عز الدين شلح: نريد تحويل آلاف الحكايات من غزة إلى أفلام

المخرج الفلسطيني أكد لـ«الشرق الأوسط» أن أكاديمية للسينما بالقطاع تخاطب العالم

ملصق ترويجي للإعلان عن إطلاق الأكاديمية (إدارة الأكاديمية)
ملصق ترويجي للإعلان عن إطلاق الأكاديمية (إدارة الأكاديمية)
TT

عز الدين شلح: نريد تحويل آلاف الحكايات من غزة إلى أفلام

ملصق ترويجي للإعلان عن إطلاق الأكاديمية (إدارة الأكاديمية)
ملصق ترويجي للإعلان عن إطلاق الأكاديمية (إدارة الأكاديمية)

قال المخرج الفلسطيني عز الدين شلح، أحد مؤسسي أكاديمية غزة للسينما، إن فكرة الأكاديمية ولدت من حاجة تتجاوز تعليم صناعة الأفلام إلى بناء مساحة سينمائية قادرة على الاستمرار في غزة، موضحاً أن التفكير في المبادرة بدأ قبل نحو عامين من خلال مشروع دبلوم لصناعة الأفلام.

وأضاف شلح -وهو مؤسس مهرجان «غزة الدولي لسينما المرأة»- في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أن الفكرة منذ بدايتها لم تكن إنشاء برنامج ينتهي بتخرج المشاركين، وإنما تأسيس مسار يمنح الفلسطينيين أدوات صناعة الصورة، ورواية تجاربهم بأنفسهم، في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى امتلاك هذه الأدوات أكثر إلحاحاً.

ولفت شلح إلى أن نجاح تجربة الدبلوم دفع إلى الانتقال من فكرة التدريب المؤقت إلى مشروع أكثر استدامة، مشيراً إلى أن المخرجة والمنتجة الفلسطينية مي المصري شاركت في المشروع منذ بدايته، وتشغل مهمة المشرف العام على الدبلوم. وقال إن «الفارق بين الدبلوم والأكاديمية هو في قدرتها على احتضان أجيال متتالية من صناع الأفلام، بحيث لا تنتهي التجربة بمجرد انتهاء الدراسة، وإنما تتحول إلى بنية تعليمية وإنتاجية تظل مفتوحة أمام المواهب الجديدة، وتمنح السينما الفلسطينية في غزة فرصة للاستمرار رغم الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع».

وأُعلن عن إطلاق «أكاديمية غزة للسينما» دولياً على هامش الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي بوصفها مبادرة فلسطينية تستهدف تأسيس مساحة مستدامة للتعليم، والتدريب، والإنتاج السينمائي في قطاع غزة، وربط المواهب الناشئة بالمشهد السينمائي العربي، والدولي.

وتأسست الأكاديمية على يد المخرج الفلسطيني عز الدين شلح، والمخرجة الفلسطينية مي المصري، وبدعم ومشاركة عدد من أبرز صناع السينما، بينهم المخرجة التونسية كوثر بن هنية، والمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، والممثلان هيام عباس، وصالح بكري، والممثل والمخرج الأميركي المصري رامي يوسف، إلى جانب المنتجة الإيطالية غراتسييلا بيلدسهايم، والمنتج والموزع السينمائي علاء كركوتي.

المخرج الفلسطيني عز الدين شلح (إدارة الأكاديمية)

وأكد شلح أن «الحرب جعلت وجود الأكاديمية أكثر إلحاحاً، لأن غزة، لا تواجه فقط مأساة يومية يجري نقلها في الأخبار، وإنما تختزن آلاف الحكايات التي نشأت من قلب هذه التجربة»، على حد تعبيره. ورأى أن كل واحدة من هذه الحكايات تحمل تفاصيل إنسانية، وذاكرة، وتجربة شخصية تستحق أن تتحول إلى فيلم، ليس باعتبار الفيلم بديلاً عن الخبر، وإنما باعتباره طبقة أعمق من السرد قادرة على الاحتفاظ بما لا تستطيع التغطية اليومية الاحتفاظ به.

