يحيى السنوار... حكاية «الرقم 1» يرويها «رفاق الزنزانة»

أسرى سابقون يرسمون لـ«الشرق الأوسط» صورة «طبَقيّة» للعقل المدبر لـ«7 أكتوبر»

TT

يحيى السنوار... حكاية «الرقم 1» يرويها «رفاق الزنزانة»

يحيى السنوار متحدثاً إلى وسائل الإعلام في غزة 28 أكتوبر 2019 (رويترز)
يحيى السنوار متحدثاً إلى وسائل الإعلام في غزة 28 أكتوبر 2019 (رويترز)

لشهر أكتوبر (تشرين الأول) في فصول حياة يحيى السنوار «أبو إبراهيم»، رئيس حركة «حماس» الذي أعلنت إسرائيل قتله، قصة خاصة. فيه وُلد في أزقة مخيم خان يونس قبل ستة عقود ونيّف ليبدأ رحلة حياة مليئة بالمحطات الصعبة والمثيرة والشائكة، وفيه نال حريته من السجون الإسرائيلية بعد أكثر من عقدين أمضاهما فيها، وفي الشهر ذاته أطلق «الطوفان» نحو غلاف غزة مخلِّفاً وراءه ارتدادات كبرى هزت أرجاء المنطقة والعالم، قبل أن تتمكن إسرائيل من تصفيته في أكتوبر أيضاً.

نشأ السنوار في مخيمات الصفيح بغزة وبين أزقتها الضيقة بعدما نزحت عائلته من مدينة المجدل عقب «نكبة 48». طاله نصيب من شظف العيش وقسوته. طبعت الظروف القاسية علاماتها على شخصية الطفل الذي وقف شاهداً على «نكسة 67». راكمت السنوات التي تلت رصيداً من الغضب والسخط في صدره، فاقمتها يوميات البؤس في غزة ومخيماتها مخلّفةً «رغبةً ملحّة بالانتقام» لازمته لعقود تلت. كان في حديثه ونظرته للصراع دائم الحديث عن «النكبة» وما تركته من معاناة ممتدة لأهله، كان لديه تطلع دائم لإحداث «صدمة وتغيير في موازين القوى»، كما يقول من عرفه.

تلقَّى يحيى السنوار تعليمه في مدارس مخيم خان يونس وأكمل دراسته بعدها بالجامعة الإسلامية التي تخرج فيها بشهادة في الدراسات العربية. بدأ نشاطه بالعمل الطلابي والتنظيمي حينذاك تحت مظلة «الكتلة الإسلامية» ومنها شق طريقه إلى أدوار أوسع تكللت بتأسيس جهاز «المجد»، الجهاز الأمني الداخلي لـ«حماس» المضطلع بأدوار حساسة أبرزها ملاحقة العملاء والمرتبطين بأجهزة الأمن الإسرائيلية.

قاد نشاطُه الأمني إسرائيل لاعتقاله أواخر الثمانينات. اتهمته السلطات الإسرائيلية بقتل أربعة «متعاونين» فحكمت عليه بأربعة أحكام مدى الحياة. تنقّل بين السجون الإسرائيلية شمالاً وجنوباً وقضى فترات طويلة في غرف العزل.

صورة توضيحية لمخطط «حماس» اقتحام سجن عسقلان وتحرير أسرى محتجزين

قاد «حماس» داخل السجون، وحمَل «هاجسه الأمني» معه. أتقن اللغة العبرية، ودرّس النحو الصرف لرفاقه، وقاد إضرابات ومفاوضات، وربح جولات وخسر أخرى. بدا الوقت ثقيلاً داخل السجن فيما دارت عجلة الصراع خارج أسواره؛ انتفاضات وحروباً وسرابات سلام. أكثر من عقدين في الأسر لم ينالا من قناعة الرجل بقرب نيل حريته. خطف شقيقه جندياً إسرائيلياً وبادلته «حماس» بألفِ أسير فلسطيني. كان يحيى على رأسهم. خرج ليلعب أدواراً بارزة شكّلت معالم جديدة للصراع.

في أعقاب السابع من أكتوبر، ملأ اسم السنوار الدنيا وشغل كثيراً من دوائر الأمن والسياسية في إسرائيل وخارجها. أثار الرجل عاصفةً من التساؤلات حول شخصيته وأفكاره ورؤيته للصراع وكذلك الدوافع وراء قراراته وحسابات تكاليفها، لا سيما لما أحدثته من انعكاسات وما خلَّفته من تبعات كبيرة وثقيلة.

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى «رفاق القيد» ممن عاشوا معه وعرفوه واقتربوا منه خلال سنوات الأسر في السجون الإسرائيلية. يرسم الأسرى السابقون من مشارب سياسية وفكرية متنوعة «صورةً طبَقيّة» عن «العقل المدبر» لـ7 أكتوبر وأفكاره وقيادته لحركته داخل السجون وعلاقته مع الفصائل الأخرى وصولاً إلى الدوافع التي أوصلته إلى ساعة الصفر صبيحة السابع من أكتوبر، وحسابات الحرب الممتدة ومآلاتها.

اللقاءات الأولى

يسرد عصمت منصور، أسير سابق كان ينتمي لـ«الجبهة الديمقراطية» وأمضى سنوات في السجون الإسرائيلية التقى خلالها السنوار، جانباً عن انطباعاته الأولى بعد لقائه في سجن عسقلان أواخر تسعينات القرن الماضي: «حينما تلتقي السنوار ترى إنساناً عادياً، بسيطاً ومتديناً»، بيد أنه يحمل أيضاً «صفات القسوة والحِدّة في التعامل. هو رجل متدين لكنه ليس خطيباً ولا منظِّراً. تحضر الخلفية الدينية في تشكيل علاقاته، ولا يمكن أن يتعامل معك بمعزل عن موقفه المسبق».

