جوقة الأصوات الأفريقية في البندقية... عقول وأفكار عظيمة

محاكاة لعمق الرؤى المنبثقة من القارة السمراء وثرائها

ليزلي لوكو أمينة المعرض الاسكوتلندية من أصول غانيّة (نيويورك تايمز)
ليزلي لوكو أمينة المعرض الاسكوتلندية من أصول غانيّة (نيويورك تايمز)
TT

جوقة الأصوات الأفريقية في البندقية... عقول وأفكار عظيمة

ليزلي لوكو أمينة المعرض الاسكوتلندية من أصول غانيّة (نيويورك تايمز)
ليزلي لوكو أمينة المعرض الاسكوتلندية من أصول غانيّة (نيويورك تايمز)

يُعدّ بينالي العمارة في البندقية محلَّ جذب المصممين من مختلف أرجاء العالم، فينتقدون ويقترحون الاتجاهات الجديدة. مع ذلك، لطالما كان وجود الممارسين الأفارقة هو الاستثناء، لا القاعدة.

تغيّر الأمر بصورة كبيرة. فمن بين 89 مشاركاً في معرض البينالي الرئيسي لعام 2023، «مختبر المستقبل»، المعروض في مواقع عدّة حتى 26 نوفمبر (تشرين الثاني)، فإنّ أكثر من نصفهم من أفريقيا أو الشتات الأفريقي. ونصفهم أيضاً من الإناث، بمتوسط عمر هو 43 عاماً.

كانت إعادة التوزيع الجذرية هذه، من أولويات أمينة المعرض الأسكوتلندية من أصول غانيّة ليزلي لوكو. وكان هدفها، كما كتبت، الابتعاد عن «صوت حصري منفرد، تتجاهل نفوذَه وقوته أعدادٌ هائلة من البشرية».

تشمل كتلة لوكو مواهب أفريقية، بينهم مهندسون معماريون بارزون أمثال فرانسيس كيري من بوركينا فاسو؛ أول أفريقي يفوز بجائزة «بريتزكر»، إلى عدد كبير من الممارسين والفنانين الناشئين، وهي تُضيء على عمق الأفكار المنبثقة من تلك القارة وثرائها، علماً أنها الأسرع نمواً لجهة عدد السكان عالمياً، وبالنسبة إلى كثيرين، هي دليل إلى اتجاهات العمارة والتنمية.

«لدينا في الجنوب العالمي عقول وأفكار عظيمة. نحن نتنافس على المستوى عينه؛ ولكن لم ينصت إلينا أحد أو يكترث لسماع ذلك من منظور أفريقي، ولعلها كانت وجهة نظر أفريقية ذات تأثير غربي»، تقول ستيلا موتيغي المؤسِّسة المشاركة مع كاباغ كارانغا لشركة «كيف بيورو» المعمارية في نيروبي، كينيا، منذ 9 سنوات.

توسّعت مشاركات «كيف بيورو»، مثل المشاركين الآخرين، في تعريف العمارة لِما هو أبعد من المفاهيم التقليدية للبناء. بل إنّ الأمر يدور حول الحفر العميق والخيال في أماكن وثقافات جديدة لكشف الانتقادات والوصفات للمستقبل.

يُقدم تجمّعٌ يحتفل بالتقاليد المحلية للغناء والرقص والشعر، محادثات مع أعضاء العديد من المجتمعات الأفريقية التي تعيش في الكهوف، مثل بعض أفراد «الماساي» المقيمين في كهوف جبل سوسوا، في الوادي المتصدع بكينيا. تُدمج التواريخ المروية مع الرسومات والخرائط والصور والمسح ثلاثي الأبعاد والأصوات الطبيعية، في تجربة غامرة تحاكي تأثير الحداثة. كما يوضح العرض مدى صمود أولئك الذين تمكنوا طويلاً من العيش في وئام مع الطبيعة.

يقول كارانغا: «لنتطلع إلى المستقبل، نحتاج للعودة إلى الوراء»، مُقترحاً العودة إلى «حالة حقيقية وصادقة» حلاً للأضرار البيئية والاجتماعية التي تسبّبها الحياة الحديثة. يضيف: «قد يبدو الأمر رومانسياً، لكننا نحاول التعامل مع هذا النوع من الأزمات».

