رحلة 4 دول لاستعادة كنوزها المنهوبة وحجم التحدّيات

ماكرون أطلق الشرارة الأولى لعملية قد تستغرق عقوداً

تحدّيات كثيرة تواجه العملية التي من المتوقَّع أن تستغرق عقوداً (أ.ف.ب)
تحدّيات كثيرة تواجه العملية التي من المتوقَّع أن تستغرق عقوداً (أ.ف.ب)
TT

رحلة 4 دول لاستعادة كنوزها المنهوبة وحجم التحدّيات

تحدّيات كثيرة تواجه العملية التي من المتوقَّع أن تستغرق عقوداً (أ.ف.ب)
تحدّيات كثيرة تواجه العملية التي من المتوقَّع أن تستغرق عقوداً (أ.ف.ب)

كانت المناقشة الدائرة حول إعادة التراث المكتسب بصورة غير مشروعة إلى بلدان في جنوب العالم، تركز حتى الآن، إلى حد كبير، على خطوات اتخذتها المتاحف والحكومات الغربية. لكن بعيداً عن الأضواء، في بلدان مثل الكاميرون وإندونيسيا، يرسي عمال التراث والمسؤولون الحكوميون والناشطون، الأسس لاستعادة كنوزهم المفقودة منذ زمن طويل؛ تلك العملية التي يتوقّع كثيرون أن تستغرق عقوداً.

ويعدُّ تحديد الأشياء وتأمين استردادها جزءاً واحداً فقط من المهمة، إذ تشمل التحدّيات تحديد من سيمتلك القطع الأثرية ويعتني بها، إلى تطوير البنية التحتية للمتاحف، وإشراك المجتمعات المحلية، وتوعية الرأي العام.

في هذا السياق، يقول الأستاذ في جامعة كينشاسا التي تقدّم المشورة لحكومة الكونغو، بلاسيد مومبيميلي سانجر: «لدينا مهمّة هائلة. هذا أمر لا يمكننا إنجازه في 5 سنوات. ستكون عملية طويلة».

وشكّل تعهّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2017، في خطاب ألقاه في بوركينا فاسو، بإعادة التراث الأفريقي بشكل دائم من المتاحف الفرنسية؛ الشرارة التي أدت إلى التحرّك العالمي نحو استعادة التراث المنهوب. ومنذ ذلك الحين، أرست ألمانيا وهولندا وفرنسا وبلجيكا، مبادئ توجيهية وطنية لمعالجة المطالبات وإعادة القطع الأثرية. وكان أحد المعالم البارزة في هذه العملية، العام الماضي، عندما نقلت ألمانيا ملكية 1100 قطعة من برونزيات بنين إلى نيجيريا.

عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)

إلا أنّ بعض العثرات طرأت. فقد أثار قرار الرئيس النيجيري المنتهية ولايته بتسليم القطع الأثرية العائدة إلى سليل مباشر من الحاكم الذي سُرقت منه، قدراً من الارتباك. وأعرب بعض أمناء المتحف الألمان عن قلقهم من أنّ هذه القطع قد لا تلقى الاهتمام بها أو عرضها، لكن الحكومة الألمانية قالت إنّ عودة البرونزيات كانت غير مشروطة، ولم يكن لألمانيا أن تُملي ما تفعله نيجيريا بتراثها المُستردّ.

يشترك في هذا الموقف عمال التراث في الكاميرون، والكونغو، وإندونيسيا، ونيبال؛ الذين قالوا إنهم يراقبون التطوّرات في نيجيريا من كثب. وفي نيبال، تعود تماثيل إلى أماكن العبادة التي سُرقت منها؛ وفي إندونيسيا، تُجري الحكومة محادثات مع أمناء المتاحف الإقليمية لجعل المتاحف أيسر وصولاً، حتى يمكن استخدام القطع الشعائرية في الاحتفالات الدينية؛ وسط تأكيد العاملين في مجال التراث في جنوب العالم على ضرورة التعاون في البحث بالسياق التاريخي للخسائر والقصص الكامنة وراء كل قطعة على حدة.

مروحة دائرية من مجموعة آثار بنين المنهوبة التي ستعيدها بريطانيا لنيجيريا (رويترز)

في الآتي نظرة فاحصة على التطوّرات في 4 بلدان.

