كيف نجح المصمم ستيفان رولان في الجمع بين النعومة والإثارة بخيط رفيع؟https://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B6%D8%A9/5040457-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%86%D8%AC%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D9%85%D9%85-%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D9%81%D8%A7%D9%86-%D8%B1%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%B9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%88%D9%85%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AB%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D8%AE%D9%8A%D8%B7
كيف نجح المصمم ستيفان رولان في الجمع بين النعومة والإثارة بخيط رفيع؟
عروسه لخريف وشتاء 2024-2025 تميل إلى الفني والتفرد (ستيفان رولان)
إذا كان هناك شيء واحد تخرج به بعد عرض ستيفان رولان لخريف 2024 وشتاء 2025، الذي قدمه ضمن أسبوع باريس للـ«هوت كوتور»، فهو أن الوفاء من شيمه؛ إنه عاشق وفيٌّ لباريس، صديق وفيٌّ لعارضته المفضلة نيفيز ألفاريز، التي افتتحت العرض كالعادة، وكأنه يتبرك بها، ووفيٌّ لأسلوبه المطعم بالشاعرية والفنية. قد يجنح أحياناً إلى المسرحي، لكنه مسرحي يغذي كل الحواس.
يبدو تأثره بأستاذه كريستوبال بالنسياغا واضحاً في الأحجام والأشكال الفنية (ستيفان رولان)
اقتصرت تشكيلته على لونين يتيمين، هما الأسود والأبيض. كانا كل ما يحتاج إليه ليكتب سيناريو مسرحية، قال إنه استلهمها من غموض وسحر باريس في ليالي الشتاء، عندما تكون الأشجار عارية، والأحجار المرصوفة بالحصى تتلألأ بمياه الأمطار. صورة استلهمها من براساي، المصور الفوتوغرافي، مجريُّ الأصل، المفتون بليالي باريس وخطاياها. كان يسهر الليل يجوب شوارعها المظلمة والخفية، يلتقط صورها وهي تستيقظ بعد أن ينام الناس لتعيش حياة موازية.
ستيفان رولان ترجم هذه الصور، أو بالأحرى الحياة، في قطع أزياء باللون الأسود تخترقها إشعاعات بيضاء، تلعب على المستور والمكشوف، فتحوَّل تناقضهما إلى تناغم مفعم بالأنوثة. بين الإطلالة والأخرى كان يضيف عليها بعض البريق، بترصيعها بأحجار الكريستال أو الزجاج أو السفير أو الأونيكس. وعندما لا يكفيه الأمر يستعمل «بروش» يُشبكه عند الخصر أو الكتف، أو حزاماً يُزيِّن الخصر من تحت التول أو الموسلين عوض أن يحدد الفستان.
لعب على الأسود والأبيض فقط وكانا كافيين لينسج منهما قصات مثيرة (ستيفان رولان)
وإذا كان الأسود والأبيض البطلين الرئيسيين، فإن الأقمشة أيضاً كان لها دور أساسي في هذه الحبكة المسرحية. تباينت بين صوف الكريب والمخمل والتول والساتان والموسلين. أول ما يتبادر إلى الذهن أنها أقمشة تتميز بقوام ناعم يخدم التصاميم التي تنسدل على الجسم، لكن ستيفان نجح في تشكيلها بهندسية، أضفت عليها قواماً صلباً جعلها تبدو كأنها منحوتات.
تتوالى الإطلالات في قاعة «بليل» الواقعة بالجادة 8 بباريس على نغمات موسيقية وأبيات شعر تتغنى بباريس للشاعر جاك بريفير، صديق المصور براساي ورفيق دربه في بعض جولاته الليلية، فنتذكر مهارة المصمم في التفصيل، وإعجابه القديم الذي لا يزال ساكناً وجدانه، بأستاذه كريستوبال بالنسياغا. ظهر هذا التأثير في بعض الأحجام الضخمة والأكتاف العريضة والتفاصيل الهندسية المبتكرة.