وبيّن أن «جوهر المشروع يكمن في الانتقال من (الخبر) إلى (ما وراء الخبر)»، موضحاً أن «الصورة لعبت دوراً حاسماً في تعريف العالم بما يحدث في غزة، لكن السينما تستطيع أن تتوقف عند الأثر الذي يتركه الحدث في حياة البشر، فالخبر يسجل الواقعة، بينما يذهب الفيلم إلى ما خلفها؛ إلى الإنسان الذي فقد، والعائلة التي تغيرت حياتها، والذاكرة التي تشكلت تحت القصف، والنزوح، والخوف، وأن هذه المنطقة الإنسانية قد تكون أكثر إيلاماً من الحدث نفسه، لأنها تكشف كيف يتحول الخبر الكبير إلى حياة يومية يعيشها الناس بكل تفاصيلها».

وأشار المخرج الفلسطيني إلى أن الأكاديمية تريد أن تمنح أصحاب هذه الحكايات فرصة لأن يصبحوا هم رواة تجاربهم، بدلاً من أن تظل غزة موضوعاً تلتقطه كاميرات الآخرين، معتبراً أن تعليم شاب أو شابة صناعة الفيلم لا يعني فقط إكسابه مهارة فنية، وإنما منحه وسيلة لاستعادة حقه في تشكيل صورته، ورواية قصته، بحيث تصبح الكاميرا أداة للتعبير من الداخل، وليست مجرد وسيلة لتسجيل ما يحدث من الخارج.

وشدد شلح على أن «قيمة هذا التوثيق لا تتوقف عند اللحظة الراهنة، لأن الأفلام التي تصنع من داخل غزة يمكن أن تتحول بمرور الوقت إلى أرشيف بصري يحتفظ بأصوات الناس، وصورهم، وتجاربهم». وربط شلح بين هذا التوثيق والمستقبل، مشيراً إلى أن «العالم لا يبقى على حاله، وأن الظروف السياسية التي تبدو ثابتة اليوم يمكن أن تتغير غداً، مع احتمال الوصول مستقبلاً إلى مراحل للمحاسبة، والمحاكمة، مما يجعل حفظ الوثائق أمراً بالغ الأهمية»، وفق قوله.

الملصق الترويجي لفيلم من غزة (الشركة المنتجة)

وأكد أن الأكاديمية لا تريد صناعة الأفلام لكي تبقى داخل غزة، وإنما تسعى إلى منحها مساراً للعرض حول العالم، موضحاً أن «الخطة تقوم على إنتاج أفلام تستند إلى قصص واقعية من القطاع، ودفعها إلى المهرجانات الدولية». وتابع المخرج الفلسطيني أن «الفيلم حين يغادر حدود المكان الذي ولدت فيه حكايته يصبح قادراً على الوصول إلى جمهور لم يعش التجربة، والجمهور جزء من مجتمعات قادرة على التأثير في حكوماتها»، مقراً بأن مثل هذا التأثير يحتاج إلى وقت، لكنه شدد على أن الانتظار لا يعني التوقف عن الفعل، لأن صناعة فيلم وإيصاله إلى مهرجان دولي يمثلان شكلاً من أشكال العمل الممكنة في ظل واقع شديد الصعوبة، ومن هذا المنظور تصبح الأكاديمية جزءاً من محاولة أوسع لإبقاء الصوت الفلسطيني حاضراً في المجال العام العالمي.

وكشف عن أن إطلاق الأكاديمية دولياً من «فينيسيا» كان خطوة ذات دلالة، مشيراً إلى أن الإعلان عنها خلال فعاليات المهرجان حظي بتجاوب واسع، ووصلت رسائل من جهات أبدت استعدادها للتعاون، والدعم، إلى جانب اهتمام آخرين بالانضمام إلى المشروع. وعد هذا الحضور فرصة لوضع الأكاديمية أمام المجتمع السينمائي الدولي، وفتح نقاش حول احتياجاتها، وإمكانات التعاون معها، بما يساعد على بناء شبكة من الشركاء حول مشروع سينمائي ينطلق من غزة إلى العالم.


