رحلة بحث عن «الفستان الأبيض» تكشف خبايا «المهمشين»

فيلم مصري عُرض في «الجونة السينمائي» من بطولة ياسمين رئيس وأسماء جلال

أفيش الفيلم (الشركة المنتجة)
أفيش الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

رحلة بحث عن «الفستان الأبيض» تكشف خبايا «المهمشين»

أفيش الفيلم (الشركة المنتجة)
أفيش الفيلم (الشركة المنتجة)

قبل يوم واحد من حفل زفاف «وردة»، جسّدت دورها الفنانة المصرية ياسمين رئيس، العروس الشابة ابنة الحي الشعبي، تُفاجَأ بأن فستان الزفاف قد تعرّض للحرق ولا يمكن إصلاحه، لتبدأ رحلتها مع ابنة خالتها، أسماء جلال، للبحث عن فستان جديد عبر شوارع القاهرة، وسط أضواء تخفي كثيراً من معاناة المهمشين بها.

كان هذا المشهد مدخلاً لرحلة مثيرة مليئة بالمفاجآت ضمن أحداث فيلم «الفستان الأبيض» الذي تقول مخرجته الشابة جيلان عوف إن رحلتها معه استغرقت 4 سنوات، كتبت خلالها 16 نسخة من سيناريو الفيلم الذي يُعد أول أفلامها الطويلة، وأشارت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إلى أنها تُعد نفسها محظوظة لأنها وجدت منتِجاً مثل محمد حفظي تحمّس لإنتاج الفيلم، كما أنها ممتنة لدخول بطلة فيلمها الفنانة ياسمين رئيس بوصفها منتجة مشاركة في الفيلم، لافتة إلى أن فترة عملها مساعدة مخرج لكبار المخرجين أمثال داود عبد السيد أفادتها كثيراً.

جانب من المؤتمر الصحافي الخاص لفيلم «الفستان الأبيض» (الجونة السينمائي)

وشهد مساء (الأربعاء) العرض الافتتاحي للفيلم في مهرجان «الجونة السينمائي» حيث يشارك بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة بحضور فريق العمل وعدد كبير من الفنانين.

وبعد رحلة البحث المضنية تجد «وردة» أخيراً فستاناً قدمته إليها سيدة تعمل في تأجير ملابس الأفلام مجاناً، تحتضن العروس الفستان وترقص فرحاً في الشارع هي وابنة خالتها وصديقتهما فيواجهن تحرّشاً واعتداءً من بعض الشباب فتفقد فستانها للمرة الثانية، وتشعر بإحباط شديد هي وزوجها الذي لم تُزفّ إليه «أحمد خالد صالح»، والذي يعترف لها بأنه تسرّع في قرار الزواج وأنه غير مؤهل له. تفقد وردة حماسها لكل شيء، وتعكس رحلتها عن أزمات عديدة في المجتمع.

وحين تعود لبيت أسرتها تجد مفاجأة بانتظارها لتسود الفرحة حياتها من جديد، ويشاركها فرحتها جيرانها في الحي الشعبي، تظهر ياسمين رئيس عروساً بسيطة تغطي شعرها وقد خلا وجهها من المساحيق في كثير من المشاهد.

تطلّ الفنانة ميمي جمال بمشهد واحد مؤثر داخل قسم الشرطة حيث تلتقي «وردة» وتحكي لها أنها وقّعت «كمبيالات» لأجل تجهيز ابنتها وأنها معرّضة للسجن، وتتعاطف معها «وردة» فتخلع سواراً ذهبياً من يدها وتضعه في يد المرأة العجوز.

