عودة السارق الخارق... إلى الشاشة

عمَر سي يبدع من جديد في الموسم الثالث من «لوبان» على «نتفليكس»

«لوبان» المسلسل الفرنسي الأشهر عالمياً يعود في موسم ثالث (نتفليكس)
«لوبان» المسلسل الفرنسي الأشهر عالمياً يعود في موسم ثالث (نتفليكس)
TT

عودة السارق الخارق... إلى الشاشة

«لوبان» المسلسل الفرنسي الأشهر عالمياً يعود في موسم ثالث (نتفليكس)
«لوبان» المسلسل الفرنسي الأشهر عالمياً يعود في موسم ثالث (نتفليكس)

توارى «أسان ديوب» عن الأنظار سنتَين، لكنه عاد ليطلّ من نافذة «نتفليكس» في موسم ثالث من مسلسل «لوبان» (Lupin). غلبه الشوق إلى عائلته ومغامراته، في وقتٍ كان متابعوه قد غلبهم الشوق إليه، بعد النجاح غير المسبوق الذي حققه الموسمان الأوّلان من السلسلة الفرنسية عام 2021.

في الموسم الثالث الذي انطلق عرضه قبل أيام، يقرر ديوب العودة إلى باريس بعدما أمضى عاماً متخفياً في مرسيليا. هناك زوجته «كلير» وابنه «راوول» يقضيان يومياتهما تحت مراقبة الشرطة وطريدةً لعدسات الصحافيين وأقلامهم. أما هو فصوره تملأ الشوارع كالمطلوب رقم واحد في فرنسا على خلفيّة السرقات التي سبق أن ارتكبها، إلا أنه جاهز للمخاطرة بحرّيته من أجل إنقاذ عائلته الصغيرة. لكن لن يحصل ذلك قبل أن ينفّذ أكبر عمليّة سرقة في سجلّه الحافل؛ «اللؤلؤة السوداء».

عرف المشاهدون ديوب خلال الموسمَين السابقَين من المسلسل، سارقاً محترفاً وخفيف الظلّ، تبرّر له الكاريزما الكثير من أفعاله المخالفة للقانون. هو المتأثّر بشخصيّة «السارق الجنتلمان، أرسين لوبان» حتى أصغر تفصيل، أخذ عنه الجاذبيّة والظُرف. أضاف ديوب إلى شخصيّة «لوبان» الأدبيّة الشهيرة، التي ابتكرها الكاتب الفرنسي موريس لوبلان عام 1905، بُعداً إنسانياً. فخلال الموسمَين الأوّلَين، تابع الجمهور ديوب وهو ينتقم لوالده الذي اتُهمَ ظلماً بالسرقة من قبل مشغّليه فانتحر داخل زنزانته، ليمضي الولد مراهقته يتيماً.

شاباً، نجح ديوب في انتقامه لكنّ جرحاً قديماً لم يندمل في قلبه. الفراغ الذي تركته والدته في كيانه بسبب غيابها خلال أكثر من 25 عاماً، قد يمتلئ خلال هذا الموسم. لكن قبل الوصول إلى حضن الوالدة ومحاولة استرجاع عائلته الصغيرة، يجد ديوب نفسه وسط حلقة متلاحقة من السرقات التاريخيّة. تبدأ السبحة بـ«اللؤلؤة السوداء» التي لا تُقدّر بثمن، وتكرّ لتشمل إحدى أشهر لوحات الرسّام إدوارد مانيه، لتصل إلى سوار مرصّع بأغلى الحجارة الكريمة.

أسان ديوب واللؤلؤة السوداء (نتفليكس)

يمتدّ الموسم الجديد على 7 حلقات يمكن مشاهدتها خلال جلسة واحدة. يقدّم الممثل الفرنسي عمر سي أداءً آسراً كالعادة على مستويَي الحركة والمضمون. غير أنّ حضوره الاستثنائي لا يكفي لإنقاذ النصف الأوّل من المسلسل من بعض الملل والتشتّت. ليس سوى في الحلقة الخامسة حتى تتماسك الحبكة التشويقيّة وتتكثّف الإثارة، وتتّضح أكثر المعالم الإنسانيّة الكامنة وراء الأحداث. أما بالمقارنة مع الموسمَين السابقَين، فإنّ السرديّة تبدو أضعف ومستوى التشويق أقلّ.