مقالات ذات صلة

«امرأة مجهولة»... ماضٍ يطارد امرأة عند عتبة حياة جديدة

يوميات الشرق رئيسة لجنة التحكيم ماغي جيلنهال والمخرجة مي الطوخي تحملان جائزة «الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)

«امرأة مجهولة»... ماضٍ يطارد امرأة عند عتبة حياة جديدة

لا تمنح مي الطوخي بطلتها العذر وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى منح جميع الدنماركيات اللواتي أقمن علاقات مع جنود وضباط نازيين ذلك العذر.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق المخرج البرتغالي إدغار بيرا (الشركة المنتجة)

إدغار بيرا: الحرية هي القضية التي تشغلني في كل أفلامي

قال المخرج البرتغالي إدغار بيرا إن فيلمه «حرب العصابات على الأسفلت» رحلة عبر 4 عقود، تطرح أسئلة عن الحاضر والمستقبل من خلال السينما.

أحمد عدلي (القاهرة)
ثقافة وفنون «أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

ظهرت فكرة كتاب «أفلام غير مشاهدة بدقة»، الصادر عن دار «ديوان» بالقاهرة بصفتها محاولة لتجاوز الإحباط الناتج من إدراك الطبيعة المؤقتة والهشة للنشر الرقمي

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق فريق فيلم «نازا» خلال جلسة تصوير في مهرجان فينيسيا السينمائي (رويترز)

فيلمان إسرائيليان... فلسطين بين التوثيق والتغييب

استند «نازا» إلى مقابلات أُجريت على أسطح المباني مع جنود إسرائيليين شاركوا في الحرب، وكشفوا آليات عمل القيادة العسكرية.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق نجمة البوب ليدي غاغا في هوليوود (أ.ف.ب)

ليدي غاغا تستقبل مولودها الأول

أفادت وسائل إعلام أميركية بأن نجمة البوب ليدي غاغا رزقت بمولودها الأول من خطيبها مايكل بولانسكي.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس (الولايات المتحدة))

تقنية مبتكرة تعزز ملكات التواصل لدى المصابين بالشلل

التقنية تعتمد على زرع شريط رقيق من المستشعرات على القشرة الحركية بالدماغ (جامعة كاليفورنيا)
التقنية تعتمد على زرع شريط رقيق من المستشعرات على القشرة الحركية بالدماغ (جامعة كاليفورنيا)
TT

تقنية مبتكرة تعزز ملكات التواصل لدى المصابين بالشلل

التقنية تعتمد على زرع شريط رقيق من المستشعرات على القشرة الحركية بالدماغ (جامعة كاليفورنيا)
التقنية تعتمد على زرع شريط رقيق من المستشعرات على القشرة الحركية بالدماغ (جامعة كاليفورنيا)

طوّر فريق من الباحثين في الولايات المتحدة واجهة دماغية حاسوبية مبتكرة يمكن أن تساعد الأشخاص المصابين بالشلل الشديد على استعادة القدرة على التواصل بالكلام والإيماءات الجسدية في الوقت نفسه، في خطوة قد تجعل التواصل الاصطناعي أقرب إلى الطريقة الطبيعية التي يتفاعل بها البشر.

وأظهر الباحثون في جامعة كاليفورنيا، بسان فرانسيسكو، بدعم من المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة، أن الواجهة تستطيع قراءة النشاط الكهربائي في الدماغ المرتبط بمحاولات الكلام وحركات الجزء العلوي من الجسم، ثم تحويل هذه الإشارات إلى أوامر رقمية تتحكم في صورة رمزية افتراضية تمثل الجسم بالكامل، ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Nature Neuroscience».

ويعاني الأشخاص المصابون بأمراض مثل التصلب الجانبي الضموري، وكذلك بعض الناجين من السكتات الدماغية التي تصيب جذع الدماغ، شللاً شديداً قد يفقدهم القدرة على الكلام أو الحركة، ما يجعل التواصل اليومي بالغ الصعوبة. وتساعد تقنيات تتبع حركة العين بعض هؤلاء المرضى على اختيار الكلمات وتحويلها إلى كلام اصطناعي، لكنها قد تكون بطيئة ومرهقة، كما تظل قدرتها على نقل الإيماءات والتعبيرات محدودة مقارنة بالتواصل الطبيعي.