وأكّدت المخرجة جيلان عوف وهي أيضاً مؤلفة الفيلم في حوار لـ«الشرق الأوسط» أن التحضير للفيلم استغرق 4 سنوات بدأ بمرحلة الكتابة ثم رحلة البحث عن التمويل وهو أمر عدّته صعباً لأي مخرجة تقود فيلمها الأول، ثم جاءت أحداث «كوفيد 19» ليتوقف الفيلم، بينما كانت تواصل عملها عليه، وفي السنة الأخيرة خاضت التصوير والمونتاج، مشيرة إلى أن التصوير استغرق 24 يوماً غير متواصلة، لكنها تُعدّ نفسها محظوظة: «محظوظة أنا لأن المنتج محمد حفظي، تحمّس لفكرة الفيلم. وممتنّة كثيراً للفنانة ياسمين رئيس (بطلة الفيلم) التي شاركت أيضاً في إنتاجه، وسعيدة بمشاركة المُمثِّلَين أسماء جلال وأحمد خالد صالح اللذين منحاني ثقتهما وشجعاني على إخراج هذا العمل. فكلّ من شاهد الفيلم أحبه بالقدر نفسه، وأتمنى أن يُكلّل ذلك أيضاً بحب الجمهور له».

المخرجة جيلان عوف (الشرق الأوسط)

وعن اختيارها لتقديم فكرة الرحلة التي تقوم بها البطلة بحثاً عن الفستان الأبيض تقول جيلان: إن «رسالة الفيلم تكمن في هذه الرحلة وأن مساعدة الناس بعضهم لبعض هي التي تجعلنا نتخطى أزماتنا».

درست جيلان عوف القانون الدولي في الجامعة الأميركية كما درست السينما والمسرح فيها، لكنها تؤكد أن تعليمها الأساسي اكتسبته من عملها مساعد مخرج مع كبار المخرجين، وفي مقدمتهم داود عبد السيد الذي له فضل كبير عليها وفق قولها، فقد شاركت في فيلمه «رسائل حب» الذي لم يُصوّر، وفيلمه الأخير «قدرات غير عادية». وتتابع: «عملت مع مخرجين أحب أعمالهم ومن بينهم عمرو سلامة وتامر محسن وأحمد علاء وأحمد عبد الله الذي يشارك معي في فيلم (الفستان الأبيض)، بصفته منتجاً إبداعيا، وطوال الوقت كنت أستشيره في مشاهد ومواقف حتى في اختيار الممثلين، وهو أيضاً لديه خبرة إنتاجية كبيرة وكان داعماً لي».

وعملت جيلان مخرجة منفذة، كما خاضت تجارب إنتاجية، مؤكدة أنها متعدّدة وفد أفادتها كثيراً في إنجاز تجربتها الأولى، وأنها تعلّمت خلالها أنه كلّما كان الفيلم بسيطاً يكون أقرب لقلب المشاهد.

وقبل هذا الفيلم أخرجت عوف فيلمين روائيين قصيرين الأول «مهرجاني» الذي عُرض في أول دورة بـ«الجونة السينمائي»، وفيلم «لما جات 10» الذي شارك في مهرجانات عدة قادتها لفيلمها الطويل الأول.

وتُلفت المخرجة إلى سعادتها باختيار فيلم «الفستان الأبيض» ضمن الاختيارات الرسمية لمهرجان «البحر الأحمر السينمائي» في دورته المقبلة، مؤكدة أنه سيكون أول عرض خارج مصر.

وتشير جيلان إلى أنها اكتسبت مرونة في البحث عن بدائل لأنه لا يوجد مخرج ولا مخرجة يستطيع أن يقول إنه حقّق كل ما تمنى، لكن من المهم عدم تنازلي عن الأشياء المهمة وأن تكون لدي مرونة البدائل وأن أجد حلولاً لكل موقف خلال التصوير، وفي المونتاج هناك أشياء تحدث صدفة وحين يجري توليفها تحلّ بعض المواقف المعقدة.