إندونيسيا

تُعدّ ألماسة «لومبوك» المذهلة، الموضوعة في تصميم سداسي مصنوع من الزهور والأوراق الذهبية؛ واحدة من نحو 500 كنز ثقافي إندونيسي جرى الاستيلاء عليها بصورة غير مشروعة خلال الحكم الاستعماري الهولندي؛ ومن المقرّر عودتها إلى الوطن الشهر المقبل. ومن المرجّح أن تكون عمليات إعادة الممتلكات، التي أعلنت عنها الحكومة الهولندية في 6 يوليو (تموز)، الأولى من بين العديد من القطع الأثرية، إذ لا تزال عشرات الآلاف من القطع الأثرية الإندونيسية بمتاحف في أوروبا، وفي هولندا بالمقام الأول.

تطورت استعدادات إندونيسيا لاستقبال تراثها جنباً إلى جنب مع الهياكل التي أنشأتها هولندا. في فبراير (شباط) 2021، أنشأ وزير الثقافة الإندونيسي فريقاً لإعادة الممتلكات إلى أصحابها نظيراً للجنة الحكومة الهولندية، بقيادة سفير سابق لدى هولندا. في عام 2022، أرسلت الحكومة الإندونيسية طلباً رسمياً إلى هولندا لإعادة 8 مجموعات من القطع: ضمّت عملية الإعادة في يوليو 4 من هذه المجموعات. ولم تصدر اللجنة الهولندية بعد قرارها بشأن الـ4 الباقية.

الكونغو

عندما تلقّى رئيس وزراء الكونغو جان ميشيل ساما لوكوندي، قائمة جرْد تضمّ 84 ألف قطعة من التراث الكونغولي، وعيّنات طبيعية من نظيره البلجيكي العام الماضي، كانت هذه بداية رمزية لما وصفه لوكوندي بأنه «إعادة استملاك ذاكرتنا الوطنية».

بعد ذلك، اعتمدت الحكومة الكونغولية مرسوماً لإنشاء نظام للتعامل مع التراث الثقافي المُستردّ من المتاحف في أوروبا، داعية الخبراء في تاريخ الفن والقانون والفلسفة والعلاقات الخارجية لتقديم المشورة لها.

حتى عام 1960، كانت بلجيكا تسيطر على منطقة شاسعة في وسط أفريقيا - نحو 80 ضعف حجم الدولة الأوروبية نفسها - بما في ذلك ما يعرف الآن بالكونغو. أخذ المستكشفون البلجيكيون والجنود وممثلو الحكومة والتجار والمبشّرون، الأغراض التي سرقوها أو اشتروها أو حصلوا عليها بطريقة أخرى؛ إلى أن وافق البرلمان البلجيكي، في العام الماضي، على قانون يمهّد الطريق لإعادة الممتلكات الثقافية إلى الكونغو ورواندا وبوروندي. وشُكلت أيضاً لجنة للتعامل مع نظيرتها الكونغولية.

القانون واسع النطاق. وأي شيء جرى الحصول عليه أثناء الحكم الاستعماري يكون مؤهلاً للاسترداد، وليس من الضروري أن يكون منهوباً.

أحد التماثيل البرونزية التي أُعيدت إلى نيجيريا (متحف هورنيمان)

الكاميرون

في العام الماضي، حقّقت الناشطة في مجال التراث من دولة الكاميرون الواقعة في غرب أفريقيا، انتصاراً كبيراً في حملتها لإعادة الأشياء المنهوبة من ألمانيا إلى الوطن.

وباستخدام وسم «BringBackNgonnso» عبر منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، ضغطت نجوباتي على المتاحف الألمانية، وواصلت جهودها على وسائل التواصل الاجتماعي مع جماعات أخرى تدعو إلى إعادة منهوبات الحقبة الاستعمارية.

وفي هذا السياق، تظهر في منتدى هومبولت في برلين صورة خشبية مزينة بقشور خشبية تدعى نغونسو. وبالنسبة إلى قبيلة «نسو» في الكاميرون، التي تنتمي إليها نجوباتي، فإنّ نغونسو أكثر بكثير من مجرّد قطعة أثرية ضائعة: فالشخصية المنحوتة هي تجسيد لأم مجتمعهم المحلّي، وخسارتها قبل أكثر من قرن محسوسة بشدّة حتى يومنا هذا.

