من مخيّم البؤس إلى ملاعب البرازيل... الكرة تحقق حلم 4 لاجئين سوريين

وثائقي على «شاهد» يواكب الرحلة... وفريق الإنتاج يكشف كواليسها لـ«الشرق الأوسط»

من مخيّم البؤس إلى ملاعب البرازيل... الكرة تحقق حلم 4 لاجئين سوريين
TT

من مخيّم البؤس إلى ملاعب البرازيل... الكرة تحقق حلم 4 لاجئين سوريين

من مخيّم البؤس إلى ملاعب البرازيل... الكرة تحقق حلم 4 لاجئين سوريين

في الغرفة فائقة التواضع داخل مخيّم الزعتري للّاجئين السوريين في الأردن، يتحلّق رجالٌ ونساءٌ وأطفال حول جهاز التلفاز. عيونهم شاخصة على مباراة لكرة القدم تبثّها قناة برازيلية. لا، ليست هذه نهائيات كأس العالم، فمن الواضح أن اللاعبين مبتدئون. من بينهم شابٌ ذو ملامح عربية، تخفق له قلوب الجالسين في الغرفة، تصفّق له أكفّهم، وتدمع عيونهم إن تعثّر أو أصيب.

بهذا المشهد ينطلق وثائقي «الحلم» (Chasing Dreams) على منصة «شاهد»، سارداً على مدى 6 حلقات، قصة 4 شبان سوريين من لاجئي مخيم الزعتري: حافظ، وعمر، وقيس، وأحمد. دخلوا المخيّم أطفالاً هاربين من الحرب في بلادهم، وخرجوا منه بعد 7 أعوام إلى قدَرٍ لم يُبصروه حتى في أحلامهم.

حافظ متوسطاً عائلته في مخيم الزعتري قبل انتقاله إلى البرازيل حيث صار اسمه «مارسيلو» (فريق الإنتاج)

يخبر المنتج المنفّذ للسلسلة الوثائقية هاشم صبّاغ «الشرق الأوسط» عن انطلاقة تلك الرحلة عام 2018، على هيئة تجارب أداء نظّمها نادي Black Pearls (اللؤلؤ الأسود) البرازيلي لكرة القدم في مخيّم الزعتري. يقول صبّاغ: «تفاجأ المدرّبون بكمية المواهب التي عاينوها بين اللاجئين المتراوحة سنهم ما بين 14 و17 عاماً»؛ لكن بعد اختيار 4 من بين تلك المواهب، تقرّر تحويل المغامرة إلى سلسلة وثائقية.

«حلمي أصير لاعب كرة محترفاً ومشهوراً، عشان نطلع من هالمخيّم». بكلماتٍ عفويّة يرسم حافظ ملامح الغد الذي يريد. لا يعرف بعد أنّ أياماً معدودة تفصله عن اسمِه الجديد «مارسيلو»، وعن جبال البرازيل الخضراء الشاهقة، وعن شواطئ كوبا كابانا الفسيحة. مثلُه عمر وقيس وأحمد، الذين بين ركلة وركلة بأقدامهم الحافية على رمال المخيّم، يتحدّثون عن عشقهم للطابة، ويبصرون في عيون أهلهم الآمال المعلّقة عليهم.

في قالبٍ تصويري حقيقي وبسيط، أدار دفّته المخرج الأردني باسل غندور، تتصاعد سرديّة الأمل؛ خصوصاً بعد انتقال الشبّان اليافعين إلى البرازيل.

على عكس ما قد يتصوّر البعض، فإنّ الطريق لم يكن مسيّجاً بالورد. يلفت صبّاغ في هذا السياق إلى صعوبات كثيرة واجهها الشبّان؛ لا سيما في البداية، من بينها الشعور الثقيل بالغربة عن الأهل، ومجرّد الانتقال إلى بلدٍ بعيد. أما أصعب ما في الأمر فكان تعلّم اللغة البرتغاليّة المعروفة بأنها من إحدى أكثر اللغات تعقيداً، وذلك بعد انقطاع عن الدراسة دام 6 أعوام. «إلا أن ما سهّل الموضوع ذكاؤهم ومثابرتهم»، وفق صبّاغ الذي واكب الرحلة لحظة بلحظة، موجوداً مع الشبّان الأربعة في معظم محطّاتها.