أفيش الفيلم (الشركة المنتجة)

وخلال المؤتمر الصحافي الذي نُظّم (الخميس) تحدثت الفنانة ياسمين رئيس عن حماسها لدخول تجربة الإنتاج وقالت: «بعد فترة من عملي في الفن اكتشفت أن وجودي ممثلة لا يعتمد فقط على الموهبة، فهناك جانب تجاري وهناك أدوار قد أتحمّس لها بصفتي ممثلة، ولا يتحمّس لها منتج الفيلم. ووجدت الحل في أن أكون جزءاً من الفيلم». وذكر المنتج محمد حفظي أن ياسمين رئيس ستُطلق شركة إنتاج قريباً.

في حين ذكرت الفنانة أسماء جلال أن المخرجة اهتمت بالتحضيرات الجيدة للفيلم، واستعانت بامرأة من منطقة شعبية لتتكلّم أمامنا، وعلمنا منها تفاصيل لم نكن نعلمها.


مقالات ذات صلة

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

تفاصيل الحكاية في فيلمه الجديد «حفّار» غير واضحة بعد، لكنّ خيطها الأساسي يدور حول رجل عُرِف بأنه الأقوى في العالم...

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق عرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

إليزابيث راسموسن: نشأتي قرب الدائرة القطبية جعلت السماء جزءاً من هويتي

قالت المخرجة النرويجية، إليزابيث راسموسن، إن الشرارة الأولى للفيلم الوثائقي «نحن غبار النجوم» جاءت من قصة بدت لها في البداية أقرب إلى الحكايات الخيالية.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)
سينما «ذباب» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال.

محمد رُضا (لندن)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)
أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)
TT

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)
أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها، بينما حصدت السينما المصرية جوائز عدة، منها جائزتا «أفضل فيلم» عن «كولونيا» للمخرج محمد صيام، وهو الفيلم نفسه الذي حصد بطله أحمد مالك جائزة «أفضل ممثل»، وهي الجائزة نفسها التي نالها بالنسخة الماضية من «مهرجان الجونة السينمائي».

تدور أحداث «كولونيا» الذي يتشارك في بطولته مع أحمد مالك كلٌّ من الفنان الفلسطيني كامل الباشا ومايان السيد ودنيا ماهر حول ليلة طويلة تشهد مواجهات حادة بين أب وابنه يستدعيان فيها ذكرياتهما وخلافاتهما القديمة والصورة السيئة التي يحملها كل منهما تجاه الآخر.

الخلافات بين الأب ونجله تأتي قبل ساعات فقط من وفاة الأب العائد لبيته بعد غيبوبة مرضية استمرت 6 أشهر، فيما تتنقل الأحداث عبر «الفلاش باك» التي تكشف المزيد من التفاصيل حول عمق العلاقة بين الأب والابن.

وحصد الفيلم السوداني «ملكة القطن» للمخرجة سوزانا مرغني جائزة «لجنة التحكيم الخاصة لأفضل فيلم»، الذي تدور أحداثه في قرية سودانية تشتهر بزراعة القطن حيث نشأت نفيسة على قصص بطولية ترويها لها جدتها عن محاربة المستعمرين، لكن عندما يصل رجل أعمال شاب من الخارج بخطة تنمية جديدة وقطن مُعدل وراثياً، تنطلق قوة نفيسة وتتصدى لإنقاذ حقول القطن السوداني وتجد في ذلك إنقاذاً لنفسها من الضياع.

أحمد مالك خلال الحديث على المسرح بعد تسلم الجائزة (إدارة المهرجان)

الفيلم الذي شاركت في إنتاجه 7 دول، وعرض في النسخة الماضية من «مهرجان البندقية» ضمن فعاليات «أسبوع النقاد» هو الأول لمخرجته، ومن بطولة مهاد مرتضى، ورابحة محمد محمود، وطلعت فريد، وحرم بشير، ومحمد موسى، وحسن محيي الدين.