يحيى السنوار لدى وصوله إلى احتفالية إحياء «يوم القدس» في غزة 14 أبريل 2023 (غيتي)

تَظهر تجربة السنوار في صغره قبل دخوله السجن مبكراً وقضائه فترة طويلة فيه، جليّة في سلوكه ونظرته لما حوله وتعامله مع الآخرين. يقول منصور إن طفولته القاسية رسمت معالم «حقده» وصاغت توجهاته السياسية، مضيفاً: «هو لا يقبل المساومة، ولا يرى إمكانية للحلول أو إمكانية للتوصل إلى صيغ واتفاقيات إلا في إطار التكتيك».

عبد الفتاح دولة، أسير سابق ينتمي لحركة «فتح» أمضى سنوات في السجون الإسرائيلية، كان قد التقى السنوار أول مرة عام 2006. سبقت انطباعاته عن الرجل اللقاء معه، إذ تناقل الأسرى «صيت السنوار» من سجن إلى آخر ورسموا صورة عن رجل «حاد الطباع وصاحب قرار».

تلك الانطباعات عززها اللقاء الأول الذي جمعهما في سجن بئر السبع الصحراوي. يقول دولة: «يحيى السنوار الشخص الاجتماعي الإنساني يختلف عن القيادي الحمساوي. يحيى السنوار الذي تتناقش معه في قضايا عامة يختلف عن الذي تخوض معه في قضايا فصائلية. هنا يكون اجتماعياً وهناك يكون متعصباً، تشعر كأن الرجل بشخصيتين».

أما صلاح الدين طالب، أسير سابق ينتمي لحركة «حماس» وكان قد قضى سنوات في السجون مع السنوار وأُفرج عنه مع السنوار ضمن صفقة التبادل، يستذكر لقاءه الأول مع «أبو إبراهيم» فيقول: «يلفتك تواضعه، وعلاقته المرحة مع الشباب». بيد أن رفيق الأسر يلفت إلى أن طبيعة القيادي الحمساوي الأمنية جعلته مختلفاً عن قيادات الحركة الآخرين، فهو «ليس داعيةً، هو مؤسس جهاز (مجد) الأمني وهذا ينعكس إلى حد كبير على شخصيته. فرغم علاقاته الاجتماعية القوية فإنه في الجانب الأمني كان شديداً وقاسياً».

يحيى السنوار متحدثاً إلى وسائل الإعلام في غزة 28 أكتوبر 2019 (رويترز)

«هوس أمني» في السجون

داخل السجون كما خارجها، ظل السنوار رجل الأمن الأول. أواسط التسعينات تلقَّت حركة «حماس» وخلاياها في الضفة والقطاع ضربات موجعة متتالية تمثلت في اغتيال أجهزة الأمن الإسرائيلية عدداً من قادتها كان أبرزهم يحيى عياش وعماد عقل، وتنفيذ عمليات اعتقال واسعة لنشطاء الحركة، وإحباط عدد كبير من الخلايا العسكرية. أحدثت هذه التطورات هزات كبيرة داخل أركان الحركة وبعثت بارتدادات عمَّقت المخاوف من اختراقات أمنية واسعة. ألقى هذا بظلال ثقيلة وقاتمة على أحوال الحركة داخل السجون ودشن «مرحلة الهوس الأمني» في تاريخها. كان السنوار محرك هذه المرحلة وضابط إيقاعها.

قادة عسكريون من كتائب «عز الدين القسام» يستقبلون يحيى السنوار في غزة 30 أبريل 2022 (أ.ف.ب)

يستذكر طالب هذه «المرحلة الصعبة» التي اضطلع خلالها بأدوار أمنية برفقة السنوار داخل المعتقلات. اتسعت رقعة «الهوس» وطالت تنظيم «حماس» في كل السجون، «كان هناك تحقيقات واستجوابات، كانت الملفات الأمنية تنتقل بين السجون ومنها إلى الخارج. خلّف ذلك حالة هوس أمني فكانت هناك اختراقات واغتيالات واعتقالات ولم تكن الحركة جاهزة أمنياً أو لديها تجربة ناضجة للتعامل مع ذلك بطريقة مثالية».

تحوّلت غرف حركة «حماس» لمراكز للاستجواب والتحقيق. طالت الاتهامات بالعمالة الكثيرين. يقول طالب إن بعضهم «ثبتت عمالته» بيد أن كثيرين وقعوا ضحية لـ«فوبيا الأمن»، مضيفاً: «كانت مرحلة صعبة لم يخرج منها أحد بسلام».

ويشير عبد الفتاح دولة إلى أن عمليات التحقيق كانت تجري مع «كل من تدور حوله أي شكوك»، ما خلّف تبعات مأساوية، «أشرف السنوار على عديد من عمليات التحقيق الداخلي. ربما كان يفلح بالوصول إلى بعض المتساقطين هنا أو هناك، لكن البعض قُتل تحت التعذيب وتبين لاحقاً أنهم من أفضل أبناء الحركة».

السنوار و«القسّام»

كان السنوار داخل السجون الإسرائيلية مطلع التسعينات حين برزت إلى الواجهة «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، وشرعت بتنفيذ سلسلة من العمليات ضد أهداف للجيش الإسرائيلي والمستوطنين. ورغم أن السنوار كان منخرطاً في الجانب الأمني فإنه اعتُقل مبكراً بينما كان العمل العسكري في طور الإعداد والتطوير. بدأت علاقة السنوار مع شخصيات من الجناح العسكري لـ«حماس» تنشأ وتتطور أكثر داخل السجون، إذ بدأ عدد من الأسماء البارزة بالوصول إلى السجون والمعتقلات.

يحيى السنوار يعتلي المنصة مع مقاتلين من كتائب «عز الدين القسّام» لإحياء ذكرى مَن سقطوا في المعارك مع إسرائيل مايو 2021

يقول منصور: «السنوار من البداية ذهنُه وعقليته أمنية؛ عنده هوس أمني ونظرة أمنية للمحيط ويعيش هذا الهاجس كل الوقت. حتى قراءاته عن إسرائيل غالبيتها أمنية وعن تركيبة الجيش والمخابرات. لذلك هو لديه هذه الخلفية والقابلية للانخراط مع الجناح العسكري».