يتمادى سيناريو الكاتب البريطاني جورج كاي في الخيال أحياناً. إذ ليس كل ما يقع من أحداث وتطوّرات في «لوبان» مقنع ومنطقيّ، لا سيّما ما يتعلّق بقدرات ديوب الخارقة وأزيائه التنكّريّة التي لا تُعَدّ ولا تُقنع العين في بعض الإطلالات. أما ما قد يقف أمامه المشاهد غير مصدّق، فهو التفاوت الفظيع بين مستوى ذكاء ديوب القياسيّ وقدرات الشرطة التي تلاحقه طيلة المسلسل. وما هو أكثر مَدعاةً للذهول، تلك العلاقة الغريبة بين لوبان والمحقق في الشرطة «يوسف قديرة»، الذي يتحوّل مرةً جديدة إلى شريكٍ له في مخططاته.

الممثل عمر سي بدور أسان ديوب والممثل سفيان قراب بدور المحقق يوسف قديرة (نتفليكس)

يغوص الموسم الثالث من «لوبان» في ماضي أسان ديوب، ويستفيض في مشاهد الاسترجاع (flashbacks) التي تعود إلى طفولة البطل، فيتّضح الكثير عن حاضره من خلالها. يسير الخطّان السرديّان بالتوازي ليكشفا هويّة مدرّب ملاكَمة تولّى رعاية ديوب بعد أن صار يتيماً، مُلحقاً به أذىً كبيراً. وفي هذا السياق، يقدّم الممثّل الصاعد مامادو حيدرة أداءً لافتاً في دور ديوب المراهق.

الممثل الصاعد مامادو حيدرة بدور أسان ديوب مراهقاً (إنستغرام)

الرابط وثيق بين ماضي ديوب وحاضره، وإذا كان الملاكم «كيللير» يشكّل الوجه القاتم فيه، فإنّ الإشراقة تتولّاها والدة البطل «مريَمة»، التي تعود من السنغال بعد غياب قسريّ دام 25 عاماً. مع العلم بأنّ شخصيّة الوالدة محوَريّة في هذا الموسم من «لوبان».

ومن بين الشخصيات المؤثّرة، زوجة ديوب «كلير»، التي قامت بأدائها الممثلة لوديفين سانييه، وابنُه «راوول» (إيتان سيمون). أما مرآةُ ديوب والواقف حصناً وراءه ووراء بطولاته، فهو صديقه المقرّب وشريكه في التخطيط والمخاطرة «بنجامين» (أنطوان غوي). يحفظ بنجامين أسرار ديوب ويخترع له المخابئ ويرافقه في سرقاته البهلوانيّة الخطرة.

ديوب مع صديقه المقرّب وشريكه بنجامين فيريل (نتفليكس)

العلاقة بين أسان وبنجامين جزءٌ أساسيّ من المنحى الإنساني الذي تأخذه القصة. فهذه المرة، ديوب ليس «السارق الخارق» فحسب، بل هو محاط بشبكة من العلاقات الشخصية التي تفصح الكثير عن مشاعره. تحت الجلدة السميكة للرجل الخارج على القانون، يختبئ زوجٌ محبّ وأبٌ حنون وصديقٌ وفيّ وابنٌ يخاطر بحياته من أجل والدته العائدة.

لكن أبعد من العلاقات مع العائلة والمقرّبين، ينسج ديوب علاقةً مع الشعب من دون أن يتعمّد ذلك. ففي هذا الجزء من المسلسل، يظهر كبطلٍ قوميّ. ومقابل صوره المعلّقة في الشوارع كالمطلوب رقم واحد، يحتشد الناس في مظاهرة حاملين صورَه خلال محاولة للقبض عليه، ومطالبين بحرّيّته. بالنسبة إليهم، يرمز ديوب إلى العدالة الاجتماعيّة التي تطمح إليها طبقات الفقراء والمهمّشين والمهاجرين.

