«أسافر وحدي ملكاً»... عندما تُعانق الأحلام نجوم السماء

اختُتم بمنح هبة طوجي وسام الأرز الوطني برتبة فارس

«أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)
«أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)
TT

«أسافر وحدي ملكاً»... عندما تُعانق الأحلام نجوم السماء

«أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)
«أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)

في مشهد فنّي يسمو بروّاده إلى فضاءات تتعانق فيها الموسيقى والنغمة والنصّ، يأتي أوراتوريو «أسافر وحدي ملكاً». هذا الحفل الموسيقي الضخم، الذي أُقيم في كنيسة القلب الأقدس في الجمّيزة، لا يقتصر على كونه عملاً فنياً فحسب، بل يتخطَّى بأبعاده الدرامية وبأقسامه الـ29 كلّ ما أنجزه أبناء منصور الرحباني حتى اليوم. فيغدو أشبه بتاج مُرصّع بكنوز تعبق ببريق أبدي. وقد حمَّله أسامة الرحباني أطناناً من الحبّ والتقدير لمَن يحتفي بمئوية ولادته، ألا وهو والده الراحل منصور الرحباني.

يُعدّ هذا العرض العالمي، بأبعاده الملتصقة بالأرض والجذور، وبصوره الشعرية الآسرة، حلماً تحقّق. فأسامة، ابن منصور الذي لازمه حتى لحظاته الأخيرة، لم يفارقه طيف والده يوماً، بل ظلَّ يسكنه في تفاصيله اليومية، حتى وهو يجلس إلى مائدة الطعام في منزله. وظلّت فكرة تكريم منصور الرحباني في مئوية ولادته هاجساً يؤرقه. لكن كيف يمكن اختصار مسيرة مبدع استثنائي من لبنان في حفل واحد؟ وكيف له أن يُترجم في عمل فنّي كلّ ما يعتمل في داخله من مشاعر وأحاسيس تجاه رجل نمت موهبته الموسيقية بين يديه؟

هبة طوجي قدَّمت أغنيات قصيرة من أبيات قصيدة «أسافر وحدي ملكاً» (الشرق الأوسط)

في لحظة تأمُّل، بينما كان يجلس في صالون منزله، وقع بصره على ديوان شِعر لمنصور الرحباني بعنوان «أسافر وحدي ملكاً». عندها أدرك أنّ الأب أرسل إشارته إلى الابن. ومن تلك اللحظة، بدأت ملامح أوراتوريو موسيقي درامي تتشكّل. عملٌ وُلد من رحم 34 مقطوعة شعرية، تُجسّد الرؤية الكونية لمنصور الرحباني بعد تجربة وجودية عميقة، وتتمحور حول الرحيل، والغياب، والغربة، والحرب.

اختار أسامة الرحباني كنيسة القلب الأقدس في شارع الجمّيزة لاحتضان هذا الحدث الفنّي. واحتشد المئات من المدعوّين لحضوره، في مقدّمهم وزير الثقافة غسان سلامة ممثّلاً رئيس الجمهورية جوزيف عون. وانطلق الحفل بعزف النشيد الوطني اللبناني، في مشهد مهيب.

ورغم سعة المكان واكتظاظه بالحضور، خيَّم صمت عميق كأنه يتهيّأ للانطواء على لحظة خشوع. عندها خرج صوت الراوي جاد الرحباني، مُلقياً قصيدة «يا عاصي» من الديوان نفسه، ومُعلناً بداية الرحلة الفنّية. ثم أطلّت هبة طوجي على الخشبة، ليصدح صوتها بأولى أغنيات البرنامج «يتقدّم صقر الليل». وعلى وقع أصوات جوقة سيّدة اللويزة والأوركسترا السيمفونية الوطنية الأوكرانية، تسمَّر الحضور في مقاعدهم، منبهرين بمشهد فنّي يتفوّق على ذاته. فهنا، لا ديكورات مسرحية ولا ممثّلون أو تصاميم أزياء تسرق وهج العمل. النصّ الغنائي يتقدَّم، والإيقاع الدرامي يتألَّق، ليبحر الجمهور في رحلة فنّية تُشبه طقساً من الحجّ والصلاة، حيث يتحوّل الإصغاء إلى فعل إيمان، والموسيقى إلى مساحة تأمُّل عميق.