قد تكون بعض التفاصيل جانحة نحو السريالية إلا أنها ما يُميز أسلوب ستيفان رولان عن غيره (ستيفان رولان)
من بين هذه الإثارة البصرية لا ينسى المصمم منبع إلهامه، فيعود إلى قصص الليل والنهار: من خلال أبيض والأسود والسميك والشفاف. يترك الموسلين أو التول ينسدلان على شكل تنورة، أو بنطلون من تحت جاكيت توكسيدو كاشفاً عن الخصر للتخفيف من صرامة تفصيل الجزء العلوي أو لإبراز فنيته. يقول ستيفان: «إنها تصاميم (غرافيكية لكن ناعمة)»، ويتابع كأنه يريد ترسيخ الفكرة أو تصحيحها: «هناك الكثير من النعومة».
تصريحه لا يُبدِّد الإحساس الطاغي بأنها نعومة مربوطة بالإثارة الحسية. كان واضحاً تأثره بصور براساي الليلية. ترجمها من خلال فتحات ديكولتيه منخفضة للغاية، وفتحات جانبية تظهر كامل الساق وما فوقها، ولا يغطيها سوى ستارة خفيفة من الموسلين أو الأورغنزا، لا تنجح في إخفاء المكشوف بقدر ما تُبرزه وتزيد من سحره.
نجح ستيفان في تشكيل الأقمشة بهندسية أضفت عليها قواماً صلباً جعلها تبدو كأنها منحوتات (ستيفان رولان)
كانت هناك أيضاً إطلالات بظهور مكشوفة، وخصور لم يُخف منها المصمم سوى السرة. حرص على إخفائها، إما بحزام مرصع بالألماس وأحجار الكريستال أو بقطعة قماش صغيرة بحجم صفحة اليد، كان دورها أن تربط الصدر بتنورة منسدلة، حتى يبقى جزء كبير من منطقة الخصر مكشوفاً. تُفاجئنا جُرأته بعض الشيء، ثم نتذكر أننا هنا في عرض مسرحي، وفي قاعة مسرح، وهو ما يحتاج إلى بعض البهارات المثيرة. نتذكر أيضاً أن التشكيلة تنتمي لخط الـ«هوت كوتور»، وهذا يعني أن الزبونة من حقها أن تطلب إجراء تعديلات طفيفة عليها، مثل إضافة بطانة تستر المكشوف، أو أكمام وما شابه من تفاصيل، وإن كانت الكثيرات من زبونات الجيل الجديد سيُقبلن عليها كما هي.
ظل المصمم وفياً لأسلوبه الشاعري الجانح إلى المسرحي أحياناً من خلال التفاصيل والإكسسوارات (ستيفان رولان)
سحرها بالنسبة لهن يكمن في إثارتها، إضافة إلى فنيتها التي تعززها التفاصيل الهندسية تارة والإكسسوارات تارة أخرى. ويبدو أنه أخذ بعين الاعتبار هذه الشريحة. وأضاف إلى القطع ذات الياقات العالية والأكمام الطويلة سحابات يمكنهن فتحها للحصول على مبتغاهن.
ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره
السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه
المشهد حالياً يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت لاختبار أفكار مبتكرة، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟
«الشرق الأوسط» (لندن)
ستيفان رولان لـ«الشرق الأوسط»: أردت أن أُظهر المرأة خلف داليدا الأيقونةhttps://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B6%D8%A9/5333945-%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D9%81%D8%A7%D9%86-%D8%B1%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%86-%D9%84%D9%80%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D8%AA-%D8%A3%D9%86-%D8%A3%D9%8F%D8%B8%D9%87%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%AE%D9%84%D9%81-%D8%AF%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%AF%D8%A7
ستيفان رولان لـ«الشرق الأوسط»: أردت أن أُظهر المرأة خلف داليدا الأيقونة
المغنية التونسية أميمة طالب اختتمت العرض بوصلة موسيقية أحيت فيها أغاني داليدا (ستيفان رولان)
«الأساطير لا تموت». هذا ما يؤكده المصمم الفرنسي ستيفان رولان في كل موسم من مواسم الـ«هوت كوتور» تقريباً. ففي خريف وشتاء 2024، رسم صورة درامية للسوبرانو ماريا كالاس، وحديثاً، في عرضه لخريف وشتاء 2027 قدَم مجموعة استلهمها من أيقونة أخرى هي داليدا. قال إنها مجموعة تتزامن مع الذكرى الأربعين لرحيلها، وفي الوقت ذاته، يستعيد من خلالها ذكريات ترسَّخت في وجدانه وهو يستمع إلى أغانيها منذ صباه.