هذه العلاقة التي تشكلت ونضجت مع الجناح العسكري دخلت لاحقاً فصلاً جديدة بعد إتمام «صفقة شاليط» وخروج «أبو إبراهيم» ورفاقه من السجن عام 2011. كان محمد السنوار، شقيق يحيى الأصغر، مسؤولاً بارزاً في الجناح العسكري ومشاركاً في عملية أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط والاحتفاظ به لسنوات قبل إطلاق سراحه بموجب صفقة التبادل. أسهم شقيق السنوار وكذلك رفاقه الذي خرجوا معه من السجون، ناهيك بـ«رصيده» الذي يحظى به بالحركة، في فتح أبواب الجناح العسكري أمام القادم الجديد. يقول منصور إن هذه العوامل جعلت من السهل على السنوار «الاندماج في محيط العسكريين وإيجاد نفسه فيه».

شاليط والصفقة

قلبت عملية أسر الجندي الإسرائيلي شاليط والمفاوضات التي أعقبتها حول صفقة التبادل معطيات عديدة لدى السنوار وغيَّرت مصيره ومصير رفاقه. كان السنوار على رأس قائمة الأسماء التي طالبت «حماس» بالإفراج عنها. عززت التحولات التي خلّفها ملف شاليط مكانة السنوار داخل السجون وخارجها، إذ شرع بلعب أدوار متقدمة في ملف التفاوض.

يقول منصور: «السنوار بعد 2006 غير السنوار قبلها. بات يمثل مفتاحاً ومركز تجمع قوة كبيرة بسبب شاليط وبسبب سيطرة حماس على غزة بعدها. حماس أضحت نظاماً يحكم منطقة وتمتلك قوة وفي قبضتها أسير، وهذا الأسير بيد شقيق السنوار».

متظاهر يرفع لافتة تحمل صور الرهائن الإسرائيليين لدى «حماس» ويحيى السنوار وبنيامين نتياهو وكتب عليها «ليسوا لعبة... أوقفوا الحرب... لن يكون هناك رابح» (غيتي)

يشير منصور إلى أن قضية شاليط أعطت السنوار داخل السجون «قوة غير مسبوقة لم يسبق لأي قائد من حماس أن امتلكها سوى أحمد ياسين وصلاح شحادة اللذين كانا من الجيل الأول في السجون».

أصبح السنوار حينها عنوان الصفقة القادمة ومفتاحها. بات يمارس هذه القوة التي وقعت بين يديه لتعزيز مكانته وسلطته وقدرته على صناعة القرار داخل السجون وخارجها. يقول منصور: «بات يتصرف كشخص يقول للأسرى: (أنا باقدر أروّحك من السجن وباقدر أخلّيك). وهذا مارسه ليس لأسباب شخصية فحسب بل كانت لديه معايير مختلفة لها علاقة بمشروعهم وتفكيرهم وأولوياتهم».

كانت مفاوضات الصفقة بين إسرائيل و«حماس» قد قطعت شوطاً كبيراً حين دخل السنوار على خطها ورفض مخرجاتها وبدأ مساراً جديداً. يستذكر دولة أن مسؤول ملف التفاوض الإسرائيلي في قضية شاليط «حضر إلى السجون وتفاوض بشكل مباشر مع يحيى السنوار الذي ظهر أنه سيكون صاحب تأثير كبير».

ورم في الرأس وإنقاذ بمروحية خاصة

بينما كانت المفاوضات بشأن تبادل الأسرى تزداد زخماً وتقترب من نهاياتها، تعرَّض السنوار لوعكة صحية كادت تودي بحياته. أربك ذلك الحسابات وأضاء إشارات القلق لا سيما لدى الجانب الإسرائيلي. كان السنوار اللاعب الأول فيها. تفاقم وضعه الصحي ما حدا برفاقه في زنازين العزل بسجن السبع جنوب إسرائيل لحثه على الذهاب لعيادة السجن. يقول دولة: «كان السنوار عنيداً، كان يرفض دائماً الاستعانة بإدارة السجون». ازداد وضعه سوءاً وخطورة وفقد وعيه، مما اضطر رفاقه في السجن إلى نقله إلى العيادة، «حين بات الوضع صعباً، أجبروه على الذهاب»، يقول دولة.

أحدث وصول السنوار إلى عيادة سجن بئر السبع ذاك النهار إرباكاً كبيراً لدى إدارة السجون التي أعلنت حالة الطوارئ في السجن على الفور وأغلقت القسم الذي يقيم فيه السنوار. يسرد دولة تفاصيل تلك اللحظات التي رافقت الانتكاسة الصحية: «جاء ممثل عن إدارة سجن السبع وأخبرنا بأن المؤشرات تشير إلى أن السنوار يعاني وضعاً صعباً».

في تلك الأثناء حطّت مروحية في مهبط السجن، حسب دولة، وأقلّت السنوار على وجه السرعة إلى مستشفى «سوروكا» ليدخل بشكل عاجل إلى غرفة العمليات. وجد الأطباء ورماً حميداً في الرأس سارعوا إلى استئصاله. خضع السنوار لعملية «معقدة جداً وخطيرة» كاد يفقد حياته خلالها.

مثّل دخول المروحية على خط عملية الإنقاذ حدثاً استثنائياً وخلّف روايات متضاربة لدى الأسرى الثلاثة. يقول دولة إن «حالة السنوار كانت الأولى حسب تجربتي» بينما أشار منصور إلى أنه لا يتذكرها جيداً، فيما نفى طالب ذلك، موضحاً أن كل الإجراءات التي اتخذتها سلطات السجون حينذاك «كانت في الإطار العادي جداً».

يقول منصور إن الإسرائيليين حتى اليوم «يعيّرون» السنوار بعلاجه، مضيفاً أن مديرة مصلحة السجون ومديرة استخبارات السجون في حينها عبّرت في أكثر من مناسبة مؤخراً عن «عمق ندمها على إنقاذ حياة السنوار».