وكان الفريق قد طوّر في أبحاث سابقة نظاماً يعتمد على زرع شريط رقيق من المستشعرات، يُعرف باسم مصفوفة «التخطيط الكهربائي لقشرة الدماغ» (ECoG)، على القشرة الحركية بالدماغ. وتلتقط المستشعرات النشاط الكهربائي للدماغ، ثم تستخدم خوارزميات تعتمد على التعلم الآلي لتحويله إلى أوامر تتحكم في رأس ووجه رقميين.

وفي الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون مصفوفات «ECoG» لدى 3 أشخاص يعانون مستويات مختلفة من الشلل في الجهاز الصوتي والجسم، ووسّعوا نطاق النظام ليشمل الجزء العلوي من الجسم. وسجّلوا النشاط الدماغي أثناء محاولة المشاركين نطق عبارات محددة أو أداء إيماءات مألوفة، مثل التلويح باليد ورفع الإبهام، وكذلك أثناء محاولتهم الكلام وأداء الإيماءات في الوقت نفسه.

وأظهرت النتائج أن النشاط الدماغي الناتج عن الكلام والإيماءات المتزامنة لم يكن مجرد مجموع الإشارات المرتبطة بكل منهما بصورة منفصلة؛ فعلى الرغم من وجود بعض التداخل، كان النشاط أثناء الجمع بين الكلام والحركة مختلفاً بوضوح، ما يشير إلى أن الدماغ يتعامل مع هذا النوع من التواصل بوصفه نمطاً أكثر تعقيداً.

كما أصبحت أجهزة فك الشفرة أكثر قدرة على تفسير الإشارات العصبية عندما دُرّبت على بيانات جُمعت أثناء الكلام والإيماءات المتزامنين، بدلاً من تدريبها على كل نوع من الإشارات بشكل منفصل. وتمكن النظام بذلك من إنتاج تعبيرات متعددة في الوقت نفسه، بحيث تعرض الصورة الرمزية الكلام والحركات الجسدية معاً، وفق النتائج.

ويرى الباحثون أن أهمية هذه النتيجة تتجاوز استعادة القدرة على إنتاج الكلام؛ إذ إن التواصل البشري يعتمد أيضاً على الإيماءات وحركات الجسم التي تنقل معاني ومشاعر لا تعبّر عنها الكلمات وحدها بالقدر نفسه. ولا تزال التقنية في مرحلة مبكرة؛ إذ تعتمد على أسلاك تصل المستشعرات المزروعة في الدماغ بوحدات معالجة خارجية. ويعتزم الفريق اختبار نسخة لاسلكية مزروعة بالكامل داخل الجسم، بما قد يجعل النظام أكثر ملاءمة للاستخدام طويل الأمد لدى الأشخاص المصابين بالشلل الشديد.


امرأة لا تقف ساكنة... «السيدة باللون الأزرق» تصل إلى قلب لندن

تم الكشف عن منحوتة «السيدة باللون الأزرق» التي يبلغ ارتفاعها 5 أمتار وأبدعتها الفنانة الأميركية تشابالالا سيلف تكريماً لامرأة شابة من سكان المدن الكبرى على «المنصة الرابعة» في ميدان ترافالغار بلندن (أ.ب)
تم الكشف عن منحوتة «السيدة باللون الأزرق» التي يبلغ ارتفاعها 5 أمتار وأبدعتها الفنانة الأميركية تشابالالا سيلف تكريماً لامرأة شابة من سكان المدن الكبرى على «المنصة الرابعة» في ميدان ترافالغار بلندن (أ.ب)
TT

امرأة لا تقف ساكنة... «السيدة باللون الأزرق» تصل إلى قلب لندن

تم الكشف عن منحوتة «السيدة باللون الأزرق» التي يبلغ ارتفاعها 5 أمتار وأبدعتها الفنانة الأميركية تشابالالا سيلف تكريماً لامرأة شابة من سكان المدن الكبرى على «المنصة الرابعة» في ميدان ترافالغار بلندن (أ.ب)
تم الكشف عن منحوتة «السيدة باللون الأزرق» التي يبلغ ارتفاعها 5 أمتار وأبدعتها الفنانة الأميركية تشابالالا سيلف تكريماً لامرأة شابة من سكان المدن الكبرى على «المنصة الرابعة» في ميدان ترافالغار بلندن (أ.ب)

