جمانة الزين خوري لـ«الشرق الأوسط»: حتى أفضل الصور لا تُنهي الحرب

صورة محمد سالم الفائزة يُراد لها إتاحة فهم المأساة الفلسطينية

الجانب الآخر للصورة المرتكزة على مأساة شخصية جداً (محمد سالم)
الجانب الآخر للصورة المرتكزة على مأساة شخصية جداً (محمد سالم)
TT

جمانة الزين خوري لـ«الشرق الأوسط»: حتى أفضل الصور لا تُنهي الحرب

الجانب الآخر للصورة المرتكزة على مأساة شخصية جداً (محمد سالم)
الجانب الآخر للصورة المرتكزة على مأساة شخصية جداً (محمد سالم)

يتوجّه الاحتضان المريع في لقطة المصوّر الفلسطيني محمد سالم، الفائزة بجائزة «أفضل صورة صحافية لعام 2024» من منظّمة «وورلد برس فوتو»، إلى جرحنا الغائر. فالمرأة في لقطة مصوّر وكالة «رويترز»، تُدعى إيناس أبو معمر (36 عاماً)، تحتضن جثة ابنة أخيها البالغة 5 سنوات، في مشرحة مستشفى «ناصر» بخان يونس جنوب غزة المُبادَة. تشدّ عليها، لعلّها بهذا العَصْر تُحيي النبض المقتول، وتمنح الدم البارد فرصة أخرى للحياة. ظلَّت تشدّ، لكنّ الغلاوة في الكفن لم تتحرّك. تُدعى سالي، قتلتها الهمجية الإسرائيلية. في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صوَّر سالم هذا القهر المطلق. عناق الجثّة يُظهر لحظة الاعتصار الملوِّعة وهي تُطلق صرخة الإنسان المظلوم في الكون. فوز الصورة واجه العالم بالطفولة المُكفَّنة المُرسلة إلى الغياب قبل أوانه.

الصورة الفائزة تتيح فهم المأساة الفلسطينية (محمد سالم)

تعلم المديرة التنفيذية لمنظّمة «وورلد برس فوتو» في أمستردام، جمانة الزين خوري، أنّ عامل التفوّق الفنّي ليس وحده سبب فوز الصورة. تُخبر «الشرق الأوسط» أنها ليست في عضوية لجنة التحكيم المستقلّة التي تختار الصور الفائزة، لكنها تراقب جلساتها: «من خلال صورة العام هذه، والمشاركات الفائزة الأخرى، بحثت اللجنة عن صور تُظهر واقع الحرب بطريقة تجذب الآخرين وتساعد على التعاطف».

تفوّقها مردّه «ارتكازها على مأساة شخصية جداً». تضيف: «هذا الجانب يُساعد المتلقّي على التواصل معها. في التعليق المُرفق بها، نسرد خلفية ما جرى والمعلومة اللازمة لإيضاح الحدث. فالصورة تُساعد في جعل هذه الأعداد الكبيرة، ضحايا الصراعات، ذات معنى، لإتاحتها نقل المعاناة الفردية التي تُنهِك جميع الخاسرين».

لدى تبلّغه بفوزها، شارك محمد سالم كلمات قليلة عبر «فيسبوك». كتب: «أتمنّى أن تبلغ العالم، وتكون سبباً في وقف الحرب والمعاناة التي يعيشها أبناء شعبنا الفلسطيني. أقدّم هذا الإنجاز إلى أرواح شهداء الصحافة الذين دفعوا من دمائهم لتصل رسالتهم السامية كلَّ العالم». من عمق المشهد المُعذِّب، قلَّ كلامه ودلَّ. اختصر ما أوكل الصورة التعبير عنه، لطاقتها المذهلة حيال كسر الصمت.