أما الفيلم المصري «القصص» فحصل على جائزة التصوير لمدير التصوير النمساوي وولفجانج ثالر، وهو الفيلم الذي استلهم مخرجه أبو بكر شوقي أحداث قصة حب والديه عبر 5 حكايات تنطلق من صيف عام 1967 وسبق عرضه في النسخة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي».

وضمت عضوية لجنة تحكيم المهرجان المخرج الجنوبي أفريقي نتشافهيني والورولي، ومن بوركينا فاسو المخرج داني كوياتي، والفنانة المصرية بسمة، والمخرج المصري سعد هنداوي، إلى جانب المخرج المغربي جمال سويسي، فيما شهد حفل الختام تكريم الثلاثي سهير المرشدي، ومحسن محيي الدين، وسيف عبد الرحمن ضمن برنامج «تكريم نجوم سينما يوسف شاهين» احتفالاً بمئوية ميلاد المخرج الراحل التي تضمنت عدة فعاليات لأعماله خلال المهرجان.

أما جوائز مسابقة الفيلم القصير، فجاءت لتبرز تنوعاً لافتاً في التجارب الأفريقية، حيث مُنحت تنويهات خاصة لكل من فيلم «لا توقظ الطفل النائم» للمخرج كيفن أوبير من السنغال، وفيلم «حكايتي مع شارع جيبّا» للمخرج كاجو إيدهيبور من نيجيريا. وفي فئة أفضل إسهام فني، ذهبت الجائزة إلى فيلم «همسات من الريح» للمخرج ريمي ريوموجابي من رواندا، إلى جانب فيلم «عائشة» للمخرجة سناء العلوي من المغرب، الذي حصد قناع توت عنخ آمون الفضي. بينما تُوّج فيلم «أحلام دندرة» للمخرجة صابرين الحسامي من مصر بجائزة قناع توت عنخ آمون الذهبي.

صورة تذكارية للفائزين (إدارة المهرجان)

ونال الفيلم الجنوب أفريقي «قضاء الرب» للمخرج مايكل جيمس جائزة أفضل فيلم يتناول قضية أفريقية، وتدور أحداثه في مدينة ديربان، حيث يعيش عدد من الرجال المشردين داخل مبنى متهالك يجمعهم تضامن هش في مواجهة عالم قاسٍ تسوده اللامبالاة.

وقال الناقد السينمائي طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»، إنه بالرغم من سابقة احتفالات عدة مهرجانات منها «الجونة السينمائي» بمئوية شاهين فإن الحدث نفسه يتجاوز فكرة السبق بتقديم أفكار مختلفة في الاحتفال، مشيراً إلى أن المهرجان يتفرد بكونه الحدث السينمائي الأهم المرتبط بالسينما الأفريقية بشكل رئيسي.

وأضاف الشناوي أن المهرجان شهد عرض مجموعة من أبرز الأفلام المصرية التي تميزت خلال الفترة الماضية، وجميعها عرضت للمرة الأولى في الأقصر، نظراً لكون المدينة لا تملك أي شاشة عرض سينمائية حتى الآن، وهو ما أتاح فرصة مشاهدة الأفلام لجمهور المدينة.


«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
TT

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)

يمكن في السودان أن تختفي لوحة كاملة دون أن تترك أثراً، لا يرتبط ذلك بقيمتها الفنية، بل بغياب المسار الذي يوصل إليها، فالأعمال موزعة بين بيوت خاصة، ومراسم، وصور قديمة، وذاكرة شفهية، دون نظام يربطها أو يتيح قراءتها ضمن سياق أوسع، هذه الفجوة لا تتعلق بالحفظ فقط، بل بإمكانية فهم التاريخ البصري الذي يعتمد على مصادر متفرقة وغير مكتملة.