في الموسم الثالث من «لوبان»، يتحوّل أسان ديوب إلى بطل قوميّ يحبه الناس ويتظاهرون دفاعاً عنه (نتفليكس)

على مستوى الصورة، اللقطات العامّة لباريس هي من أجمل ما يقدّمه العمل. تبدو العاصمة الفرنسيّة بأبهى حلّة، في وقتٍ يتنقّل ديوب بين شوارعها وفوق سطوحها بخفّة طير.

لم تبخل «نتفليكس» في التسويق بكثافة للموسم الثالث من «لوبان». كيف لا والمسلسل الفرنسي يحتلّ المرتبة الثالثة بين الأعمال الأكثر مشاهدةً غير الناطقة بالإنجليزية على المنصة، بعد الكوريّ «Squid Game» والإسباني «La Casa de Papel».

التفاف شعبي حول أسان ديوب ومظاهرات داعمة له (نتفليكس)

النهاية المفتوحة للموسم الثالث من «لوبان» توحي وكأنّ وداع ديوب مؤجّل. استنتاجٌ أكّده مؤلّف العمل جورج كاي في حديث مع مجلّة «فارييتي»، إذ قال إن المسلسل يملك ما يكفي من الأساسات الطموحة حتى يُستَكمل إذا ما طُلب ذلك.


مقالات ذات صلة

صانع قنابل... لغز رجل أطلقت سراحه ألمانيا وطارده شبح «لوكربي»

يوميات الشرق مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

صانع قنابل... لغز رجل أطلقت سراحه ألمانيا وطارده شبح «لوكربي»

مروان خريسات... رحلة صانع قنابل «القيادة العامة» من حروب الظلِّ ودهاليز الاستخبارات، إلى لغز تفجير «لوكربي» الذي أعاده مسلسل «نتفليكس» الأخير للواجهة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

قصة الراكب العربي الوحيد في لوكربي، طالب العمارة اللبناني خالد جعفر الذي سحقته المؤامرات وبرأه الحطام، ليعود اسمه للواجهة مجدداً في دراما نتفليكس.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)

«تفجير بان آم 103»... تحيّة لإنسانية أهل لوكربي بعد 38 سنة على كارثة الطائرة

مسلسل «نتفليكس» يعود بالذاكرة إلى تفجير طائرة «بان آم 103» فوق لوكربي مركّزاً على تعاطف أهل القرية الاسكوتلندية مع الضحايا وذويهم، وعلى صراع الأجهزة في التحقيق.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق شعار «نتفليكس» (أ.ف.ب)

«نتفليكس» استخدمت الذكاء الاصطناعي في 300 عمل هذا العام

أعلنت شركة «نتفليكس»، الأميركية العملاقة لخدمات البثِّ الرقمي المباشر استخدام الذكاء الاصطناعي في نحو 300 عمل فني خلال العام الحالي فقط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)

«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل جديد على «نتفليكس» يعيد إحياء روايات لورا إنغالز، ويقدّم للجمهور كل إمكانات الهروب من الواقع إلى عالمٍ مثاليّ شكلاً ومضموناً.

كريستين حبيب (بيروت)

«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)
على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)
TT

«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)
على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)

من أسفل مبنى بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيروت، يحتاج المرء إلى أن يبتعد قليلاً كي يرى الإنسان. تتجمَّع مئات المربّعات الملوَّنة فوق الجدار، ويخرج منها وجه وهيئة بشرية تبدوان لوهلة واضحتين. لكنْ ما إنْ يقترب حتى يبدأ كلّ شيء في التفتُّت. الوجه الذي ظنَّ أنه أمسك بملامحه يعود ألواناً متناثرة، والإنسان الذي كان هناك منذ ثوانٍ يصبح عصياً على التحديد.