يضيف في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» أنه بالرغم من أنه يستلهم دائماً من فنانين، سواء أكانوا رسامين أم نحاتين أم مؤلفين موسيقيين، فإن للعاطفة التي يُعبِر عنها الصوت والموسيقى وقع خاص في نفسه. أسأله عن سبب اهتمامه تحديداً بأيقونات جريحة نوعاً ما، مثل ماريا كالاس وداليدا، يُجيب أنه يجد نفسه مشدوداً إلى ما يختبئ وراء الصورة الخارجية والبراقة، من مشاعر إنسانية تدفع أصحابها إلى بلوغ أقصى حالات الإبداع، في محاولة لمداواة الألم أو التعايش معه.
كان لا بد لخلق تنوع يخاطب كل الأذواق لتجنب رتابة اللون الواحد (ستيفان رولان)
يُتابع: «كانت ماريا كالاس وداليدا متشابهتين في كونهما روحين جريحتين استطاعتا غزو العالم. لكن بينما كانت كالاس محاربة وشديدة الانضباط رغم الخذلان العاطفي الذي عاشته، كانت داليدا تعيش صراعاً وجودياً وتحمل شرخاً أعمق لم تتجاوزه طوال حياتها، مما جعلها أكثر هشاشة بكثير».
أما في عرض «دليدا.. امرأة من الشرق»، وهو عنوان المجموعة، فبرز البُعد الشرقي بكل ما يحمله من حسية وحميمية، جسّدهما من خلال تصاميم تتبع تضاريس الجسد وانحناءاته، فتكشف أحياناً وتحجب أحياناً أخرى. هذه الازدواجية هي التي سادت المجموعة، وعبَر فيها المصمم عن رؤيته الخاصة لداليدا كامرأة تجمع بين القوة والنعومة.فهو لا يتوقف عند ملامح صورتها المألوفة هنا، من تسريحات الشعر أو الماكياج، إلى سائر التفاصيل التي ارتبطت بها، بل يحاول النفاذ إلى ما يختلج في داخلها، وفهم الثمن الذي دفعته مقابل هالتها الأيقونية. وهكذا تتجاوز المجموعة الاستعراض الجمالي والفني لتغدو قراءة نفسية تستنطق ما وراء الصورة.
لمسات المصمم الفنية ظهرت في الكثير من التفاصيل (ستيفان رولان)
يقول رولان إن الصورة التي لا تفارق مخيلته عن المغنية، هي لامرأة شقراء ذات روح شرقية، تقف تحت أضواء المسرح، بفستان أبيض ذي خطوط بسيطة، لا يكسر صفاءه سوى الستارة الحمراء لمسرح الأولمبيا الشهير. إنها ليست داليدا التي استقرت صورتها في الذاكرة خلال سنواتها اللاحقة، ولا نجمة الديسكو الشابة قبل معاناتها مع الفقد بعد رحيل رفيق دربها منتحراً، وما أعقب ذلك من مآسٍ شخصية وانكسارات عاطفية، بل امرأة تعود إلى المسرح بعدما اعتقد كثيرون في الوسط الفني أن مسيرتها انتهت.
وفي ليلة 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 1971، كتبت لنفسها بداية جديدة. صعدت إلى المسرح بذلك الفستان الذي يكاد يكون رهبانياً في بياضه وبساطته، من تصميم «بالمان» وقدمت أداءً مذهلاً بحيث وُصفت تلك الليلة بـ«ليلة الانتصار الملحمي».
وظَّف المصمم قدرته على النحت والبناء المعماري للتصاميم وخلق توازناً بين الصلابة والنعومة (ستيفان رولان)
الأبيض للبدايات
هذه اللحظة هي التي التقطها المصمم وجسّدها في مجموعة غلب عليها اللون الأبيض، باستثناء قطع قليلة بالأسود والأحمر. لم يأتِ الأبيض، وفق رؤية رولان، للتعبير عن الحنين أو الرغبة في الاختفاء، بقدر ما يرمز لبداية جديدة وفتح صفحة بيضاء، تظهر فيها داليدا امرأة قوية بما يكفي لتسحر الملايين بصوتها. لكن وراء هذه القوة تسكن امرأة هشة بما يكفي لأن يهزمها خذلان حياتها الخاصة.