كذلك وافقت مؤسسة التراث الثقافي البروسي، المنظّمة المشرفة على المتاحف الرئيسية في برلين، في يونيو (حزيران) 2022، على إعادة نغونسو. ولتسهيل عمليات العودة، شكلت حكومة الكاميرون لجنة لإعادة الممتلكات، وفقاً لمستشارة الثقافة في سفارة الكاميرون بألمانيا ماريسي نسانغو نجيكام. وقالت نجوباتي إنّ أعضاء المجموعة يعتزمون زيارة ألمانيا في وقت لاحق من العام الحالي لبحث كيفية المضي قدماً.

لكن لا يزال هناك ما يقدر بنحو 40 ألف قطعة أثرية كاميرونية في المتاحف الألمانية، أكثر من القطع الوطنية في ياوندي عاصمة الكاميرون، وفق تقرير أعدّه باحثون كاميرونيون وألمان.

من العناصر المُستعادة بعض الرؤوس الاحتفالية من مملكة بنين (أ.ف.ب)

نيبال

يختلف موقف نيبال عن البلدان الـ3 المذكورة أعلاه، إذ لم يُنهب تراثها في سياق استعماري. فبعد ثورة 1951 التي أسقطت أسرة «رانا» الاستبدادية الحاكمة لأكثر من قرن، فتحت نيبال حدودها للعالم. فقد اشترى الأكاديميون والسياح الغربيون التماثيل والنقوش التي نهبها السكان المحليون، غالباً من المعابد في وادي كاتمندو، ثم أخذوا مشترياتهم من البلاد. بلغ الاتجار ذروته في السبعينات والثمانينات.

منذ ذلك الحين، دخلت العديد من القطع الأثرية المنهوبة إلى مجموعات المتاحف الغربية عن طريق الوصايا والهبات، فعلّقت مديرة حملة استعادة التراث النيبالي أليشا سيجاباتي: «نحن بلد فقير، وقد رأى الناس كم كان بيع تماثيلهم التي قدّموا الولاء لها، مربحاً».

أضافت: «كاتمندو كانت تعامل مثل ملعب عجيب. لقد فقدت المجتمعات شيئاً ما. نحن نعتمد على هذه التماثيل، فلديها قوى تساعدنا في حياتنا».

تمثال نحاسي لديك نهبه جنود بريطانيون من نيجيريا عام 1897 (رويترز)

تأسست حملة استعادة التراث النيبالي عام 2021، ونجحت في استرجاع أكثر من 25 تمثالاً دينياً مسروقاً، وفق سيجاباتي. ومن بين هذه الأعمال، تمثال عمره 1000 عام، يصور اثنين من التماثيل الهندوسية التي قدّم لها أتباعها الولاء من «متحف دالاس» للفنون. وقال سيجاباتي إنّ باحثي الحملة تتبّعوا الكثير ويعملون على عودتهم.

وأيضاً، تتتبّع المجموعة التماثيل المنهوبة في جميع أنحاء العالم، وتستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على نصائح، ونشر صور للمنحوتات والتماثيل المفقودة، ونشر حملاتها الدعائية. وتُنقل نتائج الدراسة إلى إدارة الآثار في نيبال، التي تعمل بدورها مع وزارة الخارجية لإصدار مطالبات إلى المتاحف أو المؤسّسات.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

يوميات الشرق «توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق  اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان.

عصام فضل (القاهرة )
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
يوميات الشرق لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

معرض أثري في برلين يكشف «افتتان الفراعنة» بالأبراج السماوية

تحت عنوان «القدر في النجوم: بدايات الأبراج» افتتح المعرض الأثري بالمتحف المصري في العاصمة الألمانية برلين.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان

مواقع أثرية بمدينة صور اللبنانية تحت رحمة الغارات الإسرائيلية

في موقع البصّ في مدينة صور في جنوب لبنان، تتصدّر علامة «الدرع الأزرق» مدخل المَعلم المُدرج على قائمة التراث العالمي، في محاولة لحمايته من الغارات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
TT