الفقد أن يبقى المكان وينقصه صاحبه (الشرق الأوسط)

هذه المسافة بين أن ترى شخصاً ثم تفقده هي الفكرة التي اختارها الفنان الغرافيتي سبازونو لجدارية المفقودين التي كشفت عنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في منطقة الحمرا. وتحت الصورة، تختصر عبارة ما عجزت عقود عن إغلاقه: «آلاف فُقدوا، وآلاف يُفتَقدون». فالاختفاء يحدُث مرة، أما الافتقاد فيتكرَّر بلا توقُّف.

كُشفت الجدارية بالتزامن مع اليوم العالمي للعمل الإنساني، وقبيل اليوم العالمي للمفقودين والمخفيين قسراً في 30 أغسطس (آب) الحالي. وحضر المناسبة ممثّلون عن لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، والهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى جانب شخصيات وفنانين وإعلاميين وشركاء في القضية.

مربّعات تتّحد لتصنع ملامح الغياب (الشرق الأوسط)

يقوم العمل الفنّي على خدعة بصرية مؤلمة في معناها. من بعيد، تبدو الهيئة البشرية شبه مُكتملة، كأنّ الذاكرة استطاعت أخيراً جَمْع أجزاء الشخص الغائب. ومع الاقتراب، تفقد الملامح تماسكها وتتحوّل إلى وحدات لونية منفصلة، فتنسحب الصورة من العين في اللحظة التي تعتقد فيها أنها أصبحت في متناولها.

في الرؤية المرافقة للعمل، يصبح هذا التحوّل صورة لتجربة عاشتها عائلات كثيرة في لبنان. فالأثر يظهر والرواية تُسمَع ومعلومة تفتح باباً، ثم يعود اليقين إلى التلاشي. وما بدا قريباً من الوضوح يستحيل مرة أخرى حالة ضبابية.

عيون شابّة ترسم انتظاراً سبقها بسنوات (الشرق الأوسط)

والجدارية مختلفة وفق موقع الناظر منها. تحتاج إلى المسافة كي ترى الشخص، وتحتاج إلى القُرب كي تدرك أنك عاجز عن رؤيته كلّياً. وقد أنجزها الفنان مُستلهماً مشروعاً شارك فيه طلّاب التصميم الغرافيكي في الجامعة اللبنانية الأميركية، دعتهم خلاله اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى قراءة قصص المفقودين وتحويلها إلى صور. وجاءت الأعمال الطلابية كأنها مسودات متعدّدة للغياب، لكلّ منها لغتها مع احتفاظ الوجع بحدّته.

في أحد الرسوم، اختارت آية لبّان السؤال اللبناني الأكثر التصاقاً بالقضية: «وينن؟». سؤال حملته أمهات وزوجات وأبناء على مدى سنوات، وبقي أطول عمراً من كثير من الأجوبة التي وُعدوا بها. الأعمال جميعها لا تتعامل مع المفقود على أنه رقم في ملف منسيّ. تُعيده إلى حقيبته وقميصه ومسبحته وكرسيه، وإلى أفراد عائلته الذين ما زالوا يتركون له مكاناً في حياتهم.

وداد حلواني أمام حكاية تعرفها منذ عقود (الشرق الأوسط)

هذا المعنى حملته رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان وداد حلواني، التي أعادت خلال المناسبة التذكير بمسيرة تمتدّ على نحو 4 عقود ونصف العقد من المطالبة بمعرفة مصير الأحبّة. وترى أنّ حقّ العائلات في المعرفة يتجاوز أصحاب القضية، فهو حقّ إنساني يرتبط بقدرة المجتمع على مواجهة ماضيه والتعلُّم منه، وعلى منع تكرار ما حدث.

كلمة حلواني تستعيد تاريخاً صنعته العائلات قبل أن تصنعه المؤسّسات. فالقضية بقيت حيّة لأنّ أمهات وزوجات وأبناء رفضوا أن يتحوّل غياب أحبّائهم إلى صفحة مطويّة، وحملوا الصور والأسماء والأسئلة من شارع إلى آخر، ومن اعتصام إلى آخر، طوال سنوات تغيَّر خلالها لبنان مرات كثيرة وبقي الانتظار على حاله.