من الناحية الفنية، يوضِح المصمم أن التحدي في ابتكار مجموعة بهذه الدرجة من الصفاء، يكمن في تحقيق التنوع الذي يخاطب كل امرأة، أياً كان ذوقها، من دون تكلف أو مبالغة في الزينة، وفي الوقت نفسه تفادي الرتابة التي يمكن أن يُولدها تكرار اللون الواحد. لتحقيق ذلك، كان لا بد من توظيف الحسية، مستعيناً بانحناءات الجسد وبعض تقنيات الثني والانسياب في القماش. كما أضفى على الخامات ثراءً إضافياً بإدخال الذهب والأحجار الكريمة». وهكذا يمكن لأي امرأة أن تتعامل مع القطعة بالأسلوب الذي تختاره ويناسب شخصيتها. فالأبيض هنا جاء بمثابة «كنفس» يمكنها أن ترسم عليه الصورة التي تعكس ذوقها الخاص.
اللمسات الشرقية ظهرت أيضاً في تجنب الكشف المبالغ فيه لأجزاء من الجسم (ستيفان رولان)
أما كيف ترجم هذا التنوع، رغم الازدواجية بين القوة والهشاشة، وحوّله إلى لغة فنية متماسكة، فكان عبر الحركة والتفاصيل الخفيفة التي تتكشف بهدوء، من ثنيات وأحجام واسعة، اعتمد فيها على خامات مثل الغازار والأورغنزا الخفيفة إلى جانب الريش والكريستال الصخري والأحجار الثمينة. عناصر تعبر عن الفخامة والتميز لكنها تظل مطبوعة بالرقة، حتى في التصاميم الأكثر صلابة. فرولان المعروف بخطوطه المعمارية وحضوره النحتي، كان يبحث في هذه المجموعة، على حد تعبيره «عن الجانب التأملي لامرأة تواجه عبث الحياة، لكنها لا تزال تبحث عن نوع من النور، وتعكسه فوق خشبة المسرح». ويوضِح: «لم أخترع داليدا جديدة، ولن أجرؤ على ذلك أبداً. ما قدَمته هو نوع من التخيَل الفني للصورة التي تشكَلت لدي عما وراء مظهرها المصقول، حيث تسكن إنسانة حساسة، لها جراحها وشقوقها، وتبحث عن طريق للاستمرار».
ظهرت بعض التصاميم كمنحوتات رغم تناقضاتها بين الانسيابي والهندسي (ستيفان رولان)
فهي امرأة أكثر تأملاً في علاقتها بالحياة والموت، تكاد تقترب من النظرة الفلسفية. ففي نظر رولان، لم تكن داليدا مجرد فنانة عادية، بل امرأة تتساءل عن معنى وجودها وتحاول فهم معنى الحياة وكيفية مواصلة العيش فيها».
ولتجسيد هذه الصورة، أو الروح التواقة للتعايش مع الحياة، اقترح 33 إطلالة، برز من بينها فستان بتقنية المكرمية، يجمع بين كورسيه وتنورة من الأورغنزا وتفاصيل من ريش النعام. كما ظهرت فساتين طويلة أخرى، يجمع بينها التوازن بين الصلابة والنعومة، بينما بدت العارضات في العديد منها كأنهن منحوتات متحركة. لم يغب غموض الشرق ولا سحره. فقد برزا من خلال خامات، مثل الأورغنزا التي تنساب مع الخطوات كزبد البحر، وتصاميم تكشف اجزاء من الجسد من دون مبالغة، كما حضر الأسود إلى جانب الأحمر في قطع معدودات. الأسود ليعكس السوداوية التي كانت تعيشها في حياتها الخاصة، والأحمر ليستحضر ستارة مسرحها المفضل، الأولمبيا.