جوقة سيّدة اللويزة والأوركسترا الأوكرانية في الحفل (الشرق الأوسط)

وعلى مدى نحو 90 دقيقة، انسحب صوت هبة طوجي بسلاسة مهيبة عبر مجموعة من الأغنيات القصيرة، تضمّنت «مثل غمام الرب»، و«يا ماريا زوجة سالي»، و«أسافر وحدي ملكاً»، وصولاً إلى «مرتفعاً كالراية وجهي» و«قتلوني الليلة» في القسم الأول من الحفل.

وقد تميّز هذا القسم بأداء طوجي المُشبَّع بالرهبة والقوّة في آن، على وقع موسيقى تتداخل فيها الكلاسيكية مع النغمة السريانية والعظمة الأوبرالية. فكان أسامة الرحباني قائد الأوركسترا، يرسم بعصاه السحرية مسار كلّ نغمة، ويضبط إيقاع المشهد بكل أبعاده.

في موازاة ذلك، اخترق جاد إلياس الرحباني قلوب الحضور بإلقائه مقاطع من قصائد الديوان. فعزف الكلمات بصوته بأسلوب شاعري فلسفي، أضفى على المشهد الفنّي جرعات متتالية من الرقي والسمو.

ويختصر ديوان «أسافر وحدي ملكاً» تجربة منصور الرحباني مع الحرب الأهلية في لبنان؛ تلك التجربة التي دفعته إلى رسم صور شعرية يُحلّق من خلالها في عوالم تخييلية، ساجداً حباً لبيروت، المدينة المجروحة.

ومع أداء هبة طوجي لأغنيتَي «يا بيروت المتأنّقة» و«العاشق مذهول من أجلك أحزن يا منصور»، وقف الحضور يُصفّق بحرارة، في لحظات مؤثّرة امتزج فيها الوقار بالصلاة والدعاء، وانصهرت المشاعر بالموسيقى في فضاء واحد.

وفي القسم الأخير من الحفل، استمتع الجمهور بالمقطوعات الموسيقية التي قدَّمها أسامة الرحباني، لتُشكّل مسك الختام. مقطوعات حملت نفحات من الأناشيد الثورية، وأخرى من النغمة الرحبانية، وثالثة عكست رؤيته الفنّية في ملاقاة شِعر الأب الحبيب بنوتات وإيقاعات نابضة من القلب. بعدها، دوّى صوت الأرغن الضخم المتمركز في الطابق العلوي من الكنيسة، ليؤلّف حواراً موسيقياً أدهش الحضور، ويتحوّل إلى نجم الأمسية الساطع الذي اتّجهت إليه الأنظار من بعيد.

وتلت ذلك سلسلة من الأغنيات لهبة طوجي، بمرافقة الكورس ومن دونه. وتضمَّنت «يا سيّد»، و«الميّت يعرف كلّ القتلة»، و«ما أجمل وجه المغلوبين». ومع «أُرسلت لأشهد للضعفاء»، التي حملت إيقاع احتفالات الأعياد، أطلّ وجه منصور الرحباني على شاشة عملاقة ليُلقي تحيّة الوداع. وفي مشهد ختامي بالغ التأثير، صدح صوت هبة طوجي مع جوقة سيّدة اللويزة في أغنية «أسافر وحدي ملكاً»، ليُسدل الستار على أمسية كتبت فصلاً جديداً من الإبداع الرحباني.