جيل جديد يحمل سؤالاً أقدم منه (الشرق الأوسط)

من جهته، أشار رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً القاضي جوزف سماحة إلى الصعوبات والمعضلات التي تعترض عمل الهيئة، وإلى أهمية تعاون الجهات الرسمية والعاملين في المجالات العامة والاجتماعية والإنسانية في لبنان وخارجه. ورأى أنّ تنسيق هذه الجهود يُشكل دعماً أساسياً لمهمّة البحث عن مصيرهم.

نائب رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في لبنان يان ميسكوك أعاد بدوره تأكيد استمرار عمل اللجنة إلى جانب عائلات المفقودين، بعد عقود من مرافقتها في البحث عن الإجابات، مشيراً إلى أنّ هذا المسار يتواصل بالتعاون مع العائلات ولجنة الأهالي والهيئة الوطنية.

أسماء غابت وظلّت أماكنها دافئة (الشرق الأوسط)

اختيار جدار كبير في الحمرا لهذه القضية يُضيف إلى العمل دلالة. فالمفقود يخرج من الأرشيف والوثيقة والصورة العائلية إلى يوميات المدينة. يراه المارّ إلى عمله والطالب وسائق السيارة، ومَن يعرف الحكاية ومَن وُلد بعد انتهائها بسنوات. مَهمّة الفنّ في هذه الحالة أن يمنع الأثر من الاختفاء.

فنانون وإعلاميون وإنسانيون حضروا من أجل مَن غابوا (الجهة المنظّمة)

لهذا كانت المربّعات التي تتفتَّت منها هيئة الإنسان أكثر تعبيراً من صورة مُكتَملة. ففي قضية المفقودين اللبنانيين، تملك العائلات شذرات كثيرة، من صورة أخيرة وتاريخ ورواية سمعها أحدهم وشاهد رَحَلَ، واسم وَرَدَ في مكان ما. تنقصها القطعة التي تجعل كلّ ذلك حقيقة يمكن الإمساك بها.

مرَّ زمن طويل على اختفاء كثيرين. كَبِرَ أبناؤهم وشاخ آباؤهم ومات بعض الذين انتظروا قبل أن يسمعوا الجواب. ومع ذلك بقيت الأشياء معلَّقة في مكانها، من قميص في خزانة، إلى صورة على جدار واسم في بيت. لهذا تبقى العبارة أسفل الجدارية بعد انتهاء الكلام كلّه: «آلاف فُقدوا، وآلاف يُفتَقدون». كأنّ الغياب مهما طال لا يتعلَّم كيف يصبح ماضياً.


«الاعتقال»... عندما تصبح النزاهة أثمن من ملايين «إل تشابو»

صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)
صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)
TT

«الاعتقال»... عندما تصبح النزاهة أثمن من ملايين «إل تشابو»

صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)
صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)

في عمق ليلة ثامنة من يناير (كانون الثاني) لعام 2016، لم تكن المكسيك تدري أنها على موعد مع إسدال الستار على واحدة من أكثر المطاردات إثارة في التاريخ الحديث.

خلف كواليس هذا الحدث التاريخي، لم تكن طائرات الهليكوبتر أو القوات الخاصة هي من حسمت المعركة في فصولها الأخيرة، بل كانت دورية شرطة روتينية، وضابطان وجدا نفسهما وجهاً لوجه مع الرجل الذي مرّغ هيبة الدولة في التراب لسنوات، خواكين غوزمان، الشهير بـ«إل تشابو».

الممثلون المكسيكيون نوي هيرنانديز وألفونسو هيريرا وهيكتور كوتسيفاكيس يقفون على السجادة الحمراء فور وصولهم لحضور العرض الأول لفيلم «La Captura» (أو «Facing El Chapo») في مكسيكو سيتي في 18 أغسطس 2026. (أ.ف.ب)

اليوم، تعيد منصة «نتفليكس» إحياء هذه اللحظات الفاصلة عبر فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال)، من بطولة النجم المكسيكي ألفونسو هيريرا ونوي هيرنانديز وهيكتور كوتسيفاكيس.