ساعدت لوكو، المعلّمة المعمارية والناقدة والروائية الأكثر مبيعاً، في توجيه العديد من المشاركين. يؤكد «مختبر المستقبل» على دور رواية القصص في خلق الهندسة المعمارية وتحدّي ماهية الانضباطية، وكيف يمكن أن تكون، وكيف يمكنها تغيير المجتمع من خلال الإبداع والشمولية، وليس العنف أو التعطيل.

بدوره، يعلّق زينا تافاريس، المؤسِّس، مع أخويه غايكا وكيبوي تافاريس، على تعاون إبداعي أطلق عليه اسم «الأساس مع جي كيه زي»: «كلما استطعنا جذب مجموعة أكبر من الناس للوقوف على آرائهم حول كيف يمكن للعالم أن يكون، والتفكير بصورة خلاقة، كان ذلك أفضل».

مستوحى بصورة فضفاضة من رواة القصص التقليديين في غرب أفريقيا، المعروفين باسم «غاليس»، فإنّ تركيبهم «غالي» يعرض قصصاً قصيرة داخل عالم خيالي معزّز بالكمبيوتر في المستقبل. يمكن للمشاهدين التفاعل مع العرض والتنقل عبر المَشاهد واستكشاف مختلف قصص وإعدادات الذكاء الاصطناعي بالواقع المعزّز.

يشرح كيبوي تافاريس: «إنها أداة لاستكشاف كيف يمكن لهذه التكنولوجيا التأثير فينا وتحديد ماهيتنا. كلما كان هناك تحول في التكنولوجيا، ترى تحولاً في كيفية إنشاء الناس للمباني. كيف يرسمون. كيف يرون العالم ويختبرونه. كيف سيتغير العالم عندما لا نكون الصوت الوحيد؟».

أما التأثير العالمي للمهندسين المعماريين الشباب المنحدرين من أصول أفريقية، فموضوع آخر. نشأ الأخوان تافاريس في جنوب لندن لأبوين من جامايكا وغرينادا اعتبرا نفسيهما من عموم الأفارقة. تقول غايكا تافاريس: «تشجعنا دائماً على التفكير في أنفسنا على أننا من الشتات الأفريقي».

جمع الفنان سيرج أتوكوي كلوتي في غانا قطعاً من حاويات غالونات الزيت الأصفر المستخدمة في أفريقيا لتخزين المياه ونقلها (نيويورك تايمز)

ربط سيرج أتوكوي كلوتي، وهو فنان في أكرا، غانا، قطعاً من حاويات الزيت الصفراء، المستخدمة عادة في أفريقيا لتخزين المياه ونقلها؛ لتشكيل سطح يتموّج من أعمدة أحواض «غاغيندر» لبناء السفن في القرن السادس عشر. يتعاون كلوتي، في أكرا وحولها، مع مهندسين معماريين شباب لتحويل المواد المُهملة إلى تصاميم جديدة؛ من الكراسي إلى المنازل. يقول: «هذا ما عليه أفريقيا الآن، فالأمر يتعلق باستخدام أفكارنا ومواردنا الخاصة لإعادة تشكيل بلدنا».

يركز كريستيان بينيمانا، المدير الأقدم في شركة «ماس» المعمارية، ولها مكاتب في الولايات المتحدة وموطنه الأصلي رواندا؛ على الفروق الدقيقة في اللغة. في هذا العمل، يناقش أعضاء استوديو «ماس» في أفريقيا معنى الكلمات المختلفة من اللغة الوطنية لرواندا، إيكينيارواندا. «أوموغاندا» تعني تقريباً «العمل الجماعي صوب هدف مشترك»، و«أوبوديهي» تعني «نشاطاً اجتماعياً يضمّ الجيران سوياً»، و«أوبوفورا» يمثل أعلى مستوى من الطابع الإنساني.

يقول مصمّم شركة «ماس» في رواندا سيمفورين غاسانا: «من خلال التقاليد والمعنى، يمكنكم إدراك روح أو جوهر شعبي، وفهمه. القصة الكاملة هي ما نعرفه، إضافة إلى جميع الآراء ووجهات النظر الجماعية الأخرى للعديد من الناس والثقافات».