وعكس التعاطي الإسرائيلي مع مرض السنوار حالة من الإرباك الكبير لديها خلّفتها الخشية العميقة من أن يُلقي وضع السنوار الصحي بظلال ثقيلة على مسار صفقة شاليط في مراحلها الأخيرة. يلفت منصور إلى أن «لا أحد كان سيصدق في العالم أنهم لم يغتالوا السنوار أو يصفّوه وهو ما كان سيُلقي بانعكاسات كبيرة على الصفقة».

السنوار والبرغوثي وسعدات تحت سقف واحد

جمع سجن «هداريم» المركزي شمال إسرائيل السنوار بقيادات فلسطينية بارزة على رأسهم مروان البرغوثي وأحمد سعادات. بدأت العلاقة بين الثلاثة الكبار تتشكل داخل قسم العزل الجماعي هناك. «كان بينهم احترام كبير واستطاعوا أن يجدوا لغة مشتركة». يستذكر منصور: «هذا لا يجعلهم متطابقين في وجهات النظر لكن أتصور أن بينهم حالة ثقة واحترام تُمكّنهم من العمل معاً وتعطي تصوراً للعلاقة مستقبلاً».

عمل الثلاثة معاً، فخاضوا إضرابات داخل السجون وصاغوا مبادرات ورسائل للخارج أبرزها «ميثاق الأسرى للوفاق الوطني» ربيع عام 2006 الذي مثّل محاولة لرأب الصدع الواسع بين نقيضي المشهد السياسي الفلسطيني، حركتي «فتح» و«حماس».

عقب التوقيع على «وثيقة الوفاق»، يسرد دولة أنه نقل رسالة من سجن «هداريم» على لسان توفيق أبو نعيم، المقرب من السنوار، إلى سجن «بئر السبع»: «قال لي بالحرف: أبلغ عباس السيد والإخوة الذين شاركوا في التوقيع على (وثيقة الوفاق) أنهم سيندمون على اليوم الذي وقّعوا فيه عليها»، يستذكر دولة. خلّف ذلك انطباعاً لديه أن السنوار كان معارضاً للوثيقة. بيد أن منصور يرى أن أي موافقة من «حماس» داخل السجون «ما كانت لتتم دون مصادقة (أبو إبراهيم)».

يضيف منصور في قراءة سيناريوهات ما بعد الحرب، أن «إطلاق سراح الأسرى وبينهم مروان البرغوثي يأتي في سياق البحث عن شريك في (فتح) والمنظمة يكون السنوار قادراً على العمل معه».

«القسام» بعد 2011

بعد إطلاق سراحه من السجون بموجب صفقة التبادل عام 2011، مضى السنوار إلى تعزيز حضوره داخل صفوف حركته وتدعيم دوره داخل جناحيها لا سيما العسكري. عام 2012 انتُخب عضواً في المكتب السياسي للحركة وعلى الفور تولّى ملف التواصل مع الجناح العسكري. شرع السنوار خلال هذه المرحلة بلعب أدوار أوسع متكئاً على علاقته المتينة بالعسكريين وصولاً إلى انتخابات عام 2017 التي خرج منها على رأس المكتب السياسي للحركة في غزة مطيحاً بأسماء وازنة أبرزهم إسماعيل هنية. كان توجه السنوار فور خروجه من السجون إلى «أن يسيطر ويحكم وأن يكون الرقم (1) في صياغة الأمور في غزة»، كما يرى منصور.

خليل الحية وإسماعيل هنية ويحيى السنوار من حركة «حماس» خلال زيارة لمعبر رفح في 19 سبتمبر 2017 (رويترز)

ظل السنوار على رأس الحركة في غزة، وصولاً إلى استحقاق انتخابي جديد سبق السابع من أكتوبر بعامين. خرج منه مرة أخرى زعيماً لـ«حماس» في غزة. بدت المنافسة هذه المرة شرسة للغاية بين السنوار وشخصيات وازنة في الحركة. أعاد مسؤولو الانتخابات الداخلية التصويت «ثلاث أو أربع مرات» لضمان فوز السنوار. يقول منصور إن ذلك جاء تحضيراً لـ«لحظة 7 أكتوبر»، مضيفاً: «كان واضحاً أن لدى السنوار و(القسام) مخططاتهم».

لعب زعيم «حماس» أدواراً بارزة خلال هذه الفترة واهتمّ «بوتيرة غير مسبوقة في تاريخ الحركة» بتطوير العمل العسكري. يقول طالب: «الصوت الأعلى هو للعمل العسكري ومن دونه لكان السنوار شخصاً رمادياً مثل الآخرين».

طموح الرقم (1)

كثيرة هي المحطات في حياة السنوار التي يظهر فيها الرجل الطموح لاعباً بارزاً أو منفرداً يدير مجرياتها وتفاصيلها ويجني ثمارها نفوذاً وسلطة. يرى دولة أن السنوار «لا يقبل بأن يكون مرؤوساً. هو لا يقبل إلا أن يكون الرجل رقم (1) في الحركة. هو مصاب بالطموح حتى لا نقول الغرور، الذي كان يدفعه وهو داخل السجن لأن يكون دائماً الرجل الأول في الحركة».

خلال العقدين الماضيين، كثفت إسرائيل من ملاحقاتها واغتيالاتها لقادة «حماس» فأخرجت من المشهد قادة الصف الأول مما دفع بشخصيات جديدة في الحركة إلى الواجهة. يقول دولة: «لا يشعر السنوار بأن من حق أيٍّ من القادة الحاليين أن يكون رئيساً عليه، ولا يقبل بذلك أبداً».

مؤشرات مبكرة على «الطوفان»

يشير دولة إلى أن انطباعاً لطالماً أحاط بالسنوار أنه «لفعلٍ كبير»، عززته خطاباته والرسائل التي أطلقها أكثر من مرة للأسرى في السجون، موضحاً أن «صفقة شاليط تركت العديد من عناصر حركة (حماس) وقيادات (القسام) الأوائل بالسجون، ولذلك شعرت الحركة بأنها قصّرت». يقول دولة إن حالة من الانزعاج طالت أسرى «حماس» بعد الصفقة، ووجَّهوا رسائل ناقدة وغاضبة إلى القيادة، مشيراً: «ربما شعر السنوار بأن عليه التزاماً أخلاقياً تجاه تصحيح ما لم تتمكن صفقة شاليط من تنفيذه».