لكن العمل لا يأتي ليمجد إمبراطورية الدم والدموع التي شيدها الكارتيل، بل ليتسلل إلى الشروخ النفسية والمعضلات الأخلاقية العميقة التي واجهها حماة القانون في تلك الليلة الاستثنائية، ملقياً الضوء على الثمن الباهظ للنزاهة في بلاد نهشها الفساد.

من هو «إل تشابو»؟... الأسطورة السامة لكارتيل سينالوا

قبل الغوص في تفاصيل السينما، لا بد من تفكيك ظاهرة خواكين «إل تشابو» غوزمان، الرجل الذي تحول من مزارع فقير في جبال ولاية سينالوا إلى أعتى بارونات المخدرات في العالم بعد سقوط إمبراطورية الكولومبي بابلو إسكوبار.

خواكين غوزمان لويرا المعروف بـاسم إل تشابو (أ.ب)

«إل تشابو»، وتعني (القصير) بالعامية المكسيكية، لم يكن مجرد تاجر مخدرات، بل كان عرّاب شبكة تهريب دولية معقدة امتدت عبر القارات.

اشتهر غوزمان بذكائه الحاد وقسوته المفرطة، لكن ما جعله أسطورة حية في عالم الجريمة المنظمة كان قدرته الخارقة على اختراق منظومة الدولة.

نجح «إل تشابو» في الهروب من السجون المكسيكية شديدة الحراسة مرتين، الأولى عام 2001 عبر عربة لغسيل الملابس، والثانية عام 2015 في عملية هوليوودية عبر نفق حُفر بدقة تحت زنزانته وامتد لأكثر من كيلومتر ونصف الكيلومتر.

سطَّر هذا الهروب الأخير إهانة بالغة للحكومة المكسيكية، وتحول القبض عليه مجدداً إلى مسألة كبرياء وطني ومطلب دولي ملحّ.

حُكم على «إل تشابو» البالغ من العمر 69 عاماً بالسجن مدى الحياة، بالإضافة إلى 30 عاماً، صدر هذا الحكم النهائي الصارم من قِبل محكمة فيدرالية أميركية في نيويورك عام 2019 بعد إدانته بـ10 تهم جنائية كبرى، تشمل إدارة منظمة إجرامية مستمرة (كارتيل سينالوا)، وتوزيع طن من المخدرات على نطاق دولي، وتهم غسل الأموال واستخدام الأسلحة النارية.

ويقبع غوزمان حالياً داخل سجن «إيه دي إكس فلورنس» (ADX Florence) الشهير في ولاية كولورادو، وهو السجن الفيدرالي الأكثر حراسة وتأميناً في الولايات المتحدة والمعروف باسم «جحيم الصخور»، نظراً لاستحالة الهروب منه.

 

كواليس تسبق الشاشة... لقطات «إل تشابو» المسربة تمهد للفيلم

قبل أيام قليلة من عرض الفيلم الذي يروي كواليس سقوط إمبراطور المخدرات، حركت صحيفة «إل يونيفرسال» (El Universal) المكسيكية المياه الراكدة بنشر 3 مقاطع فيديو غير مسبوقة لخواكين «إل تشابو» وثقت اللحظات الأولى لاعتقاله عام 2016.

وتُظهر اللقطات الحصرية المهرب الأخطر وهو يغسل وجهه وشعره الملطخين بالطين داخل غرفة فندق «دوكس» بعد فراره عبر مجاري الصرف الصحي، بينما يوثق مقطع آخر نقله في سيارة ترحيل عسكرية، وهو يسأل عناصر الأمن: «هل ستعاملونني بشكل سيء؟».