يقدّم إيمانويل أدماسو وجين وود، الشريكان في شركة «أد-وو نيويورك» للهندسة المعمارية؛ مفهوم «غيبي»، منطقة استراحة محددّة بشكل فضفاض، التي يمكن أن تكون منزلاً أو مدرسة أو مدينة بأكملها. كيف ينخرط هذا العالم المحمي مع الفوضى الخارجية؟ دفع وجذب الحداثة والتقاليد، الأمن والتبادل؟ ثمة إجابة تتدلى من سقف موقع معرض «أرسينال»، وهي منشأة مصنوعة من صفائح معدنية مموّجة، وسقالات من الخيزران، وقماش مشمع، وحبال؛ توحي ببناء سد كبير في أديس أبابا، عاصمة إثيوبيا، حيث ولد أدماسو. في قلب البناء، ثمة ضمادات ضخمة ومعقدة تستحضر روح «غيبي».

يقول أدماسو: «أعتقد أنّ البينالي يتحرك أخيراً في اتجاه يمثل عوالم وطرقاً متعدّدة لفهم القيمة وصناعة الفضاء»، ويعطي دروساً للعالم: «نحن بحاجة إلى تكثيف الجهود في مختلف أشكال التضامن، بدلاً من التراجع أو الانغلاق أكثر في الداخل».



«حبيبتي»... دريك يغازل العرب موسيقياً فما علاقة المنتج اللبناني؟

«حبيبتي» واحد من 3 ألبومات أصدرها دريك دفعة واحدة (إنستغرام)
«حبيبتي» واحد من 3 ألبومات أصدرها دريك دفعة واحدة (إنستغرام)
TT

«حبيبتي»... دريك يغازل العرب موسيقياً فما علاقة المنتج اللبناني؟

«حبيبتي» واحد من 3 ألبومات أصدرها دريك دفعة واحدة (إنستغرام)
«حبيبتي» واحد من 3 ألبومات أصدرها دريك دفعة واحدة (إنستغرام)

بالنسبة إلى هواة الراب حول العالم وإلى محبّي دريك على وجه التحديد، المفاجأة هي في إصدار المغنّي الكنَدي 3 ألبومات (43 أغنية) دفعة واحدة وفي الليلة ذاتها. أما المفاجأة بالنسبة إلى المستمعين في العالم العربي فهي أن يحمل أحد تلك الألبومات عنوان «حبيبتي» (Habibti).

لكنّ المكتوب لا يُقرأ من عنوانه هذه المرة، فبعد أن توقّع جمهور دريك العربي أن يسمعه وهو يغنّي بلغتِهم ولو جملة واحدة، أو على الأقلّ أن يُدخل نغماً شرقياً إلى إحدى أغاني الألبوم، أتى المحتوى غير مطابقٍ للعنوان.

«حبيبتي» فيروز

ليست المرة الأولى التي يوظّف فيها مغنّي الراب العالمي رموزاً وكلماتٍ عربية في أعماله، وتبقى Only You Freestyle التي صدرت عام 2020 أوضح مثال. ففي تلك الأغنية التي أحدثت ضجّةً في العالم العربي، غنّى دريك جملة كاملة وبإلقاءٍ واضح باللغة العربيّة: «حبيبتي بليز أنا أكيد أنتِ وأنا أحلى».

أما المثال الثاني والذي أحدثَ جلبةً هو الآخر، فكان عندما بدأ دريك الترويج لألبومه الجديد في سبتمبر (أيلول) 2025. فوجئ الجمهور حينذاك، لا سيّما العرب من بينهم، بإدخال مقطع من أغنية «وحدن» للسيدة فيروز إلى الفيديو الترويجي؛ وقد عمدَ دريك وفريقُه إلى دمج رائعة الشاعر طلال حيدر والموسيقار زياد الرحباني، بإيقاعات الراب. جاءت ردود الفعل سلبيّة على ما اعتُبِر من بعض المتابعين سرقةً وتعدّياً فكرياً وفنياً، مما أدَّى على الأرجح إلى سحب الأغنية من النسخة النهائية للألبوم.