لوحة إعلانية في أحد شوارع القدس تحمل صورة يحيى السنوار وحسن نصر الله وكُتب عليها بالعبرية «من يستفيد من فُرقتنا؟ الوحدة الآن» (أ.ف.ب)

يستذكر طالب خطاب السنوار الأول بعد الإفراج أمام الجماهير في ساحة الكتيبة وسط غزة: «كنت حاضراً على المنصة حين قال: (اليوم نغزوهم ولا يغزوننا). رأى أن صفقة التبادل كسرة لإسرائيل ويمكن أن يَبني عليها كسرات أخرى».

يرى منصور أن عوامل عدة التقت لدى السنوار قبل «7 أكتوبر» ورجحت كفّة «الجانب العقائدي» في قراءته الصراع، «جرًب السنوار مصالحة مع السلّطة وفشلت، جرّب التوصل إلى صفقة تبادل للجنود مع إسرائيل وفشلت. جرب رفع الحصار، جرب كل الطرق لإيجاد مخرج لوضع غزة ويحرر الأسرى وفشل، فلم يبقَ أمامه سوى هذا الخيار». يستدرك منصور: «لو كان هناك خيارات أخرى، «7 أكتوبر» ما كان ليحصل».

إسرائيل و«رمز الحرب»

منذ بداية الحرب على غزة، أضحى السنوار عنواناً رئيسياً للحملة العسكرية على القطاع وصورة لشكل الانتصار الذي تطارده المؤسستان العسكرية والسياسية في إسرائيل. يرى منصور أن إسرائيل حوّلته «رمزاً» لهذه المواجهة، وحمَّلته المسؤولية الكاملة عمّا جرى، «إسرائيل بدأت تبحث عن صورة واسم يلصق في ذهن العالم ويصبح مثل هتلر وصدام والقذافي وتشاوشيسكو والديكتاتوريين في العالم. جاء ذلك محاولة لاختزال كل (حماس) وكل الذي يحدث وكل القضية الفلسطينية في شخص وشيطنته».

يرى منصور أن شكل نهاية الحرب في ذهن الإسرائيليين مرتبط بمصير السنوار، «هذا إمَّا بإخراجه؛ فيصبح إخراج السنوار كفرد أو مجموعة أشخاص كأنه فعلاً إخراج لـ(حماس) من غزة، أو اعتقاله، أو تصفيته، أو بقائه مطلوباً ومطارداً، ليكون ذلك مسوغاً للاستمرار في عمليات الملاحقة ويتحول مثل الأشخاص الذين يديرون حركة من داخل نفق»، مضيفاً: «لكن كلما أصبحت سيطرة إسرائيل على الأرض أكبر، أصبحت مهمة السنوار أصعب، وصار الذهاب إلى الخيارات الأخرى أقرب».

قادة «حماس» الذين جرت تصفيتهم... يحيى السنوار في مرمى النيران (تصوير: الشبكات العربية)

السنوار «البراغماتي»؟

يرى من عرفوا السنوار أنه أدار في بعض مراحل الأَسْر سياسة «براغماتية». يقول منصور: «ربما يُفاجأ البعض أنه شخص يعقد صفقات. عقَد صفقات في مراحل سابقة مع الإسرائيليين، وهو قادر على التوصل لحلول وسط ومساومات في مراحل معينة لكن ضمن توجهاته».

لكن بينما باتت إسرائيل تصف السنوار بالرجل «الحي الميّت» حتى قبل أن تتمكن من قتله، يرى منصور أن أي زعيم إسرائيلي الآن أو مستقبلاً لن يكون قادراً على التعايش مع بقاء السنوار في قطاع غزة، «حجم الحقد والتحريض والاتهامات والمسؤوليات التي أُلقيت عليه، والتعبئة التي قامت بها إسرائيل للشارع والإعلام وعلى مستوى العالم لا تُمكّن إسرائيل من الرجوع خطوة للوراء أو عقد صفقة معه تُبقيه في غزة في وضع طبيعي». مضيفاً: «لا يمكن لإسرائيل أن تسلّم ببقائه حياً».


مقالات ذات صلة

طواقم طبية: الغارات الإسرائيلية تقتل ستة في غزة

المشرق العربي امرأة تبكي خلال جنازة 6 فلسطينيين قُتلوا في غارات إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز) p-circle

طواقم طبية: الغارات الإسرائيلية تقتل ستة في غزة

كشف مسؤولون في قطاع الصحة أن غارات إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 6 أشخاص في ​قطاع غزة، الثلاثاء، في أحدث موجة من العنف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

كشفت مصادر فلسطينية أن مصر وقطر وتركيا شاركت في صياغة خطة «مجلس السلام» لنزع السلاح من غزة، بينما أقرت مصادر من «حماس» بوجود «تباين» مع الوسطاء بشأنها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز) p-circle

«الأونروا» تطالب بالتحقيق في مقتل 390 من موظفيها خلال حرب غزة

أكد فيليب لازاريني، مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أن مناقشات تدور حالياً لإجراء تحقيق أممي في مقتل عدد من موظفيها خلال حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب) p-circle

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
TT

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثي «أنصار الله» إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية وإحداث تغيير واسع شمل المناهج الدراسية وأسماء المدارس واعتماد أنشطة موجهة واستحداث نظم تعليمية خاصة، بحيث تحوّل التعليم ساحة صراع على الهوية وتشكيل للوعي، ومكاناً لاستقطاب الناشئة لتجنيدهم.