كما تضمنت التسريبات حديثاً نادراً يعترف فيه «إل تشابو» ببدء تجارته للمخدرات منذ سن الخامسة عشرة، ويكشف عن توجيهه تعليمات صارمة لأبنائه ورجاله بعدم الدخول في مواجهة مسلحة مع الدولة في حال سقوطه، مما يمنح المشاهدين تمهيداً واقعياً وحياً بالصوت والصورة قبل الغوص في تفاصيل الفيلم الذي بدأ عرضه اليوم.

 

 

ليلة السقوط... نفق الصرف الصحي والدورية المجهولة

 

ينطلق فيلم «La Captura» من كواليس عملية «البجعة السوداء» التي نفذتها قوات مشاة البحرية المكسيكية في مدينة «لوس موتشيس» في الثامن من يناير من عام 2016. وعلى الرغم من المداهمة العنيفة لخبئه، أثبت «إل تشابو» مرة أخرى أنه ثعلب الأنفاق، إذ تمكن من الفرار رفقة نائبه عبر شبكة الصرف الصحي للمدينة، ليخرجا من إحدى البالوعات ويقوما بسرقة سيارة تحت تهديد السلاح.

هنا تحديداً، يترك الفيلم صخب الطائرات والجنود ليركز عدسته على ما حدث على الطريق السريع.

دورية شرطة فيدرالية روتينية ترصد السيارة المسروقة وتوقفها. لم يكن الضابطان يعلمان أن صيدهما الليلة ليس مجرد سارق سيارات عادي، بل هو الرجل الأكثر طلباً على وجه الأرض. في تلك اللحظة، داخل سيارة الدورية، يولد الفيلم درامياً ونفسياً.

صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)

«الفضة أو الرصاص»... الصراع الأخلاقي خلف مقود الدورية

ينتقل العمل ببراعة ليجسد فلسفة الكارتيلات الشهيرة: «Plata o Plomo» (الفضة أو الرصاص... إما أن تقبل الرشوة وإما أن تستقبل رصاصة في الرأس).

داخل السيارة، عرض «إل تشابو» على الضابطين عروضاً يسيل لها اللعاب: قصور، أراضي، وملايين الدولارات التي تضمن تأمين عائلاتهم لأجيال، في مقابل غض الطرف والسماح له بالمرور إلى بر الأمان.

يقدم ألفونسو هيريرا أداءً مشحوناً بالتوتر، يجسد من خلاله الضغط النفسي الهائل الذي يقع على عاتق شرطي بسيط يتقاضى راتباً ضئيلاً.

المخرج لم يختر تقديم الضباط كأبطال خارقين لا يهابون شيئاً، بل أظهرهم كبشر من لحم ودم، يرتجفون خوفاً، يفكرون في مصير زوجاتهم وأطفالهم إذا ما علم الكارتيل بهويتهم، ويحسبون كلفة الرفض التي قد تعني تصفيتهم وتصفية عائلاتهم في غضون ساعات. معركة الصمود الأخلاقي أمام إغراء المال وسلطة الموت.

سينما النزاهة في مواجهة تمجيد الجريمة

تكمن أهمية فيلم «La Captura» في تحويله البوصلة الدرامية، فبينما غمرت المنصات الرقمية الأسواق بمسلسلات تضفي طابعاً رومانسياً أو بطولياً على رجال العصابات على غرار «ناركوس» وغيرها، يأتي هذا العمل ليعيد الاعتبار للجنود المنسيين في الحرب ضد الجريمة.

المادة السردية للفيلم تؤكد أن البطولة الحقيقية في المكسيك لا تكمن في حمل السلاح بقدر ما تكمن في قول «لا» للفساد. لقد قاوم هؤلاء الضباط الإغراء، وقاموا بنقل غوزمان إلى فندق صغير على أطراف الطريق لتأمينه حتى وصول التعزيزات، خوفاً من تعرض مركز الشرطة المحلي للمداهمة من قبل رجال الكارتيل لتخليص زعيمهم.