تبدو «ترافالغار سكوير» في قلب لندن مختلفة قليلاً هذه الأيام. ففي إحدى زواياها، تقف امرأة سوداء شابة بفستان أزرق وحذاء بكعب من اللون نفسه، تتزين بمجوهرات من الخرز الزجاجي، فيما توحي وقفتها بأنها لا تنتظر أحداً... بل تمضي إلى الأمام.

العمل البرونزي يحمل اسم «Lady in Blue» (السيدة باللون الأزرق)، وهو للفنانة الأميركية تشابالالا سيلف المقيمة في نيويورك، وسيبقى في الساحة لمدة عامين، ضمن الأعمال الفنية التي تتناوب على «القاعدة الرابعة» (Fourth Plinth)، إحدى أشهر منصات الفن العام في العاصمة البريطانية. وفقاً لشبكة «سي إن إن».

يعد هذا العمل الفني السادس عشر الذي يُعرض على «المنصة الرابعة» التي توصف بأنها واحدة من أهم مشاريع الفن العام في العالم (رويترز)

والتمثال هو السادس عشر الذي يحتل هذه القاعدة، التي تحولت على مدى السنوات إلى مساحة لاستضافة أعمال فنية معاصرة تثير النقاش، وتقف في مواجهة المعالم التاريخية المحيطة بها، وفي مقدمتها عمود نيلسون وتماثيل الأسود الشهيرة.

لكن «السيدة باللون الأزرق» لا تحاول منافسة الماضي بقدر ما تتطلع إلى المستقبل. أرادت سيلف أن تقدم امرأة معاصرة لا ترتبط بشخصية تاريخية محددة، وأن تترك للمشاهد مساحة ليرى فيها نفسه.

وقالت الفنانة قبل الكشف عن العمل إنها أرادت «لفت انتباه الجميع إلى المستقبل»، معتبرة أن العالم لا يملك ما يكفي من النصب التي تتحدث عن المستقبل المشترك الذي ينتظرنا.

«Lady in Blue» (رويترز)

ويحمل التمثال أيضاً دلالة خاصة في بريطانيا، حيث لا تزال الأعمال النحتية التي تصور النساء السوداوات محدودة للغاية. وتشتهر سيلف بتقديم الجسد الأنثوي الأسود بطريقة تفتح نقاشاً حول العرق والهوية والنوع الاجتماعي، لكنها لا تريد اختزال أعمالها في هذه القضايا وحدها.

وتقول إن ما يهمها هو أن يغادر الناس المكان وهم يشعرون بأن بإمكانهم أن يكونوا على طبيعتهم، من دون الحاجة إلى تقديم تفسير لأنفسهم أو لهويتهم.

وللفنانة تجربة سابقة أكثر قسوة في بريطانيا. ففي عام 2023، تعرض تمثالها «Seated» (جالسة) في بيكسهيل أون سي للتخريب، بعدما رُشّ جسد المرأة السوداء فيه بالطلاء الأبيض. شعرت سيلف بحزن شديد، لكنها رأت لاحقاً في الحادثة درساً حول الطريقة التي يمكن أن يعكس بها العنف الواقع على التماثيل ما يواجهه أشخاص حقيقيون في حياتهم.

وبعد الحادثة، شارك سكان المنطقة في تنظيف التمثال وإزالة الطلاء عنه، في مشهد اعتبرته الفنانة تعبيراً عن رغبة المجتمع في مواجهة مشكلاته.

أما في «السيدة باللون الأزرق»، فتبقى الحركة هي الرسالة الأوضح. المرأة لا تقف ساكنة؛ إنها تخطو إلى الأمام بثقة، في إشارة إلى الطموح والأمل وإمكانية البدء من جديد.