المنتج هاشم صباغ إلى يسار الصورة مرافقاً الشبان الأربعة في رحلتهم البرازيلية (فريق الإنتاج)

«ثمّة عدالة في كرة القدم»، هكذا يقول المدير الفني للنادي البرازيلي المُضيف. الرجل الخمسيني الذي يحيط الضيوف بمحبة أبويّة، يرى فيهم براعم واعدة. يؤمن بأنّ تلك العدالة تنبع من المثابرة: «إذا لعبت جيداً فسوف تنجح، وإن لم تفعل فسوف تخسر». لكنّ كرة القدم في وثائقي «الحلم» حققت العدالة بشكلٍ آخر للّاجئين السوريين. يوضح صبّاغ الذي باتت تجمعه «عِشرة عمر» بأبطال السلسلة، أنّ «هؤلاء الشبّان لم يكن لديهم أمل في الحياة، وظنّوا أن آفاقهم مسدودة؛ لكنهم بين ليلة وضُحاها رأوا حلمهم يتحقق».

العدالة من صلب العمل؛ لكنها تمتدّ من خلاله إلى سائر أصحاب الأحلام الأسيرة. يقول رئيس دائرة الأعمال في استوديوهات «كتارا» التي تولّت مرحلة ما بعد الإنتاج للسلسلة الوثائقية، إنّ «العمل يقدم سرداً واقعياً لمعاناة اللاجئين، ويرفع أصواتهم موثّقاً تجاربهم الإنسانية. هذا يمكّن الجمهور من فهم تلك المعاناة بشكلٍ أعمق». ويوضح فخري أن «استوديوهات (كتارا) تحرص على إيصال قصص عربية أصيلة بمواضيع ملهمة، يسهل على المشاهدين التماهي معها، مهما كانت هويّاتهم ومهما اختلفت ثقافاتهم».

تعامل المدير الفني للفريق البرازيلي كأب مع ضيوفه الأربعة (فريق الإنتاج)

بين حصّة لغة في قاعة الصف، وجولة تدريبٍ على أرض الملعب، يسرق الرباعي السوري دقائق قليلة للاتصال بعائلاته. هذا التواصل عبر الفيديو من أقصى الأرض إلى أقصاها، هو من بين أكثر اللحظات المؤثّرة في الوثائقي. واحدٌ يسأل أمه: «شو طابخة اليوم؟»، فقد حلّ شهر رمضان بموائد إفطاره وهم بعيدون عمّن يحبون. وآخر يتلقّى تعليمات اللعب من والده، فهو ملهمُه الأول، قبل المدرّب البرازيلي، وحتى قبل كريستيانو رونالدو.

«كل ما في السلسلة حقيقي؛ كل لقطة، وكل ردة فعل على امتداد سنوات التصوير الأربع»، هذا ما يؤكده صبّاغ. ليس من الصعب الاستنتاج أصلاً، ألَّا مشاهد تمثيلية، ولا سيناريوهات معدّة مسبقاً في العمل. الانتصارات كما الخيبات تُوثَّق كما هي.

تعلُّم اللغة البرتغالية من بين أصعب التحديات التي واجهت الشبّان (فريق الإنتاج)

تحلّ جائحة «كورونا» لتبتر الحلم وهو لم يزهر بعد. تتوقّف المباريات بين الفرق المحلية، فيستبدل الشبان بها تدريباتٍ لتحسين الأداء، وجلساتٍ توطّد الصداقة بينهم. ولعلّ تلك الصداقة الناشئة هي من أجمل وأصدَق ما في الوثائقيّ. لا تنافسَ بين الأربعة؛ بل اتّحاد ومحبة. هم طالعون من المعاناة نفسها، اختبروا رعب الحرب ذاته، وعاشوا في مخيّمٍ غالباً ما تعود أزقّته في مشاهد استرجاعيّة (فلاش باك) ضمن الوثائقي، لتذكّر بجذور اللاعبين الصاعدين، وبالأرض التي زرعوا فيها بذور أحلامهم.

يقول فخري الذي أشرف على أعمال ما بعد الإنتاج: «على قاعدة أن تلك الأحلام هي انعكاسٌ لأحلام ملايين من النازحين واللاجئين حول العالم، انخرطت (كتارا) في المشروع». ويضيف أن «القصة ملهمة ومؤثرة في آن، فهي تحكي عن مجموعة من الأولاد الذين يكافحون من أجل البقاء وتحقيق أحلامهم. وقد كنا فخورين بأن نكون جزءاً من رحلة السعي إلى تحقيقها».