منتج دريك لبناني

لكن ما سبب اهتمام دريك بالثقافة العربية وما الذي يدفعه إلى مغازلة العرب في كل مرةٍ تسنح أغنية أو ألبوم؟

يُرجّح أن يقف وراء جزءٍ كبير من تلك الإشارات والغمزات، المنتج الموسيقي نواه شبيب المعروف بـ«فورتي 40». انضمّ الشاب الكنَدي اللبناني الأصل إلى فريق دريك عام 2005، يوم كان الأخير معروفاً باسمه الأصلي أودري غراهام. وسرعان ما تحوّل شبيب (43 سنة) من مهندس صوت إلى مُنتج أغاني دريك وألبوماته، فحقّقا معاً نجاحاتٍ عالمية.

صحيح أن شبيب مولود في كندا لكنّ المسافات لم تُبعده عن قضايا الوطن العربي، لا سيما فلسطين ولبنان. ولم يقتصر الأمر على دمجه كلماتٍ وألحاناً عربية في موسيقى دريك (39 سنة)، بل هو الذي حثَّ شريكه وصديقه على التوقيع على رسالة «فنانون من أجل وقف إطلاق النار» عام 2023، وهي العريضة التي دعا من خلالها نجوم الفن إلى وقف الأعمال العدائية في غزة من جانب إسرائيل، مع العلم بأنّ دريك ينتمي إلى الطائفة اليهوديّة.

دريك والمنتج الكندي اللبناني نواه شبيب شراكة مستمرة منذ 2005 (إنستغرام)

دريك جار «الأردن»

يبدو دريك منفتحاً على الثقافة العربية، بدليل تكرار كلماتٍ مثل «حبيبي» في أغنية Portland و«انشالله» في Diplomatic Immunity الصادرة عام 2018.

أما في الإصدار الثلاثي الجديد، وتحديداً في ألبوم «آيس مان» ICEMAN، فاستوقفت المستمعين عبارة: «منزلي الفاخر في جزر البهاما ملاصق للأردن وكأنني لبناني». تتضمّن هذه الجملة الواردة في أغنية Make Them Pay لعباً على الكلام، فبيت دريك في البهاما يجاور بيت أسطورة كرة السلة مايكل جوردان والذي بالإمكان ترجمة اسمه إلى «الأردن». أما الإشارة إلى لبنان فتحيّة واضحة إلى أصول المنتج شبيب وأعضاء آخرين في فريق دريك مثل مدير شركة الإنتاج أوليفر الخطيب.

دريك محاط بفريق من أصول عربية بمن فيهم مدير شركة الإنتاج أوليفر الخطيب (إنستغرام)

تصفية حسابات مع خالد

ثم تتحوّل الأغنية ذاتها إلى مساحة لتصفية الحسابات مع عربيٍ آخر انحدر فجأةً من مرتبة صديق إلى عدوّ. يتوجَّه دريك مباشرةً إلى دي جي خالد منتقداً إياه على صمته حيال الحرب الإسرائيلية على غزة، «بينما لا يزال شعبُك منتظراً فلسطين حرّة». ومن المعروف أنّ خالد الأميركي الفلسطيني الأصل لم يتّخذ موقفاً واضحاً من المجازر التي تعرّض لها أهل بلده، مواجهاً انتقادات عدّة بسبب ذلك.

غير أنّ موقف دريك منه شخصيّ قبل أن يكون سياسياً، فبعد صداقةٍ امتدّت 14 سنة بينهما وشراكاتٍ غنائية كثيرة، تعرّض دريك لخيبة بسبب خالد. لم يساند الأخير صديقه الذي كان يناديه «أخي»، يوم اشتعل الخلاف بينه وبين مغنّي الراب كندريك لامار وفنانين آخرين عام 2024. اعتبر دريك صمت خالد وحيادَه خيانة، مما أدّى إلى رفضه علناً دعوته للمشاركة في ألبومه مطلع 2025.

خلافات شخصية وفنية بين دريك ودي جي خالد بعد صداقة امتدّت 14 سنة (إنستغرام)

اعترافات خاصة

في الإصدار الجديد، اعترافاتٌ شخصية كثيرة لدريك يتمحور معظمها حول خيبة أمله من زملائه في مجال الراب، حيث الخيانة والمصلحة تغلب العلاقات الإنسانية الحقيقية. وعلى الرغم من أنه لم يذكرهم بالاسم، إلا أنّ الجمهور قرأ بين سطور الأغاني غضب دريك من أصدقاء مثل المغنّي كندريك لامار، ولاعب كرة السلة ليبرون جيمس، وغيرهم.