«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)

تتبدَّل وظيفة الأشياء الصغيرة في أزمنة الحرب. يصير النهار الذي يتسلَّل إليه بعض الضوء مختلفاً عن نهار آخر يمرّ ثقيلاً، مُكتفياً بكونه يوماً إضافياً في سجلّ التعب. في مراكز الإيواء حيث تتقلَّص الحياة إلى ضروراتها القصوى، ويمضي اليوم على إيقاع القلق وأخبار القصف والتدبير الشحيح للطعام والنوم والانتظار، تكتسب أيّ لفتة إنسانية معنى يتخطّى حجمها المباشر. هناك، يمكن لنشاط رياضي أو «تي شيرت» أو ميدالية تُعلَّق على عنق طفل، أن يترك أثراً يتجاوز لحظته.

أحذية قطعت طرقاً مختلفة لتلتقي هنا (ماراثون بيروت)

يمكن قراءة ما تقوم به جمعية «ماراثون بيروت» خلال الحرب، عبر تنقُّل رئيستها مي الخليل وفريق العمل بين مراكز الإيواء في المناطق، وتنظيم نشاطات رياضية للأطفال النازحين، من هذا الباب. في المدينة الرياضية، بدا المشهد تحت الشمس وفي اتّساع الملعب، أقرب إلى استعادة مؤقتة لفكرة الحياة الطبيعية. أولاد يركضون في فضاء مفتوح، يضحكون، ويتنافسون، ويرتدون القمصان الصفراء التي يرتديها العدّاؤون في سباقات الماراثون، وينالون ميداليات قد تكون الأولى في حياتهم. في التفاصيل ما يكفي لفَهْم الفكرة كلّها. فالطفل يشعر ولو لساعات بأنه خرج من ضيق النزوح إلى فسحة أوسع. يومه لا يمرّ مثل الأيام العادية.

ما يلفت في هذه المبادرات أنها ليست استجابة ظرفية وطارئة فقط. مي الخليل تقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ مبادرة التبرُّع بالأحذية مثلاً تنتمي إلى نهج إنساني اعتمدته الجمعية منذ سنوات، في موازاة مبادرات أخرى مثل «حقي أركض» وتنظيم نشاطات رياضية في مناطق ذات دخل محدود. هذا البُعد مهم، لأنه يضع ما يجري اليوم في سياق تطلُّع أوسع يرى في الرياضة حقاً عاماً ومساحة يمكن أن تفتح في الإنسان منافذ قوّة وتماسُك، خصوصاً في لحظات الانكسار الجماعي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

في حديثها عن الأحذية المُتبرَّع بها، تتوقَّف مي الخليل عند ما تُسمّيه «الاستمرارية»؛ فالحذاء في نظرها لا يُختَزل في شيء يُعاد استخدامه. ترى فيه فرصة لأن «يُكمِل الرحلة مع شخص آخر»، ويُعبّر عن قدرة المبادرات المتواضعة على إحداث فرق معنوي لدى مَن يتلقّاها. تحت وطأة اللجوء، تتغيَّر نظرتنا إلى المواد المحيطة بنا. ما كان عادياً في أيام السلم، قد يصير اليوم عنصراً من عناصر العناية، وإشارة إلى أنّ أحداً في مكان ما فكَّر في إنسان لا يعرفه وترك له ما يُساعده على الوقوف والركض والمُشاركة.

في العيون شيءٌ يقول إنّ هذا اليوم ليس عادياً (الشرق الأوسط)

الأهم من الحذاء هو ما يحدث عندما يبدأ النشاط. مي الخليل تستعيد أكثر من مشهد من زياراتها لمراكز الإيواء، لكنَّ اللحظة التي تبقى معها بعد المغادرة هي «لحظة الانطلاق». عندها، كما تقول، يتبدَّل شيء في ملامح الطفل... من ثقل النزوح إلى فرح اللحظة. وتتذكَّر صبياً «كان يركض وكأنه يهرب من كلّ شيء خلفه، ثم توقَّف وابتسم». في هذه الصورة ما يشرح كثيراً من الكلام عن أثر الحركة في النَّفس. الركض لا يمحو الصدمة والخليل واضحة في ذلك، لكنه «يفتح نافذة للتنفُّس». يُعيد وصل الإنسان بجسده ويمنحه مسافة عن الضغط الداخلي. ومع التكرار، قد يصير هذا المُتنفَّس جزءاً من مسار أهدأ نحو التعافي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