كواليس تصوير إحدى أوليات المباريات الرسمية التي خاضها الرباعي السوري في البرازيل (فريق الإنتاج)

يشهد متابعو الوثائقي على تفتّح براعم بعض تلك الأحلام، كانضمام «مارسيلو» إلى فريق برازيلي من الدرجة الأولى، ثم التحاقه بالمنتخب السوري لخوض بطولة غرب آسيا معه. ويكتمل المشهد بمشاركة الشبّان في فعالياتٍ على هامش كأس العالم في قطر؛ حيث تجمعهم لحظاتٌ استثنائية بلاعب الكرة العالمي ديفيد بيكهام.

وفق المنتج صبّاغ، فإنّ حافظ وعمر وأحمد وقيس ما زالوا في البرازيل، يتابعون مسيرتهم الكرويّة، طامحين إلى أن يصبحوا يوماً ما نجوماً من بين نجوم كأس العالم.


مقالات ذات صلة

حمزة عبد الكريم... أيقونة كروية مصرية تسير على خطى صلاح

رياضة عربية تفاؤل مصري بمستقبل عبد الكريم في الكرة العالمية (حسابه على «فيسبوك»)

حمزة عبد الكريم... أيقونة كروية مصرية تسير على خطى صلاح

تحوّل لاعب برشلونة الصاعد المصري حمزة عبد الكريم إلى حديث الشارع الرياضي في مصر، بعد تألقه اللافت مع الفريق الكاتالوني منذ انضمامه إليه.

رشا أحمد (القاهرة)
رياضة سعودية كانسيلو مع لابورتا خلال إعارته لبرشلونة في الموسم الماضي (نادي برشلونة)

«الهلال» يعلن رحيلاً نهائياً لكانسيلو... وانتقاله لـ«برشلونة»

أعلن نادي الهلال موافقته على انتقال لاعبه البرتغالي جواو كانسيلو لنادي برشلونة الإسباني بشكل نهائي.

هيثم الزاحم (الرياض)
رياضة سعودية مارينو بوسيتش (النادي الأهلي السعودي)

بوسيتش: أرقام كرة القدم مجرد أرقام هواتف وأتانغانا لاعب رائع

أكد مارينو بوسيتش، مدرب فريق الأهلي، جاهزية فريقه للمواجهة المقبلة أمام أبها، مشدداً على أن هدفه تقديم الفريق بصورة تليق بتطلعات جماهير النادي.

فيصل المفضلي (جدة )
رياضة عالمية فيرجيل فان دايك (أ.ف.ب)

فان دايك يحث لاعبي ليفربول على تدارك الموسم «غير المقبول»

رفع قائد ليفربول، الهولندي فيرجيل فان دايك، راية التحدي في وجه فريقه لتدارك أدائه «غير المقبول» الموسم الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية جياني إنفانتينو (أ.ف.ب)

كيف يمكن الإطاحة بإنفانتينو؟

في ظل مواجهة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو أكبر تحدٍّ لقيادته حتى الآن، عقب انهيار خطته لبيع حصص أقلية في كأس العالم لمستثمرين.

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))

«زوبعة» خريطة «إذاعة الأغاني» تؤكد تعلُّق مصريين بنجوم الطرب القدامى

خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
TT

«زوبعة» خريطة «إذاعة الأغاني» تؤكد تعلُّق مصريين بنجوم الطرب القدامى

خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)

تراجعت «إذاعة الأغاني» المصرية عن تعديل بعض فقرات خريطة بثها اليومي بعد انتقادات «سوشيالية»، كان أبرزها تعديل مواعيد الفقرات الغنائية لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وإذاعتها في مواعيد مغايرة لما اعتاده المستمع.

وأكدت «زوبعة» خريطة الإذاعة الجديدة، التي أُعلن عنها قبل أيام، تعلُّق عدد كبير من الجمهور المصري بنجوم الطرب القدامى، مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وشادية ومحمد عبد الوهاب ومحمد فوزي وغيرهم، والرغبة في الاستماع إليهم بشكل منتظم، من دون المساس بفقراتهم الغنائية اليومية، وفق نقاد.