مسرح الأولمبيا
هذا المسرح بالنسبة لرولان، لا يمكن فصله عن داليدا، أو عن تلك الليلة الملحمية التي عادت فيها إلى الأضواء، لأنه كان جزءاً من حكايتها، حيث وقفت على خشبته مرات لا تُحصى، لذلك «كان مهماً أن أقدِم هذه المجموعة التكريمية والتي تتزامن مع رحيلها الأربعين في المكان الذي كانت تُفضِله».
غلب الأبيض على العرض باستثناء قطع قليلة استخدم فيها المصمم الأسود (ستيفان رولان)
ويشرح رولان أنه يعتبر اختيار المكان عموماً، عنصراً أساسياً في كل عروضه. فعندما استلهم من ماريا كالاس، كان قصر غارنييه الخيار الطبيعي. فقد غنَت على خشبته وأحيت فيه ثلاث حفلات مهمة في مسيرتها. كذلك الأولمبيا، الذي كان الأقرب إلى داليدا، وحققت فيه أجمل نجاحاتها.
وعندما أشير إلى أن الغوص في الذات الإنسانية هنا، وسرد القصص في عالم الموضة عموماً، بات يحتل أحياناً مساحة مبالغاً فيها، إلى حد يجعل كل مجموعة مصحوبة بحكاية أو مصدر إلهام أو مرجعية ثقافية تكاد ترقى إلى أطروحة فكرية أو فلسفية، يُقرِ رولان أن هذا السرد يتحول إلى عبء حين يُختلق لمجرد إرضاء المتلقي. ويُوضِح: «أنا أحب رواية الحكايات، لكن فقط إذا عشتها أو لمستني شخصياً. عندها فقط أومن بأن الإحساس سيصل صادقاً ومقنعاً».
نعومة الأقمشة لم تؤثر على هندسية التصاميم وأسلوب المصمم النحتي (ستيفان رولان)
من هذه القناعة، هو لا ينسج قصصاً للترويج لمجموعة أزياء، بل يستلهم تجارب إنسانية حقيقية يترجمها بلغة فنية. ولعلَ هذا ما يُفسِر تركيزه على داليدا في لحظة مفصلية من حياتها: حين عادت إلى المسرح بعدما اعتقد كثيرون أن مسيرتها انتهت، متحدِية خذلان منتجين رفضوا تمويل حفلتها الشهيرة، إذ موَّلتها من مالها الخاص، لتقف أمام الجمهور بفستان أبيض، شامخة، وكأنها تعلن رفضها للغياب أو التواري عن الأنظار. في تلك اللحظة، بكل ما تختزنه من معاني العودة والتجدد واستعادة الذات، وجد رولان الصورة التي أراد أن يستحضرها ويُقدمها في هيئة امرأة معاصرة.
فقد رأى في تلك الليلة من عام 1971 ما يتجاوز حدود الموضة. رأى امرأة تحاول أن تمضي في الحياة رغم التحديات، ومن هنا وظف اللون الأبيض كرمز للعودة وفتح صفحة جديدة لا كلون للاختفاء والتواري.
كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»https://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B6%D8%A9/5333766-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%B2%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%8B-%D9%88%D9%81%D8%B1%D8%B5%D8%A9-%D8%B0%D9%87%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AF%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%8A%D9%88%D8%B1
يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)
هناك لحظات يتشكّل فيها مستقبل مبدع حين يجد نفسه في المكان الصحيح. في الحادية والعشرين من عمره، كان «يورغن مايكلسن»، شاب ألماني من مدينة بريمن، على موعد مع فرصة استثنائية حين اختاره «كريستيان ديور» شخصياً، «بأعجوبة» على حدّ تعبيره، للعمل في الاستوديو، قلب الدار الإبداعي، حيث شهد أسلوب «نيو لوك» (New Look) انطلاقته اللافتة في فبراير (شباط) 1947. ومنذ ذلك الحين، انفتح أمامه عالم الأزياء الراقية «كوتور» الفرنسية في مهد الأناقة الباريسية. وخلال تسمية تصاميم مجموعة «ليبر» (Libre) التي أسهم في ابتكارها، اختار له السيد «ديور» اسم «يورن» (Yorn)، وهو اسم يحمل وقع علامة أزياء راقية «كوتور»، وكأنّه كان استشرافاً للمسيرة التي ستقوده لاحقاً إلى أن يصبح مصمم أزياء، ويتولى قيادة دار أزياء خاصّة به.