وبينما عمدت الجماعة إلى إهمال المدارس الحكومية ومحاربتها بكل ما أوتيت من قوة، شرعت في إنشاء نظام يعتمد على فكرة تحويل المدرسة أو المؤسسة التعليمية إلى معسكرات، واعتماد مؤسسات جديدة تحمل اسم «مدارس شهيد القرآن»، منظومةً بديلة.

سطو وتمدد

ترافق ذلك بالسطو على الكثير من أبنية المدارس الحكومية وتحويل أسمائها إلى الاسم الجديد، كمدرسة كمران في إب مثلاً التي تحولت إلى مدرسة «شهيد القرآن»، إلى جانب استبدال بأسماء مدارس أخرى أسماء قيادات ورموز مرتبطة بالجماعة، في خطوة عدّها تربويون محاولة لإحلال هوية تعليمية جديدة محل التعليم الرسمي.

ولم يقتصر الأمر على المدارس الحكومية، بل امتد أيضاً إلى عدد من المساجد المهمة كالجامع الكبير في ذمار وما يعرف بالمدرسة الشمسية، وكذلك جامع الفردوس في حي سعوان بالعاصمة صنعاء، وغيرها من الجوامع التي تحولت إلى مراكز حوثية تحت الاسم نفسه: «مدرسة شهيد القرآن».

تلاميذ في باحة مدرسة مدمرة في صنعاء وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن أكثر من مليوني طفل يمني وأكثر من 170 ألف أستاذ باتوا خارج التعليم (غيتي)

في ظرف ثلاث سنوات فقط، أصبحت هناك وفرة من المدارس تحت هذا العنوان على امتداد المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرة الجماعة. تلك المدارس هي من الانتشار والتوسع بحيث لم تعد مقتصرة على المدن وعواصم المحافظات فحسب، خصوصاً أنها تعتمد مشروعاً تعبوياً مغلقاً. فيعيش الطلاب في بيئة داخلية توفر لهم السكن والمعيشة والمستلزمات، وفي الوقت نفسه تغرس فيهم هوية فكرية مرتبطة بالجماعة، وهو ما يتجلى في انتقاء هذا المصطلح «شهيد القرآن» المرتبط بمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.

من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة

في 3 مارس (آذار) 2024، أعلنت سلطات الحوثيين عن تخرج ثلاثة آلاف طالب من شبكة مدارس «شهيد القرآن» الداخلية.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى عادياً، لكن إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن هذا العدد (ثلاثة آلاف طالب) هو نتاج سنتين فقط من العمل المغلق للجماعة داخل تلك المدارس، فإنه سيبدو كبيراً جداً مقارنة بالمدة الوجيزة التي لا تتعدى ثلاث سنوات من مشروع تأسيس المدارس الذي بدأت ملامحه تتضح في عام 2022.

وتتحدث وسائل إعلام الجماعة عن أن تأسيس هذه المدارس بدأ عام 2022، بمدرسة واحدة في العاصمة، ثم مدرسة في كل محافظة، قبل أن تنتشر بوقت قياسي خصوصاً في العاصمة صنعاء.

وبحسب بعض المعطيات، فإن التجربة استلهمت من «حزب الله» اللبناني ومنظومته التعليمية في لبنان، وإن كانت جماعة الحوثي لا ينقصها هذه الأفكار لتأسيس مدارسها الخاصة كسلطة مطلقة تعمل على عقول الناشئة. ويمكن العثور في خطابات مؤسسها حسين الحوثي على أفكار تتضمن مشروعاً تعليمياً، كما أن تصريحات عدد من مسؤولي الجماعة تؤكد أن هذه المدارس «تُعد جزءاً من مشروع الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وتهدف إلى تخريج أجيال واعية بالقرآن وقادرة على مواجهة التحديات الثقافية».

هياكل إدارية غير معلنة

اتخذت الجماعة الاسم الرسمي لمدارسها (مدارس شهيد القرآن الثانوية للعلوم الشرعية)، دون الإفصاح عن المزيد من المعلومات حول قرار الإنشاء والجهة الناظمة. ورغم الغموض المتعمد في عدم ذكر أي تفاصيل، يمكن للمتابع أن يستشف قدراً لا بأس به من المعلومات المغلوطة التي تمنح تصوراً واضحاً عن تلك المنشآت.

فعلى سبيل المثال، يشير أحد الإعلانات الذي ورد في صفحة الإدارة التعليمية لمديرية السبعين على «فيسبوك» عن «قرار جمهوري» بإنشاء تلك المدارس. ولكن عند مقاطعة المعلومة مع مصادر أخرى وما إذا كان هناك قرار جمهوري فعلاً، يتبين أن لا معلومات دقيقة.

أيضاً هناك أخبار أن لهذه المدارس مجالس إدارة، وورد ذلك في الخبر الذي تداولته وسائل إعلام الجماعة عن تدشين مدارس شهيد القرآن بمحافظة حجة من قبل وزير التربية والتعليم حينها يحيى بدر الدين الحوثي وعضو مجلس إدارة مدارس شهيد القرآن ثائر الرازحي.

طفل يمني يعبر الشارع قرب آلية عسكرية (إ.ب.أ)

وبالمثل يمكن العثور على معلومات تتعلق بتلك المدارس في الإعلان الذي أوردته ثانوية العلوم الشرعية التابعة لجامعة دار العلوم الشرعية عن فتح باب التسجيل لطلاب المرحلة الأساسية. فثانوية العلوم الشرعية هذه هي نفسها مدرسة شهيد القرآن.

أيضاً هناك «الإدارة العامة للمدارس الثانوية للعلوم الشرعية»، التي يبدو أنها إدارة مستجدة في وزارة التربية ويديرها القيادي في الجماعة محمد الطوقي ولها علاقة بتلك المدارس، حيث ستكون هذه الإدارة حاضرة في عدد من الفعاليات الخاصة بمدارس شهيد القرآن. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنها فعلاً تتبع تلك الإدارة، حيث قد يبدو الأمر شكلياً هنا وهناك.

