الأغاني، بعضها من كلماتها وألحانها.

أول تلك الإصدارات هو نسخة محدّثة من أغنيتها «باسمك»، التي ألّفها ريان الهبر وأعدّها أوركسترالياً يعرب سميرات أما الإدارة الفنية والبصرية فتولّاها طوني معلوف، ومن المتوقّع أن تليها هذا العام أغانٍ أخرى باللهجة العربية البيضاء.

«قائد» غيّر مسار الرحلة

بعد تجارب تنقّلت فيها بين أنواع موسيقية ولغاتٍ متعدّدة، يبدو أنّ قرعة بدأت تحدّد ملامح هويّتها الفنية، واللغة العربية أساس تلك الهوية، كونها «المفتاح إلى قلب الجمهور العربي». تضيف: «اليوم أعرّف عن هويتي الموسيقية بأنها مزيج شرقي غربي، وانعكاس لشخصيتي كوني عشتُ في لبنان حتى سن الـ16، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة حيث أقمت 15 عاماً».

هناك، وتحديداً في مدينة بوسطن، سارت قرعة على خطى والدها وتخصصت في الهندسة المدنية. لكن قبل فصلٍ واحد من التخرّج، حصل ما لم يكن في الحسبان. خلال إحدى جولاتها الموسيقية، التي لم تتوقف رغم انشغالاتها الجامعية، التقت بقائد أوركسترا غيّر مسار رحلتها، بمجرّد قوله: «في النهاية، عندما ستقابلين الله يا ميسا، سيسألك عمّا فعلتِ بالموهبة التي منحكِ إياها».

تركت قرعة تخصص الهندسة المدنية من أجل الموسيقى (صور قرعة)

منذ تلك اللحظة، بدأت تتعامل قرعة مع صوتها وشغفها بالموسيقى على أنهما طريقها الأوحد، ولَيسا «الخطة ب». تقول: «تركت كلية الهندسة وجعلت من الموسيقى خطّتي الوحيدة، وبذلك واجهت أكبر تحديات الحياة... أن أكون صادقة مع نفسي».

وبما أنّ الصدق مع النفس كفيلٌ بتحقيق الأحلام، لا تخشى قرعة من أن ترفع سقف طموحاتها. فبعد أن تحقّق حلم الغناء مع أندريا بوتشيللي، لا تتردّد في التمنّي أن تقف إلى جانب كاظم الساهر أو حتى ستينغ؟


مقالات ذات صلة

نيفين رجب: استحضرت ذكرياتي مع هاني شاكر في «ناس تغيب»

الوتر السادس نيفين رجب: استحضرت ذكرياتي مع هاني شاكر في «ناس تغيب»

نيفين رجب: استحضرت ذكرياتي مع هاني شاكر في «ناس تغيب»

قالت الفنانة المصرية نيفين رجب إن تقديمها أغنية «ناس تغيب»، إهداءً لروح الفنان هاني شاكر في افتتاح مهرجان الموسيقى العربية.

أحمد عدلي (القاهرة)
الوتر السادس بيار خضرا لـ«الشرق الأوسط»: ظاهرة «الترند» تقترب من نهايتها

بيار خضرا لـ«الشرق الأوسط»: ظاهرة «الترند» تقترب من نهايتها

لا يحصر المخرج بيار خضرا موهبته في حدود الصورة، بل يوظّف خلفيته الفنية المتنوعة لصياغة لغة بصرية تحمل بصمته الخاصة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الموسيقى قد تؤثر في إدراك مذاقات معينة (جامعة كوبنهاغن)

الموسيقى تمنح الطعام مذاقاً ألذ

كشفت دراسة دنماركية أن الاستماع إلى الموسيقى أثناء تناول الطعام قد يعزز استجابة الدماغ للمذاق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الفنانة الكندية سيلين ديون أمام مقر إقامتها في باريس حيث تجمّعات يومية للمعجبين (غيتي) p-circle 01:48

مَشاهد امتزج فيها الفرح بالغرابة... كيف أعادت باريس سيلين ديون إلى الحياة؟

اختتمت سيلين ديون، مساء أمس، الشهر الأول من حفلاتها الباريسية بعد سنوات المرض والغياب. شكرت ديون الجمهور للدعم والحب، قائلة إنها وقفت على المسرح من جديد بفضلهم.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)

باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

من خلال مشروعه، يحاول سعيد محاربة بعض الفوضى السائدة في الساحة الفنّية...

فيفيان حداد (بيروت)

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».