غلاف الكتاب (ديور)
عن تلك البدايات التي تترك في الذاكرة أثراً يتجاوز زمنها، لتصبح جزءاً من تكوين المبدع ومن الطريقة التي يرى بها العالم، يُدخلنا المصمم الألماني يورغن مايكلسن في كتابه «موسم في دار ديور» (A Season at Dior)، الصادر عن دار «فلاماريون» (Flammarion)، عالم 30 «مونتين» (Montaigne) خلال الفترة الممتدة بين عامَي 1956 و1957، وهي مرحلة مفصلية شهدت رحيل «كريستيان ديور» المفاجئ.
ينطلق الكتاب من لحظة اعترف فيها السيد «ديور» في سيرته الذاتية «ديور بقلم ديور» (Dior by Dior) بأنّ «السنوات الأولى، حين يبدأ المرء في شقّ مساره المهني، هي أكثر فصول أي سيرة ذاتية تشويقاً».
كريستيان ديور يجري بروفات قبل العرض (ديور)
من خلال هذه الشهادة القيّمة، يرسم «يورن مايكلسن» صورةً إنسانيةً مرهفة لكريستيان ديور، ويستحضر أجواء ذلك العام المفصلي بكل ما حملته من تألّق استثنائي وزخمٍ إبداعي. ويتخلل هذا السرد الشعور العميق بالامتنان؛ امتنان شاب أُتيحت له فرصة استثنائية، ثم عاد بعد عقود ليستحضر تلك المبادرة التي غيّرت مسار حياته.
ويعيد مايكلسن إحياء عالم 30 «مونتين» (Montaigne) في تلك الحقبة بكل زخمه من: الاستوديو، والمشاغل، ورئيسات المشاغل، والحرفيات الماهرات، وعارضات الأزياء، ومندوبي المبيعات، وكبار المسؤولين في الدار؛ كوكبة من المواهب والشخصيات التي تضافرت معاً لتبثّ الحياة في حلم «ديور» (Dior).
كريستيان ديور وفريق يعمل ويراقب ويتعلّم (ديور)
يرصد الكتاب أيضاً مسار ابتكار مجموعة من الأزياء الراقية «كوتور»، مستعيناً بسلسلة من الصور الفوتوغرافية المصوّرة بعدسة «لوميس دين»، أُنجزت لصالح مجلة «لايف» (LIFE). ومن صورة إلى أخرى، تتكشف تفاصيل الحياة اليومية داخل الاستوديو، ذلك القلب الإبداعي ومختبر الأفكار، حيث تولد التصاميم وتتبلور ملامح القصّات والإطلالات، قبل أن تنتقل إلى الأيدي الخبيرة في مشاغل الدار لتتجسد على أرض الواقع. وتكتمل هذه الشهادة البصرية بصور التقطها كل من «ريتشارد أفيدون»، و«هنري كلارك»، و«ويلي مايوالد»، و«مارك شو»، و«هنري كارتييه - بريسون»، إلى جانب مواد من أرشيف «ديور» (Dior) تُنشر للمرة الأولى، لتقدّم مجتمعةً سجلاً بصرياً نادراً لتلك المرحلة.
أهمية كتاب «موسم في ديور» (A Season at Dior) لا تكمن في أنه يسلط الضوء على عالم الأزياء فحسب، بل في كونه يروي أيضاً حكاية جيلٍ يراقب ويتعلّم ويستوعب، قبل أن يمتلك الجرأة على رسم مساره الخاص. بعد تجربته في دار «ديور» (Dior)، ثم عمله لدى «مدام غريس» بصفته مصمّم أنماط، مضى «يورن مايكلسن» في شق طريقه المستقل. وفي عام 1962، أصبح أول مصمم ألماني يفتتح دار أزياء تحمل اسمه في 144 شارع الشانزليزيه.