وفوق كل ذلك يأتي اسم «التعبئة العامة»، وهي جهاز استحدثته الجماعة، وظيفته الأساسية تعبئة المجتمع واستقطاب الشباب والموظفين، وتنظيم دورات عسكرية وآيديولوجية، ويتبع مباشرة قيادة الجماعة، ويعمل بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والجهات الدينية. هذا الجهاز حاضر بقوة أيضاً في المدارس، حيث عادة ما تتم الإشارة إلى حضور مسؤول التعبئة في هذه الفعالية أو ذلك التدشين. وذلك نمط معتمد لدى كل من «حزب الله» اللبناني والفصائل الموالية لإيران في العراق كما أنه نموذج عملت عليه إيران نفسها داخلياً لسنوات طويلة.

لا رقابة رسمية

يقول أحد أعضاء الهيئة التدريسية، ويعمل في إحدى مديريات محافظة صنعاء، وتحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إن مدارس شهيد القرآن لا تخضع لأي رقابة تربوية أو إشراف مؤسسي رسمي، كما لا تُنشر مناهجها أو برامجها التعليمية للعلن، ما يجعل طبيعة المحتوى محاطة بالغموض وغير قابلة للتقييم.

وبحسبه، فإن إدارة هذه المدارس مرتبطة بمكاتب أنصار الله الثقافية والتربوية، وليست خاضعة للرقابة التعليمية التقليدية.

كذلك تتلقى مدارس «شهيد القرآن» دعماً مباشراً من جماعة الحوثيين «أنصار الله» عبر مكاتبها الثقافية والتربوية. أما المصادر المحتملة لذلك الدعم فهو موارد الجماعة (جبايات، دعم داخلي)، ومساهمات إجبارية من شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بها.

وبينما لا توجد بيانات شفافة عن حجم التمويل أو مصادره، يشير الخطاب الإعلامي إلى أن تمويل هذه المدارس يأتي من صندوق الزكاة ومن الهيئة العامة للتعبئة، ما يعكس طبيعة ارتباطها المباشر بالمؤسسات العقائدية والمالية للجماعة.

طفلان يبيعان الحلوى خلال تظاهرة مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

شروط القبول والاستقطاب

مع بداية كل عام دراسي، وتحديداً من بداية السنة الهجرية التي اعتمدتها الجماعة موسماً دراسياً ضاربة عرض الحائط بشيء اسمه الموسم الدراسي الشتوي المعتمد عالمياً، يتم الإعلان عن فتح باب الالتحاق للطلاب الذين أنهوا المرحلة الأساسية، بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، وأن يجتازوا مقابلات شخصية واختبارات قبول دقيقة تتضمن معايير تتعلق بالالتزام العقائدي، والاستعداد للتفرغ الكامل لعامين كاملين دون انقطاع.

وتعدّ المميزات المعروضة للطلاب إحدى أهم أدوات الاستقطاب: تكفّل كامل بالمعيشة، سكن داخلي، وجبات، ملابس، رسوم دراسية مجانية، إلى جانب برامج وأنشطة يومية مكثفة تُعرّف بأنها «عقائدية وإيمانية». وتضم مرافق سكن طلابي متكامل، مطابخ، فصولاً دراسية، جامعاً، وقاعات مخصّصة للمحاضرات والبرامج الدينية المكثّفة.

في الوقت الحالي تعمل مدارس «شهيد القرآن» أساساً على مستوى التعليم الثانوي (ثلاث سنوات)، وليس على مرحلتي الابتدائي أو الإعدادي، لكنها مشروع يتوسع تدريجياً وقد أعلنت الجماعة نيتها أن يشمل لاحقاً مراحل دراسية أخرى.

ويمنح الطلاب المتخرجون في تلك المدارس شهادات اعتراف مباشر من «الأكاديمية العليا للقرآن الكريم وعلومه» (وهي مؤسسة تابعة أيضاً للجماعة) ويمكن أن يلتحقوا في تخصّصات تشمل: الإعلام، الإدارة، الدراسات الإسلامية، الشريعة والقانون، إضافة إلى قبول خريجيها في الجامعات الحكومية والأهلية، وفي الكليات العسكرية والأمنية التابعة للجماعة.

أطفال يمنيون في صنعاء (غيتي)

برنامج صارم وترغيب للأساتذة

على الرغم من غياب المعلومات التفصيلية وعدم وجود برنامج مُعلن يوضح آلية التعليم داخل مدارس شهيد القرآن، فإن تصريحات مديري بعض الفروع تكشف ملامح يومٍ دراسي مُنهك يمتد من ساعات الفجر الأولى وحتى المساء.

يقول أحمد الكرشمي، المشرف الثقافي في مدرسة شهيد القرآن في بني الحارث – صنعاء، إن اليوم يبدأ عند الساعة الرابعة فجراً، حيث يتجمع الطلاب لأداء طقوس الاستغفار وصلاة الفجر جماعة، ثم يجلسون في حلقات لقراءة القرآن الكريم حتى السادسة صباحاً. بعدها يتناولون الإفطار ويصطفّون لحضور الإذاعة المدرسية قبل بدء الحصص الدراسية الروتينية حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً.

وبعد فترة راحة قصيرة حتى الثالثة عصراً، يبدأ البرنامج العقائدي المكثّف الذي يشمل دراسة «الملزمة الأسبوعية» لملازم حسين بدر الدين الحوثي، وحضور المحاضرات الدينية اليومية، إضافة إلى مشاهدة أفلام وبرامج وثائقية تُنتجها الجماعة كجزء من عملية «التثقيف الإيماني» المستمر. ويمتد هذا الإيقاع الصارم لسنتين كاملتين داخل بيئة مغلقة ومعزولة عن الأسر، باستثناء الإجازات الطويلة، في إطار منظومة تعليمية تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الطلاب وترسيخ الولاء العقائدي.

لا يتوقف الاستقطاب عند الطلاب؛ ففي وقت يفقد فيه المعلمون الحكوميون رواتبهم وفرص عملهم، يلجأ العديد منهم إلى العمل في مدارس شهيد القرآن بعدّها الجهة الوحيدة التي تلتزم بصرف الرواتب. وبعد قبولهم، يخضع المعلمون لبرامج تثقيفية عقائدية تشمل دورات في «التنشئة التعبوية» لضمان توافقهم مع توجهات الجماعة قبل السماح لهم بالتدريس.