من هذا الفراغ، يتشكل مشروع «أرشيف السودان للفن التشكيلي» كمحاولة لبناء مرجع منظم يغطي ما يقارب نصف قرن من الإنتاج البصري. في صيغته الحالية، يعمل المشروع على توثيق الأعمال خلال المدة من 1975 إلى 2025، مع الإشارة إلى أن مراحل البحث الأولى امتدت إلى ما قبل ذلك، وصولاً إلى خمسينات القرن الماضي، لفهم الجذور التي تشكلت منها المدارس الفنية الحديثة في السودان.

بالإضافة إلى جمع الأعمال، يعمل المشروع على تصنيفها وربطها بسياقاتها، من خلال قاعدة بيانات تفصيلية تشمل الفنانين والأعمال والمؤسسات، بهدف تحويل الإنتاج الفني من مواد متفرقة إلى مادة قابلة للبحث والتحليل، بما يسمح بقراءة التحولات البصرية عبر الزمن، وربطها بالسياقات السياسية والاجتماعية التي أثرت فيها.

يتحرك المشروع ضمن نطاق محدد يشمل «الرسم والتلوين، التصوير، النحت والطباعة»، مع تركيز على بناء هيكل منهجي يمكن التوسع منه لاحقاً، هذا التحديد يعكس إدراكاً لصعوبة التعامل مع المشهد ككتلة واحدة، ويضع أولوية لإنشاء قاعدة منظمة، بدلاً من إعادة إنتاج التشتت داخل الأرشيف نفسه.

أطلق المشروع من القاهرة العام الماضي (الشرق الأوسط)

على المستوى التقني، يعمل المشروع على تطوير منصة رقمية تتيح إدخال البيانات عبر نماذج مخصصة، تخضع للمراجعة قبل النشر، مع اعتماد نظام تخزين يضمن حماية المواد واستمرارية الوصول إليها، ويتم توثيق كل عمل ضمن بيانات تشمل تاريخ الإنتاج، الخامات، والسياق المرتبط به؛ ما يسمح بقراءة الأعمال ضمن شبكة من العلاقات، وليس كعناصر منفصلة.

كما يفتح المشروع باب المساهمة أمام الفنانين والباحثين، سواء عبر رفع الأعمال أو تقديم معلومات إضافية، في محاولة لتوسيع قاعدة البيانات بشكل مستمر، هذه المقاربة تنقل الأرشيف من كونه مشروعاً مغلقاً إلى مساحة تفاعلية تعكس تعددية المشهد الفني، وتحد من مركزية السرد، وتمنح المشاركين دوراً مباشراً في بناء المحتوى.

تأتي هذه الجهود في سياق سياسي واجتماعي ضاغط، لا سيما بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، التي أدت إلى فقدان واسع للأعمال الفنية والوثائق. هذا الواقع أعاد طرح الأرشفة كأولوية، ليس فقط لتنظيم ما هو موجود، بل أيضاً لحماية ما تبقى من إرث مهدد بالاختفاء، في ظل غياب بنية قادرة على احتوائه.

تقول مديرة المشروع ريم سيف الجعيلي إن الفكرة نشأت من داخل الممارسة اليومية للعمل الفني، عبر مؤسسة «ذا ميوز ملتي استوديوز» التي تأسست عام 2019، وركزت على تنظيم المعارض والورش والإقامات الفنية، إلى جانب البرامج الثقافية المرتبطة بالمشهدين الثقافي والفني في السودان.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الاحتكاك المباشر بالفنانين والباحثين كشف مبكراً نقصاً واضحاً في التوثيق، وصعوبة الوصول إلى مصادر يمكن الاعتماد عليها، وهو ما انعكس على طبيعة العمل الثقافي نفسه، وجعل من الصعب بناء مشاريع تستند إلى معرفة دقيقة بتاريخ الفن السوداني»، لافتة إلى أن هذه الملاحظة قادت إلى بلورة فكرة الأرشيف في عام 2021، بوصفه محاولة لبناء منصة يمكن من خلالها قراءة الفن السوداني ضمن صورة شاملة، وليس كمجموعة أعمال متفرقة، مع التركيز على تقديم بنية تسمح بالفهم وليس الحفظ فقط.

