برتقال فلسطين يفوح بنيويورك في عرض راقص من تصميم سمر حدّاد

مصمّمة الرقص الفلسطينية - الأميركية: نقاوم الإلغاء رغم محاولات الإسكات

عرض «Gathering» يحكي قصة فلسطينية في نيويورك الأميركية (مسرح «يا سمر» للرقص)
عرض «Gathering» يحكي قصة فلسطينية في نيويورك الأميركية (مسرح «يا سمر» للرقص)
TT

برتقال فلسطين يفوح بنيويورك في عرض راقص من تصميم سمر حدّاد

عرض «Gathering» يحكي قصة فلسطينية في نيويورك الأميركية (مسرح «يا سمر» للرقص)
عرض «Gathering» يحكي قصة فلسطينية في نيويورك الأميركية (مسرح «يا سمر» للرقص)

هي ذاتها «أرض البرتقال الحزين» التي كتب عنها الأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني. هي فلسطين ذات الأحلام المكسورة والتغريبة الأزليّة، التي تستحضرها سمر حدّاد كينغ في عرضها «Gathering (تجمّع)» على مسرح «The Shed» في نيويورك.

حدّاد المولودة في الولايات المتحدة الأميركية، المتنقّلة دائماً بين أرض الأجداد والبلد الذي استضافها، لم تنسَ لغتها العربية ولا قضيّة شعبها. تتحدّث لـ«الشرق الأوسط» عن عرضها الجديد الذي «لا يذكر الوطن بالاسم، لكنه يجسّده بكل التفاصيل».

مصمّمة الرقص الفلسطينية - الأميركية سمر حدّاد كينغ (مسرح «يا سمر» للرقص)

فصول الحرب

يجمع «Gathering» الرقص التعبيريّ والتمثيل وتحريك الدمى وفنّ الحكواتي ضمن عرضٍ واحد. يحكي قصة «إسراء» ذات الأحلام البسيطة؛ تريد زواجاً وأطفالاً لكنّ العدوّ ونارَه بالمرصاد. تندلع الحرب دائماً وأبداً، تعود كالمواسم العاصفة لتقتلع الأحلام.

بين نغمات سيمفونية «الفصول الأربعة» لفيفالدي، وسطور رواية «الحرب والسلام» لتولستوي، تنقّلت مصمّمة الرقص الفلسطينية - الأميركية، مستلهمةً فكرتها: «شغلتني أحوال الناس خلال الحروب التي تعود إلى بلادنا كما المواسم. يعيشونها تحت المطر والثلج شتاءً، وتحت الشمس الحارقة صيفاً وهُم في العراء». وُلدت الفكرة عام 2018 لتأتي جائحة «كورونا» وتؤخّر التنفيذ. ثم اندلعت حرب غزّة لتحدّد الزاوية وتفرض نفسها على الرواية والكوريغرافيا، فتدخل ثيمات الصدمة والتشتّت والموت.

فرضت حرب غزة نفسها على الرواية والكوريغرافيا (مسرح «يا سمر» للرقص)

دبكة مع الجمهور

كان حضوراً مكتمل النصاب خلال الأمسيات الثلاث من 20 إلى 22 يونيو (حزيران)، وفق ما تؤكّد حدّاد. لم يكتفِ الجمهور بالتفرّج، بل شكّل جزءاً من العرض، إذ صعد بعض المشاهدين إلى الخشبة ليتولّوا تحريك الدمى بأنفسهم. واكتمل التفاعل بمشاركة الحاضرين جميعاً في حلقة الدبكة الفلسطينية على وقع الزغاريد ونغمات «يا ظريف الطول».

تحلم إسراء بزفافها فيما هي في غيبوبةٍ تسبق وفاتها. يتلاقى ذلك مع ما يحدث في غزة منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث تطايرت مخططات وآمال كثيرة مع تطايُر الشظايا والأشلاء في الهواء. تتابع حدّاد ما يجري هناك من خلال اتّصالاتها اليومية بالأصدقاء العالقين في القطاع. تقول: «لكن علينا أن نعمل وإلّا سنجلس عاجزين ونبكي طيلة الوقت». تضيف بواقعيّة: «أدرك تماماً أنّني لا أضع خبزاً على موائد الغزّيّين ولا أقدّم لهم الدرع الواقية من القذائف والصواريخ، لكن القصص التي نحكي تُخبر الناس هنا بأنّنا بشر، مثلنا مثلهم».

التفاعل مع الجمهور جزء أساسي من العرض المسرحيّ الراقص (مسرح «يا سمر» للرقص)

تشكّك الفنانة الفلسطينية في قدرة الفن على تغيير العالم، «لكنها بداية جيّدة بأن تلمسي قلوب البشر من خلاله، وتوقظي إنسانيّتهم، والأهمّ أن تقاومي الإلغاء الذي يتعرّض له الشعب والإرث الفلسطينيَّان». تكشف حدّاد أنه «رغم محاولات الإسكات الكثيرة، فإننا نجحنا في تقديم هذا العرض في قلب نيويورك، وهذا إنجاز بحدّ ذاته».

لا يقتصر الحضور على العرب، وقد كُتب النص بالإنجليزية عمداً كي يفهمه الأميركيون وسائر المشاهدين الأجانب. أما الموسيقى فهي مزيجٌ من «فصول» فيفالدي والنغمات الفلسطينية الفلكلورية، إضافةً إلى أغانٍ بالإنجليزية من تأليف حدّاد.