يبدو الأطفال صغاراً أمام اتّساع مدرَّجات المدينة الرياضية والسماء. ومع ذلك، فإنّ هذا الاتساع قد يكون جزءاً من العلاج الصامت. النازح الذي اعتاد سقف الخيمة أو ضيق الصفّ أو قسوة المكان المؤقت، يجد أمامه مساحة تسمح له بأن يركض من دون أن يصطدم بشيء. ومَن يدري، ربما عاد هؤلاء الأولاد إلى الخيم التي صاروا فيها جيراناً، وتبادلوا الكلام عن ذلك النهار. عن السباق والميدالية والـ«تي شيرت» الأصفر، وعن مي الخليل التي غنَّت معهم النشيد الوطني وأعطتهم الميكروفون ليرفعوا أصواتهم قليلاً. هذه اللحظات لا تُنهي الحرب. يكفي أن تترك في الوجدان مادةً لتحمُّل القسوة اليومية.

بين يدٍ أعطت وقدمٍ ارتدت ثمة مسافة تختصر الكثير (الشرق الأوسط)

وربما اكتشف بعض هؤلاء الأطفال في ذلك النهار قدرةً لم ينتبهوا إليها من قبل. ربما شَعَر واحد منهم أنه سريع على نحو لافت، أو أنه يُحبّ المنافسة، أو أنّ جسده يستجيب للركض بفرح غامض كان ينتظر فرصة مناسبة ليظهر. المواهب كثيراً ما تُولد في ظروف عادية، لكنَّ بعضها يحتاج فقط إلى نافذة تُتيح له أن يخرج إلى العلن. وفي حياة يُهدّدها الانقطاع الدائم، يصبح العثور على مَيْل شخصي أو قدرة ما حدثاً له قيمة نفسية مُضاعفة، لأنه يعيد إلى الطفل إحساسه بنفسه ويوقظ في داخله إمكانات ورغبات ومستقبلاً ممكناً.

بين الضحك والركض يمرّ وقتٌ لا يُشبه سواه (الشرق الأوسط)

ما يجعل هذه المبادرات مؤثّرة هو أنها تلامس جوهر ما يساعد البشر على احتمال المرارة. الإنسان لا يعيش على الطعام والمأوى وحدهما، خصوصاً الطفل. هناك حاجة إلى اللعب والشعور بالإنجاز. إلى مَن يمرّ في يومه ويترك علامة. قد تبدأ هذه العلامة بابتسامة، ثم تتحوَّل إلى معنى في الداخل. وإلى قدر من الطمأنينة أو ذكرى تُستعاد عندما يشتدّ الخوف. في الحرب، لا تكون الأفعال الصغيرة صغيرة فعلاً. تُمثّل الحياة التي رغم كلّ شيء لا تزال قادرة على إرسال إشاراتها. وهذا أحياناً يكفي كي يُحتَمل يوم آخر.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
TT

سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)

أعلنت المغنية الكندية سيلين ديون، مساء أمس (الاثنين)، عبر فيديو ورسائل عُرضت على برج إيفل في يوم عيد ميلادها الثامن والخمسين، إحياءها عشر حفلات موسيقية خلال الخريف المقبل في باريس، لتمهّد بذلك لعودتها الرسمية بعد غياب عن الحفلات دام ست سنوات.

وقالت النجمة المتحدرة من مقاطعة كيبيك الكندية، في رسالة مصورة بُثت على مواقع التواصل الاجتماعي وقناة «فرانس 2» الفرنسية العامة: «هذا العام، سأحصل على أفضل هدية عيد ميلاد في حياتي. ستُتاح لي الفرصة لرؤيتكم، لأؤدي لكم مرة أخرى».

في الوقت نفسه، شاهد مئات المعجبين أمام برج إيفل عرضاً ضوئياً على أنغام بعض من أشهر الأغاني التي أدتها المغنية، بما يشمل أداءها أغنية إديت بياف الشهيرة «Hymne a l'amour» (نشيد الحب). وعُرضت رسائل بلغات عدة على البرج بينها «باريس، أنا جاهزة».