وأوضحت أن «مرحلة التفكير استغرقت وقتاً قبل الانتقال إلى التنفيذ في 2022، حيث بدأ العمل على بناء قاعدة بيانات بالتعاون مع باحثين، بهدف جمع المعلومات الأساسية حول الفنانين داخل السودان وخارجه، وتحديد نطاق العمل بشكل أكثر دقة»، مشيرة إلى أن المشروع اعتمد على تحديد إطار زمني واضح يبدأ من خمسينات القرن الماضي كخلفية بحثية، بينما يركز التوثيق المنهجي في مرحلته الأولى على المدة بين 1975 و2025، بما يتيح قراءة التحولات الفنية ضمن نطاق يمكن التحكم فيه وتحليله.

وفيما يتعلق بفريق العمل، قالت إن المشروع يعتمد على نواة أساسية من 5 أفراد ضمن المؤسسة، إلى جانب فريق موسع يصل إلى نحو 10 أشخاص يعملون بشكل مباشر على الأرشيف، مع الاستعانة بخبرات متخصصة في مجالات الفن والنقد، مؤكدة حرصهم على مراعاة حقوق الملكية الفكرية عبر موافقة الفنانين وذويهم وهو ما جعلهم اليوم يسجلون بيانات أعمال نحو 40 فناناً بصرياً سودانياً مع استمرار العمل لإضافة آخرين خلال المرحلة المقبلة.


لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

«حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)
«حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)
TT

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

«حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)
«حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)

الفيلم المقبل لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو غريب مثل باقي أعماله السابقة. ينضح بمستويين أجاد المخرج المكسيكي - الأميركي التعامل معهما في أفلامه: الحكاية التي ينسجها وما ورائياتها وأبعادها. هذا كان شأنه عندما جلب مايكل كيتون لبطولة «بيردمان أو: الميزة غير المتوقَّعة للجهل» وليوناردو ديكابريو لبطولة «المنبعث»، وفي الواقع مزج الاستعانة بالممثلين ذوي الشهرة بتلك الأبعاد الميتافيزيقية التي يكتبها (منفرداً أو مع آخرين).

عودة إيناريتو

تفاصيل الحكاية في فيلمه الجديد «حفّار» غير واضحة بعد (قد يدخل مسابقة مهرجان البندقية المقبل في سبتمبر - أيلول، وعروضه الأميركية والعالمية لن تبدأ قبل أكتوبر - تشرين الأول)، لكنّ خيطها الأساسي يدور حول رجل عُرِف بأنه الأقوى في العالم، يسعى ليُبرهن على أنّ القوة ليست بأهمية أن يتمتَّع الفرد بقدرات إنسانية.

توم كروز هو الذي يؤدّي هذا الدور. الإعلان الترويجي المتوافر حتى الآن يُظهره وهو يستخدم الرفش للحفر، ثم يرقص حوله وينتقل به إلى درابزين يطلّ على منظر بعيد ويسير فوقه بخفّة.

المعاني المُنتظرة من هذا الفيلم تبدو جلية برسالتها حول مفهوم القوة واستخدامها، لكنها لن تُكوِّن كلّ الأبعاد التي سيبثّها الفيلم لدى عرضه.

هذا أول فيلم ناطق بالإنجليزية للمخرج منذ «المنبعث» في 2015. والمشترك بين الفكرتين هو أنّ المرء يستطيع أن يجعل من حياته امتداداً جديداً لقدراته. في ذلك الفيلم عرض المخرج حكاية رجل اسمه هيو (ديكابريو) يعيش في السنوات الأولى من اكتشاف الغرب الأميركي (عشرينات القرن التاسع عشر). خلال رحلة صيد مع آخرين يهاجمه دبّ كبير ويُصيبه بجروح بالغة. رفيق رحلته جون (توم هاردي) يريد قتله، لكن ابن هيو يتدخَّل فيقتله ويهرب. سيتعافى هيو بفضل رعاية إحدى قبائل المنطقة، وسينطلق للأخذ بالثأر.