ومن بين الانتقادات التي سلَّطت الضوء على الخريطة الجديدة، التي أثارت الجدل، منشورٌ للكاتب خالد منتصر عبر موقع «إكس» قبل يومين، وصف خلاله تغيير موعد فقرة أم كلثوم بأنه «عكننة» للسمّيعة، متذوقي صوت «الست».

وأعلن حساب «إذاعة الأغاني» على موقع «فيسبوك» مواعيدها الجديدة، التي ستبدأ الخميس، استجابة وتلبية لرغبة عدد كبير من مستمعي الإذاعة. وحسب البيان، فقد تقرر مدُّ فترة أم كلثوم حتى منتصف الليل، على أن تبدأ حفلتها الساعة 11 مساءً، وهو الموعد المحدد الذي اعتاده المستمع طوال السنوات السابقة، إلى جانب وجود فقرات لفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ومحمد فوزي، ستُذاع في مواعيدها السابقة ضمن «فترة أم كلثوم»، التي تبدأ من الساعة الخامسة مساءً.

ويرى الناقد الفني عماد يسري أن تراجع «إذاعة الأغاني» عن تعديل مواعيد فقرات نجوم الطرب القدامى، بعد الانتقادات، دليلٌ على الانتشار الواسع للإذاعة بين الجمهور المصري، الذي يتفاعل معها بشكل بارز؛ لأنها صاحبة أثر، ولأن بينها وبين المستمع ثقةً متبادلةً منذ سنوات طويلة.

«كوكب الشرق» أم كلثوم (إذاعة الأغاني على موقع «فيسبوك»)

وأوضح عماد يسري لـ«الشرق الأوسط» أن «استجابة الإذاعة لطلبات المستمعين تشير إلى أنها تسير وفق رغباتهم، وأنها ما زالت راسخة، ولها دور مؤثر وفعّال في وجدان الناس على اختلاف مراحلهم العمرية»، مضيفاً: «كل شيء عُرضة للتغيير، ولكن لا بد من وضع التفاعل وآراء الناس في الحسبان».

وتعليقاً على المواعيد الجديدة، أكدت تعليقات «سوشيالية» أن أغاني «الزمن الجميل والذكريات» لا يناسبها ضجيج النهار والانشغال بالعمل، بل تتطلب الهدوء. وأشارت تعليقات أخرى إلى أن «عودة بث أغاني أم كلثوم في الخامسة أعادتهم إلى ذكريات سبعينات القرن الماضي».

وأُنشئت «إذاعة الأغاني» مطلع الألفية الجديدة، وتحتفي بشكل خاص بنجوم الطرب القدامى، عبر إذاعة أغانيهم في مواعيد وفقرات محددة يومياً، إلى جانب وجود فترة ثابتة لأغاني أم كلثوم وحفلاتها النادرة.

مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) المصري (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويؤكد الإذاعي شريف عبد الوهاب، وكيل وزارة الإعلام ورئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، أن «إذاعة الأغاني» من أهم المحطات، حتى إنها أصبحت الملاذ الوحيد بعد اختفاء محطة «أم كلثوم» مؤخراً، لافتاً إلى أن تغيير المواعيد صدم الجمهور في بادئ الأمر؛ نظراً إلى ارتباطه بأصوات طربية في مواعيد بعينها.

وكشف شريف عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط» أن تثبيت فترة أغاني أم كلثوم من الساعة الخامسة حتى ما بعد منتصف الليل هو محاولة من «إذاعة الأغاني» لإحياء برنامج «إذاعة أم كلثوم» القديم، حسب الترتيب الذي اعتاده الناس، موضحاً أن «تثبيت البرنامج الغنائي اليومي أمر ضروري؛ لأنها محطة متخصصة، ولا بد أن تكون خريطتها اليومية معروفة مسبقاً للناس».