لماذا خطفت إطلالات الفنانات بـ«الجونة السينمائي» الأضواء من صناع الأفلام؟
ليلى علوي على السجادة الحمراء بالجونة (إدارة مهرجان الجونة السينمائي)
رغم وجود أفلام سينمائية حاصلة على جوائز في مهرجانات سينمائية دولية عدة ضمن عروض فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي» في دورته التاسعة التي اختتمت (الجمعة)، فإنّ إطلالات الفنانات ومقاطع فيديو من فعاليات مختلفة تضمنها المهرجان خطفت الأضواء بعد انتشارها على مواقع التواصل الاجتماعي من صناع الأفلام.
ويتكرر المشهد كل عام بالمهرجان الذي يقام على ساحل البحر الأحمر بمصر، لتتحول إطلالات الفنانات إلى مدخل لمتابعة المهرجان لدى قطاع من الجمهور، حيث تجذبه صور السجادة الحمراء، وما يصاحبها من تفاصيل تتعلق بالأزياء، والمجوهرات، وتسريحات الشعر.
وهي تفاصيل تتيح مشاركة واسعة في النقاش، سواء بالإعجاب، أو الانتقاد، من دون الحاجة إلى متابعة العروض؛ إذ يكفي تداول صورة لإحدى النجمات حتى تبدأ المقارنات بين إطلالتها الحالية وظهورها في دورات سابقة، أو بينها وبين غيرها من الحاضرات.
وتعرضت شيرين رضا للانتقاد على خلفية إطلالتها في حفل الافتتاح بفستان اعتبره البعض غير مناسب لمرحلتها العمرية، وهي الانتقادات التي أكدت لـ«الشرق الأوسط» أنها لم تهتم بها باعتبار أنها اختارت فستاناً شعرت بأنه مناسب لها.
وأضافت أن من حق الجمهور إبداء رأيه، لكنها لا تقبل أي تجاوز في حقها من أشخاص لا يوجد لديهم سوى أجهزة هواتف جوالة ليعلقوا عليها باستخدام عبارات تحمل سباً وقذفاً.
شيرين رضا في مهرجان الجونة (صفحتها على «فيسبوك«)
موقف آخر تعرضت له الفنانة يسرا بعدما جرى اقتطاع جزء من حديثها خلال ندوة تحدثت فيها مع المنتج مدحت العدل عن وجود «ردة»، وهو ما جرى اقتطاعه من سياقه الذي ارتبط بعدم القدرة على تقديم بعض الأعمال التي قدمت من قبل بالسينما، بالإضافة إلى تراجع البطولات النسائية.
ونال الفنان خالد الصاوي تعليقات عديدة حول إطلالته في المهرجان، مع ظهوره بوزن منخفض بشكل كبير مقارنة بالنسخة الماضية من المهرجان، وذلك عقب أزمات صحية مر بها في الفترة الماضية. كما لفتت نيكول سابا وهدى الإتربي ونجلاء بدر الأنظار بمواقف وإطلالات خلال المهرجان.
وقال مدير المركز الصحافي لمهرجان «الجونة السينمائي» هاني مصطفى إن السعي وراء «الترند» أثّر في المعايير المهنية لتداول الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي، موضحاً أن المواد التي تتضمن إثارة تجد رواجاً أكبر، بينما لا يحظى الحديث عن فيلم فائز بالسعفة الذهبية -أو بجوائز كبرى في المهرجانات السينمائية الكبرى- بالاهتمام نفسه، رغم قيمته السينمائية، لأن معايير الانتشار على هذه المنصات تختلف عن معايير التغطية الثقافية.
دينا الشربيني في مهرجان الجونة (إدارة المهرجان)
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «جانباً كبيراً من الجمهور الذي يتابع أخبار المهرجان عبر مواقع التواصل لا يدرك عمق محتواه الثقافي، في ظل التركيز على التفاصيل المثيرة التي تحظى بقبول أوسع»، موضحاً أن ذلك يؤثر في الصورة التي تصل إلى المتابعين عن المهرجان، إذ تتصدر بعض الوقائع والتعليقات الاهتمام، فيما تتراجع أمامها أخبار الأفلام، والعروض، والأنشطة السينمائية التي تشكل جوهر برنامجه.