المديرة التنفيذية لـ«وورلد برس فوتو» جمانة الزين خوري (صور المنظّمة)

أخبر مدير التحرير العالمي لقسم الصور والفيديو في «رويترز»، ريكي روجرز، وهو يقف أمام الصورة في مبنى «نيو كيرك» التاريخي بالعاصمة الهولندية، أنّ محمد سالم استقبل نبأ الفوز بأسى. فالصورة المُتوَّجة ليست من الصنف الداعي للاحتفال. لكنه عقَّب أنه يقدّر نيلها التكريم وفرصة انتشارها: «يأمل بهذه الجائزة أن يصبح العالم أكثر وعياً بالتداعيات الإنسانية للحرب، خصوصاً على الأطفال».

محمد سالم مصوّر فلسطيني أربعيني، يعمل لدى «رويترز» منذ عام 2003. ليست المرّة الأولى التي تُتوّج صوره. ففي 2010، حصد أيضاً جائزة في مسابقة «وورلد برس فوتو». فوزه هذا العام جعل لجنة التحكيم تُعلّق: «الصورة تُسجّل بقدر كبير من المراعاة والاحترام، وبطريقة مجازية وواقعية في آن، خسارة لا يمكن تصوُّرها».

ما جدوى الجوائز أمام المذابح؟ هل تقوى على توجيه الجهود لإنهاء المأساة؟ تجيب جمانة الزين خوري «الشرق الأوسط»: «يلتقط كلّ مصوّر الصور على أمل ترك أثر. في الماضي، رأينا كيف مهدّت صورة واحدة الطريق لنهاية صراعات أو حروب. صورة نيك أوت لكيم فوك عن فتاة النابالم الفائزة بجائزة أفضل صورة صحافية عالمية لعام 1973 مثالاً. أو كيف ساعدت في فتح ممر آمن للسكان، مثل صورة يفغيني مالوليتكا، عن الغارة الجوّية لمستشفى ماريوبول الأوكراني للولادة، الفائزة بجائزة صورة العام 2023». إذن، لصورة محمد سالم وَقْع مشابه؟ تقول إنها لا تعلم مدى تأثيرها المباشر في إنهاء الحرب، «لكنني أعلم أنه بسبب صورته، سيستمرّ الملايين في الحصول على فهم عاطفي وغريزي لما شعرت به هذه المرأة في تلك اللحظة. فهذا الفهم يولّد رابطاً مباشراً بين متلقّيها وأهل غزة، مما يتيح تجلّي البُعد الإنساني».

تُكمل: «أدّى سالم عمله بشكل جيّد وسط أصعب ظرف. هكذا يفعل المصوّرون، ولا يمكننا طلب المزيد منهم. يمكنهم فقط إظهار حقيقة ما يحدث كما يرونها من خلال عدساتهم».

جمانة الزين خوري وخلفها الصورة القاسية (صور المنظّمة)

منذ تبوّئها منصبها قبل أكثر من 3 سنوات، وهي تسمع تردُّد هاتين العبارتين: «الصورة دائماً موضوعية»، و«الصورة تساوي ألف كلمة». يثبت عالم اليوم مدى بعدهما عن الواقع. تراه عالماً «يتميّز بالاستقطاب، والأخبار الزائفة، وفقاعات المعلومات، والضغط الشديد على حرّية الصحافة، والافتقار إلى سهولة الوصول إلى معلومات مُدقَّقة وجديرة بالثقة». تقول: «ما يفشل الناس في تذكّره غالباً هو أنّ خلف كل عدسة، ثمة شخص حقيقي له تجاربه الحياتية وخلفيته الثقافية. مَن يقف خلف الكاميرا ضروري للصورة التي ستُلتَقط. ولأنّ التقاطها لا يكفي، فقد اتفقنا أخيراً على ضرورة فعل ذلك بطريقة أخلاقية. وجود مصوّر يفهم السياق الذي يصوّره، ويحترمه، جزء أساسي من الصورة».

تستوقفها أهمية الالتفات إلى كيفية قراءة الصورة للتمكُّن من فهمها: «نعم، هناك عالمية في الصور. عالمية تتحدّى اللغات. لكن الصورة الواحدة يمكن قراءتها بشكل مختلف تماماً من شخص إلى آخر. في مثل هذا العالم المستقطِب، حيث تُستهلك الصور في أقل من ثانية، ويجري التفاعل معها بعاطفة هائلة، فإنها تحتاج إلى أن تُصحَب بكلمات تُساعد في شرحها، وهو ما نتّبعه في (وورلد برس فوتو) بالتعاون مع المصوّرين».