وتقول سيلف: «لديها رغبة في الحركة». وربما لهذا السبب تبدو المرأة، وسط زحام «ترافالغار سكوير»، وكأنها لا تقف هناك من أجل أن ينظر إليها المارة فحسب، بل لتذكرهم بأن الطريق إلى الأمام مفتوح أمام الجميع.


ما الذي خبأه قصر باكنغهام لعشرات السنين؟

قصر باكنغهام (رويترز)
قصر باكنغهام (رويترز)
TT

ما الذي خبأه قصر باكنغهام لعشرات السنين؟

قصر باكنغهام (رويترز)
قصر باكنغهام (رويترز)

ربما لا يحتاج قصر باكنغهام إلى مزيد من الأسرار، لكن أعمال ترميمه الأخيرة وجدت ما لم تكن تتوقعه فرق العمل: حذاءً قديماً، وتذكرة لحفل لعبة ورق، وقصاصة صحيفة، وقسائم مراهنات، وأشياء أخرى تبدو عادية جداً، لكنها بقيت مخبأة داخل القصر لعقود.

لم تكن هذه المقتنيات جزءاً من مجموعة ملكية أو تحف نادرة، بل أشياء تركها أشخاص عاشوا وعملوا في القصر، ثم اختفت بين الجدران وتحت الأرضيات، إلى أن أعادت أعمال التجديد اكتشافها.

ومن أكثر الأشياء إثارة تذكرة صغيرة لحفل «ويست درايف» للعب الورق، أقيم في القصر عام 1949. لم يتجاوز سعرها ستة بنسات، لكنها بقيت عالقة داخل كتلة من الطوب لأكثر من 70 عاماً، قبل أن تقع بين أيدي العمال.

وبالقرب منها ظهرت قسائم لمسابقة مراهنات على مباريات كرة القدم تعود إلى عام 1957، وعلبة سجائر فارغة، وزجاجة مياه معدنية، وحتى قصاصة من برنامج عروض مسارح ويست إند تعود إلى عام 1889. وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

وتبدو بعض هذه الأشياء كأنها بقايا يوم عادي لشخص كان يعمل في القصر، شخص ربما أنهى عمله وترك وراءه صحيفة أو علبة سجائر أو تذكرة لمناسبة اجتماعية، من دون أن يعرف أن هذه الأشياء ستبقى هناك حتى القرن الحادي والعشرين.

قصر باكنغهام مسرح للاحتفالات الرسمية والاستعراضات العسكرية (رويترز)

لكن الاكتشافات لم تكن كلها شخصية. فقد عثر العمال على وثيقة مكتوبة على آلة كاتبة تكشف عن جانب من الاستعدادات الدقيقة التي سبقت حفل استقبال دبلوماسي أقامته الملكة إليزابيث الثانية عام 1977 بمناسبة يوبيلها الفضي. وتضمنت التعليمات تفاصيل حول حركة الملكة بين الضيوف وكيفية تشجيع نحو 350 بريطانياً على الاختلاط بالدبلوماسيين.

كما ظهرت صفحات من صحيفة «ديلي إكسبريس» تتناول أفراد العصابة المدانين في قضية «سرقة القطار الكبرى» الشهيرة عام 1963، في تذكير بأن أخبار العالم الخارجي كانت تجد طريقها أيضاً إلى غرف العاملين في القصر.

وتظهر هذه الكنوز الصغيرة خلال مشروع تجديد باهظ التكلفة لقصر باكنغهام، يتضمن استبدال أنظمة كهربائية وأنابيب وتجهيزات قديمة لم تُحدّث منذ نحو 60 عاماً.

لكن ربما تكون أجمل مفاجآت المشروع ليست في الأسلاك والأنابيب التي يجري استبدالها، بل في الأشياء التي لا قيمة مادية لها تقريباً.

فالحذاء المهترئ والتذكرة القديمة وقصاصة الصحيفة تقول شيئاً مهماً عن القصور الملكية: خلف المراسم الرسمية والزيارات والاحتفالات، هناك دائماً حياة بشرية عادية، لها صحفها ومراهناتها وحفلاتها الصغيرة وأشياؤها التي قد تضيع... ثم تظهر بعد عشرات السنين لتروي الحكاية من جديد.