إضاءة برج إيفيل بعد إعلان المغنية الكندية سيلين ديون عودة حفلاتها (رويترز)

من المقرر إقامة عشر حفلات موسيقية في الفترة من 12 سبتمبر (أيلول) إلى 14 أكتوبر (تشرين الأول)، بواقع حفلتين أسبوعياً، يومي السبت والأربعاء. واختارت المغنية أن تعود إلى جمهورها بنمط حفلات شبيه بذلك الذي اعتمدته على مدى 16 عاماً في لاس فيغاس، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتُقام الحفلات العشر في قاعة «لا ديفانس أرينا» عند مداخل باريس التي تتسع لنحو 40 ألف متفرج. وستُقدم سيلين ديون خلال هذه الحفلات «أشهر أغانيها باللغتَين الفرنسية والإنجليزية»، وفق بيان.

كما ستُتاح لسيلين ديون فرصة أداء أغنية جديدة من تأليف أحد أبرز ملحني أعمالها، جان جاك غولدمان الذي تعاونت معه، خصوصاً في ألبوم «دو» (D'eux) الذي حقق لها شهرة واسعة.

ومن المقرر إطلاق الأغنية هذا الربيع، وفق ما صرح به مقربون من الفنانة لوكالة «الصحافة الفرنسية»، مؤكدين بذلك تقريراً نشرته صحيفة «لوباريزيان». وسيتولى المدير الفني ويلو بيرون الذي عمل أيضاً على جولة بيونسيه العالمية الأخيرة، تصميم ديكورات حفلاتها.

بعد بدء البيع المسبق للتذاكر لعدد مختار من الأشخاص في 7 أبريل (نيسان)، تُطرح تذاكر الحفلات للبيع العام في 10 أبريل.

«حماس شديد»

يأتي هذا الإعلان الذي أثار حماسة كبيرة لدى محبي النجمة العالمية، عقب حملة دعائية مُخطط لها بدقة للترويج لعودة سيلين ديون إلى الساحة.

وقالت المغنية: «أردتُ أن أخبركم أنني بخير حقاً، صحتي... أشعر بأنني بخير، أشعر بالقوة، أغني كثيراً، حتى إنني أرقص قليلاً»، مضيفةً أنها تشعر «بحماس شديد» و«بقليل من التوتر». وتابعت: «في السنوات الأخيرة، لم يمر يوم إلا وشعرتُ فيه بدعائكم ودعمكم، وبالطبع حبكم، حتى في أصعب الأوقات».

وأُلغيت جولتها «Courage World Tour» (كوردج) التي انطلقت في أواخر عام 2019، بعد أشهر قليلة من بدايتها بسبب جائحة «كوفيد»، ثم بسبب المشكلات الصحية للمغنية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2022، كشفت المغنية عن تشخيص إصابتها بـ«متلازمة الشخص المتيبّس»، وهو أحد أمراض المناعة الذاتية الذي لا يوجد علاج شافٍ منه، واضطرت إلى إلغاء سلسلة من الحفلات إلى أجل غير مسمى.

وقد تسبب هذا المرض بإرجاء عودتها إلى الساحة الفنية مرات عدة، آخرها في 2025 حين كان مقرراً أن تستأنف حفلاتها قبل تأجيل هذه الخطوة مرة أخرى. لكن الأمل بالعودة ظل قائماً بعد أن ظهرت سيلين ديون مجدداً في حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في باريس صيف عام 2024، حين قدمت الأغنية الشهيرة «إيمن آلامور» (نشيد الحب)، أيضاً من برج إيفل، خلال حفل ختامي مبهر.

تحظى سيلين ديون بشعبية كبيرة حول العالم، وقد باعت ما يناهز 260 مليون ألبوم باللغتين الإنجليزية والفرنسية خلال مسيرتها الغنائية الممتدة منذ نحو أربعة عقود.