مروحة صغيرة حول رقبتك قد تُخفّف الحاجة إلى التكييف

قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
TT

مروحة صغيرة حول رقبتك قد تُخفّف الحاجة إلى التكييف

قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة كونكورديا الكندية عن أنّ المراوح الصغيرة القابلة للارتداء، التي تُبرّد الوجه والرقبة، توفر راحة تضاهي تقريباً مراوح المكاتب التقليدية. وإلى جانب صغر حجمها، تستهلك هذه البدائل خفيفة الوزن طاقة أقل، وتتجنّب تيارات الهواء غير المرغوب فيها التي قد تزعج زملاء العمل القريبين.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في دورية «ساينس إنجين»، إلى أنّ التبريد الموجّه لمنطقة التنفُّس يمكن أن يوفر راحة لكامل الجسم تضاهي التبريد الناتج عن المراوح التقليدية، ما يقدّم حلاً عملياً وموفراً للطاقة في المكاتب ذات المساحات المفتوحة من دون التأثير على شاغليها.

وقال الأستاذ المشارك في قسم هندسة المباني والهندسة المدنية والبيئية بجامعة كونكورديا، والمشارك في إعداد الدراسة، محمد عوف، في بيان، الأربعاء: «تتيح هذه المراوح تشغيل نظام التكييف المركزي مع استهلاك طاقة أقل. ويُعدّ التبريد الموجَّه مفيداً بشكل خاص في الأماكن التي يشغل فيها عدد قليل من الأشخاص مساحة واسعة، كما هي الحال في الأماكن التي تعتمد أنظمة العمل الهجينة».

تبريد الوجه والرقبة

رغم أنّ الوجه والرقبة لا يمثلان سوى نحو 5.5 في المائة من سطح الجسم، فإنهما شديدا الحساسية لدرجة الحرارة.

وقارن الباحثون نوعين من أجهزة التبريد الشخصية القابلة للارتداء، هما مروحة للوجه وأخرى للرقبة، بمراوح مكتبية ذات شفرات وأخرى من دون شفرات. ووجد الفريق أنّ توجيه تدفق الهواء إلى منطقتَي الوجه والرقبة يحقّق تحسّناً في الراحة الحرارية العامة يضاهي تقريباً ما توفّره مراوح المكتب.

واختبر الباحثون الأجهزة الأربعة في بيئة مكتبية مضبوطة على درجة حرارة 25 درجة مئوية، باستخدام نموذج تشريحي متطور يحاكي كيفية تنظيم الجسم البشري للحرارة.

وقاس النموذج، المكوَّن من 23 جزءاً، التغيرات في درجة حرارة الجلد وفقدان الحرارة والراحة الحرارية العامة، في أثناء تشغيل كلّ مروحة بسرعات مختلفة.

وكما كان متوقَّعاً، وفّرت مروحة المكتب ذات الشفرات أقوى تبريد. لكن مروحتَي الوجه والرقبة القابلتين للارتداء اقتربتا كثيراً من أداء مروحة المكتب من دون شفرات، ووفّرتا راحة مماثلة لما توفره مروحة ذات شفرات تعمل بسرعة منخفضة.

وأنتجت مروحة الوجه أكبر قدر من التبريد الموضعي، إذ زادت فقدان الحرارة من الوجه بما يصل إلى 7 واط، بينما برَّد كلا الجهازين القابلين للارتداء المستخدمين بما يكفي لإعادة الراحة الحرارية إلى النطاق الطبيعي.

ووفق الباحثين، حقَّق جهاز التبريد الأمامي ذو الشفرات غير القابل للارتداء أكبر تحسُّن في الراحة الحرارية، نظراً إلى أنّ تدفق الهواء القوي الناتج عنه يزيد فقدان الحرارة بالحمل الحراري حول منطقة التنفُّس والجذع. ورغم فاعليته عند السرعات المنخفضة، فإنّ مساحة التبريد الواسعة تزيد خطر التبريد الزائد عند السرعات العالية، ما قد يؤدّي إلى انتقال تأثير التبريد إلى محطات العمل المجاورة.

وأضاف الباحثون أنه، في المقابل، يبرّد جهازا التبريد الأمامي والخلفي القابلان للارتداء مساحة أصغر، ومع ذلك كان التحسُّن في الراحة الحرارية مماثلاً لما حققه جهاز التبريد الأمامي غير القابل للارتداء من دون شفرات.

ويتوافق ذلك مع نتائج سابقة تشير إلى أنّ الوجه والرقبة منطقتان شديدتا الحساسية للحرارة، إذ يؤدّي التبريد الموضعي البسيط إلى تحسينات كبيرة في الراحة الحرارية للجسم بأكمله.