تنسحب الاعترافات في أغاني الألبوم إلى شؤون عائلية، فإضافةً إلى ظهور ابنه أدونيس (8 سنوات) في فيديو كليب أغنية Dust، يكشف دريك أنَّ والده مصاب بالسرطان في أغنية Make Them Cry. وتقول الكلمات: «أبي مصاب بالسرطان الآن ونحن نخوض المعركة في مراحلها المختلفة... صدّقوني عندما أقول إنَّ لديّ الكثير لأواجهه».

دريك مع والده دنيس وابنه أدونيس في صورة من عام 2024 (إنستغرام)

بين فائض السرد الشخصي وتصفية الحسابات الخاصة، وبين تعدّد الإشارات الثقافية، يكاد إصدار دريك الجديد أن يفقد هويته. وما يضاعف الضياع هو إصراره على نشر 43 أغنية دفعة واحدة، مما أوحى للنقّاد بأنّ أحد أهم الأسماء في عالم الراب ومَن كان يصنع الترند العالمي في أغانٍ مثل «كيكي دو يو لاف مي» In My Feelings، بات يغلّب الأرقام على المحتوى.


رحيل محمد علي حافظ أحد مؤسسي «الشرق الأوسط»

رحيل محمد علي حافظ أحد مؤسسي «الشرق الأوسط»
TT

رحيل محمد علي حافظ أحد مؤسسي «الشرق الأوسط»

رحيل محمد علي حافظ أحد مؤسسي «الشرق الأوسط»

غيّب الموت الناشر السعودي البارز محمد علي حافظ، الأحد، أحد أبرز رواد الصحافة والإعلام في السعودية والعالم العربي، بعد مسيرة حافلة أسهم خلالها في تطوير إعلام سعودي تجاوز تأثيره الحدود المحلية، وفي مقدمته صحيفة «الشرق الأوسط» التي أسسها مع شقيقه الراحل هشام في لندن عام 1978.

وينتمي الراحل إلى أسرة «آل حافظ» التي ارتبط اسمها بتاريخ الصحافة السعودية منذ تأسيس جريدة «المدينة» عام 1937.

وشكّل مع شقيقه الراحل هشام ثنائياً قاد تحولاً كبيراً في الإعلام العربي، تمثل بإطلاق صحيفة «الشرق الأوسط» من لندن كأول صحيفة عربية دولية تُطبع وتوزَّع في عواصم عدة بالتزامن، بعدما أسسا «عرب نيوز» كأول صحيفة سعودية يومية باللغة الإنجليزية.


الموت يغيّب رائد الصحافة السعودية محمد علي حافظ

الناشران هشام ومحمد علي حافظ يتصفحان المطبوعات
الناشران هشام ومحمد علي حافظ يتصفحان المطبوعات
TT

الموت يغيّب رائد الصحافة السعودية محمد علي حافظ

الناشران هشام ومحمد علي حافظ يتصفحان المطبوعات
الناشران هشام ومحمد علي حافظ يتصفحان المطبوعات

غيّب الموت بعد ظهر الأحد أحد أبرز القامات الإعلامية والصحافية في السعودية والعالم العربي الناشر محمد علي حافظ الذي وافته المنية بعد مسيرة حافلة بالعطاء والريادة صاغت ملامح الصحافة الحديثة ونقلت الصوت السعودي إلى آفاق عالمية غير مسبوقة، ووضعت الراحل وشقيقه هشام علي حافظ (توفي في 26 فبراير/ شباط 2006) ضمن كبار صناعة النشر في الشرق الأوسط.

ينتمي محمد علي حافظ إلى أسرة «آل حافظ» التي ارتبط اسمها بنشوء وتطور الصحافة السعودية، وبدأت هذه الرحلة مع والده وعمه، علي وعثمان حافظ، اللذين أسسا في السابع من أبريل (نيسان) 1937 جريدة «المدينة»، التي تعتبر من أوائل الصحف السعودية، وأصبحت مرآة حقيقية تعكس تطلعات الشباب وأجيال النهضة في المملكة. وتولى علي حافظ رئاسة التحرير حتى عام 1962، وكانت «المدينة» المدرسة الصحافية التي تخرج منها الناشران هشام ومحمد علي حافظ، وجيل آخر من الصحافيين السعوديين.