وتُوّج هذا الحفل بمنح هبة طوجي وسام الأرز الوطني برتبة فارس، من رئيس الجمهورية جوزيف عون، ممثّلاً بوزير الثقافة غسان سلامة، وذلك تقديراً لمسيرتها الفنّية ودورها في حمل الرسالة الرحبانية إلى أجيال جديدة.


مقالات ذات صلة

عمر خيرت يضع البصمة الأخيرة على حفلات «عيد الحب» بمصر

يوميات الشرق عمر خيرت يحيي جمهور الأوبرا عقب الحفل (دار الأوبرا المصرية)

عمر خيرت يضع البصمة الأخيرة على حفلات «عيد الحب» بمصر

اختتم الموسيقار المصري عمر خيرت حفلات عيد الحب بمسارح دار الأوبرا المصرية التي امتدت لعدة أيام شهدت مشاركة مطربين عرب ومصريين.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق فريق «مسار إجباري» يحيي حفل عيد الحب (فيسبوك)

«مهرجان عيد الحب» يكسر هدوء نويبع المصرية

كسر مهرجان «عيد الحب» الذي أُقيم على مدى 3 أيام بمدينة نويبع المصرية بمحافظة جنوب سيناء، هدوء المدينة التي اشتهرت بسياحة الاستجمام.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق وائل جسار خلال حفل عيد الحب بدار الأوبرا (دار الأوبرا المصرية)

وائل جسار يشعل الأوبرا المصرية بأعماله وروائع أم كلثوم ووردة وفيروز

‏في إطار احتفالات دار الأوبرا المصرية بـ«عيد الحب»، من خلال مجموعة من الحفلات الغنائية الطربية، أحيا الفنان اللبناني وائل جسار أولى الحفلات على مسرح «النافورة».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المطرب السعودي إبراهيم الحكمي (إنستغرام)

«تترات» دراما رمضان المصرية تُسجِّل حضوراً عربياً لافتاً

تترات مسلسلات الموسم الرمضاني المقبل تشهد حضوراً عربياً واسعاً، مع تعاقد منتجين مصريين مع مطربين من دول عربية عدّة لتقديم شارات وأغنيات دعائية للأعمال الدرامية.

محمود إبراهيم (القاهرة )
يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«على خطاه» يُحيي درب الهجرة النبوية بتجربة إثرائية ومعايشة تاريخية

ضيوف حفل افتتاح مشروع «على خطاه» بالمدينة المنورة (حساب آل الشيخ في «إكس»)
ضيوف حفل افتتاح مشروع «على خطاه» بالمدينة المنورة (حساب آل الشيخ في «إكس»)
TT

«على خطاه» يُحيي درب الهجرة النبوية بتجربة إثرائية ومعايشة تاريخية

ضيوف حفل افتتاح مشروع «على خطاه» بالمدينة المنورة (حساب آل الشيخ في «إكس»)
ضيوف حفل افتتاح مشروع «على خطاه» بالمدينة المنورة (حساب آل الشيخ في «إكس»)

شهدت منطقة المدينة المنورة، يوم الأحد، افتتاح مشروع «على خطاه»، المشروع النوعي الذي يسعى لإعادة إحياء أثر رحلة الهجرة النبوية الشريفة بكافة تفاصيلها التاريخية والجغرافية.

دشّن الأمير سلمان بن سلطان، أمير منطقة المدينة المنورة، بحضور الأمير سعود بن مشعل نائب أمير مكة المكرمة والمستشار تركي آل الشيخ رئيس الهيئة العامة للترفيه، مشروع «على خطاه»، المشروع النوعي الذي يسعى لإعادة إحياء أثر رحلة الهجرة، ويجسد العناية الخاصة التي توليها السعودية للحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، وضمن جهود الدولة الرامية لتعزيز ارتباط الزوار بالسيرة النبوية وإثراء تجربتهم الدينية والثقافية.