وتشير نتائج الدراسة إلى أنّ المراوح القابلة للارتداء قد تصبح أداة عملية لتقليل استهلاك الطاقة المرتبط بتكييف الهواء في مكاتب العمل، خصوصاً عندما يشغل عدد قليل من الأشخاص مساحة كبيرة.


«كليم فُوّه»... إنقاذ حرفة من ذاكرة تتناقص أيدي المشتغلين بها

جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)
جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)
TT

«كليم فُوّه»... إنقاذ حرفة من ذاكرة تتناقص أيدي المشتغلين بها

جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)
جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)

على ضفاف فرع رشيد بدلتا مصر، تقف مدينة فُوّه شاهدةً على تاريخ طويل من الحِرَف والصناعات التي صنعت شخصيتها، ومن بينها حرفة الكِليم التي ارتبطت بعائلات المدينة، وتناقلت الأجيال مهاراتها مئات السنوات.

ومع القرن الـ19، تجاوزت سمعة منتجات هذه الحرفة حدود مصر؛ إذ أقبل أوروبيون على شراء السجاد والكليم اليدوي من المدينة.

ولم يكن سجاد فُوّه بعيداً عن المشهد المصري؛ إذ حرصت الأسر العريقة على وجوده في بيوتها، كما استُخدم في فرش المساجد خلال مراحل تاريخية مختلفة.

ويتميّز الكليم الفُوهي بتصميمات تستلهم صورها ورموزها من البيئة المحيطة، من الطيور والعصافير والأراضي الزراعية والخيول، إلى جانب الأهرامات وأبو الهول، ومفردات من التراث الإسلامي، بينها المساجد والآيات القرآنية.

وتظهر كذلك مَشاهد من حياة العرب في الصحراء والحياة اليومية للفلاح المصري، لتصبح القطعة المنسوجة أكثر من مجرّد منتج للاستخدام أو لديكور المنزل؛ فهي مساحة بصرية تختزن هوية المكان وملامحه وذاكرته.

أدوات قديمة وبسيطة تصنع أروع المنسوجات (إدارة صندوق التنمية الثقافية)

وفي محاولة لحماية هذه الذاكرة من التراجع، بدأت مصر توثيق الكليم الفُوهي من خلال خطوات عملية وعلمية اتخذها «بيت التراث المصري»، التابع لقطاع صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، في أول مهمّة ميدانية للبيت خارج القاهرة منذ تأسيسه عام 2022.

ولا يقتصر هدف هذا التوثيق على تسجيل عناصر حرفة الكليم، وإنما يمتد إلى وضع التدابير اللازمة لصونها وضمان استمرارها، وفق مديرة «بيت التراث المصري» الدكتورة فاطمة مصطفى.

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «يرتبط ذلك بأن البيت تأسس ليكون أحد المراكز الأساسية المعنية بجمع عناصر التراث الثقافي غير المادي وتوثيقها، وإنشاء قواعد بيانات يمكن الرجوع إليها في دراسة هذا التراث ووضع خطط للحفاظ عليه».

وتلفت فاطمة مصطفى إلى أنّ «اختيار فُوّه لتكون المحطة الأولى لعمل (بيت التراث) خارج القاهرة لم يكن مصادفة»، مفسِّرةً ذلك بـ«تنوّع الحرف التقليدية في المدينة، إلى جانب ما أظهرته البيانات التي قدَّمها عضو مجلس النواب النائب محمد عبد العليم داود، وما طرحته مؤسّسات المجتمع المدني والحرفيون والمهتمون بالتراث، من تراجع أعداد العاملين بالكليم عاماً بعد عام، وهو ما عزَّز الحاجة إلى الإسراع في توثيق الحرفة وصونها».

أحد الحرفيين خلال ممارسة مهارات صناعة الكليم بفُوّه (الشرق الأوسط)

ووفق مديرة «بيت التراث المصري»، فإنّ أبناء المدينة أكدوا تناقص أعداد الحرفيين، وطالبوا بتوثيق الكليم ووضع الأساس العلمي لصونه. ومن هنا جاءت المهمّة الميدانية التي جمعت بين الاستماع إلى أصحاب الحرفة، ورصد واقعها، وتسجيل تفاصيلها داخل بيئتها الأصلية.

وعن تفاصيل العمل، أوضحت: «لم تتعامل بعثة (بيت التراث) مع الكليم بوصفه قطعة نسيج منفصلة عن سياقها، وإنما عملت على توثيق المنظومة المرتبطة بالحرفة».