وأوضح مصطفى أن «المهرجان يتبع، منذ دورته الأولى، استراتيجية إعلامية واضحة تهتم بالتغطية الصحافية والإعلامية لفعالياته، غير أن اتساع تأثير مواقع التواصل يجعل من الصعب التحكم في اتجاهات تداول المحتوى»، مؤكداً أن رغبة قطاع من الجمهور في تتبع الفضائح والتفاصيل المثيرة للجدل تسهم في انتشارها على حساب موضوعات ثقافية تحتاج إلى اهتمام أعمق.
وأبرزت العديد من الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع ولقطات فيديو مختلفة لمواقف عفوية للفنانين خلال المهرجان حققت ملايين المشاهدات، منها موقف سكب الفنانة ليلى علوي لكوب كانت تحمله بيدها خلال توجهها للمشاركة في إحدى الفعاليات برفقة زميلتها يسرا، والممثلة كندة علوش.
نيكول سابا في الجونة (إدارة المهرجان)
وقالت الناقدة حنان أبو الضياء إن النقاد يتابعون في مهرجان «الجونة السينمائي» أفلاماً مهمة يحرص المهرجان على إتاحتها عاماً بعد آخر، إلى جانب الندوات، والنقاشات التي تعقب العروض بحضور صناعها، موضحة أن «هذه اللقاءات تمنح المشاهدين فرصة لفهم اختيارات المخرجين، ومناقشة أفكارهم، وتشكل جانباً مهماً من فعاليات المهرجان، لكنها لا تحظى بالظهور الإعلامي نفسه الذي تحظى به إطلالات النجوم».
وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «غالبية هذه النقاشات لا تُنقل تلفزيونياً، ما يحد من وصولها إلى جمهور خارج قاعات العرض، رغم ما تتضمنه من حوارات تستحق المتابعة» لافتة إلى أن القراءات النقدية تحقق، بشكل عام، أرقام متابعة أقل بكثير من مقاطع الفيديو، وهو ما يساعد على فهم الفارق بين ما يشاهده النقاد من نشاط سينمائي داخل المهرجان، والصورة الأكثر تداولاً عنه لدى الجمهور.
أمينة خليل وإطلالة خاصة في مهرجان الجونة (إدارة المهرجان)
ويتضمن مهرجان «الجونة السينمائي» عدداً من الحفلات التي تنظم عبر الشركات الراعية للمهرجان، منها حفل سنوي يقوم بإحيائه المطرب المصري عمرو دياب، وشهدت الدورة التاسعة تنظيم حفل للموسيقار عمر خيرت.
وجرى تناول مقطع فيديو تفاعل فيه السيناريست تامر حبيب مع الفنان عمرو دياب خلال الحفل الذي أقيم على هامش المهرجان، مع تعليقات حملت سخرية من طريقة تفاعل السيناريست المصري، لكن حبيب أكد لـ«الشرق الأوسط» أنه سمع بالفعل عن هذا الأمر، لكنه لم يهتم، لكونه لم يقم بارتكاب شيء يخجل منه، فهو حضر الحفل، واستمع إلى عمرو دياب، واندمج معه في الغناء، الأمر الذي لا يشكل أي شيء يدعو للسخرية، أو الانتقاد.
وأرجع أستاذ الإعلام بجامعة العاصمة محمد فتحي إثارة المهرجان للضجيج كل عام لكونه «التجمع الأبرز والأطول لنجوم مصر بعيداً عن كاميرات الأعمال الفنية، وفي حضور رجال الأعمال، وهو ما يجعله بيئة مثالية للمحتوى الرائج على مواقع التواصل الاجتماعي»، واصفاً المهرجان بأنه «أكبر عرض مسرحي واقعي فني يُقدَّم في مصر»، حيث تحظى تصرفات النجوم وعلاقاتهم وإطلالاتهم باهتمام يتجاوز مشاركاتهم الفنية.
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن اجتماع النجوم على مدى أيام يتيح مادة واسعة للنميمة، والتعليق على تفاصيل حياتهم، وظهورهم، بما يمنح النقاش حول المهرجان طابعاً يتجاوز السينما، مشيراً إلى أن «بعض ما يُثار بهذه المناسبة قد يكون مدفوعاً برغبة في الانتقام الشخصي، فتُستخدم الصور والمواقف والتصريحات في تصفية خلافات، وهو ما يسهم في تجدد الجدل واتساعه مع كل دورة»، على حد تعبيره.