يُرغم التصوير على التوقّف والتفكير والشعور والتصرُّف، ومع ذلك تؤكد جمانة الزين خوري على ضرورة التحلّي بالواقعية حين يتعلّق الأمر بما نتوقّعه من المصوِّرين: «هم شهود. يمكنهم فقط مشاركتنا ما رأوه. الصور الفائزة من فلسطين وأماكن أخرى، لا ينبغي أن تورّطنا بوهم مفاده أنه حتى أفضل صورة قادرة على إنهاء الحرب من تلقائها».

جمانة الزين خوري تراقب لجنة التحكيم العالمية لمسابقة الصور الصحافية (صور المنظّمة)

«وورلد برس فوتو» منصّةٌ لمصوّرين يوثّقون قصصاً مهمّة: «دورنا هو دعمهم والدفاع عنهم، وتقديم قصصهم إلى الجماهير حول العالم، والتأكد من أنّ صورهم موضوعة في سياق مناسب مع تعليقات مدروسة جيداً. ذلك للمساعدة في خلق تفاهم أفضل يُعزّز الحوار ويكسر الاستقطاب». ولأنّ المنظّمة تصل إلى أكثر من مليارَي شخص، اتّبعت استراتيجية تعتمد على أهمية تنوُّع الفائزين والقصص. تقول خوري: «نؤمن أنه بربط الناس بقصص متنوّعة ترويها أصوات متنوّعة، يمكننا محاولة سدّ الفجوة بين القصص ورُواتها الذين غالباً ما يجري سماعهم كثيراً، وأولئك الذين لا يُسمَعون».

وصورة محمد سالم الفائزة؛ أتعدُّها خطوةً نحو العدالة للفلسطينيين؟ تؤكد تأثيرها وإتاحتها اكتساب الآخرين قدراً من الفهم: «ستبقى في الأذهان، ونبذل أقصى الجهد لإيصالها إلى أوسع نطاق».


مقالات ذات صلة

هل هددت «حماس» إسرائيل بتكرار 7 أكتوبر؟

خاص فلسطينيون يملأون عبوات بلاستيكية ماءً في دير البلح بغزة (أ.ب)

هل هددت «حماس» إسرائيل بتكرار 7 أكتوبر؟

نفى حازم قاسم، الناطق باسم حركة «حماس»، في تصريح مقتضب وزعه للصحافيين بغزة، أن تكون حركته وجهت أي تهديد لتنفيذ هجوم مماثل للسابع من أكتوبر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق نسرين سكيك (إنستغرام)

من غزة إلى العالم... طفلة فلسطينية تصل إلى نهائيات جوائز صناع المحتوى الرقمي

تأهلت الطفلة الفلسطينية نسرين سكيك إلى نهائيات جوائز صناع المحتوى الرقمي (Digital Creator Awards) لعام 2026، ضمن قائمة تضم ثمانية متنافسين، فماذا تعرف عنها؟

يسرا سلامة (القاهرة)
المشرق العربي فلسطيني يحمل ألواحاً معدنية يمر بأطلال مبانٍ دُمرت خلال الحرب يوم الأحد (أ.ب) p-circle

أزمات غزة تتصاعد... شح في البضائع ووقف المساعدات عن نصف مليون شخص

تتفاقم الأزمات الإنسانية في قطاع غزة، من يوم إلى آخر، بفعل القيود والإجراءات الإسرائيلية، بالإضافة إلى إعلان منظمات دولية تراجع الدعم المقدم للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)

برنامج الأغذية العالمي يوقف المساعدات لنصف مليون شخص في غزة

أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، اليوم (الاثنين)، أنه سيوقف تقديم المساعدات الشهرية لنحو 500 ألف شخص في قطاع غزة بسبب نقص التمويل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.