‏وقال الأمير سلمان بن سلطان، في كلمته خلال الحفل الذي أقيم بالمدينة المنورة، إن مشروع درب الهجرة النبوية «على خطاه»‬⁩ ليس مشروعاً عمرانياً فحسب، بل هو تجربة ثقافية ومعرفية متكاملة تمكن الزائر من تتبع شواهد الهجرة واستحضار أحداثها ومعايشة تفاصيلها.

ويهدف المشروع إلى تقديم تجربة محاكاة حية للدرب الذي سلكه النبي محمد (ص) وصاحبه أبو بكر الصديق في رحلتهما المفصلية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في العام الأول للهجرة.

وعلى امتداد الطريق الذي شهد أعظم رحلة في التاريخ، تتيح تجربة «على خطاه»،​ المشروع الثقافي التفاعلي الأول من نوعه​ الذي يُعيد إحياء مسار الهجرة النبوية​، المرور بأبرز المحطات؛ أسفل عسفان، خيمتي أم معبد، حادثة سراقة بن مالك.

جولة لضيوف الحفل في محطات المشروع الرئيسية (حساب آل الشيخ في «إكس»)

رحلة الـ470 كيلومتراً من عبق التاريخ

تعتمد مبادرة «على خطاه» على تتبع المسار التاريخي بدقة، موفرةً للزوار فرصة نادرة لاستشعار الأحداث التي صاغت التاريخ الإسلامي.

ويتضمن الدرب إحصاءات ومحطات بارزة، تشمل المسافة الإجمالية 470 كيلومتراً، منها 305 كيلومترات مخصصة للسير على الأقدام، إضافة إلى المحطات الإثرائية، حيث يمر الدرب بـ59 محطة تاريخية وإثرائية متكاملة. والمعالم التاريخية تشمل توثيق 41 معلماً تاريخياً على طول الطريق، والوقوف على 5 مواقع شهدت أحداثاً مفصلية في رحلة الهجرة.

ولا تقتصر المبادرة على الجانب السردي، بل تمزج بين الأصالة والتقنية الحديثة لتقديم تجربة متكاملة للزوار، ومن أبرز ملامحها محاكاة الواقع المعزز (AR)، واستخدام التقنيات الحديثة لإعادة تجسيد الأحداث والمواقف التاريخية في مواقعها الحقيقية. إضافة إلى التجربة الميدانية، التي تتيح تجربة ركوب الإبل، وهي الوسيلة التي استُخدمت في الرحلة الأصلية، لتعزيز الواقعية، والجانب المعرفي، من خلال تنظيم ورش عمل ثقافية وزيارات ميدانية للمواقع التاريخية، بإشراف مختصين في السيرة النبوية.

ويأتي المشروع كجسر يربط الماضي بالحاضر، ويستهدف تعميق الفهم الثقافي والتاريخي لواحد من أهم الأحداث في التاريخ الإنساني، مع توفير كافة الخدمات التي تضمن راحة الزوار وإثراء معرفتهم بالمكان وتاريخه.


عبد الله القبيع... رحيل هادئ لصحافي ترك أثراً لا يغيب

عبد الله القبيع... رحيل هادئ لصحافي ترك أثراً لا يغيب
TT

عبد الله القبيع... رحيل هادئ لصحافي ترك أثراً لا يغيب

عبد الله القبيع... رحيل هادئ لصحافي ترك أثراً لا يغيب

غيَّب الموت الصحافي السعودي عبد الله القبيع، أحد الوجوه البارزة في تاريخ الصحافة السعودية والعربية، الذي رحل مخلفاً وراءه إرثاً مهنياً وتاريخاً من العطاء الذي بدأ من حارات مدينة جدة ليصل إلى كبريات المؤسسات الإعلامية الدولية.