وفي هذا السياق، شملت المهمّة 3 عناصر مترابطة، هي الكليم اليدوي والحرام والنول؛ تمهيداً لإعداد ملف علمي لكلّ منها، وإدراج المعلومات ضمن قاعدة البيانات الوطنية التي يعمل البيت على إنشائها.

وشارك الفريق البحثي كاملاً في المهمّة، بما يوفّر للباحثين خبرة ميدانية في تطبيق منهجية الحصر القائمة على المجتمع المحلّي، ويتيح الوصول إلى المعرفة التي لا تزال محفوظة لدى أصحاب الحرفة، وفق مديرة البيت.

باحثو «بيت التراث» خلال لقاءاتهم مع ممارسي حرفة الكليم والاستماع إلى خبراتهم (الشرق الأوسط)

ولا يتوقّف العمل عند جمع المعلومات؛ إذ يجري راهناً إعداد فيلم وثائقي عن الكليم الفُوهي، على أن تكون هذه المرحلة مدخلاً لإعداد خطط لصون الحرفة ودراسة حاجات العاملين بها، من منافذ البيع والتسويق إلى فرص التدريب.

وتتطلَّع المرحلة المقبلة، وفق مصطفى، إلى الاستفادة من خبرات الحرفيين المخضرمين في تدريب جيل جديد، فتنتقل المهارة من «المعلم» أو «الأسطى المخضرم» إلى الشباب، ولا تنقطع السلسلة التي حفظت الكليم الفُوهي طوال عقود.

وترى مديرة «بيت التراث المصري» أنّ «إدراج عناصر التراث على القوائم الدولية يكتسب أهمية، لكنه ليس الغاية الوحيدة؛ فالهدف الأساسي أن يظلَّ التراث حياً وممارساً وحافظاً للهوية، واستمرار الحرفة هو في ذاته أحد أقوى أسباب قدرتها على الحضور في تلك القوائم».

مديرة «بيت التراث المصري» الدكتورة فاطمة مصطفى (الشرق الأوسط)

وتضيف أنّ الصون ينبغي «أن تكون له جدوى اجتماعية واقتصادية تعود على أصحاب الحرفة، وهو جانب يحظى بأولوية في عمل البيت؛ انطلاقاً من أنّ الحفاظ على الكليم لا ينفصل عن تحسين ظروف ممارسيه، وإيجاد أسواق لمنتجاتهم، وتعزيز قدرتهم على البقاء».

بدوره، يرى ابن مدينة فُوّه، أحمد الديب، رائد الأعمال ومؤسِّس علامة «Kilimesta» والمهتم بصون الكليم اليدوي وتطويره، أنّ «قيمة الخطوة تتجاوز مجرّد تسجيل طريقة الصناعة».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الكليم الفُوهي يتمتّع بخصوصية واضحة، سواء لجهة كثافة الرموز والعناصر التراثية التي تظهر في تصميماته، أو جودة التصنيع، أو المهارة المتراكمة لدى الحرفيين، فضلاً عن ثراء مصادر الإلهام المستمدة من البيئة المحلّية، وفي مقدّمتها العمارة التي تتميّز بها فُوّه».

ويرى الديب أنّ توثيق الحرفة يخلق مرجعاً يحفظ تاريخها وتقنياتها وخاماتها وأدواتها وخبرات ممارسيها، فضلاً عن الروايات الشفوية المتّصلة بها. وهذه المعرفة، في رأيه، لا ينبغي أن تبقى حبيسة الذاكرة الفردية، وإنما أن تصبح أساساً يمكن أن يستفيد منه الباحثون والمؤسّسات الثقافية والأجيال الجديدة.

ولا ينظر الديب إلى مهمّة توثيق كليم فُوّه على أنها نهاية المطاف، بل بداية لمسار أطول، تنتقل فيه الحرفة من ذاكرة الحرفيين إلى ذاكرة موثّقة، ومن ورشات محلّية إلى حضور ثقافي واقتصادي أوسع.

ويبقى التحدّي الحقيقي، وفق قوله، في «ألا يتحوّل الكليم الفُوهي إلى صورة محفوظة في أرشيف، بل أن تظلّ الأيدي قادرة على نسجه».