«المنبعث»: إيناريتو (يسار) يُدير ليوناردو ديكابريو خلال التصوير (نيو ريجنسي)

سيرة شخصية

ذلك الفيلم كان حكاية معايشة لتلك الظروف الطبيعية ومخاطرها. كان أيضاً فيلم انتقام، لكنه ليس من النوع المألوف، لأنّ حياة البرّية (جميلة وموحشة معاً) تلعب دوراً أساسياً فيما نراه، وتمنح الفيلم تفرّده. هي حاضرة على شكل محيط كبير من التضاريس والجبال والثلوج التي تنهمر بلا توقف والوحوش الضارية. بعض المَشاهد، بينها مشهد هجوم يشنّه الأميركيون الأصليون على صيادي الفراء، تتطلَّب مساحة حركة كبيرة وصعبة، لأنه كان على الكاميرا القيام بحركة بانورامية دائرية كاملة. همُّ إيناريتو كان كَسْر كل تقليد ممكن لفيلم وسترن، ونجح في ذلك. ونال جائزتَي «غولدن غلوب» و«بافتا» أفضل فيلم.

ما بين «المنبعث» و«حفّار» أمضى إيناريتو الوقت على راحته، فأخرج شريط فيديو في 2016 وفيلماً قصيراً في 2017، ثم فيلمين قصيرين آخرين في 2018، قبل أن يعود إلى الفيلم الروائي الطويل في «باردو» عام 2022. لكن «باردو» كان فيلماً مكسيكياً (حول رجل يريد العودة إلى ماضيه للبحث عن هويته بعدما أمضى مدّة طويلة في أميركا)، ممّا يجعل «حفّار» الفيلم الأول الناطق بالإنجليزية منذ «المنبعث». وكان «باردو» أيضاً عمله الوحيد الذي لم يحقّق نجاحاً تجارياً، لكن إيناريتو برَّر ذلك بالقول: «في الحقيقة لم أنجز هذا الفيلم طلباً لنجاح تجاري. هو أقرب عندي إلى سيرة شخصية، كوني مَن عاش في أميركا وعمل فيها، وواجه نقد الإعلام في بلده الأول».

توم الجاهز

صُوِّر «حفّار» في بريطانيا على مدى 6 أشهر، ووضع المخرج في باله إسناد الدور إلى توم كروز، الذي كان قد انتهى من آخر جزء من سلسلة «المهمة: مستحيلة»، وأخذ يستعرض المشاريع الأخرى المعروضة عليه. إلى أن تلقَّى، قبل أقل من عام، اتصالاً من إيناريتو تمهيداً لإرسال السيناريو إليه. اعتاد كروز البحث من حين إلى آخر عن فيلم يُبعده عن سينما الأكشن والمغامرات، وهو ما لا يجده عادةً إلا مع مخرجين مرموقين فنّياً مثل أليخاندرو غونزاليس إيناريتو. قرأ السيناريو ووافق على الفور.

بطبيعة الحال، أفلام كروز التجارية مثل «توب غن» و«المهمة: مستحيلة» لا تدفع اسمه إلى الواجهة في المهرجانات والمناسبات الفنّية السنوية. وغالباً ما يسعى كروز، وهو رجل أعمال محترف، إلى تعزيز فرصه في نيل جوائز مثل «أوسكار» أو «بافتا» أو غيرهما.

وهو يدرك متى عليه التوقُّف عن متابعة سلسلة تجارية مثل «المهمة: مستحيلة» للبحث عن مشروع مختلف. وإذا كان قد اختار مهرجان «كان» لعرض الجزأين الأخيرين من تلك السلسلة، فقد يكون راغباً في التوجُّه بهذا الفيلم إلى مهرجان «البندقية» لتأكيد حضور فنّي مختلف عن أعماله الأخيرة.