الناشران هشام ومحمد علي حافظ في أوروبا لدى إطلاق «عرب نيوز»

بالنسبة لمحمد علي حافظ فقد تولى بعد أبيه رئاسة تحرير «المدينة» بعد رحلة إعلامية إلى مصر تدرّب فيها على العمل الصحافي في دار «أخبار اليوم» بإشراف صاحبها مصطفى أمين، ليصبح أصغر رئيس تحرير صحيفة سعودية، إذ كان عمره عند رئاسة التحرير 25 عاماً، واستمر فيها حتى عام 1964.

الناشران هشام ومحمد علي حافظ

وعلى منوال أبيه وعمه، شكلّ محمد مع شقيقه هشام علي حافظ، توأماً صحافياً، ساهم في تطوير صناعة الصحافة والإعلام العربي، إذ نجح الأخوان في بث روح عصرية متجددة في شرايين الصحافة، وجاء التحول التاريخي الأبرز في مسيرة الراحل عندما قرر أن يخرج بالإعلام السعودي إلى فضاءات عالمية تكسر طوق المحلية والإقليمية، وتأسيس صناعة إعلامية تضاهي كبريات المؤسسات الصحافية في العالم أجمع، وليس العالم العربي فقط، وكذلك كسر احتكار العواصم العربية للتأثير الإعلامي.

تجسد ذلك في إطلاق جريدة «الشرق الأوسط» من العاصمة البريطانية لندن، كأول صحيفة عربية دولية تطبع وتوزع في عدة عواصم عالمية في التوقيت نفسه، وهو الحدث الذي نقل الإعلام السعودي إلى مصاف المؤسسات الدولية الكبرى. وسبق إصدار «الشرق الأوسط» إطلاق جريدة «عرب نيوز» (Arab News) كأول صحيفة سعودية يومية باللغة الإنجليزية.

الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز يتوسط الناشرين هشام ومحمد علي حافظ

وتحت مظلة «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» (المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام حالياً)، التي ساهم في تأسيسها وعضوية مجالس إدارتها، قاد الراحل برفقة شقيقه منظومة نشر عملاقة أصدرت عشرات المطبوعات المتنوعة، تخاطب القارئ بلغات متعددة (العربية، الإنجليزية، واللغات الهندية). كما امتدت عبقريته الاستثمارية لتأسيس شركات رديفة دعمت صناعة النشر، في مجالات الطباعة والتسويق والإعلان والوسائل، والتكنولوجيا.

الأمير فيصل بن سلمان ومحمد علي حافظ والدكتور عزام الدخيل

وأصبحت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) أكبر مؤسسة إعلامية عربية متكاملة وإحدى أكبر المؤسسات الإعلامية في العالم وتقدّم خدمات ومنتجات إعلامية متكاملة (نشر، بث، توزيع، طباعة، دعاية وإعلان، وإنتاج مصنفات فكرية) تستهدف الجمهور في العالم العربي ودول العالم.

ومع التوسع الكبير الذي شهدته المجموعة منذ عام 2022 أقامت المجموعة شراكات إعلامية عالمية، أبرزها مع «بلومبرغ» و«اندبندنت» مع إطلاق قناة «الشرق» للأخبار، والعديد من المنصات الرقمية في قطاعات الأخبار والرياضة، والترفيه، والتكنولوجيا وغيرها.

وقد كان الراحل صحافياً بالفطرة، وإعلامياً بالفراسة والسليقة، امتلك قدرة استثنائية على التقاط اللحظة التي تصنع الحدث، فكانت مبادرته مع شقيقه في تأسيس المطبوعات السعودية منتصف السبعينات من القرن الماضي في لندن، تلاها تكوين منظومة إعلامية متكاملة بقيت حتى اليوم واحدة من أكبر المؤسسات الإعلامية في العالم.

ورغم انشغالاته الإدارية والتأسيسية الضخمة، لم يتخلَّ محمد علي حافظ عن قلمه؛ إذ عرفه القراء كاتباً لامعاً وصاحب رأي سديد عبر عموده اليومي الشهير «صباح الخير»، الذي تنقل بين صفحات «المدينة» و«عكاظ» و«الشرق الأوسط»، و«الاقتصادية».