يأتي فيلم الاعتقال كوثيقة سينمائية مثيرة تكشف عن أن سقوط الإمبراطوريات لا يحتاج دائماً إلى جيوش جرارة، بل قد يكفي لترجيح كفة العدالة وجود رجلين شريفين في المكان والوقت المناسبين، إذ يعتبر تحية درامية سوداوية ومشوقة لرجال اختاروا شرف المهنة، ودفعوا في كثير من الأحيان حياتهم ثمناً للحظة نزاهة عابرة غيرت مجرى التاريخ.


«ذيل الحصان»... نبات عاش قبل الديناصورات ونجا من الانقراض

لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
TT

«ذيل الحصان»... نبات عاش قبل الديناصورات ونجا من الانقراض

لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)

اسمه «ذيل الحصان»، وهو نبات قد يصمد أمام كلّ شيء. للوهلة الأولى، يبدو مثل فرشاة لتنظيف المرحاض، لكنه أقدم من الديناصورات. ولا يستطيع المرء مقاومة تمرير يده على شعيراته إلى جانب الطريق، حتى لو رمقه المارّة بنظرات مستغربة.

تروي «الغارديان» الحكاية، وتقول إنَّه على جانبي الطريق الريفي يمتدّ بساط من الخضرة الناعمة، كأنَّ المشهد اقتُطع من غابة استوائية؛ خضرة يانعة وسط طبيعة أكلها الجفاف، فصبغها بالبني والأصفر.

يبدو نبات ذيل الحصان الحقلي ناعماً ومنتفشاً، لكن ما إن تلمسه حتى تكتشف خشونته وصلابته. ويمكن استخدام سيقانه مثل فرشاة فعّالة لتنظيف المرحاض؛ فشعيراته غنية بالسيليكون الكاشط، مما يمنحها ملمساً خشناً أشبه بورق الصنفرة. ولعلّ هذا ما يفسر أحد أسمائه الشائعة، «فرشاة الجلي»، إذ كان يُستخدَم قديماً لتنظيف الخشب وتلميع المعادن.

وإذا تعاملتَ معه برفق، فيمكنك فصل ساقه المجوفة ذات العقد عند إحدى وصلاتها، ثم إعادة تركيبها بسهولة، مثل الأنابيب التي كان الأطفال يستخدمونها لبناء الأشكال، فتعود إلى موضعها بانسجام يبعث على الرضا.

ويعود وجود نبات «ذيل الحصان» على الأرض إلى ما قبل ظهور الديناصورات بوقت طويل. وكانت هذه النباتات، التي لا تزهر، عملاقةً في ذلك الزمن، إذ تجاوز ارتفاعها 20 متراً، ويُرجَّح أنَّها كانت من بين النباتات التي تغذَّت عليها الديناصورات آكلة النباتات.

كلّما ضاقت به الأرض وجد تحتها طريقاً آخر (بكسلز)

ولعل بقاءها منذ عصور ما قبل التاريخ ونجاتها من موجات انقراض جماعي خير دليل على قدرتها الاستثنائية على التَّكيُّف والصمود. وهي صفات جعلت منها نباتاً عشبياً شديد النجاح، وإن كان غازياً في بعض المناطق.

وتُفسّر قدرتها على الازدهار رغم شحّ الأمطار في شرق إنجلترا بامتداد جذورها تحت الأرض؛ إذ تمتلك شبكةً واسعةً من الجذامير يمكن أن تتعمّق أمتاراً، بل تمتدّ تحت الطرق أو أساسات المباني. ولهذا يصعب التخلّص منها؛ فهي تنتشر سريعاً عبر الأبواغ، وتمضي في الانتشار خفية تحت سطح الأرض.

ولحُسن الحظ، لا يبدو أنّ هذه الرقعة الصغيرة، في قلب منطقة نائية، تُسبّب أيّ ضرر. فنباتات «ذيل الحصان» لا تؤذي الأشجار، بل يوفر غطاؤها الكثيف مأوى لكائنات لافقارية، من بينها السوس ويرقات ذباب المنشار وأنواع عدّة من العناكب. وأكثر من ذلك، هذا النبات يمكن استخدامه للعناية بالشَّعر ومنحه لمعاناً، بفضل ما يحتويه من سيليكون.