Your Premium trial has ended


جامعة الرياض للفنون تفتح أبوابها سبتمبر المقبل

جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)
جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)
TT

جامعة الرياض للفنون تفتح أبوابها سبتمبر المقبل

جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)
جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، الاثنين، فتح باب التقديم والتسجيل بـ«جامعة الرياض للفنون» شهر مايو (أيار) المقبل، لتبدأ الدراسة في أروقتها خلال سبتمبر (أيلول)، لتكون مركزاً رائداً للتعليم الثقافي بالمملكة.

وعدَّ الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وهو رئيس مجلس أمناء الجامعة، إطلاقها خطوةً غير مسبوقة في تطوير القطاع الثقافي السعودي، مبيناً أنها «ستكون حجرَ الأساس للتعليم الإبداعي والابتكار الثقافي، وستزوّد طلابَنا بالمهارات والمعرفة والرؤية التي تؤهلهم للإسهام في تشكيل مستقبل الثقافة في المملكة».

وأوضح أن الجامعة ستقدم مجموعةً واسعة من التخصصات الأكاديمية التي تمكّن الطلاب من إثراء الصناعات الإبداعية، والإسهام في تنمية القطاع الثقافي بما يتماشى مع «رؤية السعودية 2030».

وأضاف وزير الثقافة: «نهدف من خلال دعم المواهب والاحتفاء بإرثنا الثقافي إلى تمكين الجيل القادم من الإسهام في نمو الاقتصاد الإبداعي، وترك بصمتهم الفريدة على الساحة الثقافية المحلية والدولية».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي (الشرق الأوسط)

وتطمح الجامعة لتكون ضمن قائمة أفضل 50 جامعةً دولية متخصصة في الفنون والثقافة على مستوى العالم، وذلك عبر توفير بيئةٍ تعليمية مبتكرة تحفّز الطلاب إلى اكتشاف شغفهم، وتطوير مواهبهم، والإسهام الفاعل في الاقتصاد الإبداعي.

ستتبنّى الجامعة نهجاً تدريجياً يُلبّي احتياجات المستويات التعليمية، ويشمل جميع القطاعات الثقافية، مُقدِّمةً برامج أكاديمية متكاملة تضمن استمرارية التعليم في مجالات الثقافة والفنون، وتشمل الدوراتِ القصيرةَ، وبرامج الدبلوم، والبكالوريوس، والدبلوم العالي، والماجستير، والدكتوراه.

ويقع الحرم الجامعي في مدينة الرياض، على أن يبدأ عند بدء الدراسة خلال سبتمبر المقبل باستقبال الطلبة في أربع كليات أوّليّة وثمانية برامج أكاديمية تابعة لكليات «الموسيقى، والأفلام، والمسرح والفنون الأدائية، والإدارة الثقافية» على أن تتوسع لاحقاً بشكلٍ تدريجي لتصل إلى 13 كليةً تقدم برامج تعليمية متنوعة تغطي المجالات والقطاعات الثقافية.

ووقَّعت الجامعة خلال الفترة الماضية شراكاتٍ مع مؤسساتٍ دولية رائدة؛ لتصميم برامج أكاديميةٍ متطورة، والتعاون في مجال البحث العلمي، وتقديم برامجَ تعليميةٍ وثقافية ثرية، فضلاً عن دعم مسار تنمية المواهب الوطنية عن طريق تعزيز الإبداع وبناء المهارات الريادية، الذي يُمكّن الفنانين، والباحثين، والقادة الثقافيين من دفع عجلة الاقتصاد الإبداعي والمستقبل الثقافي للبلاد.

وستقدم جامعة الرياض للفنون منحاً دراسية للدفعة الأولى على أن يتم الإعلان عن تفاصيلها مع بدء فتح باب القبول والتسجيل في مايو المقبل.

وتعمل وزارة الثقافة على تطوير جميع جوانب القطاع في السعودية، مع التركيز على تعزيز الأطر التشريعية والتنظيمية، وتحسين بيئة الاستثمار، وزيادة مساهمته في الاقتصاد الوطني بما يتماشى مع «رؤية 2030».

وتسعى الوزارة من خلال برامجها ومبادراتها المتنوعة إلى دعم بناء القدرات وتطوير المواهب، كما تُشرف على 11 هيئةً ثقافية، والعديد من الكيانات الثقافية الأخرى، إسهاماً في بناء منظومةٍ ثقافية متكاملة ومستدامة.