تقديم العرض الفلسطيني في قلب نيويورك إنجاز (مسرح «يا سمر» للرقص)

برتقالة على قبر إسراء

تحضر الرموز لتكرّس الرسالة الفلسطينية، وعلى رأسها البرتقال الذي يأخذ حيّزاً كبيراً من العرض. لهذه الفاكهة المرتبطة عضوياً بأرض فلسطين مكانة خاصة في قلب حدّاد: «كان أجدادي موزّعين بين يافا وعكّا، وأنا أتحدّر من عائلة مزارعين. مع الأسف، اندثرت أشجار الليمون الآن وانتهت مواسم القطاف». «خسرنا البرتقال»، تقول سمر، «من الفاكهة النادرة التي لا تستلزم سكّيناً من أجل تقطيعها إلى حصص فرديّة». هي ترمز إلى الفرد والجماعة في آنٍ معاً. توضح حدّاد في هذا الإطار «بصفتنا عرباً نحبّ التجمّعات وهي جزء من ثقافتنا، لكن لا يجب أن نهمل فرديّتنا وتطلّعاتنا الشخصية».

تتدحرج مئات حبّات البرتقال على الخشبة، تلاعبها أجساد الراقصين. تنبعث الرائحة في أرجاء القاعة. «هي الحدود بين الأشخاص، وهي الدموع على إسراء والورود على ضريحها»، تشرح حدّاد. يُدعى الحضور في نهاية العرض الممتدّ ساعة وربع الساعة، إلى وضع برتقالة على قبر إسراء. لكن رغم النهاية الحزينة، فإن حداد تُصرّ على أنّ البرتقال هو الأمل وانبعاث الحياة رغم الموت الكثيف.

برتقال فلسطين... أحد أبطال الرواية (مسرح «يا سمر» للرقص)

رحلة على أجنحة الرقص

في عرض «Gathering»، لا يقتصر التنوّع على الجمهور، بل ينسحب على الراقصين الآتين من كل صوب. 13 راقصاً يملأون المسرح، وهم من جنسيات مختلفة: فلسطين، ومصر، وتركيا، وماليزيا، واليابان، وتايوان، وبريطانيا. أمضَى الفلسطينيون من بينهم الأشهر الأخيرة وهم يتدرّبون عن بُعد، وعندما اقترب موعد العرض، انتقلوا من مخيّم عسكر للاجئين في الضفّة الغربية، ومن القدس، وحيفا إلى نيويورك.

أسّست سمر حدّاد مسرح «يا سمر» للرقص عام 2005، وصمّمت منذ ذلك الحين أكثر من 30 عرضاً راقصاً. لم تحصر مشروعها بموقعٍ جغرافيّ واحد، بل أرادت له أن يكون عابراً للحدود، فتآلفَ الراقصون مع فكرة التمرين عن بُعد؛ تعلّق بالقول: «أن تكون فلسطينياً، أي أن تكون قادراً على التكيّف».

تأمل حدّاد في نقل العرض إلى العواصم العربية (مسرح «يا سمر» للرقص)

كلّما اقتضت الحاجة، ينتقل الراقصون من فلسطين إلى الولايات المتحدة. فلسطين هي روح الفرقة وعمودها الفقريّ، وخلال أولى سنوات انطلاقتها جالت بين مهرجانات الرقص في الضفّة الغربية والأردن. أما اليوم فأملُ حدّاد كبير بأن ينتقل عرض «Gathering» إلى أرضه الأصليّة، إلى قلب العواصم العربية: «إذا سمحت الأوضاع الأمنيّة وتوفّر التمويل، ستكون المحطة التالية رام الله، وبعدها القاهرة».

في الأثناء، تستمتع حدّاد بالأثر الذي تركَه العرض على الجمهور وعلى الإعلام الأميركي، وقد وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» بـ«الملحميّ». أمّا بعد «Gathering» فالموعد مع عروض أخرى حول العالم، ومتابعة لأحد المشروعات الأغلى إلى قلب حدّاد؛ ورش عمل الرقص والتمثيل التي تستهدف السجناء واللاجئين.


مقالات ذات صلة

مسرحية «جوغينغ» في عامها العاشر تواصل تجوالها بنجاح

يوميات الشرق الأسود يُظهر قتامتَه الأحمرُ  (الشرق الأوسط)

مسرحية «جوغينغ» في عامها العاشر تواصل تجوالها بنجاح

كلّما بلغت السوداوية ذروتها، تجد الفنانة لمتفرّجها متنفَّساً صغيراً يُخرجه من كمده...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

بأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من أبطال المسرحية ميشيل وهبة ولودي الخوري وفادي أبو شعيا (الشرق الأوسط)

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

المسرحية موجّهة إلى جيل الشباب، وتخاطب خصوصاً أبناء جيل «زد» المهتمّين بمتابعة أخبار مواقع التواصل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق التناغم في الأداء كان حاضراً بين دكاش وشبلي (الشرق الأوسط)

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

اختارت للانطلاق في هذا الطريق حكاية ترتكز على ذكريات شخصية ممزوجة بالخيال...

فيفيان حداد (بيروت)
منحنيات أصولية كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها.

انتصار دردير (القاهرة)

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».