وُلد عبد الله القبيع في مدينة جدة عام 1959، وكان يصف نفسه بعبارة طالما وسمت حسابه الشخصي على منصة «إكس»: «من جيل الحزن الذي ولد وفي فمه ملعقة من تراب». وعكست هذه العبارة مسيرته الصحافية والحياتية التي بدأت بكفاح حقيقي؛ حيث كانت انطلاقته من تحقيق بسيط رصد فيه معاناة الناس بعد نقل «حلقة الخضار»، وهو التحقيق الذي لفت الأنظار إلى موهبته الاستقصائية وقربه من نبض الشارع، ليصبح لاحقاً اسماً يشار إليه بالبنان.

محطات مهنية عابرة للقارات

تنقل القبيع بين كبرى المؤسسات الصحافية، تاركاً بصمته في كل زاوية، وبدأت مسيرته في صحيفة «عكاظ» خلال الأعوام (1976-1980)، وعمل فيها محرراً ومخرجاً، ثم انتقل لصحيفة «المدينة» وتولى رئاسة قسم الإخراج ومسؤولية الفنون (1980-1984).

بعد ذلك انتقل إلى لندن، ليخوض تجربة جديدة وصفها بالانتقالة الدولية، عندما عمل في صحيفة «الشرق الأوسط»، وتدرج فيها من محرر وسكرتير تحرير حتى وصل إلى منصب مدير التحرير بالمقر الرئيسي (1989-2005)، كما أسس وتولى تحرير مجلة «تي في»، أول مجلة فضائية تصدر عن الصحيفة. بعد ذلك عاد إلى السعودية ليشغل منصب نائب رئيس تحرير «جريدة الوطن»، ورئيساً لتحرير «مجلة رؤى».

ولم يقتصر حضوره على الورق، بل كان له دور لافت في الإعلام المرئي من خلال إعداد برامج في قناتي «MBC» و«ART».

وعلى الجانب الأدبي والإنتاجي، كان القبيع قلماً وجدانياً مرهفاً، وقدم للمكتبة العربية إصدارات مثل «لك أنت»، «رسائلي إليك»، و«مشاغبات فضائي».

رحيل هادئ وإرث باقٍ

القبيع هو زوج وأب لأربعة أطفال، وتوفي في لندن، مساء الأحد، بعد معاناة صحية امتدت لنحو شهر، تاركاً خلفه سيرة ثرية تجمع بين التجربة المهنية العريضة والرقة الإنسانية.

ونعى الزملاء في الوسط الإعلامي الفقيد بوصفه معلماً وأستاذاً تتلمذت على يديه أجيال، مستذكرين ظهوره الأخير في البرنامج التلفزيوني «وينك»، الذي استعرض فيه محطات من حياته المليئة بالشغف، والمسيرة التي طوع فيها الحزن وروّض تحديات البدايات، وترك أثراً صحافياً لا يُنسى.


في قلب الرياض… العرضة السعودية تحيي ذاكرة التأسيس منذ 3 قرون

شهد الحفل رعاية أمير الرياض وحضور نائبه (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)
شهد الحفل رعاية أمير الرياض وحضور نائبه (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)
TT

في قلب الرياض… العرضة السعودية تحيي ذاكرة التأسيس منذ 3 قرون

شهد الحفل رعاية أمير الرياض وحضور نائبه (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)
شهد الحفل رعاية أمير الرياض وحضور نائبه (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

في أجواءٍ ملؤها مشاعر الفخر والاعتزاز بمسيرة التأسيس منذ 3 قرون، احتضنت ساحة العدل بمنطقة قصر الحكم في قلب العاصمة السعودية الرياض، الأحد، حفل العرضة السعودية التي تنظمه الهيئة الملكية لمدينة الرياض وإمارة منطقة الرياض.