أنشطة وبرامج غير صفية

تكشف الأنشطة التي تُنفَّذ داخل مدارس شهيد القرآن عن منظومة تعبئة طقسية ورمزية متكاملة، تتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى بناء ارتباط مباشر بين الطلاب وقيادات الجماعة ورموزها العقائدية. إذ تُنظّم المدارس رحلات دورية لزيارة قبر حسين بدر الدين الحوثي في مران، وضريح صالح الصماد في الحديدة، ومواقع أخرى مرتبطة بقيادات قُتلت في الحرب، وتُقدَّم هذه الزيارات للطلاب بوصفها «محطات إيمانية» تُعزز الولاء وتربطهم بتاريخ الجماعة.

كما تحيي المدارس سنوياً مناسبات عقائدية مثل «يوم الشهيد» وذكرى مقتل حسين بدر الدين الحوثي، عبر فعاليات خطابية ومسيرات وعروض مسرحية يجسّد فيها الطلاب مشاهد قتالية باستخدام أسلحة غير حقيقية، في محاكاة درامية لمعركة الجماعة، وبهدف ترسيخ فكرة «الجهاد» والولاية في وعي الطلاب.

بحسب مدير مدرسة «شهيد القرآن» في أمانة العاصمة عبد الله سمينة، فَإنَّ «هذه المدرسة تطبق نموذجَ المدرسة الداخلية؛ وإلى جانب تعليمِها للمواد الدراسية المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية تهتم أَيْـضاً بجوانبِ التنمية الروحية والإيمَـانية للطلاب».

ويقول أحد المعلمين السابقين الذين خرجوا من المدرسة، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الأنشطة في المدارس ليست عشوائية، بل جزء من برنامج تعبوي متكامل.

وقال: «يتدرب الطلاب على الخطابة، والظهور أمام الكاميرا، ويشاركون في تمثيل مشاهد قتالية، ويخضعون لأنشطة أمنية مثل لعبة (كشف الجاسوس)... كل شيء في المدرسة كان يهدف لتشكيل الولاء قبل التعليم».

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

من الفصل إلى العرض العسكري

للتدريبات العسكرية حصة وازنة إذ يتم من خلالها تعريف الطلاب على أنواع الأسلحة، كما يحدث أن تنظم مدرسة ما عرضاً عسكرياً لطلابها، كما فعلت مدرسة شهيد القرآن للعلوم الشرعية بمحافظة ريمة بتاريخ 12 فبراير (شباط) 2025.

وتمتد التعبئة إلى الفضاء البصري للمدرسة نفسها، حيث تمتلئ الفصول والساحات بصور قيادات الجماعة وشعاراتها وعبارات طائفية مرتبطة بالهوية الإيمانية، ما يجعل الطالب محاطاً بشكل دائم بالرموز والرسائل التي تسعى الجماعة إلى غرسها في وعيه. ويشير المعلم ذاته إلى أن «المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل مكان لتشكيل الطالب فكرياً وروحياً».

طلاب ينسحبون تحت الضغط

صادق (اسم مستعار)، أحد طلاب تلك المدارس في محافظة صنعاء، اضطر لترك الدراسة بطلب من والده المغترب بعد معرفته بأن التعليم في منطقته أصبح «عقائدياً بالكامل». تحدّث إلينا صادق عبر تسجيلات خاصة عن بعض ما يجري داخل مدرسته، موضحاً أن اليوم الدراسي لم يعد قائماً على ست حصص كما يفترض، بل لا تُدرّس سوى ثلاث حصص، بينما تُخصَّص الساعات المتبقية لبرامج تتضمن «محاضرات تثقيفية» داخل مسجد مستحدث في المدرسة، تستمر بين ساعة وثلاث ساعات يومياً.

يقول صادق: «بعد المحاضرة يسألنا المشرف عن مضمونها، وإذا لم يعرف أحد الطلاب الإجابة يضربه ضرباً شديداً... كثير من الطلاب توقفوا عن الحضور».

ويضيف أن أغلب الدروس التي تُقدّم للطلاب تتمحور حول «الهوية الإيمانية، الصبر، الجهاد، الولاية»، مؤكداً وجود تسرّب كبير للطلاب بسبب الضغط النفسي والبرامج المفروضة.

تظاهرة شبيبة تابعة للحوثيين تأييداً لإيران وحزب الله في العاصمة صنعاء (أ ف ب)

أجيال برؤى متناقضة

وجود هذه المدارس يخلق ازدواجية بين التعليم الرسمي (المعترف به وطنياً ودولياً) والتعليم الموازي، ما يضع الطلاب في موقع هش إذا تغيرت الظروف السياسية.

ينقل الإعلام الرسمي التابع للجماعة تصريحات ملقنة لطلاب منخرطين في تلك المدارس، وهي تصريحات تكشف مدى التعبئة التي تجعل من المدارس الأخرى متهمة في نظرهم بأنها لا تقدم علماً ولا وعياً حقيقيين. هذه التعبئة مقصودة وتأتي في سياق القضاء تماماً على التعليم الرسمي.

كأن يقول أحدهم مثلاً إن «المدارس الأخرى تبني جيلاً غير متماسك وغير واعٍ ومعرض للخطر والاستهداف».

هذا التكوين العقائدي يجعل الطلاب الخريجين أقرب إلى كوادر آيديولوجية، لا مجرد طلاب علم، وهو ما يثير جدلاً حول مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وهو ثمن طويل الأمد سيترتب على اليمن كله.

فالتعليم الذي يفترض أن يكون فضاءً للتفكير والنقد وبناء المستقبل، جرى اختزاله بمنصة تعبئة، تُقصي الآخر وتعيد هندسة وعي الأجيال على مقاس مشروع عقائدي، ستكون كلفته باهظة على البلد ومستقبله.


«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.