بالنسبة إلى إيناريتو، فقد استند هذا المخرج دائماً إلى تميُّزه وانفراده في اختيار الموضوعات التي تثير اهتمامه الخاص واهتمام المُشاهد النوعي أيضاً. ومعظم أفلامه لم تخسر مادياً، من دون أن تحقّق في الوقت عينه أعلى الإيرادات التجارية.

«بيردمان»: مايكل كيتون في الفيلم (فوكس سيرتشلايت)

أحد أبرز الأمثلة على ذلك «بيردمان أو: الميزة غير المتوقَّعة للجهل»، الذي حصد 4 جوائز «أوسكار» و189 جائزة أخرى. الفيلم صعب التشكيل ومحسوب بدقة، إذ جرى التصوير (لإيمانويل لوبزكي) بكاميرا محمولة طوال الوقت، تدخل غرفاً ضيقة وممرات أضيق، وتهبط أدراجاً وتصعد أخرى، إذ تدور معظم الأحداث داخل مسرح. وفي هذا الجهد البصري، تتجلَّى علاقة متماسكة بين التصوير والتمثيل.

مايكل كيتون يؤدّي دوراً محورياً مكّنه من الفوز بجائزة «غولدن غلوب». يُجسّد شخصية ممثل هوليوودي تراجعت شهرته بعد تجسيد شخصية بطل خارق، في محاكاة لواقعه، إذ سبق أن لعب بطولة أحد أفلام «باتمان» قبل أن يتراجع حضوره. يسعى إلى استعادة مكانته من خلال إنتاج مسرحية تعيده إلى الواجهة وتمثيلها. نسمع صوته الداخلي يحاوره، يربكه ويفقده الثقة، بينما تحيط به زوجته السابقة (نعومي واتس) وابنته (إيما ستون) والممثل الجديد مايك (إدوارد نورتون)، إلى جانب مدير أعماله (زاك غاليفياناكيس)، ضمن سلسلة من المواقف الكوميدية التراجيدية التي تتناول الفنّ والشهرة والأزمات النفسية.

كما حال كبار المخرجين مثل فرانسيس فورد كوبولا، وتيرنس مالك، وأندريه تاركوفسكي، وأكيرا كوروساوا، ووس أندرسون، تلعب الصورة دوراً أساسياً في سرد الحكاية. اختيارات إيناريتو الموضوعية تقابلها عناصر بصرية ضمن أسلوب خاص يُميّزه، إذ يمكن تمييز بصمته بسهولة في أعماله.

بدأ حياته بحّاراً بعدما طُرد من المدرسة في سنّ الـ16، ثم عاد إلى الدراسة لاحقاً. عمل مقدّماً لبرنامج حواري إذاعي، ثم أصبح مديراً للمحطة، قبل أن ينتقل إلى إخراج أفلام تلفزيونية، ويدرس السينما في لوس أنجليس، وصولاً إلى تحقيق أول أفلامه.

تشمل عناصره البصرية عناية خاصة بالتصوير والموسيقى، وخَلْق حالة من الاغتراب بين ما يُعرض على الشاشة وتوقّعات المُشاهد. وتدور أفلامه الأولى «أموريس بيروس»، و«21 غراماً»، و«بابل»، حول فكرة الموت، مع تعدُّد الشخصيات التي ترتبط بحدث واحد.

لاحقاً، غيَّر إيناريتو هذا النهج، واتجه إلى إسناد البطولة إلى شخصيات فردية. ومن أبرز سمات أعماله أنه لا يطرح الأسئلة ليجيب عنها، بل يكتفي بطرحها لفتح باب النقاش. وقد تأثَّر بعدد من المخرجين، منهم أندريه تاركوفسكي، وفيديريكو فليني، وروبرت ألتمان، ولويس بونويل.