ورغم أن المناسبة السنوية تحظى باهتمام ومتابعة كبيرة، فإنها تمتعت هذا العام بإضافة عملي أوبريت من كلمات الشاعر مشعل بن محماس، وغناء الفنان محمد عبده، الأول بعنوان «سلمان بن عبد العزيز»، والآخر بعنوان «رياض الأمجاد»، لتضفي عوالم جديدة على الزخم الذي تتمتع به العرضة السعودية التي تؤدى في الحرب وفي النصر، وتأتي سنويّاً بالموازاة مع ذكرى اليوم الوطني ويوم التأسيس في السعودية.

أدى الفنان محمد عبده أوبريت «سلمان بن عبد العزيز» وأوبريت «رياض الأمجاد» (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

انطلق الحفل بعزف السلام الملكي السعودي، ثم تلاوة آيات من القرآن الكريم، قبل أن تنطلق فعاليات العرضة، حيث ترتفع الراية الخضراء خفاقة وسط الصفوف المتراصة، وتقرع طبول الرقصة السعودية الأشهر، لتخطف ألباب الحضور والمتابعين عبر بث مباشر عبر أكثر من 5 محطات تلفزيونية.

ألهبت كلمات «عليك يا سلمان بن عبد العزيز السلام.. أبو فهد مقدم هل العوجا وزيزومها» مشاعر الحضور من الأمراء وكبار المسؤولين، في ليلة من ليالي العاصمة السعودية الشتوية، وهي تحتفي بذكرى يوم التأسيس، برعاية الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة الرياض، وحضور نائبه الأمير محمد بن عبد الرحمن، ثم أعادت كلمات «للسيف عرضة وفنّا.. والدار عنها يذود» للأذهان دور السيف في توحيد البلاد، وموقعه الرئيسي ضمن أدوات العرضة السعودية.

وبعد نهاية الأوبريت، انطلقت فرقة العرضة في غناء القصيدة الشهيرة «يا شيخ يا زبن المجنَّا.. شيّال حمل اللي عنى له» للشاعر السعودي الشعبي عبد الله اللويحان، التي قالها في المؤسس الراحل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، بالإضافة لقصيدة «نجد شامت لابو تركي» من كلمات الشاعر الراحل فهد بن دحيم، وجرت العادة على أداء القصيدتين وغيرهما، ضمن فعاليات العرضة خلال المناسبات الوطنية السعودية، قبل أن يشارك عدد من الحضور من الأمراء في العرضة، مؤدّين الرقصة السعودية الشهيرة، في انعكاس لقيم الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية للبلاد.

وتضمّنت الفعاليات معرضاً بعنوان «مخيال هل العوجا»، يستعرض مراحل تأسيس السعودية عبر محطات تاريخية متسلسلة بدءاً من الدولة السعودية الأولى، مروراً بالدولة السعودية الثانية، ثم قيام المملكة العربية السعودية، وصولاً إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وذلك عبر محتوى مرئي وتجارب تفاعلية تُقدَّم ضمن مسار عرض منظَّم.

وشمل برنامج الاحتفاء عروضاً مرئية على جدارية قصر المصمك التاريخي، تجسِّد قيم ومعاني التأسيس بأسلوب بصري معاصر، إضافة إلى عدد من الفعاليات والأنشطة التراثية المصاحبة التي تعكس ثراء الإرث الوطني وتنوُّع مكوِّناته.

ترتبط العرضة السعودية بتاريخ السعودية وهويتها بوصفها إرثاً أصيلاً ورمزاً للوحدة والولاء، تناقلها السعوديون جيلاً بعد جيل في مناسبات الفرح والانتصار، وهي رقصة جماعية يؤديها الرجال مُصطفّين في صفوف متراصّة، مرددين في ثناياها الأبيات الوطنية على إيقاع قرع الطبول والتلويح بالسيوف، في ترنيمات تبعث روح القوة والحماس.

وأُدرجت العرضة السعودية ضمن قائمة اليونسكو للتراث غير المادي، بوصفها ممثلةً للثقافة والهوية الوطنية والفنون الشعبية الخاصة، وتؤدى في مناسبات الفرح والمُناسبات الوطنية.